تجارب الأمم/المجلد الثالث

  ►المجلد الثاني المجلد الثالث المجلد الرابع ◄  


[ تتمة تجارب العصر الأموي ]

[ تتمة خلافة يزيد بن عبد الملك ]

بسم الله الرّحمن الرّحيم وحسبنا الله ونعم الوكيل الحمد لله ربّ العالمين، وصلواته على محمّد النّبيّ وآله الأخيار أجمعين

ودخلت سنة أربع ومائة

فغزا الحرشيّ وقطع النّهر وعرض النّاس، ثم سار فنزل قصر الرّيح على فرسخين من الدّبوسية ولم يجتمع إليه جنده، وأمر النّاس بالرّحيل.

فقال له هلال بن عليم الحنظلي:

« يا هناه، إنّك وزيرا خير منك أميرا. إنّ الأرض حرب شاغرة برجلها، ولم يجتمع لك جندك، وقد أمرت بالرّحيل. » قال:

« فكيف لي؟ » قال:

« تأمر بالنّزول. » فقبل ونزل.

وخرج ابن عمّ لملك فرغانة يقال له السّلار إلى الحرشيّ، فقال له:

« إنّ أهل السّغد بخجندة. » وأخبره خبرهم وقال:

« عاجلهم قبل أن يصيروا إلى الشّعب، فليس علينا لهم جوار حتى يمضى الأجل. »

فوجّه الحرشيّ مع السّلار عبد الرّحمن القشيري في جماعة، ثم ندم بعد ما فصلوا، وقال:

« جاءني علج لا أدري صدقنى أم كذبني، فغررت بجند من المسلمين. » وارتحل في أثرهم حتى نزل بأسروشنة، فصالحهم على شيء يسير، وسار جادّا مغذّا حتى لحق القشيريّ بعد ثالثة، وسار حتى انتهى إلى خجندة، فاستشار الفضل بن بسّام وقال:

« ما ترى؟ » قال:

« أرى المعاجلة. » قال:

« لكني لا أرى ذلك، إن جرح رجل فإلى من يرجع، أو قتل قتيل إلى من يحمل؟ ولكني أرى النّزول والتّأنّى، والاستعداد للحرب. » فنزل، ورفع الأبنية، وأخذ في التّأهب، فلم يخرج أحد من الغد، فجبّن النّاس يومئذ الحرشيّ وقالوا:

« كان هذا يذكر رأيه وبأسه بالعراق، فلمّا صار إلى خراسان ماق. » فحمل رجل من العرب، فضرب بعمود باب خجندة حتى فتح الباب، وقد كانوا حفروا في ربضهم وراء الباب الخارج خندقا، وغطّوه بقصب وعلّوه بالتّراب مكيدة، وأرادوا، إذا التقوا، إن انهزموا، أن يكونوا قد عرفوا الطّريق، ويشكل على المسلمين، فسقطوا في الخندق. فلمّا خرجوا قاتلوهم وأخطئوا هم الطّريق، فسقطوا في الخندق دهشا فأخرجوا من الخندق أربعين رجلا على الرّجل درعان درعان. وحصرهم الحرشيّ ووضع عليهم المجانيق.

فأرسلوا إلى ملك فرغانة:

« غدرت بنا. » وسألوه النّصر. فقال:

« أغدر ولا أنصركم. فانظروا لأنفسكم، فقد أتوكم قبل انقضاء الأجل، ولستم في جواري. » فلمّا يئسوا من نصره طلبوا الصّلح وسألوا الأمان، وأن يردّهم إلى السّغد.

فاشترط عليهم أن يردّوا ما في أيديهم من نساء العرب وذراريّهم، وأن يؤدّوا ما كسروا من الخراج، ولا يغتالوا أحدا، ولا يتخلّف منهم بخجندة أحد، فإن أحدثوا حدثنا حلّت دماؤهم.

فخرج إليه كارذنج. فقال له:

« إنّ لي إليك حاجة أحبّ أن تشفعني فيها. » قال:

« ما هي؟ » قال:

« أحبّ، إن جنى منهم رجل جناية بعد الصّلح، ألّا تأخذنى بما جنى. » فقال الحرشيّ:

« ولى حاجة فاقضها. » قال:

« وما هي؟ » قال:

« لا تلحقنّ في شرطي ما أكره. » ثم أخرج التّجّار والملوك من الجانب الشّرقيّ، وترك أهل خجندة الّذين هم أهلها على حالهم.

فقال كارذنج للحرشيّ:

« ما تصنع؟ » قال:

« أخاف عليك معرّة الجند. » فكان عظماؤهم مع الحرشيّ في العسكر، ونزلوا على معارفهم في الجند، ونزل كارذنج على أيّوب بن أبي حسّان.

وبلغ الحرشيّ أنّهم قتلوا امرأة من نساء كنّ في أيديهم. فقال لهم:

« بلغني أنّ ثابتا صاحب اشتيخنج قتل امرأة ودفنها تحت حائط. » فجحدوا. فأرسل الحرشيّ إلى قاضى خجندة، فنظروا، فإذا المرأة مقتولة.

