إحياء علوم الدين/كتاب أسرار الصلاة ومهماتها/الباب الثالث



الباب الثالث

في الشروط الباطنة من أعمال القلب


ولنذكر في هذا الباب ارتباط الصلاة بالخشوع وحضور القلب. ثم نذكر المعاني الباطنة وحدودها وأسبابها وعلاجها. ثم لنذكر تفصيل ما ينبغي أن يحضر في كل ركن من أركان الصلاة لتكون صالحة لزاد الآخرة.

بيان اشتراط الخشوع وحضور القلب

اعلم أن أدلة ذلك كثيرة فمن ذلك قوله تعالى "أقم الصلاة لذكري" وظاهر الأمر الوجوب، والغفلة عن تضاد الذكر فمن غفل في جميع صلاته كيف يكون مقيماً للصلاة لذكره? وقوله تعالى "ولا تكن من الغافلين" نهي وظاهره التحريم وقوله عز وجل "حتى تعلموا ما تقولون" تعليل لنهي السكران وهو مطرد في الغافل المستغرق الهم بالوسواس وأفكار الدنيا وقوله "إنما الصلاة تمسكن وتواضع" حصر بالألف واللام وكلمة "إنما" للتحقيق والتوكيد، وقد فهم الفقهاء من قوله عليه السلام "إنما الشفعة فيما لم يقصر" الحصر والإثبات والنفي، وقوله "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً" وصلاة الغافل لا تمنع من الفحشاء والمنكر، وقال "ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها" والتحقيق فيه أن المصلي مناج ربه عز وجل" كما ورد به الخبر والكلام مع الغفلة ليس بمناجاة ألبتة، وبيانه أن الزكاة إن غفل الإنسان عنها مثلاً فهي في نفسها مخالفة للشهوة شديدة على النفس، وكذا الصوم قاهر للقوى كاسر لسطوة الهوى الذي هو آلة للشيطان عدو الله، فلا يبعد أن يحصل منها مقصود مع الغفلة، وكذلك الحج أفعاله شاقة شديدة وفيه من المجاهدة ما يحصل به الإيلام كان القلب حاضراً مع أفعاله أو لم يكن? أما الصلاة فليس فيها إلا ذكر وقراءة وركوع وسجود وقيام وقعود، فأما الذكر فإنه مجاورة ومناجاة مع الله عز وجل فأما أن يكون المقصود مه كونه خطاباً ومحاورة أو المقصود منه الحروف والأصوات إمتحاناً للسان بالعلم كما تمتحن المعدة والفرج بالإمساك في الصوم، وكما يمتحن البدن بمشاق الحج، ويمتحن بمشقة إخراج الزكاة واقتطاع المال المعشوق. ولاشك أن هذا القسم باطل فإن تحريك اللسان بالهذيان ما أخفه على الغافل فليس فيه امتحان من حيث أنه عمل بل المقصود الحروف من حيث أنه نطق، ولا يكون نطقاً إلا إذا أعرب عما في الضمير ولا يكون معرباً إلا بحضور القلب، فأي سؤال في قوله "إهدنا الصراط المستقيم" إذا كان القلب غافلاً? وإذا لم يقصد كونه تضرعاً ودعاء فأي مشقة في تحريك اللسان به مع الغفلة لاسيما بعد الاعتياد? هذا حكم الأذكار بل أقول لو حلف الإنسان وقال: لأشكرن فلاناً وأثنى عليه وأسأله حاجة؛ ثم جرت الألفاظ الدالة على هذه المعاني على لسانه في النوم لم يبر في يمينه، ولو جرت على لسانه في ظلمة وذلك الإنسان حاضر وهو لا يعرف حضوره ولا يراه لا يصير باراً في يمينه إذ لا يكون كلامه خطاباً ونطقاً معه ما لم يكن هو حاضراً في قلبه، فلو كانت تجري هذه الكلمات على لسانه وهو حاضر إلا أنه في بياض النهار غافل لكونه مستغرق الهم بفكر من الأفكار ولم يكن له قصد توجيه الخطاب إليه عند نطقه لم يصر باراً في يمينه. ولاشك أن المقصود من القراءة والأذكار الحمد والثناء والتضرع والدعاء، والمخاطب هو الله عز وجل وقلبه بحجاب الغفلة محجوب عنه فلا يراه ولا يشاهده بل هو غافل عن المخاطب ولسانه يتحرك بحكم العادة فما أبعد هذا عن المقصود بالصلاة التي شرعت لتصقيل القلب وتجديد ذكر الله عز وجل ورسوخ عقد الإيمان به! هذا حكم القراءة والذكر. وبالجملة فهذه الخاصية لا سبيل إلى إنكارها في النطق وتمييزها عن الفعل. وأما الركوع والسجود فالمقصود بهما التعظيم قطعاً ولو جاز أن يكون معظماً لله عز وجل بفعله وهو غافل عنه لجاز أن يكون معظماً لصنم موضوع بين يديه وهو غافل عنه، أو يكون معظماً للحائط الذي بين يديه وهو غافل عنه، وإذا خرج عن كونه تعظيماً لم يبق إلا مجرد حركة الظهر والرأس وليس فيه من المشقة ما يقصد الامتحان به، ثم يجعله عماد الدين والفاصل بين الكفر والإسلام ويقدم على الحج وسائر العبادات ويجب القتل بسبب تركه على الخصوص، وما أرى أن هذه العظمة كلها للصلاة من حيث أعمالها الظاهرة إلا أن يضاف إليها مقصود المناجاة فإن ذلك يتقدم على الصوم والزكاة والحج وغيره بل الضحايا والقرابين التي هي مجاهدة للنفس بتنقيص المال قال الله تعالى "لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم" أي الصفة التي استولت على القلب حتى حملته على امتثال الأوامر هي المطلوبة فكيف الأمر في الصلاة ولا أرب في أفعالها? فهذا ما يدل من حيث المعنى على اشتراط حضور القلب. فإن قلت: إن حكمت ببطلان الصلاة وجعلت حضور القلب شرطاً في صحتها خالفت إجماع الفقهاء فإنهم لم يشترطوا إلا حضور القلب عند التكبير? فاعلم أنه قد تقدم في كتاب العلم: أن الفقهاء لا يتصرفون في الباطن ولا يشقون عن القلوب ولا في طريق الآخرة بل يبنون أحكام الدين على ظاهر أعمال الجوارح؛ وظاهر الأعمال كاف لسقوط القتل وتعزير السلطان؛ فأما أنه ينفع في الآخرة فليس هذا من حدود الفقه على أنه لا يمكن أن يدعى الإجماع. فقد نقل عن بشر بن الحارث فيما رواه عنه أبو طالب المكي عن سفيان الثوري أنه قال: من لم يخشع فسدت صلاته وروي عن الحسن أنه قال: كل صلاة لا يحضر فيها القلب فهي إلى العقوبة أسرع. وع معاذ بن جبل: من عرف من على يمينه وشماله متعمداً وهو في الصلاة فلا صلاة له. وروي أيضاً مسنداً قال رسول الله "إن العبد لصلي الصلاة لا يكتب له سدسها ولا عشرها وإنما يكتب للعبد من صلاته ما عقل منها" وهذا لو نقل عن غيره لجعل مذهباً فكيف لا يتمسك به? وقال عبد الواحد بن زيد: أجمعت العلماء على أنه ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها، فجعله إجماعاً، وما نقل من هذا الجنس عن الفقهاء المتورعين وعن علماء الآخرة أكثر من أن يحصى. والحق الرجوع إلى أدلة الشرع والأخبار، والآثار ظاهرة في هذا الشرط إلا أن مقام الفتوى في التكليف الظاهر يتقدر بقدر قصور الخلق. فلا يمكن أن يشترط على الناس إحضار القلب في جميع الصلاة فإن ذلك يعجز عنه كل البشر إلا الأقلين وإذا لم يمكن اشتراط الاستيعاب للضرورة فلا مرد له إلا أن يشترط منه ما يطلق عليه الاسم ولو في اللحظة الواحدة، وأولى اللحظات به لحظة التكبير فاقتصرنا على التكليف بذلك. ونحن مع ذلك نرجو أن لا يكون حال الغافل في جميع صلاته مثل حال التارك بالكلية. فإنه على الجملة أقدم على العمل ظاهراً وأحضر القلب لحظة. وكيف لا والذي صلى مع الحدث ناسياً صلاته باطلة عند الله تعالى ولكن له أجر ما بحسب فعله وعلى قدر قصوره وعذره، ومع هذا الرجاء فيخشى أن يكون حاله أشد من حال التارك وكيف لا والذي يحضر الخدمة ويتهاون بالحضرة ويتكلم بكلام الغافل المستحقر أشد حالاً من الذي يعرض عن الخدمة? وإذا تعارض أسباب الخوف والرجاء وصار الأمر محظراً في نفسه فإليك الخيرة بعده في الاحتياط والتساهل. ومع هذا فلا مطمع في مخالفة الفقهاء فيما أفتوا به من الصحة مع الغفلة فإن ذلك من ضرورة الفتوى - كما سبق التنبيه عليه - ومن عرف سر الصلاة علم أن الغفلة تضادها. ولكن قد ذكرنا في باب الفرق بين العلم الباطن والظاهر في كتاب قواعد العقائد أن قصور الخلق أحد الأسباب المانعة عن التصريح بكل ما ينكشف من أسرار الشرع. فلنقتصر على هذا القدر من البحث فإن فيه مقنعاً للمريد الطالب لطريق الآخرة. وأما المجادل المشغب فلسنا نقصد مخاطبته الآن وحاصل الكلام أن حضور القلب هو روح الصلاة وأن أقل ما يبقى به رمق الروح الحضور عند التكبير. فالنقصان منه هلاك وبقدر الزيادة عليه تنبسط الروح في أجزاء الصلاة. وكم من حي لا حراك به قريب من ميت? فصلاة الغافل في جميعها إلا عند التكبير كمثل حي لا حراك به نسأل الله حسن العون

