المغني - كتاب الوليمة

المغني موفق الدين أبو محمد عبد الله بن قدامة المقدسي الحنبلي

(الجزء الرابع الثلاثون – كتاب الوليمة) • كتاب الوليمة o مسألة: استحباب الوليمة في الزواج فصل: وليمة الزواج ليست واجبة o مسألة: وجوب إجابة الدعوة فصل: تجب الإجابة على من عين بالدعوة فصل: استمرار الوليمة لأكثر من يوم فصل: الدعاء إلى الوليمة إذن في الدخول فصل: إذا دعاه ذمي لوليمة فصل: إذا دعاه رجلان ولم يمكن الجمع بينهما o مسألة: إن لم يحب أن يطعم دعا وانصرف فصل: إذا دعي إلى وليمة فيها معصية فصل: إن رأى نقوشا وصور شجر فصل: قطع رأس الصورة فصل: دخول منزل فيه صورة فصل: ستر الحيطان بستور غير مصورة فصل: الستور التي فيها قرآن فصل: كراء بيت فيه تصاوير فصل: الضرب بالدف فصل: إن علم أن عند أهل الوليمة منكرا لا يراه ولا يسمعه o مسألة: دعوة الختان o مسألة: كراهة النثار o مسألة: تقسيم الطعام على الحاضرين فصل: من حصل في حجره شيء من النثار فصل: خلط المسافرين أزوادهم فصل: غسل اليدين قبل الطعام وبعده فصل: التسمية عند الأكل وأن يأكل بيمينه مما يليه فصل: استحباب الأكل بالأصابع الثلاث وكراهة الأكل متكئا فصل: ما يقول بعد الطعام فصل: غسل اليد في الإناء بعد الأكل فيه

كتاب الوليمة الوليمة: اسم للطعام في العرس خاصة, لا يقع هذا الاسم على غيره كذلك حكاه ابن عبد البر عن ثعلب وغيره من أهل اللغة وقال بعض الفقهاء من أصحابنا وغيرهم: إن الوليمة تقع على كل طعام لسرور حادث إلا أن استعمالها في طعام العرس أكثر وقول أهل اللغة أقوى لأنهم أهل اللسان وهم أعرف بموضوعات اللغة, وأعلم بلسان العرب والعذيرة: اسم لدعوة الختان وتسمى الإعذار والخرس والخرسة: عند الولادة والوكيرة: دعوة البناء يقال: وكر وخرس مشدد والنقيعة: عند قدوم الغائب, يقال: نقع مخفف والعقيقة: الذبح لأجل الولد قال الشاعر: كل الطعام تشتهي ربيعة ** الخرس والإعذار والنقيعة والحذاق: الطعام عند حذاق الصبي والمأدبة: اسم لكل دعوة لسبب كانت أو لغير سبب والآدب, صاحب المأدبة قال الشاعر: نحن في المشتاة ندعو الجفلي ** لا يرى الآدب منا ينتقر والجفلي في الدعوة: أن يعم الناس بدعوته والنقري: هو أن يخص قوما دون قوم.

 مسألة: 

قال: [ ويستحب لمن تزوج أن يولم ولو بشاة ] لا خلاف بين أهل العلم في أن الوليمة سنة في العرس مشروعة لما روي (أن النبي -- أمر بها وفعلها فقال لعبد الرحمن بن عوف حين قال: تزوجت: أولم ولو بشاة) وقال أنس: (ما أولم رسول الله -- على امرأة من نسائه ما أولم على زينب, جعل يبعثني فأدعو له الناس فأطعمهم خبزا ولحما حتى شبعوا وقال أنس: إن رسول الله -- اصطفى صفية لنفسه فخرج بها حتى بلغ ثنية الصهباء, فبنى بها ثم صنع حيسا في نطع صغير ثم قال: ائذن لمن حولك فكانت وليمة رسول الله -- على صفية) متفق عليهن ويستحب أن يولم بشاة, إن أمكنه ذلك لقول (رسول الله -- لعبد الرحمن: أولم ولو بشاة) وقال أنس: (ما أولم النبي -- على شيء من نسائه ما أولم على زينب أولم بشاة) لفظ البخاري فإن أولم بغير هذا جاز فقد أولم النبي -- على صفية بحيس وأولم على بعض نسائه بمدين من شعير رواه البخاري.

 فصل: 

وليست واجبة في قول أكثر أهل العلم وقال بعض أصحاب الشافعي: هي واجبة لأن النبي -- أمر بها عبد الرحمن بن عوف, ولأن الإجابة إليها واجبة فكانت واجبة ولنا أنها طعام لسرور حادث فأشبه سائر الأطعمة والخبر محمول على الاستحباب بدليل ما ذكرناه, وكونه أمر بشاة ولا خلاف في أنها لا تجب وما ذكروه من المعنى لا أصل له ثم هو باطل بالسلام, ليس بواجب وإجابة المسلم واجبة.