فدعا الحرشيّ بثابت وأرسل كارذنج غلامه إلى باب السّرادق ليأتيه بالخبر، وسأل الحرشيّ ثابتا وغيره عن المرأة، وكان الحرشيّ تيقّن أنّه قتلها من جهات، فقتله. فرجع غلام كارذنج إليه بقتل ثابت. فجعل يعضّ على لحيته ويقرضها بأسنانه، وخاف كارذنج أن يستعرضهم الحرشيّ، فقال لأيّوب بن أبي حسّان:

« إني ضيفك وصديقك، ولا يجمل بك أن تقتل ضيفك في سراويل خلق ربما بدا منه عورته. » قال:

« فخذ سراويلي. » قال:

« وهذا أيضا لا يجمل، أقتل في سراويلاتكم! ولكن سرّح غلامي إلى ابن أخي يجيئني بسراويل جديد. »

وكان قال لابن أخيه:

« إذا أرسلت إليك أطلب سراويلا، فاعلم أنّه القتل. » فلمّا بعث بالسّراويل، أخرج قديدة خضراء، فقطّعها عصائب، وعصبها برؤوس شاكريّته. ثم خرج هو وشاكريّته، فاعترض النّاس، فقتل خلقا وتضعضع العسكر، ولقي النّاس منه شرّا، حتى انتهى إلى ثابت بن عثمان بن مسعود في طريق ضيّق، فقتله ثابت. وكان في أيدى السّغد أسرى من المسلمين، فقتلوا خمسين ومائة، وأفلت منهم غلام، فأخبر الحرشيّ، فأرسل من علم علمهم، فوجد الخبر حقّا، فأمر بقتل من عنده، وعزل التّجّار عنهم، وكان التّجار أربعمائة، كان معهم مال عظيم قدموا به من الصّين. فامتنع أهل السّغد، ولم يكن لهم سلاح، فقاتلوا بالخشب، فقتلوا عن آخرهم. فكان عدد الحرّاثين خاصّة سبعة آلاف.

ثم أرسل من يحصى أموال التّجّار، وكانوا اعتزلوا وقالوا: لا نقاتل.

فاصطفى أموال السّغد وذراريّهم، فأخذ منه كلّ ما أعجبه. ثم دعا مسلم بن بديل العدويّ، فقال:

« قد ولّيتك المقسم. » فقال:

« بعد ما عمل فيه عمّالك ليلة؟ ولّه غيري. » فولّاه عبيد الله بن زهير بن حيّان العدويّ، فأخرج الخمس وقسم الأموال، وكتب الحرشيّ إلى يزيد بن عبد الملك ولم يكتب إلى عمر بن هبيرة.

وكان هذا ممّا وجد عليه فيه عمر بن هبيرة.

عجيب ما حكى في تلك الحال

فمن عجيب ما حكى في تلك الحال أنّ رجلا اشترى جونة بدرهمين من صاحب الأقباض، فانصرف بها. فلمّا حلّها، وجد فيها سبائك ذهب، فرجع وهو واضع يده على وجهه وكأنّه رمد. فردّ الجونة وأخذ الدّرهمين. ثم طلب، فلم يوجد.

فتح قلعة

وسرّح الحرشيّ سليمان بن أبي السّريّ، وهو مولى لبنى عوافة، الى قلعة ليفتحها. وكان يمرّ بوادي السّغد من وجه واحد، وأنفذ معه خوارزم شاه، وشوكر بن ختلّ، وعودم صاحب أجرون. فوجّه سليمان بن أبي السّريّ على مقدّمته المسيّب بن بشر الرياحيّ. فتلقّاه أصحاب القلعة على فرسخ، فقاتله، فهزمهم المسيّب، حتى ردّهم إلى القلعة، فحصرهم سليمان ودهقانها يقال له: ديوشتى فكتب الحرشيّ إلى سليمان يعرض عليه المدد. فأرسل إليه:

« ملتقانا ضيّق، فسر أنت إلى كسّ، فأنا في كفاية إن شاء الله. ».

فلمّا طال الحصار على ديوشتى، طلب النّزول في أمان. فقال سليمان:

« لا، إلّا على حكم سعيد الحرشيّ. »

فرضي بذلك، ونزل على أن يوجّهه مع المسيّب بن بشير الحرشيّ. فوفى له سليمان، ووجّهه إلى الحرشيّ، فألطفه وأكرمه مكيدة، وطلب أهل القلعة الصّلح بعد مسيره على ألّا يعرض لمائة أهل بيت منهم ونسائهم وأبنائهم ويسلّمون إليه القلعة. فكتب سليمان إلى الحرشيّ أن يبعث الأمناء لقبض ما في القلعة، فبعث ثقاته فباعوا ما في القلعة مزايدة، فأخذ الخمس، وقسم الباقي بينهم.

خروج الحرشي إلى كس وربنجن

وخرج الحرشيّ إلى كسّ، فصالحوه على عشرة آلاف رأس، وصالح دهقانها على أن يوفيه ذلك في أربعين يوما على ألّا يأتيه.

فلمّا فرغ من كسّ خرج إلى ربنجن فقتل ديوشتى، وصلبه على ناؤوس، وكتب على أهل ربنجن كتابا بمائة رأس إن فقد من موضعه، وولّى نصر بن سيّار قبض صلح كسّ، ثم عزل سورة بن أبجر، وولّى نصر بن سيّار، وبعث برأس ديوشتى إلى العراق.

وكانت خران منيعة لا يطمع فيها فأشير على سليمان أن يوجّه المسربل بن الخرّيت النّاجى، وكان المسربل صديقا لملكها وكان محببا إليهم، فوجّهه، فلما وصل إلى القوم خبّر ملكها بما صنع الحرشيّ بأهل خجندة وخوّفه. قال:

« فما ترى لي؟ » قال:

« أن تنزل بأمان. » قال:

« فما أصنع بمن لحق بي من عوامّ النّاس؟ » قال:

« تصيّرهم معك في أمانك. » فصالحهم، وآمنوه وبلاده، ورجع الحرشيّ إلى مرو ومعه هذا الملك واسمه سبغرى. فلمّا نزل أسباذ، قتل سبغرى ومعه أمانه.