بيان المعاني الباطنة التي تتم بها حياة الصلاة

إعلم أن هذه المعاني تكثر العبارات عنها ولكن يجمعها ست جمل وهي: حضور القلب والتفهم والتعظيم والهيبة والرجاء والحياء. فلنذكر تفاصيلها ثم أسبابها ثم العلاج في اكتسابها. أما التفاصيل : فالأول، حضور القلب ونعني به أن يفرغ القلب عن غير ما هو ملابس له ومتكلم به، فيكون العلم بالفعل والقول مقروناً بهما، ولا يكون الفكر جائلاً في غيرهما، ومهما انصرف في الفكر عن غير ما هو فيه وكان في قلبه ذكر لما هو فيه ولم يكن فيه غفلة عن كل شيء فقد حصل حضور القلب ولكن التفهم لمعنى الكلام أمر وراء حضور القلب، فربما يكون القلب حاضراً مع اللفظ ولا يكون حاضراً مع معنى اللفظ؛ فاشتمال القلب على العم بمعنى اللفظ هو الذي أردناه بالتفهم. وهذا مقام يتفاوت الناس فيه إذ ليس يشترك الناس في تفهم المعاني للقرآن والتسبيحات.. وكم من معان لطيفة يفهمها المصلي في أثناء الصلاة ولم يكن قد خطر بقلبه ذلك قبله? ومن هذا الوجه كانت الصلاة ناهية عن الفحشاء والمنكر، فإنها تفهم أموراً؛ تلك الأمور تمنع عن الفحشاء لا محالة. وأما التعظيم فهو أمر وراء حضور القلب والفهم إذ الرجل يخاطب عبده بكلام هو حاضر القلب فيه ومتفهم لمعناه ولا يكون معظماً له فالتعظيم زائد عليهما. وأما الهيبة فزائدة على التعظيم بل هي عبارة عن خوف منشؤه التعظيم لأن من لا يخاف لا يسمى هائباً، والمخافة من العقرب وسوء خلق العبد وما يجري مجراه من الأسباب الخسيسة لا تسمى مهابة، بل الخوف من السلطان المعظم يسمى مهابة، والهيبة وف مصدرها الإجلال. وأما الرجا فلا شك أنه زائد فكم من معظم ملكاً من الملوك يهابه أو يخاف سطوته ولكن لا يرجو مثوبته. والعبد ينبغي أن يكون راجياً بصلاته ثواب الله عز وجل كما أنه خائف بتقصيره عقاب الله عز وجل، وأما الحياء فهو زئد على الجملة لأن مستنده استشعار تقصير وتوهم ذنب ويتصور التعظيم والخوف والرجاء من غير حياء حيث لا يكون توهم تقصير وارتكاب ذنب. وأما أسباب هذه المعاني الستة فاعلم أن حضور القلب سببه الهمة فإن قلبك تابع همتك فلا يحضر إلا فيما يهمك. ومهما أهمك أمر حضر القلب فيه شاء أم أبى فهو مجبول على ذلك ومسخر فيه. والقلب إذا لم يحضر في الصلاة لم يكن متعطلاً بل جائلاً فيما الهمة مصروفة إليه من أمور الدنيا، فلا حيلة ولا علاج لإحضار القلب إلا بصرف الهمة إلى الصلاة، والهمة لا تنصرف إليها ما لم يتبين أن الغرض المطلوب منوط بها وذلك هو الإيمان والتصديق بأن الآخرة خير وأبقى وأن الصلاة وسيلة إليها، فإذا أضيف هذا إلى حقيقة العلم بحقارة الدنيا ومهماتها حصل من مجموعها حضور القلب في الصلاة، وبمثل هذه العلة يحضر قلبك إذا حضرت بين يدي بعض الأكابر ممن لا يقدر على مضرتك ومنفعتك، فإذا كان لا يحضر عند المناجاة مع ملك الملوك الذي بيده الملك والملكوت والنفع والضر فلا تظنن أن له سبباً سوى ضعف الإيمان فاجتهد الآن في تقوية الإيمان - وطريقه يستقصى في غير هذا الموضع - وأما التفهم فسبب بعد حضور القلب إدمان الفكر وصرف الذهن إلى إدراك المعنى وعلاجه ما هو علاج إحضار القلب مع الإقبال على الفكر والتشمر لدفع الخواطر. وعلاج دفع الخواطر الشاغلة قطع موادها أعني النزوع عن تلك الأسباب التي تنجذب الخواطر إليها، وما لم تنقطع تلك المواد لا تنصرف عنها الخواطر فمن أحب شيئاً أكثر من ذكره فذكر المحبوب يهجم على القلب بالضرورة، لذلك ترى أن من أحب غير الله لا تصفو له صلاة عن الخواطر. وأما التعظيم فهي حالة للقلب تتولد من معرفتين، إحداهما: معرفة جلال الله عز وجل وعظمته وهو من أصول الإيمان فإن من لا يعتقد عظمته لا تذعن النفس لتعظيمه. الثانية، معرفة حقارة النفس وخستها وكوها عبداً مسخراً مربوباً حتى يتولد من المعرفتين الاستكانة والانكسار والخشوع لله سبحانه فيعبر عنه بالتعظيم، وما لم تمتزج معرفة حقارة النفس بمعرفة جلال الله لا تنتظم حالة التعظيم والخشوع فإن المستغني عن غيره الآمن على نفسه يجوز أن يعرف من غيره صفات العظمة ولا يكون الخشوع والتعظيم حاله لأن القرينة الأخرى وهي معرفة حقارة النفس وحاجتها لم تقترن إليه، وأما الهيبة والخوف فحالة للنفس تتولد من المعرفة بقدرة الله وسطوته ونفوذ مشيئته فيه مع قلة المبالاة به، وأنه لو أهلك الأولين والآخرين لم ينقص من ملكه ذرة هذا مع مطالعة ما يجري على الأنبياء والأولياء من المصائب وأنواع البلاء مع القدرة على الدفع على خلاف ما يشاهد من ملوك الأرض. وبالجملة كلما زاد العلم بالله زادت الخشية والهيبة - وسيأتي أسباب ذلك في كتاب الخوف من ربع المنجيات - وأما الرجاء فسببه معرفة لطف الله عز وجل وكرمه وعميم إنعامه ولطائف صنعه ومعرفة صدقه في وعده الجنة بالصلاة، فإذا حصل اليقين بوعده والمعرفة بلطفه انبعث من مجموعهما الرجاء لا محالة: وأما الحياء فباستشعاره التقصير في العبادة وعلمه بالعجز عن القيام بعظيم حق الله عز وجل ويقوى ذلك بالمعرفة بعيوب النفس وآفاتها وقلة إخلاصها وخبث دخلتها وميلها إلى الحظ العاجل في جميع أفعالها مع العلم بعظيم ما يقتضيه جلال الله عز وجل والعلم بأنه مطلع على السر وخطرات القلب وإن دقت وخفيت، وهذه المعارف إذا حصلت يقيناً انبعث منها بالضرورة حالة تسمى الحياء فهذه أسباب هذه الصفات وكل ما طلب تحصيله فعلاجه إحضار سببه ففي معرفة السبب معرفة العلاج. ورابطة جميع هذه الأسباب الإيمان. واليقين أعني به هذه المعارف التي ذكرناها ومعنى كونها يقيناً انتفاء الشك واستيلاؤها على القلب، كما سبق في بيان اليقين من كتاب العلم - وبقدر اليقين يخشع القلب ولذلك قالت عائشة ا "كان رسول الله يحدثنا ونحدثه فإذا حضرت الصلاة كأنه لم يعرفنا ولم نعرفه" وقد روي أن الله سبحانه أوحى إلى موسى عليه السلام "يا موسى إذا ذكرتني فاذكرني وأنت تنتفض أعضاؤك وكن عند ذكري خاشعاً مطمئناً وإذا ذكرتني فاجعل لسانك من وراء قلبك وإذا قمت بين يدي فقم قيام العبد الذليل وناجني بقلب وجل ولسان صادق" وروي أن الله تعالى أوحى إليه "قل لعصاة أمتك لا يذكروني فإني آليت على نفسي أن من ذكرني ذكرته فإذا ذكروني ذكرتهم باللعنة" هذا في عاص غير غافل في ذكره فكيف إذا اجتمعت الغفلة والعصيان? وباختلاف المعاني التي ذكرناها في القلوب انقسم الناس إلى غافل يتمم صلاته ولم يحضر قلبه في لحظة منها. وإلى من يتمم ولم يغب قلبه في لحظة بل ربما كان مستوعب الهم بها بحيث لا يحس بما يجري بين يديه. ولذلك لم يحس مسلم بن يسار بسقوط الاسطوانة في المسجد اجتمع الناس عليها. وبعضهم كان يحضر الجماعة مدة ولم يعرف قط من على يمينه ويساره. ووجيب قلب إبراهيم صلوات الله عليه وسلامه كان يسمع على ميلين. وجماعة كانت تصفر وجوههم وترتعد فرائصهم. وكل ذلك غير مستبعد فإن أضعافه مشاهد في همم أهل الدنيا وخوف ملوك الدنيا مع عجزهم وضعفهم وخساسة الحظوظ الحاصلة منهم حتى يدخل الواحد على ملك أو وزير ويحدثه بمهمته ثم يخرج، ولو سئل عمن حواليه أو عن ثوب الملك لكان لا يقدر على الإخبار عنه لاشتغال همه به عن ثوبه وعن الحاضرين حواليه "ولكل درجات مما عملوا" فحظ كل واحد من صلاته بقدر خوفه وخشوعه وتعظيمه فإن موقع نظر الله سبحانه القلوب دون ظاهر الحركات. ولذلك قال بعض الصحابة رضي الله عنهم: يحشر الناس يوم القيامة على مثال هيئتهم في الصلاة من الطمأنينة والهدوء ومن وجود النعيم بها واللذة، ولقد صدق فإنه يحشر كل على ما مات عليه ويموت على ما عاش عليه: ويراعى في ذلك حال قلبه لا حال شخصه فمن صفات القلوب تصاغ الصور في الدار الآخرة ولا ينجو إلا من أتى الله بقلب سليم، نسأل الله حسن التوفيق بلطفه وكرمه