 مسألة: 

قال: [ وعلى من دعي أن يجيب ] قال ابن عبد البر لا خلاف في وجوب الإجابة إلى الوليمة لمن دعي إليها إذا لم يكن فيها لهو وبه يقول مالك والشافعي والعنبري, وأبو حنيفة وأصحابه ومن أصحاب الشافعي من قال: هي من فروض الكفايات لأن الإجابة إكرام وموالاة فهي كرد السلام ولنا ما روى ابن عمر أن رسول الله -- قال: (إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها) وفي لفظ قال: قال رسول الله --: (أجيبوا هذه الدعوة إذا دعيتم إليها) وقال أبو هريرة: شر الطعام طعام الوليمة يدعى لها الأغنياء ويترك الفقراء ومن لم يجب فقد عصى الله ورسوله رواهن البخاري وهذا عام, ومعنى قوله: شر الطعام طعام الوليمة - والله أعلم - أي طعام الوليمة التي يدعى إليها الأغنياء ويترك الفقراء ولم يرد أن كل وليمة طعامها شر الطعام فإنه لو أراد ذلك لما أمر بها ولا ندب إليها, ولا أمر بالإجابة إليها ولا فعلها ولأن الإجابة تجب بالدعوة فكل من دعي فقد وجبت عليه الإجابة

 فصل: 

وإنما تجب الإجابة على من عين بالدعوة, بأن يدعو رجلا بعينه أو جماعة معينين فإن دعا الجفلي بأن يقول: يا أيها الناس أجيبوا إلى الوليمة أو يقول الرسول: أمرت أن أدعو كل من لقيت, أو من شئت لم تجب الإجابة ولم تستحب لأنه لم يعين بالدعوة فلم تتعين عليه الإجابة, ولأنه غير منصوص عليه ولا يحصل كسر قلب الداعي بترك إجابته وتجوز الإجابة بهذا لدخوله في عموم الدعاء.

 فصل: 

وإذا صنعت الوليمة أكثر من يوم, جاز فقد روى الخلال بإسناده عن أبي أنه أعرس ودعا الأنصار ثمانية أيام وإذا دعي في اليوم الأول وجبت الإجابة, وفي اليوم الثاني تستحب الإجابة وفي اليوم الثالث لا تستحب قال أحمد: الأول يجب والثاني إن أحب, والثالث فلا وهكذا مذهب الشافعي وقد روي عن النبي -- أنه قال: (الوليمة أول يوم حق والثاني معروف والثالث رياء وسمعة) رواه أبو داود, وابن ماجه وغيرهما وقاله سعيد بن المسيب أيضا ودعي سعيد إلى وليمة مرتين فأجاب فدعي الثالثة, فحصب الرسول رواه أبو داود والخلال.

 فصل: 

والدعاء إلى الوليمة إذن في الدخول والأكل بدليل ما روى أبو هريرة عن النبي -- أنه قال: (إذا دعي أحدكم, فجاء مع الرسول فذلك إذن له) رواه أبو داود وقال عبد الله بن مسعود: إذا دعيت فقد أذن لك رواه الإمام أحمد بإسناده.

 فصل: 

فإن دعاه ذمي فقال أصحابنا: لا تجب إجابته لأن الإجابة للمسلم للإكرام والموالاة وتأكيد المودة والإخاء, فلا تجب على المسلم للذمي ولأنه لا يأمن اختلاط طعامهم بالحرام والنجاسة ولكن تجوز إجابتهم لما روى أنس, أن يهوديا (دعا النبي -- إلى خبز شعير وإهالة سنخة فأجابه) ذكره الإمام أحمد, في " الزهد ".

 فصل: 

فإن دعاه رجلان ولم يمكن الجمع بينهما وسبق أحدهما, أجاب السابق لأن إجابته وجبت حين دعاه فلم يزل الوجوب بدعاء الثاني ولم تجب إجابة الثاني لأنها غير ممكنة مع إجابة الأول, فإن استويا أجاب أقربهما منه بابا لما روى أبو داود بإسناده عن النبي -- أنه قال: (إذا اجتمع داعيان, فأجب أقربهما بابا فإن أقربهما جوارا فإن سبق أحدهما فأجب الذي سبق) وروى البخاري بإسناده (عن عائشة, قالت: قلت: يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال أقربهما منك بابا) ولأن هذا من أبواب البر فقدم بهذه المعاني, فإن استويا أجاب أقربهما رحما لما فيه من صلة الرحم فإن استويا, أجاب أدينهما فإن استويا أقرع بينهما لأن القرعة تعين المستحق عند استواء الحقوق.