ويقال: إنّ دهقان بن ماخر قدم على ابن هبيرة، فأخذ أمانا لأهل السّغد، فحبسه الحرشيّ بمرو. فلمّا قدم دعا به فقتله وصلبه في الميدان. فقال راجزهم:

إذا سعيد سار في الأخماس في رهج يأخذ بالأنفاس دارت على الشّرك أمرّ الكاس وطارت التّرك على الأحلاس ولّوا فرارا عطل القياس وفي هذه السّنة رحل أبو محمّد الصّادق وعدّة من أصحابه من خراسان إلى محمّد بن عليّ بن عبد الله بن العبّاس، وقد ولد له أبو العبّاس قبل ذلك بخمس عشرة ليلة، فأخرجه إليهم في خرقة وقال لهم:

« والله، ليتمّنّ هذا الأمر حتى تدركوا ثاركم من عدوّكم. »

عزل سعيد بن عمرو الحرشي عن خراسان

وفي هذه السّنة، عزل عمر بن هبيرة سعيد بن عمرو الحرشيّ عن خراسان، وولّاها مسلم بن سعيد بن أسلم بن زرعة الكلابي.

ذكر السبب في ذلك

كان عمر بن هبيرة وجد على الحرشيّ في أشياء. أحدها أنّه قد كان كتب إليه بتخلية ديوشتى، فقتله، وكتب أمانا لدهقان بن ماخر، فصلبه، وكان يستخفّ بأمر ابن هبيرة، وإذا ورد عليه له رسول قال له: كيف « أبو المثنّى »، ويقول لكاتبه: « أكتب إلى أبي المثنّى » ولا يقول: « الأمير. » فبلغ ذلك ابن هبيرة، فدعا جميل بن حمران، وقال له:

« قد بلغني أشياء عن الحرشيّ، فأخرج إلى خراسان، وأظهر أنّك قدمت تنظر في الدّواوين، واعلم لي علمه. » فقدم جميل، فقال له الحرشيّ:

« كيف تركت أبا المثنّى؟ » وجعل جميل ينظر في الدّواوين. فقيل للحرشيّ:

« إنّ جميلا ما قدم للنّظر في الدّواوين، وما قدم إلّا ليعلم علمك. » فدسّ إليه طعاما مسموما، فأكله ومرض، وتساقط شعره، وبادر بالخروج إلى هبيرة، فعولج واستبلّ وصحّ، فقال لابن هبيرة:

« الأمر أعظم ممّا بلغك، ما يرى سعيد إلّا أنّك بعض عمّاله. » فغضب وعزله وعذّبه، حتى نفخ في بطنه النّمل.

وكان سعيد يقول حين عزله عمر:

« لو سألنى ابن هبيرة درهما يضعه على عينه ما أعطيته. » فلمّا عذّب أدّى شيئا كثيرا. فقيل له:

« ألم تزعم أنّك لا تعطيه درهما؟ » فقال:

« ما كنت ذقت العذاب. »

ذكر السبب في ولاية مسلم بن سعيد خراسان

لمّا قتل سعيد بن أسلم ضمّ الحجّاج ابنه مسلما مع ولده، وهو مسلم بن سعيد بن أسلم بن زرعة بن عمرو بن الصّعق، واسم الصّعق خويلد، فتأدّب ونبل. فلمّا قدم عديّ بن أرطاة، أراد أن يولّيه لما رأى من أدبه ونبله. فشاور كاتبه فقال « ولّه ولاية خفيفة، ثم ارفعه. » فولّاه ولاية، فقام بها وضبطها وأحسن. فلمّا وقعت فتنة يزيد بن المهلّب، حمل تلك الأموال إلى الشّام. فلمّا قدم عمر بن هبيرة أجمع على أن يولّيه ولاية، فدعاه ولم يكن شاب بعد، ثم نظر فرأى شيبة في لحيته، فكبّر.

قال: ثم سمر ذات ليلة ومسلم في سمره، فتخلّف مسلم بعد السّمّار وفي يد ابن هبيرة سفرجلة، فألقاها إليه تحيّة، وقال:

« أيسرّك أن أولّيك خراسان؟ » قال:

« نعم. » قال:

« أغد إليّ إن شاء الله. » فلمّا أصبح جلس، ودخل النّاس، فدعا مسلما، وعقد له على خراسان، وكتب عهده، وكتب إلى عمّال الخراج أن يكاتبوا مسلم بن سعيد.

فسار مسلم، فقدم خراسان نصف النّهار، ووافى دار الإمارة، فوجد بابها مغلقا، فأتى المسجد، فوجد باب المقصورة مغلقا، فصلّى. وخرج وصيف من باب المقصورة فقيل له: الأمير. فمشى بين يديه حتى أدخله مجلس الوالي في دار الإمارة، وأعلم الحرشيّ بمكانه، فأرسل إليه:

« أقدمت أميرا أو وزيرا أو زائرا؟ » فأرسل إليه:

« مثلي لا يقدم خراسان زائرا ولا وزيرا. » فأتاه الحرشيّ، فشتمه، وأمر بحبسه. فقيل له:

« إن أخرجته نهارا قتل. » فحبسه عنده حتى أمسى، ثم قيّده.