بيان الدواء النافع في حضور القلب

اعلم أن المؤمن لابد أن يكون معظماً لله عز وجل وخائفاً منه وراجياً له ومستحيياً من تقصيره فلا ينفك عن هذه الأحوال بعد إيمانه، وإن كانت قوتها بقدر قوة يقينه فانفكاكه عنها في الصلاة لا سبب له إلا تفرق الفكر وتقسيم الخاطر وغيبة القلب عن المناجاة والغفلة عن الصلاة. ولا يلهي عن الصلاة إلا الخواطر الواردة الشاغلة، فالدواء في إحضار القلب هو دفع تلك الخواطر ولا يدفع الشيء إلا بدفع سببه فلتعلم سببه. وسبب موارد الخواطر إما أن يكون أمراً خارجاً أو أمراً في ذاته باطناً. أما الخارج فما يقرع السمع أو يظهر للبصر فإن ذلك قد يختطف الهم حتى يتبعه ويتصرف فيه ثم تنجر منه الفكرة إلى غيره ويتسلسل، ويكون الإبصار سبباً للافتكار، ثم تصير بعض تلك الأفكار سبباً للبعض. ومن قويت نيته وعلت همته لم يلهه ما جرى على حواسه ولكن الضعيف لابد وأن يتفرق به فكره. وعلاجه قطع هذه الأسباب بأن يغض بصره أو يصلي في بيت مظلم أو لا يترك بين يديه ما يشغل حسه ويقرب من حائط عند صلاته حتى لا تتسع مسافة بصره، ويحترز من الصلاة على الشوارع وفي المواضع المنقوشة المصنوعة وعلى الفرش المصبوغة. ولذلك كان المتعبدون يتعبدون في بيت صغير مظلم سعته قدر السجود ليكون ذلك أجمع للهم. والأقوياء منهم كانوا يحضرون المساجد ويغضون البصر ولا يجاوزون به موضع السجود ويرون كمال الصلاة في أن لا يعرفوا من على يمينهم وشمالهم. وكان ابن عمر رضي الله عنهما لا يدع في موضع الصلاة مصحفاً ولا سيفاً إلا نزعه ولا كتاباً إلا محاه. وأما الأسباب الباطنة فهي أشد فإن من تشعبت به الهموم في أودية الدنيا لا ينحصر فكره في فن واحد بل لا يزال يطير من جانب إلى جانب وغض البصر لا يغنيه، فإن ما وقع في القلب من قبل كاف للشغل فهذا طريقه أن يرد النفس قهراً إلى فهم ما يقرؤه في الصلاة ويشغلها به عن غيره، ويعينه على ذلك أن يستعد له قبل التحريم بأن يحدد على نفسه ذكر الآخرة وموقف المناجاة وخطر المقام بين يدي الله سبحانه وهو المطلع ويفرغ قلبه قبل التحريم بالصلاة عما يهمه فلا يترك لنفسه شغلاً يلتفت إليه خاطره. قال رسول الله لعثمان بن أبي شيبة "إني نسيت أن أقول لك أن تخمر القدر الذي في البيت" فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل الناس عن صلاتهم؛ فهذا طريق تسكين الأفكار. فإن كان لا يسكن هوائج أفكاره بهذا الدواء المسكن فلا ينجيه إلا المسهل الذي يقمع مادة الداء من أعماق العروق وهو أن ينظر في الأمور الصارفة الشاغلة عن إحضار القلب، ولاشك أنها تعود إلى مهماته وأنها إنما صارت مهمات لشهواته فيعاقب نفسه بالنزوع عن تلك الشهوات وقطع تلك العلائق، فكل ما يشغله عن صلاته فهو ضد دينه وجند إبليس عدوه فإمساكه أضر عليه من إخرجه فيتخلص منه بإخراجه كما روي أنه "لما لبس الخميصة التي أتاه بها أبو جهم وعليها علم وصلى بها نزعها بعد صلاته، وقال "اذهبوا بها إلى أبي جهم فإنها ألهتني آنفاً عن صلاتي وائتوني بأنبجانية أبي جهم". وأمر رسول الله بتجديد شراك نعله ثم نظر إليه في صلاته إذ كان جديداً فأمر أن ينزع منها ويرد الشراك الخلق. "وكان قد احتذى نعلاً فأعجبه حسنها فسجد وقال: تواضعت لربي عز وجل كي لا يمقتني" ثم خرج بها فدفعها إلى أول سائل لقيه، ثم أمر علياً رضي الله عنه أن يشتري له نعلين سبتيتين جرداوين فلبسهما. وكان في يده خاتم م ذهب قبل الترحيم وكان على المنبر فرماه وقال شغلني هذا: نظرة إليه ونظرة إليكم وروي "أن أبا طلحة صلى في حائط وفيه شجر فأعجبه دبسي طار في الشجر يلتمس مخرجاً فأتبعه بصره ساعة ثم لم يدر كم صلى? فذكر لرسول الله ما أصابه من الفتنة ثم قال: يا رسول الله هو صدقة فضعه حيث شئت". وعن رجل آخر أنه صلى في حائط له والنخل مطوقة بثمرها فنظر إليها فأعجبته ولم يدر كم صلى? فذكر ذلك لعثمان رضي الله عنه وقال: هو صدقة