 مسألة: 

قال: [ فإن لم يحب أن يطعم دعا وانصرف ] وجملة ذلك أن الواجب الإجابة إلى الدعوة لأنها الذي أمر به وتوعد على تركه, أما الأكل فغير واجب صائما كان أو مفطرا نص عليه أحمد لكن إن كان المدعو صائما صوما واجبا أجاب, ولم يفطر لأن الفطر غير جائز فإن الصوم واجب والأكل غير واجب وقد روى أبو هريرة قال: قال رسول الله --: (إذا دعي أحدكم فليجب, فإن كان صائما فليدع - وإن كان مفطرا فليطعم) رواه أبو داود وفي رواية " فليصل " يعني: يدعو ودعي ابن عمر إلى وليمة فحضر ومد يده وقال: بسم الله, ثم قبض يده وقال: كلوا فإني صائم وإن كان صوما تطوعا, استحب له الأكل لأن له الخروج من الصوم فإذا كان في الأكل إجابة أخيه المسلم وإدخال السرور على قلبه, كان أولى وقد روي (أن النبي -- كان في دعوة ومعه جماعة فاعتزل رجل من القوم ناحية, فقال: إني صائم فقال النبي --: دعاكم أخوكم وتكلف لكم, كل ثم صم يوما مكانه إن شئت) وإن أحب إتمام الصيام جاز لما روينا من الخبر المتقدم, ولكن يدعو لهم ويترك ويخبرهم بصيامه ليعلموا عذره, فتزول عنه التهمة في ترك الأكل وقد روى أبو حفص بإسناده عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه أجاب عبد المغيرة وهو صائم فقال: إني صائم, ولكني أحببت أن أجيب الداعي فأدعو بالبركة وعن عبد الله قال: إذا عرض على أحدكم الطعام وهو صائم فليقل: إني صائم وإن كان مفطرا, فالأولى له الأكل لأنه أبلغ في إكرام الداعي وجبر قلبه ولا يجب عليه ذلك وقال أصحاب الشافعي: فيه وجه آخر أنه يلزمه الأكل لقول النبي --: (وإن كان مفطرا فليطعم) ولأن المقصود منه الأكل, فكان واجبا ولنا قول النبي --: (إذا دعي أحدكم فليجب فإن شاء أكل وإن شاء ترك) حديث صحيح ولأنه لو وجب الأكل, لوجب على المتطوع بالصوم فلما لم يلزمه الأكل لم يلزمه إذا كان مفطرا وقولهم: المقصود الأكل قلنا: بل المقصود الإجابة, ولذلك وجبت على الصائم الذي لا يأكل.

 فصل: 

إذا دعي إلى وليمة فيها معصية كالخمر, والزمر والعود ونحوه وأمكنه الإنكار, وإزالة المنكر لزمه الحضور والإنكار لأنه يؤدي فرضين إجابة أخيه المسلم وإزالة المنكر وإن لم يقدر على الإنكار, لم يحضر وإن لم يعلم بالمنكر حتى حضر أزاله فإن لم يقدر انصرف ونحو هذا قال الشافعي وقال مالك: أما اللهو الخفيف, كالدف والكير فلا يرجع وقاله ابن القاسم وقال أصبغ: أرى أن يرجع وقال أبو حنيفة: إذا وجد اللعب فلا بأس أن يقعد فيأكل وقال محمد بن الحسن: إن كان ممن يقتدى به فأحب إلي أن يخرج وقال الليث: إذا كان فيها الضرب بالعود, فلا ينبغي له أن يشهدها والأصل في هذا ما روى سفينة (أن رجلا أضافه على فصنع له طعاما فقالت فاطمة: لو دعونا رسول الله --, فأكل معنا؟ فدعوه فجاء فوضع يده على عضادتي الباب فرأى قراما في ناحية البيت, فرجع فقالت فاطمة لعلي: الحقه فقل له: ما رجعك يا رسول الله؟ فقال: إنه ليس لي أن أدخل بيتا مزوقا) حديث حسن وروى أبو حفص, بإسناده أن النبي -- قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعد على مائدة يدار عليها الخمر) (وعن نافع قال: كنت أسير مع عبد الله بن عمر, فسمع زمارة راع فوضع أصبعيه في أذنيه ثم عدل عن الطريق, فلم يزل يقول: يا نافع أتسمع؟ حتى قلت: لا فأخرج أصبعيه من أذنيه ثم رجع إلى الطريق ثم قال: هكذا رأيت رسول الله -- صنع) رواه أبو داود والخلال ولأنه يشاهد المنكر ويسمعه, من غير حاجة إلى ذلك فمنع منه كما لو قدر على إزالته ويفارق من له جار مقيم على المنكر والزمر, حيث يباح له المقام فإن تلك حال حاجة لما في الخروج من المنزل من الضرر.