وبعث مسلم على كورة رجلا من قبله على حربها، وكان ابن هبيرة أخذ قهرمانا ليزيد بن المهلّب، له علمّ بأهل خراسان وبأشرافهم، وأمره أن يكتب له كلّ من عنده مال، وعليه طريق للسّلطان. فلم يدع شريفا إلّا قرفه.

فكتب ابن هبيرة إلى مسلم مع أبي عبيدة العنبري يأمره بجباية تلك الأموال.

فأراد مسلم أخذ النّاس بتلك الأموال الّتى فرّقت عليهم. فقال له نصحاؤه:

« إن فعلت هذا بهؤلاء لم يكن لك بخراسان قرار، وإن لم تعمل في هذا حتى يوضع عنهم فسدت عليك وعليهم خراسان، لأنّ هؤلاء أعيان النّاس، قرفوا بالباطل. إنّما كان على مهزم بن جابر ثلاثمائة ألف، فزادوا مائة ألف، فصار أربعمائة ألف، وعامّة من سمّى لك ممّن كثير عليه، هو بمنزلته. » فكتب مسلم بذلك إلى ابن هبيرة، وأوفد وفدا فيهم مهزم بن جابر. فلمّا وصلوا قال مهزم بن جابر: « أيّها الأمير، إنّ الّذى رفع إليك رفع الباطل والظّلم. ما علينا من هذا كلّه إلّا القليل الّذى لو أخذنا، به أدّيناه. » فقال ابن هبيرة:

« إنّ الله يأمركم أن تؤدّوا الأمانات إلى أهلها. » قال:

« فليقرأ الأمير ما بعده: وإذا حكمتم بين النّاس أن تحكموا بالعدل. » فقال ابن هبيرة:

« لا بدّ من هذا المال. » قال:

« أما والله، إن أخذته لتأخذنّه من قوم شديدة شوكتهم ونكايتهم في عدوّك وليضرّنّ ذلك بأهل خراسان في عدّتهم وكراعهم وحلقتهم، ونحن في ثغر نكابد فيه الأعداء لا تنقضي حربهم، وإنّ أحدنا ليلبس الحديد حتى يلتبس صدأه بجلده، وحتى إنّ الخادمة التي تخدمه لتصرف وجهها عن مولاها، أو عمّن تخدمه لسهوكة الحديد، وأنتم في بلادكم متفضّلون في الرّقاق وفي المعصفرات، والّذين قرفوا بهذه الأحوال وجوه أهل خراسان، وأهل الولايات والكلف العظام في المغازي، وقبلنا قوم قدموا علينا، فجاؤوا على الحمرات، فولّوا الولايات، واقتطعوا الأموال، فهي عندهم موفّرة جمّة. » فكتب ابن هبيرة إلى مسلم بأن يستخرج هذه الأموال ممّن ذكر الوفد أنّها عندهم، وكما ذكروا. فلمّا أتى مسلما كتاب ابن هبيرة أخذ أهل العهد بتلك الأموال فأمر حاجب بن عمرو الحارثي أن يعذّبهم، ففعل حتى استوفى منهم ما قرفوا به.

موت يزيد بن عبد الملك

وفي هذه السّنة مات يزيد بن عبد الملك، وكان بالبلقاء من أرض دمشق، وله ثمان وثلاثون سنة، وكانت خلافته في قول هشام بن محمّد وأبي معشر أربع سنين وشهرا، ويكنّى أبا خالد، وكان صاحب لهو وطرب، وكانت عنده حبابة، وهي الّتى تسمّى العالية، وسلامة، وهو الّذي طرب يوما فقال:

« أطير والله. » فقالت له حبابة:

« فعلى من تدع الأمّة! »

خلافة هشام بن عبد الملك

واستخلف هشام بن عبد الملك

أتت هشاما الخلافة وهو بالزّيتونة، في دويرة صغيرة كانت له. فجاءته الخلافة على البريد، وسلّم إليه العصا والخاتم، وسلّم عليه بالخلافة.

فركب هشام من الرّصافة حتى أتى دمشق.

قدوم بكير بن ماهان من السند

وفي هذه السّنة قدم بكير بن ماهان من السّند، وكان بها مع الجنيد بن عبد الرّحمن ترجمانا له. فلمّا عزل الجنيد قدم الكوفة ومعه أربع لبنات من فضّة ولبنة من ذهب. فلقى أبا عكرمة الصّادق، وميسرة، ومحمّد بن خنيس، وسالما الأعين، وأبا يحيى مولى بنى سلمة. فذكروا له أمر دعوة بنى هاشم، فقبل ذلك ورضيه، وأنفق عليهم ما معه، ودخل إلى محمّد بن عليّ، ومات ميسرة، فوجّه محمّد بن عليّ بكير بن ماهان إلى العراق مكان ميسرة، فأقامه مقامه.

عزل عمر بن هبيرة

وفي هذه السّنة عزل هشام بن عبد الملك عمر بن هبيرة عن العراق، وما كان إليه من عمل المشرق، وولّى ذلك كلّه خالد بن عبد الله القسري.

ودخلت سنة ستّ ومائة

بب الوقعة بين المضرية واليمانية وربيعة ببلخ

وفيها ولد عبد الصّمد بن عليّ، وفيها كانت الوقعة بين المضريّة واليمانيّة وربيعة بالبروقان من أرض بلخ. وكان سبب ذلك أنّ مسلمة بن سعيد غزا، فقطع النّهر، وتباطأ عنه النّاس، وكان ممّن تباطأ عنه البختري بن درهم.