فاجعله في سبيل الله عز وجل فباعه عثمان بخمسين ألفاً. فكانوا يفعلون ذلك قطعاً لمادة الفكر وكفارة لما جرى من نقصان الصلاة وهذا هو الدواء القاطع لمادة العلة ولا يغني غيره. فأما ما ذكرناه من التلطف بالتسكين والرد إلى فهم الذكر فذلك ينفع في الشهوات الضعيفة والهمم التي لا تشغل إلا حواشي القلب. فأما الشهوة القوية المرهقة فلا ينفع فيها التسكين بل لا تزال تجاذبها وتجاذبك ثم تغلبك وتنقضي جميع صلاتك في شغل المجاذبة. ومثاله: رجل تحت شجرة أراد أن يصفو له فكره وكانت أصوات العصافير تشوش عليه، فلم يزل يطيرها بخشبة في يده ويعود إلى فكره فتعود العصافير فيعود إلى التنفير بالخشبة، فقيل له: إن هذا أسير السواني ولا ينقطع فإن أردت الخلاص فاقطع الشجرة. فكذلك شجرة الشهوات إذا تشعبت وتفرعت أغصانها انجذبت إليها الأفكار انجذاب العصافير إلى الأشجار وانجذاب الذباب إلى الأقذار والشغل يطول في دفعها فإن الذباب كلما ذب آب ولأجله سمي ذباباً. فكذلك الخواطر، وهذه الشهوات كثيرة وقلما يخلو العبد عنها ويجمعها أصل واحد وهو حب الدنيا، وذلك رأس كل خطيئة وأساس كل نقصان ومنبع كل فساد. ومن انطوى باطنه على حب الدنيا حتى مال إلى شيء منها لا ليتزود منها ولا ليستعين بها على الآخرة فلا يطمعن في أن تصفو له لذة المناجاة في الصلاة. فإن من فرح بالدنيا لا يفرح بالله سبحانه وبمناجاته. وهمة الرجل مع قرة عينه فإن كانت قرة عينه في الدنيا انصرف لا محالة إليها همه ولكن مع هذا فلا ينبغي أن يترك المجاهدة ورد القلب إلى الصلاة وتقليل الأسباب الشاغلة، فهذا هو الدواء المر ولمرارته استبشعته الطباع وبقيت العلة مزمنة وصار الداء عضالاً، حتى إن الأكابر اجتهدوا أن يصلوا ركعتين لا يحدثوا أنفسهم فيها بأمور الدنيا فعجزوا عن ذلك فإذن لا مطمع فيه لأمثالنا، وليته سلم لنا من الصلاة شطرها أو ثلثها من الوسواس لنكون ممن خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً. وعلى الجملة فهمة الدنيا وهمة الآخرة في القلب مثل الماء الذي يصب في قدح مملوء بخل فبقدر ما يدخل فيه من الماء يخرج منه من الخل لا محالة ولا يجتمعان.

بيان تفصيل ما ينبغي أن يحضر في القلب

عند كل ركن وشرط - من أعمال الصلاة

فنقول: حقك إن كنت من المريدين للآخرة أن لا تغفل أولاً عن التنبيهات التي في شروط الصلاة وأركانها. أما الشروط السوابق فهي الأذان والطهارة وستر العورة واستقبال القبلة والانتصاب قائماً والنية. فإذا سمعت نداء المؤذن فأحضر في قلبك هول النداء يوم القيامة وتشمر بظاهرك وباطنك للإجابة والمسارعة؛ فإن المسارعين إلى هذا النداء هم الذين ينادون باللطف يوم العرض الأكبر فاعرض قلبك على هذا النداء فإن وجدته مملوءاً بالفرح والاستبشار مشحوناً بالرغبة إلى الابتدار فاعلم أنه يأتيك النداء بالبشرى والفوز يوم القضاء. ولذلك قال "أرحنا يا بلال" أي أرحنا بها وبالنداء إليها إذ كان قرة عينه فيها . وأما الطهارة فإذا أتيت بها في مكانك وهو ظرفك الأبعد ثم في ثيابك وهي غلافك الأقرب، ثم في بشرتك وهي قشرك الأدنى فلا تغفل عن لبك الذي هو ذاتك وهو قلبك فاجتهد له تطهيراً بالتوبة والندم على ما فرطت وتصميم العزم على الترك في المستقبل فطهر بها باطنك فإنه موضع نظر معبودك. وأما ستر العورة فاعلم أن معناه تغطية مقابح بدنك عن أبصار الخلق فإن ظاهر بدنك موقع لنظر الخلق فما بالك في عورات باطنك وفضائح سرائرك التي لا يطلع عليها إلا ربك عز وجل? فأحضر تلك الفضائح ببالك وطالب نفسك بسترها وتحقق أنه لا يستر عن عين الله سبحانه ساتر. وإنما يغفرها الندم والحياء والخوف فتستفيد بإحضارها في قلبك انبعاث جنود الخوف والحياء من مكامنهما فتدل بها بنفسك ويستكين تحت الخجلة قلبك وتقوم بين يدي الله عز وجل قيام العبد المجرم المسيء الآبق الذي ندم فرجع إلى مولاه ناكساً رأسه من الحياء والخوف.