 فصل: 

فإن رأى نقوشا وصور شجر, ونحوها فلا بأس بذلك لأن تلك نقوش فهي كالعلم في الثوب وإن كانت فيه صور حيوان, في موضع يوطأ أو يتكأ عليها كالتي في البسط والوسائد, جاز أيضا وإن كانت على الستور والحيطان وما لا يوطأ وأمكنه حطها, أو قطع رءوسها فعل وجلس وإن لم يمكن ذلك, انصرف ولم يجلس وعلى هذا أكثر أهل العلم قال ابن عبد البر: هذا أعدل المذاهب وحكاه عن سعد بن أبي وقاص وسالم, وعروة وابن سيرين وعطاء, وعكرمة بن خالد وعكرمة مولى ابن عباس وسعيد بن جبير وهو مذهب الشافعي, وكان أبو هريرة يكره التصاوير ما نصب منها وما بسط وكذلك مالك إلا أنه كان يكرهها تنزها, ولا يراها محرمة ولعلهم يذهبون إلى عموم قول النبي --: (إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة) متفق عليه وروي عن ابن مسعود أنه دعي إلى طعام فلما قيل له: إن في البيت صورة أبى أن يذهب حتى كسرت ولنا ما روت عائشة, قالت (قدم النبي -- من سفر وقد سترت لي سهوة بنمط فيه تصاوير فلما رآه قال: أتسترين الخدر بستر فيه تصاوير؟ فهتكه قالت: فجعلت منه منتبذتين, كأني أنظر إلى رسول الله -- متكئا على إحداهما) رواه ابن عبد البر ولأنها إذا كانت تداس وتبتذل لم تكن معززة ولا معظمة فلا تشبه الأصنام التي تعبد وتتخذ آلهة, فلا تكرم وما رويناه أخص مما رووه وقد روي عن (أبي طلحة أنه قيل له: ألم يقل النبي --: لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة ولا كلب؟ قال: ألم تسمعه قال: إلا رقما في ثوب؟) متفق عليه وهو محمول على ما ذكرناه من أن المباح ما كان مبسوطا والمكروه منه ما كان معلقا, بدليل حديث عائشة.

 فصل: 

فإن قطع رأس الصورة ذهبت الكراهة قال ابن عباس: الصورة الرأس فإذا قطع الرأس فليس بصورة وحكي ذلك عن عكرمة وقد روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله --: (أتاني جبريل, فقال: أتيتك البارحة فلم يمنعني أن أكون دخلت إلا أنه كان على الباب تماثيل وكان في البيت ستر فيه تماثيل, وكان في البيت كلب فمر برأس التمثال الذي على الباب فيقطع فيصير كهيئة الشجر, ومر بالستر فلتقطع منه وسادتان منبوذتان يوطآن ومر بالكلب فليخرج ففعل رسول الله --) وإن قطع منه ما لا يبقى الحيوان بعد ذهابه كصدره أو بطنه, أو جعل له رأس منفصل عن بدنه لم يدخل تحت النهي لأن الصورة لا تبقى بعد ذهابه, فهو كقطع الرأس وإن كان الذاهب يبقى الحيوان بعده كالعين واليد والرجل فهو صورة داخلة تحت النهي وكذلك إذا كان في ابتداء التصوير صورة بدن بلا رأس, أو رأس بلا بدن أو جعل له رأس وسائر بدنه صورة غير حيوان لم يدخل في النهي لأن ذلك ليس بصورة حيوان.

 فصل: 

فأما دخول منزل فيه صورة, فليس بمحرم وإنما أبيح ترك الدعوة من أجله عقوبة للداعي بإسقاط حرمته لإيجاده المنكر في داره ولا يجب على من رآه في منزل الداعي الخروج, في ظاهر كلام أحمد فإنه قال في رواية الفضل بن زياد إذا رأى صورا على الستر, لم يكن رآها حين دخل؟ قال: هو أسهل من أن يكون على الجدار قيل: فإن لم يره إلا عند وضع الخوان بين أيديهم أيخرج؟ فقال: لا تضيق علينا ولكن إذا رأى هذا وبخهم ونهاهم يعني لا يخرج وهذا مذهب مالك فإنه كان يكرهها تنزها, ولا يراها محرمة وقال أكثر أصحاب الشافعي: إذا كانت الصور على الستور أو ما ليس بموطوء لم يجز له الدخول لأن الملائكة لا تدخله, ولأنه لو لم يكن محرما لما جاز ترك الدعوة الواجبة من أجله ولنا ما روي (أن النبي -- دخل الكعبة فرأى فيها صورة إبراهيم وإسماعيل يستقسمان بالأزلام, فقال: قاتلهم الله لقد علموا أنهما ما استقسما بها قط) رواه أبو داود وما ذكرنا من خبر عبد الله أنه دخل بيتا فيه تماثيل وفي شروط عمر رضي الله عنه على أهل الذمة: أن يوسعوا أبواب كنائسهم وبيعهم, ليدخلها المسلمون للمبيت بها والمارة بدوابهم وروى ابن عائذ في " فتوح الشام ", أن النصارى صنعوا لعمر رضي الله عنه حين قدم الشام طعاما, فدعوه فقال: أين هو؟ قالوا: في الكنيسة فأبى أن يذهب, وقال لعلي: امض بالناس فليتغدوا فذهب علي رضي الله عنه بالناس فدخل الكنيسة, وتغدى هو والمسلمون وجعل على ينظر إلى الصور وقال: ما على أمير المؤمنين لو دخل فأكل, وهذا اتفاق منهم على إباحة دخولها وفيها الصور ولأن دخول الكنائس والبيع غير محرم فكذلك المنازل التي فيها الصور, وكون الملائكة لا تدخله لا يوجب تحريم دخوله علينا كما لو كان فيه كلب ولا يحرم علينا صحبة رفقة فيها جرس, مع أن الملائكة لا تصحبهم وإنما أبيح ترك الدعوة من أجله عقوبة لفاعله وزجرا له عن فعله, والله أعلم.