فلمّا أتى النّهر ردّ نصر بن سيّار وسليمان بن موسى بن عبد الله بن خازم وبلعاء بن مجاهد بن عبد الله العنبري وجماعة أمثالهم إلى بلخ، وعليهم جميعا نصر بن سيّار، وأمرهم أن يخرجوا النّاس إليه. فأحرق نصر باب البختري وزياد بن طريف الباهلي، فمنعهم عمرو بن مسلم بن عمرو من دخول بلخ، وكان واليا عليها. فنزل نصر البروقان، وأتاه أهل صغانيان، وأتاه سلمة العقفانى من بنى تميم وحسّان بن خالد الأسدى، وكلّ واحد في خمسمائة، وأتاه سنان الأعرابى، وزرعة بن علقمة، سلمة بن أوس، والحجّاج بن هارون النّميرى في أهل بيته.

وتجمّعت بكر والأزد بالبروقان رأسهم البختري، وعسكر أيضا بالبروقان على نصف فرسخ منهم. فأرسل نصر إلى أهل بلخ:

« قد أخذتم أعطياتكم، فالحقوا بأميركم، فقد قطع النّهر. » فخرجت مضر إلى نصر، وخرجت ربيعة والأزد إلى عمرو بن مسلم بن عمرو ثم تكلّم النّاس المكرهون، فقال قوم من ربيعة:

« إنّ مسلم بن سعد يريد أن يخلع، فهو يكرهنا على الخروج. » واجتمع قوم من تغلب إلى عمرو بن مسلم:

« إنّك منّا. » وقال بعضهم شعرا ينسب فيه باهلة إلى تغلب. فقال عمرو بن مسلم حين عزاه التّغلبى إلى تغلب:

« أمّا القرابة فما أعرفها، وأمّا المنع فسأمنعكم. » فسفر الضحّاك بن مزاحم ويزيد بن المفضّل الحدّانى وكلّما نصرا في الانصراف.

فناشداه بالله، فانصرف. فحمل أصحاب عمرو بن مسلم والبختري، ونادوا:

« يال بكر. » فكرّ عليهم نصر، فكان أوّل قتيل رجل من باهلة من أصحاب عمرو بن مسلم، وقتل بعده ثمانية عشر رجلا سوى من قتل في السّكك. وانهزم عمرو بن مسلم إلى القصر، وأرسل إلى نصر:

« ابعث إلى بلعاء بن مجاهد. » فأتاه بلعاء فقال:

« خذ لي أمانا. » فآمنه نصر، وقال:

« لولا أن أشمت بك بكر بن وائل لقتلتك. » وقيل: بل أصابوا عمرو بن مسلم في طاحونة، وأخذ البختري في غيضة دخلها، وأخذ زياد بن طريف الباهلي، فضربهم نصر مائة مائة، وحلق رؤوسهم ولحاهم، وألبسهم المسوح.

ثم إنّ مسلما غزا في هذه السنّة، وكان خطب في ميدان يزيد، فقال:

« ما أخلّف بعدي شيئا أهمّ عندي من قوم يتخلّفون بعدي مخلّقى الرّقاب، يتواثبون الجدران على نساء المجاهدين، اللهمّ افعل بهم وافعل، وقد أمرت نصرا ألّا يأخذ متخلّقا إلّا قتله، وما أرى لهم من عذاب ينزله الله بهم. » يعنى عمرو بن مسلم وأصحابه.

فلمّا صار ببخارى أتاه الخبر بولاية خالد بن عبد الله القسري على العراق.

ثم أتاه كتاب خالد:

« أتمم غزاتك. »

فسار إلى فرغانة، وأتاه الخبر أنّ خاقان قد أقبل، ثم أتاه أنّ خاقان معسكر في موضع كذا. فأمر بالاستعداد للمسير. فلمّا أصبح ارتحل بالعسكر، فسار ثلاث مراحل في يوم. ثم سار من غد حتى قطع وادي السبّوح، وأقبل إليهم خاقان، وتوافت إليه الخيل، فأنزل عبد الله بن أبي عبد الله قوما من العرفاء والموالي، فأغار التّرك على ذلك الموضع، وعلى الّذين أنزلهم عبد الله، فقتلوهم، وأصابوا دوابّ لمسلم، وقتل المسيّب بن بشر الرياحيّ، وقتل البراء، وكان من فرسان المهلّب، وقتل أخو غورك، وثار النّاس في وجوههم، فأخرجوهم من العسكر، ودفع مسلم لواءه إلى عامر بن ماعز الحماني، ورحل هو بالنّاس. فسار ثمانية أيام وهم مطيفون بهم.

فلمّا كان الليلة التاسعة، أراد النّزول. فشاور النّاس، فأشاروا عليه بالنّزول، وقال:

« إذا أصبحنا وردنا الماء والماء منّا غير بعيد، وإنّك إن نزلت المرج تفرّق النّاس في الثّمار وانتهب عسكرك. » فقال لسورة بن أبجر:

« ما ترى يا بالعلاء؟ » قال:

« أرى ما رأى النّاس. » ونزلوا ولم يرفع بناء في العسكر، وأحرق النّاس ما ثقل من الأبنية والامتعة، فحرّقوا قيمة ألف ألف وأصبح النّاس، فساروا ووردوا الماء، فإذا دون النّهر أهل فرغانة والشّاش.

- قال مسلم بن سعيد:

« أعزم على كلّ رجل إلّا اخترط سيفه. » ففعلوا، فسارت الدّنيا كلّها سيوفا. فتركوا الماء، وعبروا. فأقام يوما، ثم قطع من غد، واتّبعهم ابن لخاقان.