وأما الاستقبال فهو صرف ظاهر وجهك عن سائر الجهات إلى جهة بيت الله تعالى، أفترى أن صرف القلب عن سائر الأمور إلى الله عز وجل ليس مطلوباً منك هيهات فلا مطلوب سواه. وإنما هذه الظواهر تحريكات للبواطن وضبط للجوارح وتسكين لها بالإثبات في جهة واحدة حتى لا تبيغ على القلب فإنها إذا بغت وظلمت في حركاتها والتفاتها إلى جهاتها استتبعت القلب وانقلبت به عن وجه الله عز وجل فليكن وجه قلبك مع وجه بدنك. فاعلم أنه كما لا يتوجه الوجه إلى جهة البيت إلا بالانصراف عن غيرها فلا ينصرف القلب إلى الله عز وجل إلا بالتفرغ عما سواه وقد قال "إذا قام العبد إلى صلاته فكان هواه ووجهه وقلبه إلى الله عز وجل انصرف كيوم ولدته أمه" وأما الاعتدال قائماً فإنما هو مثول بالشخص والقلب بين يدي الله عز وجل، فليكن رأسك الذي هو أرفع أعضائك مطرقاً مطأطئاً متنكساً، وليكن وضع الرأس عن ارتفاعه تنبيهاً على إلزام القلب التواضع والتذلل والتبري عن الترؤس والتكبر، وليكن على ذكرك ههنا خطر القيام بين يدي الله عز وجل في هول المطلع عند العرض للسؤال. واعلم في الحال أنك قائم بين يدي الله عز وجل وهو مطلع عليك فقم بين يديه قيامك بين يدي بعض ملوك الزمان إن كنت تعجز عن معرفة كنه جلاله بل قدر في دوام قيامك في صلاتك أنك ملحوظ ومرقوب بعين كالئة من رجل صالح من أهلك أو ممن ترغب في أن يعرفك بالصلاح، فإنه تهدأ عند ذلك أطرافك وتخشع جوارحك وتسكن جميع أجزائك خيفة أن ينسبك ذلك العاجز المسكين إلى قلة الخشوع، وإذا أحسست من نفسك بالتماسك عند ملاحظة عبد مسكين فعاتب نفسك وقل لها: إنك تدعين معرفة الله وحبه أفلا تستحين من استجرائك عليه مع توقيرك عبداً من عباده أو تخشين الناس ولا تخشينه وهو أحق أن يخشى? ولذلك لما قال أبو هريرة "كيف الحياء من الله فقال تستحي منه كما تستحي من الرجل الصالح من قومك" وروي "من أهلك" وأما النية فاعزم على إجابة الله عز وجل في امتثال أمره بالصلا وإتمامها والكف عن نواقضها ومفسداتها وإخلاص جميع ذلك لوجه الله سبحانه رجاء لثوابه وخوفاً من عقابه وطلباً للقربة منه متقلداً للمنة منه بإذنه إياك في المناجاة مع سوء أدبك وكثرة عصيانك، وعظم في نفسك قدر مناجاته وانظر من تناجي وكيف تناجي وبماذا تناجي? وعند هذا ينبغي أن يعرق جبينك من الخجل وترتعد فرائصك من الهيبة ويصفر وجهك من الخوف. وأما التكبير فإذا نطق به لسانك فينبغي أن لا يكذبه قلبك فإن كان في قلبك شيء هو أكبر من الله سبحانه فالله يشهد إنك لكاذب وإن كان الكلام صدقاً كما شهد على المنافقين في قولهم: إنه رسول الله. فإن كان هواك أغلب عليك من أمر الله عز وجل فأنت أطوع له منك لله تعالى فقد اتخذته إلهك وكبرته فيوشك أن يكون قولك "الله أكبر" كلاماً باللسان المجرد وقد تخلف القلب عن مساعدته؛ وما أعظم الخطر في ذلك لولا التوبة والاستغفار وحسن الظن بكرم الله تعالى وعفوه.

وأما دعاء الاستفتاح فأول كلماته قولك "وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض" وليس المراد بالوجه الوجه الظاهر فإنك إنما وجهته إلى جهة القبلة والله سبحانه يتقدس عن أن تحده الجهات حتى تقبل بوجه بدنك عليه. وإنما وجه القلب هو الذي تتوجه به إلى فاطر السموات والأرض فانظر إليه أمتوجه هو إلى أمانيه وهمه في البيت والسوق متبع للشهوات أو مقبل على فاطر السموات? وإياك أن تكون أول مفاتحتك للمناجاة بالكذب والاختلاق. ولن ينصرف الوجه إلى الله تعالى إلا بانصرافه عما سواه فاجتهد في الحال في صرفه إليه وإن عجزت عنه على الدوام فليكن قولك في الحال صادقاً. وإذا قلت "حنيفاً مسلماً" فينبغي أن يخطر ببالك أن المسلم هو الذي سلم المسلمون من لسانه ويده فإن لم تكن كذلك كنت كاذباً فاجتهد في أن تعزم عليه في الاستقبال وتندم على ما سبق من الأحوال. وإذا قلت "وما أنا من المشركين" فأخطر ببالك الشرك الخفي فإن قوله تعالى "فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً" نزل فيمن يقصد بعبادته وجه الله وحمد الناس وكن حذراً مشفقاً من هذا الشرك، واستشعر الخجلة في قلبك إن وصفت نفسك بأنك لست من المشركين من غير براءة عن هذا الشرك فإن اسم الشرك يقع على القليل والكثير منه. وإذا قلت "محياي ومماتي لله" فاعلم أن هذا حال عبد مفقود لنفسه موجود لسيده وأنه إن صدر ممن رضاه غضبه وقيامه وقعوده ورغبته في الحياة ورهبته من الموت لأمور الدنيا لم يكن ملائماً للحال. وإذا قلت "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" فاعلم أنه عدوك ومترصد لصرف قلبك عن الله عز وجل حسداً لك على مناجاتك مع الله عز وجل وسجودك له مع أنه لعن بسبب سجدة واحدة تركها ولم يوفق لها، وأن استعاذتك بالله سبحانه منه بترك ما يحبه وتبديله بما يحب الله عز وجل لا بمجرد قولك، فإن من قصده سبع أو عدو ليفرسه أو يقتله فقال: أعوذ منك بذلك الحصن الحصين وهو ثابت على مكانه، فإن ذلك لا ينفعه، بل لا يعيذه إلا تبديل المكان؛ فكذلك من يتبع الشهوات التي هي محاب الشيطان ومكاره الرحمن فلا يغنيه مجرد القول فليقترن قوله بالعزم على التعوذ بحصن الله عز وجل عن شر الشيطان وحصنه "لا إله إلا الله" إذ قال عز وجل فيما أخبر عنه نبينا "لا إله إلا الله حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي" والمتحصن به لا معبود له سوى الله سبحانه فأما من اتخذ إلهه هواه فهو في ميدان الشيطان لا في حصن الله عز وجل.

واعلم أن من مكايده أن يشغلك في صلاتك بذكر الآخرة وتدبير فعل الخيرات ليمنعك عن فهم ما تقرأ. فاعلم أن كل ما يشغلك عن فهم معاني قراءتك فهو وسواس فإن حركة اللسان غير مقصودة بل المقصود معانيها: فأما القراءة فالناس فيها ثلاثة، رجل يتحرك لسانه وقلبه غافل ورجل يتحرك لسانه وقلبه يتبع اللسان فيفهم ويسمع منه كأنه يسمعه من غيره وهي درجات أصحاب اليمين، ورجل يسبق قلبه إلى المعاني أولاً ثم يخدم اللسان القلب فيترجمه. ففرق بين أن يكون السان ترجمان القلب أو يكون معلم القلب والمقربون لسانهم ترجمان يتبع القلب ولا يتبعه القلب. وتفصيل ترجمة المعاني أنك إذا قلت "بسم الله الرحمن الرحيم" فانو به التبرك لابتداء القراءة لكلام الله سبحانه، وافهم أن الأمور كلها بالله سبحانه. وأن المراد بالاسم ههنا هو المسمى. وإذا كانت الأمور بالله سبحانه فلا جرم كان "الحمد لله" ومعناه أن الشكر لله إذ النعم من الله. ومن يرى من غير الله نعمة أو يقصد غير الله سبحانه بشكر لا من حيث إنه مسخر من الله عز وجل ففي تسميته وتحميده نقصان بقدر التفاته إلى غير الله تعالى. فإذا قلت "الرحمن الرحيم" فأحضر في قلبك جميع أنواع لطفه لتتضح لك رحمته فينبغث بها رجاؤك. ثم استثر من قلبك التعظيم والخوف بقولك "مالك يوم الدين" أما العظمة فلأنه لا ملك إلا له وأما الخوف فلهول يوم الجزاء والحساب الذي هو مالكه. ثم جدد الإخلاص بقولك "إياك نعبد" وجدد العجز والاحتياج والتبري من الحول والقوة بقولك و "إياك نستعين" وتحقق أنه ما تيسرت طاعتك إلا بإعانته وأن له المنة إذ وفقك لطاعته واستخدمك لعبادته وجعلك أهلاً لمناجاته. ولو حرمك التوفيق لكنت من المطرودين مع الشيطان اللعين.