 فصل: 

فأما ستر الحيطان بستور غير مصورة فإن كان لحاجة من وقاية حر أو برد فلا بأس به لأنه يستعمله في حاجته فأشبه الستر على الباب, وما يلبسه على بدنه وإن كان لغير حاجة فهو مكروه, وعذر في الرجوع عن الدعوة وترك الإجابة بدليل ما روى سالم بن عبد الله بن عمر قال: أعرست في عهد أبي فآذن أبي الناس فكان أبو أيوب فيمن آذن, وقد ستروا بيتي بخباء أخضر فأقبل أبو أيوب مسرعا فاطلع, فرأى البيت مستترا بخباء أخضر فقال: يا عبد الله أتسترون الجدر؟ فقال أبي واستحيا: غلبتنا النساء يا أبا أيوب فقال: من خشيت أن يغلبه النساء, فلم أخش أن يغلبنك ثم قال: لا أطعم لكم طعاما ولا أدخل لكم بيتا ثم خرج رواه الأثرم وروي عن عبد الله بن يزيد الخطمي, أنه دعي إلى طعام فرأى البيت منجدا فقعد خارجا وبكى, قيل له: ما يبكيك؟ قال: إن رسول الله -- رأى رجلا قد رقع بردة له بقطعة أدم فقال: (تطالعت عليكم الدنيا ثلاثا ثم قال: أنتم اليوم خير أم إذا غدت عليكم قصعة وراحت أخرى, ويغدوا أحدكم في حلة ويروح في أخرى وتسترون بيوتكم كما تستر الكعبة؟ قال عبد الله: أفلا أبكي وقد بقيت حتى رأيتكم تسترون بيوتكم كما تستر الكعبة؟) وقد روى الخلال, بإسناده عن ابن عباس وعلي بن الحسين عن النبي -- (أنه نهى أن تستر الجدر) وروت عائشة (أن النبي -- لم يأمر فيما رزقنا أن نستر الجدر) إذا ثبت هذا, فإن ستر الحيطان مكروه غير محرم وهذا مذهب الشافعي إذ لم يثبت في تحريمه دليل وقد فعله ابن عمر وفعل في زمن الصحابة رضي الله عنهم, وإنما كره لما فيه من السرف كالزيادة في الملبوس والمأكول وقد قيل: هو محرم للنهي عنه والأول أولى فإن النهي لم يثبت, ولو ثبت الحمل على الكراهة لما ذكرناه.

 فصل: 

وسئل أحمد عن الستور فيها القرآن؟ فقال: لا ينبغي أن يكون شيئا معلقا فيه القرآن يستهان به ويمسح به قيل له: فيقلع؟ فكره أن يقلع القرآن, وقال: إذا كان ستر فيه ذكر الله تعالى فلا بأس به وكره أن يشتري الثوب فيه ذكر الله مما يجلس عليه أو يداس.

 فصل: 

قيل لأبي عبد الله: الرجل يكتري البيت فيه تصاوير, ترى أن يحكها؟ قال: نعم قال المروذي: قلت لأبي عبد الله: دخلت حماما فرأيت صورة أترى أن أحك الرأس؟ قال: نعم إنما جاز ذلك لأن اتخاذ الصورة منكر, فجاز تغييرها كآلة اللهو والصليب والصنم, ويتلف منها ما يخرجها عن حد الصورة كالرأس ونحوه لأن ذلك يكفي قال أحمد: ولا بأس باللعب ما لم تكن صورة لما روي عن عائشة قالت: (دخل على رسول الله -- وأنا ألعب باللعب, فقال: ما هذا يا عائشة؟ فقلت: هذه خيل سليمان فجعل يضحك) رواه مسلم بنحوه.

 فصل: 

والدف ليس بمنكر لما ذكرنا من الأحاديث فيه وأمر النبي -- به في النكاح وروت عائشة (أن أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى تدفان وتضربان, والنبي -- متغش بثوبه فانتهرهما أبو بكر فكشف النبي -- عن وجهه, فقال: دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد) متفق عليه.