قال: فأرسل حميد بن عبد الله وهو على السّاقة إلى مسلم:

« قف لي ساعة، فإنّ خلفي مائتي رجل من التّرك، حتى أقاتلهم. » وهو مثقل جراحة. فوقف النّاس، وعطف على التّرك، فأسر أهل السّغد وقائدهم وقائد التّرك في سبعة، وانصرف البقيّة، ورمى حميد بنشّابة في ركبته فمات.

وعطش النّاس بعد قطع النّهر، وكان عبد الرّحمن بن نعيم الغامدى حمل عشرين قربة على إبله. فلمّا رأى جهد النّاس أخرجها، فشربوا جرعا، واستسقى يوم العطش مسلم بن سعيد، فأتوه بإناء، فأخذه جابر، أو حارثة بن كثير من فيه. فقال مسلم:

« دعوه، فما نازعنى شربتى إلّا من حرّ دخله. » فأتوا خجندة، وقد أصابتهم شدّة ومجاعة. فانتشر النّاس، وورد الخبر بولاية أسد بن عبد الله خراسان، ولّاه خالد القسريّ وعزل مسلم بن سعيد.

فبينا النّاس بخجندة إذا فارسان يركضان ويسألان عن عبد الرّحمن بن نعيم، فأتياه بعهده من أسد بن عبد الله فأقرأه عبد الرّحمن مسلما، فقال:

« سمعا وطاعة. »

فكان عبد الرّحمن أوّل من اتّخذ الحياض في مفازة آمل.

وقيل: إنّ أعظم النّاس غناء يوم العطش إسحاق بن محمّد الغدانى. وكان عمر بن هبيرة قال لمسلم بن سعيد حين ولّاه خراسان:

« ليكن حاجبك من صالح مواليك، فإنّه لسانك والمعبّر عنك، وحثّ صاحب شرطتك على الأمانة، وعليك بعمّال العذر. » قال: « ومن عمّال العذر؟ » قال:

« مر أهل كلّ بلد أن يختاروا لأنفسهم. فإذا اختاروا رجلا فولّه، فإن كان خيرا كان لك، وإن كان شرّا كان لهم دونك وكنت معذورا. »

توبة بن أبي أسيد وما كان منه

وكان مسلم بن سعيد كتب إلى ابن هبيرة واستدعى منه توبة بن أبي أسيد مولى بنى العنبر، فكتب ابن هبيرة إلى عامله بالبصرة:

« احمل إليّ توبة بن أبي أسيد. » فحمله، فقدم، وكان جميلا وسيما جهيرا له سمت. فلمّا دخل على ابن هبيرة قال: « مثل هذا فليولّ. » ووجّه به إلى مسلم. فلمّا ورد عليه، قال له مسلم:

« هذا خاتمي، فاعمل برأيك. » فلم يزل معه حتى قدم أسد بن عبد الله، فأراد توبة أن يشخص مع مسلم. فقال له أسد:

« أقم معي، فأنا أحوج إليك من مسلم. » فأقام معه، فأحسن إلى النّاس، وألان جانبه، وأجمل مع الجند وأعطاهم أرزاقهم. فقال له أسد يوما:

« أحلفهم بالطّلاق، لا يتخلّف أحد عن مغزاه، ولا يدحل بديلا سواه. » فأبى ذلك توبة ولم يره صوابا وأحلفهم بأيمان أخر. فلمّا قدم عاصم بن عبد الله، أراد أن يحلّف النّاس بالطّلاق، وقالوا:

« نحلف بأيمان توبة. » فهم يعرفون ذلك له.

حج هشام بن عبد الملك وما استحسن له في هذا الحج

وحجّ بالنّاس في هذه السّنة هشام بن عبد الملك. فممّا استحسن له ما تحدّث به ابن أبي الزّناد عن أبيه، قال: كتب إليّ هشام بن عبد الملك قبل أن يدخل المدينة أن أكتب لي سنن الحجّ. فكتبتها له.

قال أبو الزّناد: فتلقّيته، فإني لفى موكبه أسير خلفه، إذ لقيه سعيد بن عبد الله بن الوليد بن عثمان بن عفّان. فنزل له، وسلّم عليه، ثم سار إلى جنبه.

فصاح هشام:

« أبو الزّناد! » فتقدّمت، فسرت إلى جانبه الآخر، فأسمع سعيدا يقول:

« يا أمير المؤمنين، إنّ الله لم يزل ينعم على أهل بيت أمير المؤمنين وينصر خليفته المظلوم، ولم يزالوا يلعنون أبا تراب في هذه المواطن الصّالحة.

فأمير المؤمنين ينبغي أن يلعنه في هذه المواطن الفاضلة. » قال: فشقّ على هشام، وثقل عليه كلامه، ثم قال:

« إنّا ما قدمنا لشتم أحد ولا لعنه، إنّما قدمنا حجّاجا. » ثم قطع كلامه، وأقبل عليّ، فقال:

« يا عبد الله بن ذكوان، فرغت ممّا كتبت إليك؟ » قلت:

« نعم. » قال: أبو الزّناد: وثقل على سعيد، ما حضرته يتكلّم به عند هشام، فرأيته منكسرا كلّما رآنى.