ثم إذا فرغت من التعوذ ومن قولك "بسم الله الرحمن الرحيم" ومن التحميد ومن إظهار الحاجة إلى الإعانة مطلقاً فعين سؤالك ولا تطلب إلا أهم حاجاتك وقل "إهدا الصراط المستقيم" الذي يسوقنا إلى جوارك ويفضي بنا إلى مرضاتك. وزده شرحاً وتفصيلاً وتأكيداً واستشهاداً بالذين أفاض عليهم نعمة الهداية من النبيين والصدقين والشهداء والصالحين دون الذين غضب عليهم من الكفار والزائغين من اليهود والنصارى والصابئين ثم التمس الإجابة وقل "آمين" فإذا تلوت الفاتحة كذلك فيشبه أن تكون من الذين قال الله تعالى فيهم فيما أخبر عنه النبي "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل" يقول العبد "الحمد لله رب العالمين" فيقول الله عز وجل: حمدني عبدي وأثنى علي. وهو معنى قوله "سمع الله لمن حمده... الحديث الخ" فلو لم يكن لك من صلاتك حظ سوى ذكر الله لك في جلاله وعظمته فناهيك بذلك غنيمة فكيف بما ترجوه من ثوابه وفضله? وكذلك ينبغي أن تفهم ما تقرؤه من السور - كما سيأتي في كتاب تلاوة القرآن - فلا تغفل عن أمره ونهيه ووعده ووعيده ومواعظه وأخبار أنبيائه وذكر مننه وإحسانه. ولكل واحد حق فالرجاء حق الوعد؛ والخوف حق الوعيد؛ والعزم حق الأمر والنهي؛ والاتعاظ حق الموعظة، والشكر حق ذكر المنة، والاعتبار حق إخبار الأنبياء. وروي أن زرارة بن أوفى لما انتهى إلى قوله تعالى "فإذا نقر في الناقور" خر ميتاً وكان إبراهيم النخعي إذا سمع قوله تعالى "إذا السماء انشقت" اضطرب حتى تضطرب أوصاله. وقال عبد الله بن واقد: رأيت ابن عمر يصلي مغلوباً عليه؛ وحق له أن يحترق قلبه بوعد سيده ووعيده فإنه عبد مذنب ذليل بين يدي جبار قاهر. وتكون هذه المعاني بحسب درجات الفهم ويكون الفهم بحسب وفور العلم وصفاء القلب. ودرجات ذلك لا تنحصر. والصلاة مفتاح القلوب فيها تنكشف أسرار الكلمات فهذا حق القراءة وهو حق الأذكار والتسبيحات أيضاً. ثم يراعي الهيبة في القراءة فيرتل ولا يسرد فإن ذلك أيسر للتأمل. ويفرق بين نغماته في آية الرحمة والعذاب والوعد والوعيد والتحميد والتعظيم والتمجيد. كان النخعي إذا مر بمثل قوله عز وجل "ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله" يخفض صوته كالمستحي عن أن يذكره بكل شيء لا يليق به. وروي أنه يقال لقارىء القرآن "اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا" وأما دوام القيام فإنه تنبيه على إقامة القلب مع الله عز وجل على نعت واحد من الحضور قال "إن الله عز وجل مقبل على المصلي ما لم يلتفت" وكما تجب حراسة الرأس والعين عن الالتفات إلى الجهات فكذلك تجب حراسة السر عن الالتفات إلى غير الصلاة. فإذا التفت إلى غيره فذكره باطلاع الله عليه وبقبح التهاون بالمناجي عند غفلة المناجي ليعود إليه. وألزم لخشوع القلب فإن الخلاص عن الالتفات باطناً وظاهراً ثمرة الخشوع. ومهما خشع الباطن خشع الظاهر قال وقد رأى رجلاً مصلياً يعبث بلحيته "أما هذا لو خشع قلبه لخشعت جوارحه" فإن الرعية بحكم الراعي. ولهذا ورد في الدعاء "اللهم أصلح الراعي والرعية" وهو القلب والجوارح. وكان الصديق رضي الله عنه في صلاته كأنه وتد. وابن الزبير رضي الله عنه كأنه عود. وبعضهم كان يسكن في ركوعه بحيث تقع العصافير عليه كأنه جماد، وكل ذلك يقتضيه الطبع بين يدي من يعظم من أبناء الدنيا فكيف لا يتقاضاه بين يدي ملك الملوك عند من يعرف ملك الملوك? وكل من يطمئن بين يدي غير الله عز وجل خاشعاً وتضطرب أطرافه بين يدي الله عابثاً فذلك لقصور معرفته عن جلال الله عز وجل وعن إطلاعه على سره وضميره. وقال عكرمة في قوله عز وجل "الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين" قال: قيامه وركوعه وسجوده وجلوسه. وأما الركوع والسجود فينبغي أن تجدد عندهما ذكر كبرياء الله سبحانه وترفع يديك مستجيراً بعفو الله عز وجل من عقابه بتجديد نية ومتبعاً سنة نبيه . ثم تستأنف له ذلاً وتواضعاً بركوعك وتجتهد في ترقيق قلبك وتجديد خشوعك وتستشعر ذلك وعز مولاك واتضاعك وعلو ربك. وتستعين على تقرير ذلك في قلبك بلسانك فتسبح ربك وتشهد له بالعظمة وأنه أعظم من كل عظيم وتكرر ذلك على قلبك لتؤكده بالتكرار. ثم ترتفع من ركوعك راجياً أنه راحم لك ومؤكداً للرجاء في نفسك بقولك "سمع الله لمن حمده" أي أجاب لمن شكره. ثم تردف ذلك الشكر المتقاضي للمزيد فتقول "ربنا لك الحمد" وتكثر الحمد بقولك "ملء السموات وملء الأرض" ثم تهوي إلى السجود وهو أعلى درجات الاستكانة فتمكن أعز أعضائك وهو الوجه من أذل الأشياء وهو التراب. وإن أمكنك أنلا تجعل بينهما حائلاً فتسجد على الأرض فافعل فإنه أجلب للخشوع وأدل على الذل. وإذا وضعت نفسك موضع الذل فاعلم أنك وضعتها موضعها ورددت الفرع إلى أصله فإنك من التراب خلقت وإليه تعود فعند هذا جدد على قلبك عظمة الله وقل "سبحان ربي الأعلى" وأكده بالتكرار فإن الكرة الواحدة ضعيفة الأثر فإذا رق قلبك وظهر ذلك فلتصدق رجاءك في رحمة الله فإن رحمته تتسارع إلى الضعف والذل لا إلى التكبر والبطر فارفع رأسك مكبراً وسائلاً حاجتك وقائلاً "رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم" أو ما أردت من الدعاء. ثم أكد التواضع بالتكرار فعد إلى السجود ثانياً كذلك. وأما التشهد فإذا جلست له فاجلس متأدباً وصرح بأن جميع ما تدلي به من الصلوات والطيبات أي من الأخلاق الطاهرة لله. وكذلك الملك لله وهو معنى "التحيات" وأحضر في قلبك النبي وشخصه الكريم وقل "سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" وليصدق أملك في أنه يبلغه ويرد عليك ما هو أوفى منه. ثم تسلم على نفسك وعلى جميع عباد الله الصالحين. ثم تأمل أن يرد الله سبحانه عليك سلاماً وافياً بعدد عباده الصالحين. ثم تشهد له تعالى بالوحدانية ولمحمد نبيه بالرسالة مجدداً عهد الله سبحانه بإعادة كلمتي الشهادة ومستأنفاً للتحصن بها. ثم ادع في آخر صلاتك بالدعاء المأثور مع التواضع