 فصل: 

وإن علم أن عند أهل الوليمة منكرا لا يراه ولا يسمعه, لكونه بمعزل عن موضع الطعام أو يخفونه وقت حضوره فله أن يحضر ويأكل نص عليه أحمد وله الامتناع من الحضور في ظاهر كلامه فإنه سئل عن الرجل يدعى إلى الختان أو العرس, وعنده المخنثون فيدعوه بعد ذلك بيوم أو ساعة وليس عنده أولئك؟ قال: أرجو أن لا يأثم إن لم يجب, وإن أجاب فأرجو أن لا يكون آثما فأسقط الوجوب لإسقاط الداعي حرمة نفسه باتخاذ المنكر ولم يمنع الإجابة لكون المجيب لا يرى منكرا ولا يسمعه وقال أحمد: إنما تجب الإجابة إذا كان المكسب طيبا ولم ير منكرا فعلى قوله هذا, لا تجب إجابة من طعامه من مكسب خبيث لأن اتخاذه منكر والأكل منه منكر فهو أولى بالامتناع, وإن حضر لم يسغ له الأكل منه.

 مسألة: 

قال: [ ودعوة الختان لا يعرفها المتقدمون ولا على من دعي إليها أن يجيب وإنما وردت السنة في إجابة من دعي إلى وليمة تزويج ] يعني بالمتقدمين أصحاب رسول الله -- اللذين يقتدى بهم وذلك لما روي (أن عثمان بن أبي العاص, دعي إلى ختان فأبى أن يجيب فقيل له؟ فقال: إنا كنا لا نأتي الختان على عهد رسول الله -- ولا ندعى إليه) رواه الإمام أحمد بإسناده, إذا ثبت هذا فحكم الدعوة للختان وسائر الدعوات غير الوليمة أنها مستحبة لما فيها من إطعام الطعام والإجابة إليها مستحبة غير واجبة وهذا قول مالك, والشافعي وأبي حنيفة وأصحابه وقال العنبري: تجب إجابة كل دعوة لعموم الأمر به فإن ابن عمر روى عن النبي -- أنه قال: (إذا دعا أحدكم أخاه فليجبه عرسا كان أو غير عرس) أخرجه أبو داود ولنا, أن الصحيح من السنة إنما ورد في إجابة الداعي إلى الوليمة وهي الطعام في العرس خاصة كذلك قال الخليل, وثعلب وغيرهما من أهل اللغة وقد صرح بذلك في بعض روايات ابن عمر عن رسول الله -- أنه قال: (إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس فليجب) رواه ابن ماجه, وقال عثمان بن أبي العاص: (كنا لا نأتي الختان على عهد رسول الله -- ولا ندعى إليه) ولأن التزويج يستحب إعلانه وكثرة الجمع فيه والتصويت, والضرب بالدف بخلاف غيره فأما الأمر بالإجابة إلى غيره فمحمول على الاستحباب بدليل أنه لم يخص به دعوة ذات سبب دون غيرها, وإجابة كل داع مستحبة لهذا الخبر ولأن فيه جبر قلب الداعي وتطييب قلبه, وقد دعي أحمد إلى ختان فأجاب وأكل فأما الدعوة في حق فاعلها فليست لها فضيلة تختص بها لعدم ورود الشرع بها, ولكن هي بمنزلة الدعوة لغير سبب حادث فإذا قصد فاعلها شكر نعمة الله عليه وإطعام إخوانه, وبذل طعامه فله أجر ذلك -إن شاء الله تعالى-.

 مسألة: 

قال: [ والنثار مكروه لأنه شبه النهبة, وقد يأخذه من غيره أحب إلى صاحب النثار منه ] اختلفت الرواية عن أحمد في النثار والتقاطه فروي أن ذلك مكروه في العرس وغيره وروي ذلك عن أبي مسعود البدري وعكرمة وابن سيرين وعطاء, وعبد الله بن يزيد الخطمي وطلحة وزبيد اليامي وبه قال مالك, والشافعي وروي عن أحمد رواية ثانية: ليس بمكروه اختارها أبو بكر وهو قول الحسن, وقتادة والنخعي وأبي حنيفة, وأبي عبيد وابن المنذر لما روى عبد الله بن قرط قال: (قرب إلى رسول الله -- خمس بدنات أو ست, فطفقن يزدلفن إليه بأيتهن يبدأ فنحرها رسول الله -- وقال كلمة لم أسمعها فسألت من قرب منه, فقال: قال: من شاء اقتطع) رواه أبو داود وهذا جار مجرى النثار وقد روي (أن النبي -- دعي إلى وليمة رجل من الأنصار ثم أتوا بنهب فأنهب عليه قال الراوي: ونظرت إلى رسول الله -- يزاحم الناس أو نحو ذلك قلت: يا رسول الله -- أوما نهيتنا عن النهبة؟ قال: نهيتكم عن نهبة العساكر) ولأنه نوع إباحة فأشبه إباحة الطعام للضيفان ولنا ما روي عن النبي -- أنه قال: (لا تحل النهبى والمثلة) رواه البخاري وفي لفظ (, أن النبي -- نهى عن النهبى والمثلة) ولأن فيه نهبا, وتزاحما وقتالا وربما أخذه من يكره صاحب النثار, لحرصه وشرهه ودناءة نفسه ويحرمه من يحب صاحبه لمروءته وصيانة نفسه وعرضه والغالب هذا, فإن أهل المروآت يصونون أنفسهم عن مزاحمة سفلة الناس على شيء من الطعام أو غيره ولأن في هذا دناءة والله يحب معالي الأمور, ويكره سفسافها فأما خبر البدنات فيحتمل أن النبي -- علم أنه لا نهبة في ذلك لكثرة اللحم وقلة الآخذين أو فعل ذلك لاشتغاله بالمناسك عن تفريقها وفي الجملة فالخلاف إنما هو في كراهية ذلك, وأما إباحته فلا خلاف فيها ولا في الالتقاط لأنه نوع إباحة لماله فأشبه سائر الإباحات.