هشام بن عبد الملك وظلامة إبراهيم وألسنة قريش

وفي هذه السّنة أيضا كلّم إبراهيم بن محمّد بن طلحة هشام بن عبد الملك وهشام قد صلّى في الحجر، فقال له:

« أسألك بالله وبحرمة هذا البيت والبلد الّذى خرجت معظّما له ولحقّه لمّا رددت عليّ ظلامتي. » قال:

« أيّ ظلامة؟ » قال:

« دارى. » قال:

« فأين كنت عن أمير المؤمنين عبد الملك؟ » قال:

« ظلمني. » قال:

« فعن الوليد بن عبد الملك؟ » قال:

« ظلمني. » قال:

« فعن سليمان بن عبد الملك؟ » قال:

« ظلمني. » قال:

« فعن عمر بن عبد العزيز؟ » قال:

« رحمة الله عليه، لقد ردّها. » قال:

« فعن يزيد بن عبد الملك؟ » قال:

« هو قبضها مني وظلمني بعد قبضي لها وهي اليوم في يديك. » قال هشام:

« أما والله، لو كان فيك ضرب لضربتك. » قال إبراهيم:

« فيّ والله ضرب بالسّيف وبالسّوط. » فانصرف هشام، والأبرش خلفه. فقال:

« أبا مجاشح، كيف سمعت هذا اللسان؟ » قال:

« ما أجود لسانه! » قال:

« هذه قريش وألسنتها، ولا يزال في النّاس بقايا، ما رأيت مثل هذا. »

قدوم أسد خراسان

وكنّا حكينا قدوم خالد بن عبد الله العراق أميرا، وأنّه ولّى أخاه أسد بن عبد الله خراسان. فقدمها ومسلم غاز بفرغانة. فذكر عن أسد أنّه لمّا أتى النّهر ليقطعه، منعه الأشهب بن عبد الله بن تميم أحد بنى غالب، وكان على السّفن بآموية. فقال أسد:

« أقطعنى. » قال:

« لا سبيل إلى إقطاعك، لأنّى نهيت عن ذلك. » فقال:

« لاطفوه وأطمعوه. » فأبى. فقال له:

« فإني الأمير. » « ففعل حينئذ فقال له أسد:

« اعرفوا هذا حتى نشركه في أمانتنا. » فقطع النّهر وأتى السّغد، فنزل مرج السّغد، وعلى خراج سمرقند هانئ بن أبي هانئ. فخرج في النّاس يتلقّى أسدا. فلقوه بالمرج وهو جالس على حجر. فتطيّر النّاس وقالوا:

« أسد على حجر، ما عند هذا خير. » فقال له هانئ:

« أقدمت أميرا؟ » قال:

« نعم، وما معي إلّا ثلاثة عشر درهما هي في كمّى، وإنّما أنا رجل منكم. » ودخل سمرقند، وبعث رجلين معهما عهد عبد الرّحمن بن نعيم على الجند، وكان عبد الرّحمن يومئذ على السّاقة، فدفعا إليه العهد والكتاب بالقفول والإذن لهم. فقرأ الكتاب، وأتى به مسلم بن سعيد وبعهده. فقال مسلم:

« سمعا وطاعة. » فقام عمرو بن هلال السّدوسى، فقنعه سوطين لما كان منه إلى بكر بن وائل بالبروقان، وشتمه حسين بن عثمان بن بشر بن المحتفر. فغضب عبد الرّحمن بن نعيم، وزجرهما، وأغلظ لهما، ثم أمر بهما فدفعها، وقفل بالنّاس، وشخص معه مسلم. فلمّا قدموا على أسد، وهو بسمرقند، شخص أسد إلى مرو، وعزل هانئا، واستعمل على سمرقند الحسن بن أبي العمرّطة من ولد آكل المرار.

فقدمت على الحسن امرأته وهي الجنوب بنت القعقاع بن الأعلم سيّد الأزد ويعقوب بن القعقاع قاضى خراسان. فخرج يتلقّاها، وغزاهم التّرك، فقيل له:

« هؤلاء التّرك قد أتوك. » وكانوا سبعة آلاف. فقال:

« ما أتونا، ولكن أتيناهم، وغلبناهم على بلادهم، واستعبدناهم. وأيم الله، مع هذا، لأدنيّن بعضكم من بعض، ولأقرننّ نواصي خيلكم بنواصي خيلهم. ثم خرج، فتباطأ حتى أغار التّرك وانصرفوا. فقال النّاس:

« خرج إلى امرأته فتلقّاها مسرعا. وخرج إلى العدوّ متباطئا. » فبلغه ذلك، فلم يحتملها فخرج إليهم، وخطبهم وقال:

« تقولون وتعيبون. اللهم اقطع آثارهم، وعجّل أقدارهم، وأنزل بهم الضرّاء، وارفع عنهم السرّاء. » فشتم النّاس جهرا وشتموه سرّا.