والخشوع والضراعة والابتهال وصدق الرجاء بالإجابة. وأشرك في دعائك أبويك وسائر المؤمنين. واقصد عند التسليم السلام على الملائكة والحاضرين وانو ختم الصلاة به. واستشعر شكر الله سبحانه على توفيقه لإتمام هذه الطاعة. وتوهم أنك مودع لصلاتك هذه وأنك ربما لا تعيش لمثلها. وقال للذي أوصاه "صل صلاة مودع" ثم أشعر قلبك الوجل والحياء من التقصير في الصلاة، وخف أن لا تقبل صلاتك وأن تكون ممقوتاً بذنب ظاهر أو باطن فترد صلاتك في وجهك، وترجو مع ذلك أن يقبلها بكرمه وفضله. كان يحيى بن وثاب إذا صلى مكث ما شاء الله تعرف عليه كآبة الصلاة. وكان إبراهيم يمكث بعد الصلاة ساعة كأنه مريض. فهذا تفصيل صلاة الخاشعين، الذين هم في صلاتهم خاشعون... والذين هم على صلواتهم يحافظون... والذين هم على صلاتهم دائمون. والذين هم يناجون الله على قدر استطاعتهم في العبودية فليعرض الإنسان نفسه على هذه الصلاة، فبالقدر الذي يسر له منه ينبغي أن يفرح وعلى ما يفوته ينبغي أن يتحسر وفي مداراة ذلك ينبغي أن يجتهد. وأما صلاة الغافلين فهي محظرة إلا أن يتغمده الله برحمته والرحمة واسعة والكرم فائض فنسأل الله أن يتغمدنا برحمته ويغمرنا بمغفرته إذ لا وسيلة لنا إلا الاعتراف بالعجز عن القيام بطاعته. واعلم ان تخليص الصلاة عن الآفات وإخلاصها لوجه الله عز وجل وأداءها بالشروط الباطنة التي ذكرناها من الخشوع والتعظيم والحياء سبب لحصول أنوار في القلب تكون تلك الأنوار مفاتيح علوم المكاشفة. فأولياء الله المكاشفون بملكوت السموات والأرض وأسرار الربوبية إنما يكاشفون في الصلاة لاسيما في السجود إذ يتقرب العبد من ربه عز وجل بالسجود. ولذلك قال تعالى "واسجد واقترب" وإنما تكون مكاشفة كل مصل على قدر صفائه عن كدورات الدنيا، ويختلف ذلك بالقوة والضعف والقلة والكثرة وبالجلاء والخفاء حتى ينكشف لبعضهم الشيء بعينه وينكشف لبعضهم الشيء بمثاله، كما كشف لبعضهم الدنيا في صورة جيفة والشيطان في صورة كلب جاثم عليها يدعو إليها. ويختلف أيضاً بما فيه المكاشفة فبعضهم ينكشف له من صفات الله تعالى وجلاله ولبعضهم من أفعاله ولبعضهم من دقائق علوم المعاملة. ويكون لتعين تلك المعاني في كل وقت أسباب خفية لا تحصى وأشدها مناسبة الهمة فإنها إذا كانت مصروفة إلى شيء معين كان ذلك أولى بالانكشاف ولما كانت هذه الأمور لا تتراءى إلا في المرائي الصقيلة وكانت المرآة صدئة فاحتجبت عنها الهداية لا لبخل من جهة المنعم بالهداية بل لخبث متراكم الصدإ على مصب الهداية تسارعت الألسنة إلى إنكار مثل ذلك، إذ الطبع مجبول على إنكار غير الحاضر، ولو كان للجنين عقل لأنكر إمكان وجود الإنسان في متسع الهواء، ولو كان للطفل تمييز ما ربما أنكر ما يزعم العقلاء إدراكه من ملكوت السموات والأرض، وهكذا الإنسان في كل طور يكاد ينكر ما بعده. ومن أنكر طور الولاية لزمه أن ينكر طور النبوة، وقد خلق الخلق أطواراً فلا ينبغي أن ينكر كل واحد ما وراء درجته، نعم لما طلبوا هذا من المجادلة والمباحثة المشوشة ولم يطلبوها من تصفية القلوب عما سوى الله عز وجل فقدوه فأنكروه. ومن لم يكن من أهل المكاشفة فلا أقل من أن يؤمن بالغيب ويصدق به إلى أن يشاهد بالتجربة ففي الخبر "إن العبد إذا قام في الصلاة رفع الله سبحانه الحجاب بينه وبين عبده وواجهه بوجهه وقامت الملائكة من لدن منكبيه إلى الهواء بصلاته ويؤمنون على دعائه - وإن المصلي لينثر عليه البر من عنان السماء إلى مفرق رأسه وينادي مناد: لو علم هذا المناجي ما التفت. وإن أبواب السماء تفتح للمصلين. وإن الله عز وجل يباهي ملائكته بعبده المصلي" ففتح أبواب السماء ومواجهة الله تعالى إياه بوجهه كناية عن الكشف الذي ذكرناه. وفي التوراة مكتوب: يا ابن آدم لا تعجز أن تقوم بين يدي مصلياً باكياً فأنا الله الذي اقتربت من قلبك وبالغيب رأيت نوري، قال: فكنا نرى أن تلك الرقة والبكاء والفتوح الذي يجده المصلي في قلبه من دنو الرب سبحانه من القلب. وإذا لم يكن هذا الدنو هو القرب بالمكان فلا معنى له إلا الدنو بالهداية والرحمة وكشف الحجاب. ويقال إن العبد إذا صلى ركعتين عجب منه عشرة صفوف من الملائكة كل صف منهم عشرة آلاف وباهى الله به مائة ألف ملك. وذلك أن العبد قد جمع في الصلاة بين القيام والقعود والركوع والسجود وقد فرق الله ذلك على أربعين ألف ملك، فالقائمون لا يركعون إلى يوم القيامة والساجدون لا يرفعون إلى يوم القيامة، وهكذا الراكعون والقاعدون، فإن ما رزق تعالى الملائكة من القرب والرتبة لازم مستمر على حال واحد لا يزيد ولا ينقص لذلك أخبر الله عنهم أنهم قالوا "وما منا إلا له مقام معلوم" وفارق الإنسان الملائكة في الترقي من درجة إلى درجة فإنه لا يزال يتقرب إلى الله تعالى فيستفيد مزيد قربه وباب المزيد مسدود على الملائكة عليهم السلام وليس لكل واحد إلا رتبته التي هي وقف عليه. وعبادته التي هو مشغول بها لا ينتقل إلى غيرها ولا يفتر عنها "لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون" ومفتاح مزيد الدرجات هي الصلوات. قال الله عز وجل "قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون" فمدحهم بعد الإيمان بصلاة مخصوصة وهي المقرونة بالخشوع. ثم ختم أوصاف المفليحن بالصلاة أيضاً فقال تعالى "والذين هم على صلواتهم يحافظون" ثم قال تعالى في ثمرة تلك الصفات "أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون" فوصفهم بالفلاح أولاً وبوراثة الفردوس آخراً، وما عندي أن هذرمة اللسان مع غفلة القلب تنتهي إلى هذا الحد ولذلك قال الله عز وجل في أضدادهم "ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين" فالمصلون هم ورثة الفردوس وهم المشاهدون لنور الله تعالى والمتمتعون بقربه ودنوه من قلوبهم. نسأل الله أن يجعلنا منهم وأن يعيذنا من عقوبة من تزينت أقواله وقبحت أفعاله إنه الكريم المنان القديم الإحسان وصلى الله على كل عبد مصطفى.