 مسألة: 

قال: [ فإن قسم على الحاضرين, فلا بأس بأخذه ] كذا روي عن أبي عبد الله -رحمه الله- أن بعض أولاده حذق فقسم على الصبيان الجوز أما إذا قسم على الحاضرين ما ينثر مثل اللوز, والسكر وغيره فلا خلاف في أن ذلك حسن, غير مكروه وقد روي عن أبي هريرة قال: (قسم النبي -- يوما بين أصحابه تمرا فأعطى كل إنسان سبع تمرات, فأعطاني سبع تمرات إحداهن حشفة لم تكن فيهن تمرة أعجب إلي منها شدت إلى مضاغي) رواه البخاري وكذلك إن وضعه بين أيديهم, وأذن لهم في أخذه على وجه لا يقع تناهب فلا يكره أيضا قال المروذي: سألت أبا عبد الله عن الجوز ينثر؟ فكرهه وقال: يعطون يقسم عليهم وقال محمد بن علي بن بحر: سمعت حسن أم ولد أحمد بن حنبل تقول: لما حذق ابني حسن, قال لي مولاي: حسن لا تنثري عليه فاشترى تمرا وجوزا فأرسله إلى المعلم, قالت: وعملت أنا عصيدة وأطعمت الفقراء فقال: أحسنت أحسنت وفرق أبو عبد الله على الصبيان الجوز, لكل واحد خمسة خمسة.

 فصل: 

ومن حصل في حجره شيء من النثار فهو له غير مكروه لأنه مباح حصل في حجره فملكه كما لو وثبت سمكة من البحر فوقعت في حجره, وليس لأحد أن يأخذه من حجره لما ذكرناه.

 فصل: 

ولا بأس أن يخلط المسافرون أزوادهم ويأكلوا جميعا وإن بعضهم أكثر من بعض فلا بأس وقد كان السلف يتعاهدون في الغزو والحج ويفارق النثار فإنه يؤخذ بنهب وتسالب وتجاذب بخلاف هذا.

 فصل: 

في آداب الطعام يستحب غسل اليدين قبل الطعام وبعده, وإن كان على وضوء قال المروذي: رأيت أبا عبد الله يغسل يديه قبل الطعام وبعده وإن كان على وضوء وقد روي عن النبي -- أنه قال: (من أحب أن يكثر خير بيته, فليتوضأ إذا حضر غداؤه وإذا رفع) رواه ابن ماجه وروى أبو بكر بإسناده عن الحسن بن علي أن النبي -- قال: (الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر وبعده ينفي اللمم) يعني به غسل اليدين وقال النبي --: (من نام وفي يده ريح غمر, فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه) رواه أبو داود ولا بأس بترك الوضوء لما روى أبو هريرة (أن النبي -- خرج من الغائط فأتى بطعام, فقال رجل: يا رسول الله ألا آتيك بوضوء؟ قال: لا أريد الصلاة) رواه ابن ماجه وعن جابر قال: (أقبل رسول الله -- من شعب الجبل وقد قضى حاجته, وبين أيدينا تمر على ترس أو جحفة فدعوناه فأكل معنا وما مس ماء) رواه أبو داود وروي عنه (أنه كان يحتز من كتف شاة في يده, فدعي إلى الصلاة فألقاها من يده ثم قام فصلى, ولم يتوضأ) رواه البخاري ولا بأس بتقطيع اللحم بالسكين لهذا الحديث وقال مهنا: سألت أحمد عن حديث يروى عن النبي --: (لا تقطعوا اللحم بالسكين فإنه من صنع الأعاجم, وانهشوه نهشا فإنه أهنأ وأمرأ) قال: ليس بصحيح واحتج بهذا الحديث الذي ذكرناه.

 فصل: 

وتستحب التسمية عند الأكل وأن يأكل بيمينه مما يليه لما روى عمر بن أبي سلمة قال: (كنت يتيما في حجر رسول الله -- فكانت يدي تطيش في الصحفة فقال لي النبي --: يا غلام, سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك) متفق عليه وعن ابن عمر عن النبي -- قال: (إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه, فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله) رواه مسلم وعن عائشة أن رسول الله -- قال: (إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله, فإن نسي أن يذكر اسم الله في أوله فليقل: بسم الله أوله وآخره وكان رسول الله -- جالسا ورجل يأكل فلم يسم حتى لم يبق من طعامه إلا لقمة فلما رفعها إلى فيه قال: بسم الله أوله وآخره فضحك النبي -- ثم قال: ما زال الشيطان يأكل معه, فلما ذكر اسم الله قاء ما في بطنه) رواهن أبو داود وعن عكراش بن ذؤيب قال: (أتي النبي -- بجفنة كثيرة الثريد والودك فأقبلنا نأكل فخبطت يدي في نواحيها, فقال: يا عكراش كل من موضع واحد فإنه طعام واحد ثم أتينا بطبق فيه ألوان الرطب فجالت يد رسول الله -- في الطبق, وقال: يا عكراش كل من حيث شئت فإنه غير لون واحد) رواه ابن ماجه ولا يأكل من ذروة الثريد لما روى ابن عباس, عن النبي -- أنه قال: (إذا أكل أحدكم طعاما فلا يأكل من أعلى الصحفة ولكن ليأكل من أسفلها, فإن البركة تنزل من أعلاها) وفي حديث آخر: (كلوا من جوانبها ودعوا ذروتها يبارك فيها) رواهما ابن ماجه.

 فصل: 

ويستحب الأكل بالأصابع الثلاث, ولا يمسح يده حتى يلعقها قال مثنى: سألت أبا عبد الله عن الأكل بالأصابع كلها؟ فذهب إلى ثلاث أصابع فذكرت له الحديث الذي يروى عن النبي -- أنه كان يأكل بكفه كلها فلم يصححه ولم ير إلا ثلاث أصابع وقد روى كعب بن مالك, قال: (كان رسول الله يأكل بثلاث أصابع ولا يمسح يده حتى يلعقها) رواه الخلال بإسناده. ويكره الأكل متكئا لما روى أبو جحيفة أن رسول الله -- قال: (لا آكل متكئا) رواه البخاري ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعقها لما روينا, ولما روي عن ابن عباس عن النبي -- قال: (إذا أكل أحدكم طعاما فلا يمسح يده حتى يلعقها أو يلعقها) رواه أبو داود وعن نبيشة قالت: قال رسول الله -- (من أكل في قصعة فلحسها, استغفرت له القصعة) رواه الترمذي وعن جابر قال: قال رسول الله --: (إذا وقعت اللقمة من يد أحدكم فليمسح ما عليها من الأرض وليأكلها) رواه ابن ماجه.

 فصل: 

ويحمد الله تعالى إذا فرغ لقول رسول الله --: (إن الله ليرضى من العبد أن يأكل الأكلة, أو يشرب الشربة فيحمده عليها) رواه مسلم وعن أبي سعيد قال: (كان النبي -- إذا أكل طعاما, قال: الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين) رواه أبو داود وعن أبي أمامة, عن النبي -- (أنه كان يقول إذا رفع طعامه الحمد لله كثيرا مباركا فيه غير مكفي, ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا) وعن معاذ بن أنس الجهني, عن رسول الله -- قال: (من أكل طعاما فقال: الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة, غفر له ما تقدم من ذنبه) رواهن ابن ماجه وروي (أن النبي -- أكل طعاما هو وأبو بكر وعمر ثم قال: من قال في أوله: بسم الله, وبركة الله وفي آخره: الحمد لله الذي أطعم وأروى وأنعم وأفضل فقد أدى شكره). ويستحب الدعاء لصاحب الطعام لما روى جابر بن عبد الله قال: صنع أبو الهيثم للنبي -- وأصحابه طعاما فدعا النبي -- وأصحابه, فلما فرغ قال: " أثيبوا صاحبكم " قالوا: يا رسول الله وما إثابته؟ قال: (إن الرجل إذا دخل بيته وأكل طعامه, وشرب شرابه فدعوا له فذلك إثابته) وعن أنس, أن النبي -- جاء إلى سعد بن عبادة قال: فجاء بخبز وزيت فأكل, ثم قال النبي --: (أفطر عندكم الصائمون وأكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة) رواهما أبو داود.

 فصل: 

قال محمد بن يحيى: قلت لأبي عبد الله: الإناء يؤكل فيه, ثم تغسل فيه اليد؟ فقال: لا بأس وقيل لأبي عبد الله: ما تقول في غسل اليد بالنخالة؟ فقال: لا بأس به نحن نفعله واستدل الخطابي على جواز ذلك بما روى أبو داود بإسناده عن رسول الله -- (أنه أمر امرأة أن تجعل مع الماء ملحا, ثم تغسل به الدم من حيضة) والملح طعام ففي معناه ما أشبهه والله أعلم.