حكايات وأخبار في صلاة الخاشعين

رضي الله عنهم

اعلم أن الخشوع ثمرة الإيمان ونتيجة اليقين الحاصل بجلال الله عز وجل ومن رزق ذلك فإنه يكون خاشعاً في الصلاة وفي غير الصلاة بل في خلوته وفي بيت المال عند الحاجة، فإن موجب الخشوع معرفة اطلاع الله تعالى على العبد ومعرفة جلاله ومعرفة تقصير العبد. فمن هذه المعارف يتولد الخشوع وليست مختصة بالصلاة ولذلك روى عن بعضهم أنه لم يرفع رأسه إلى السماء أربعين سنة حياء من الله سبحانه وخشوعاً له، وكان الربيع بن خيثم من شدة غضه لبصره وإطراقه يظن بعض الناس أنه أعمى، وكان يختلف إلى منزل ابن مسعود عشرين سنة فإذا رأته جاريته قالت لابن مسعود: صديقك الأعمى قد جاء، فكان يضحك ابن مسعود من قولها، وكان إذا دق الباب تخرج الجارية إليه فتراه مطرقاً غاضاً بصره، وكان ابن مسعود إذا نظر إليه يقول "وبشر المخبتين" أما والله لو رآك محمد لفرح بك - وفي لفظ آخر: لأحبك وفي لفظ آخر: لضحك - ومشى ذات يوم مع ابن مسعود في الحدادين فلما نظر إلى الأكوار تنفخ وغلى النار تلتهب صعق وسقط مغشياً عليه إلى مثل الساعة التي صعق فيها ففاتته خمس صلوات وابن مسعود عند رأسه يقول: هذا والله هو الخوف. وكان الربيع يقول، ما دخلت في صلاة قط فأهمني فيها إلا ما أقول وما يقال لي، وكان عامر بن عبد الله من خاشعي المصلين وكان إذ صلى ربما ضربت ابنته بالدف وتحدث النساء بما يردن في البيت ولم يكن يسمع ذل ولا يعقله، وقيل له ذات يوم هل تحدثك نفسك في الصلاة بشيء? قال: نعم بوقوفي بين يدي الله عز وجل ومنصرفي إحدى الدارين، قيل: فهل تجد شيئاً مما نجد من أمور الدنيا? فقال: لأن تختلف الأسنة في أحب إلي من أن أجد في صلاتي ما تجدون وكان يقول: لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً. وقد كان مسلم بن يسار منهم، وقد نقلنا أنه لم يشعر بسقوط اسطوانة في المسجد وهو في الصلاة. وتأكل طرف من أطراف بعضهم واحتيج فيه إلى القطع فلم يمكن منه فقيل: إنه في الصلاة لا يحس بما يجري عليه؛ فقطع وهو في الصلاة. وقال بعضهم: الصلاة من الآخرة فإذا دخلت فيها خرجت من الدنيا وقيل لآخر: هل تحدث نفسك بشيء من الدنيا في الصلاة? فقال: لا في الصلاة ولا في غيرها. وسئل بعضهم هل تذكر في الصلاة شيئاً? فقال: وهل شيء أحب إلي من الصلاة فأذكره فيها? وكان أبو الدرداء رضي الله عنه يقول: من فقه الرجل أن يبدأ بحاجته قبل دخوله في الصلاة ليدخل في الصلاة وقلبه فارغ. وكان بعضهم يخفف الصلاة خيفة الوسواس، وروي أن عمار بن ياسر صلى صلاة فأخفها فقيل له: خففت يا أبا اليقظان فقال: هل رأيتموني نقصت من حدودها شيئاً? قالوا: لا: قال: إني بادرت سهو الشيطان، إن رسول الله قال "إن العبد ليصلي الصلاة لا يكتب له نصفها. ولا ثلثها ولا ربعها ولا خمسها ولا سدسها ولا عشرها" وكان يقول "إنما يكتب للعبد من صلاته ما عقل منها" ويقال إن طلحة والزبير وطائفة من الصحابة رضي الله عنهم كانوا أخف الناس صلاة، وقالوا نبادر بها وسوسة الشيطان. وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال على المنبر: إن الرجل ليشيب عارضاه في الإسلام وما أكمل لله تعالى صلاة، قيل: وكيف ذلك? قال: لا يتم خشوعها وتواضعها وإقباله على الله عز وجل فيها: وسئل أبو العالية عن قوله تعالى "الذين هم عن صلاتهم ساهون" قال هو الذي يسهو في صلاته فلا يدري على كم ينصرف أعلى شفع أم على وتر? وقال الحسن: هو الذي يسهو عن وقت الصلاة حتى تخرج وقال بعضهم: هو الذي إن صلاها في أول الوقت لم يفرح وإن أخرها عن الوقت لم يحزن فلا يرى تعجيلها خيراً ولا تأخيرها إثماً، واعلم أن الصلاة قد يحسب بعضها ويكتب بعضها دون بعض كما دلت الأخبار عليه وإن كان الفقيه يقول: إن الصلاة في الصحة لا تتجزأ، ولكن ذلك له معنى آخر ذكرناه وهذا المعنى دلت عليه الأحاديث إذ ورد جبر نقصان الفرائض بالنوافل وفي الخبر "قال عيسى عليه السلام: يقول الله تعالى بالفرائض نجا مني عبدي وبالنوافل تقرب إلى عبدي" وقال النبي "قال الله تعالى لا ينجو مني عبدي إلا بأداء ما افترضته عليه" وروي أن النبي ، صلى صلاة فترك من قراءتها آية فلما انفتل قال ماذا قرأت فسكت القوم؛ فسأل أبي بن كعب رضي الله عنه فقال: قرأت سورة كذا وتركت آية كذا فما ندري أنسخت أم رفعت?

فقال: أنت لها يا أبي، ثم أقبل على الآخرين فقال: ما بال أقوام يحضرون صلاتهم ويتمون صفوفهم ونبيهم بين أيديهم لا يدرون ما يتلو عليهم من كتاب ربهم? ألا إن بني إسرائيل كذا فعلوا فأوحى الله عز وجل إلى نبيهم أن قل لقومك تحضروني أبدانكم وتعطوني ألسنتكم وتغيبون عني بقلوبكم باطل ما تذهبون إليه" وهذا يدل على أن استماع ما يقرأ الإمام وفهمه بدل عن قراءة السورة بنفسه: وقال بعضهم إن الرجل يسجد السجدة عنده أنه تقرب بها إلى الله عز وجل ولو قسمت ذنوبه في سجدته على أهل مدينته لهلكوا: قيل وكيف يكون ذلك? قال. يكون ساجداً عند الله وقلبه مصغ إلى هوى ومشاهد لباطل قد استولى عليه. فهذه صفة الخاشعين. فدلت هذه الحكايات والأخبار مع ما سبق على أن الأصل في الصلاة الخشوع وحضور القلب وأن مجرد الحركات مع الغفلة قليل الجدوى في المعاد والله أعلم. نسأل الله حسن التوفيق