خطيب يحصر

وكان استخلف حين خرج إلى التّرك ثابت قطنة، وكان خطيبا شاعرا. فلمّا خطب الناس حصر فقال:

« من يطع الله ورسوله فقد ضلّ! » وأرتج عليه، فلم ينطق بكلمة. فلمّا نزل عن المنبر قال:

فإلّا أكن فيكم خطيبا فإنّنى ** بسيفي، إذا جدّ الوغى لخطيب

فقيل له:

« لو قلت هذا على المنبر كنت خطيبا. » فهجاه حاجب الفيل، وكان يهاجيه، فقال:

أبا العلاء، لقد لاقيت معضلة ** يوم العروبة من كرب وتخنيق

لمّا رمتك عيون النّاس ضاحية ** أنشأت تجرض، لمّا قمت، بالرّيق

تلوى اللسان إذا رمت الكلام به ** كما هوى زلق من شاهق النّيق

وقال أيضا:

تقضى الأمور، وبكر غير شاهدة ** بين المجاذيف والسّكان مشغول

ما يعرف النّاس منه غير قطنته ** وما سواها من الآباء مجهول

ثم دخلت سنة سبع ومائة

بكير بن ماهان يوجه أبا عكرمة وأبا محمد الصادق ومحمد بن خنيس وعمار دعاة إلى خراسان

وفيها وجّه بكير بن ماهان أبا عكرمة، وأبا محمّد الصادق، ومحمّد بن خنيس، وعمّار العبادي في عدّة من شيعتهم، معهم زياد خال الوليد الأزرق، دعاة إلى خراسان. فجاء رجل من كندة إلى خراسان. فجاء رجل من كندة إلى أسد بن عبد الله، فوشى بهم إليه، فأتى بأبي عكرمه ومحمّد بن خنيس وعامّة أصحابه، ونجا عمّار. فقطع أسد أيدى من ظفر به وأرجلهم وصلبهم. وأقبل عمار إلى بكير بن ماهان، فأخبره الخبر، فكتب إلى محمّد بن عليّ بذلك.

فأجابه:

« الحمد لله الّذى صدّق مقالتكم ودعوتكم. أما إنّه قتلى ستقتل. »

غزو جبال تمرون

وفي هذه السّنة غزا أسد جبال تمرون ملك الغرشستان ممّا يلي جبال الطّالقان. فصالحه تمرون وأسلم على يديه، فهم اليوم يتولّون اليمن.

غزو الغور

وفيها غزا أسد الغور، وهي جبال هراة. فعمد أهلها إلى أثقالهم، فصيّروها في كهف ليس إليه طريق. فأمر أسد باتّخاذ توابيت، ووضع فيها الرّجال ودلّاها بالسّلاسل، فاستخرجوا ما قدروا عليه. فقال ثابت قطنة:

أرى أسدا تضمّن مقطعات ** تهيّبها الملوك ذوو الحجاب

سما بالخيل من أكناف مرو ** يوقّرهنّ بين هلا وهاب

إلى غورين حيث حوى أربّ ** وصافح بالسّيوف وبالحراب

هدى ضلّالنا قتلى نراها ** مصلّية بأفواه الشّعاب

وكان إذا أناخ بدار قوم ** أراها المخزيات من العذاب

ودخلت سنة ثمان ومائة غزو الختّل

وفيها غزا أسد بن عبد الله الختّل. فذكر علي بن محمّد بإسناده، أنّ خاقان أتى أسدا وقد انصرف إلى القواذيان وقطع النّهر، فلم يكن بينهم قتال، ومضى إلى الغوريان، فقاتلوهم يوما، وصبروا لهم، وبرز رجل من المشركين، فوقف أمام أصحابه، وركز رمحه وقد أعلم بعصابة خضراء، وسلم بن أحوز واقف مع نصر بن سيّار، فقال سلم لنصر:

« قد علمت سوء رأي أسد، وأنا حامل على هذا العلج، فلعلّى أقتله فيرضى. » قال:

« شأنك » فحمل عليه، فما اختلج رمحه حتى غشيه سلم، فطعنه، فإذا هو بين يدي فرسه يفحص برجليه، ورجع سلم، فوقف فقال لنصر:

« أنا حامل حملة أخرى. »

فحمل، حتى إذا دنا منهم اعترضه رجل من العدوّ، فاختلفا ضربتين، فقتله سلم، ورجع سلم جريحا، فوقف. فقال نصر لسلم:

« قف لي، حتى أحمل عليهم. » فحمل، حتى خالط العدوّ، فصرع رجلين، ورجع جريحا، ووقف فقال:

« أترى ما صنعنا يرضيه، لا رضي الله عنه؟ » قال:

« لا والله، فيما أظنّ. » قال: وأتاهما رسول أسد فقال:

« يقول لكما الأمير: قد رأيت موقفكما منذ اليوم، وقلّة غنائكما عن المسلمين، لعنكم الله! » فقالا:

« آمين، إن عدنا لمثل هذا. » وتحاجزوا يومئذ، ثم عادوا من الغد. فلم يلبث المشركون أن انهزموا، وحوى المسلمون عسكرهم، وظهروا على البلاد، فأسروا وغنموا.

ثم دخلت سنة تسع ومائة

عزل هشام بن عبد الملك خالدا القسري عن خراسان والسبب في ذلك

وفي هذه السنّة، عزل هشام بن عبد الملك خالد بن عبد الله القسري عن خراسان، وصرف أخاه أسدا عنها. وكان السّبب في ذلك أنّ أسدا أخا خالد تعصّب، حتى أفسد النّاس، وخطب في يوم جمعة فقال في خطبته:

« قبّح الله هذه الوجوه، وجوه أهل الشّقاق والنّفاق والشّغب والفساد.

اللهمّ فرّق بيني وبينهم، وأخرجنى إلى مهاجرى ووطنى. » ثم قال:

« من يروم ما قبلي، أو يترمرم وامير المؤمنين خالي، وخالد بن عبد الله أخي ومعي اثنا عشر ألف سيف يمان؟ » ثم نزل عن منبره. فلمّا صلّى ودخل عليه النّاس وأخذوا مجالسهم أخرج كتابا من تحت فراشه، فقرأه على النّاس، فيه ذكر نصر بن سيّار، وعبد الرّحمن بن نعيم، وسورة بن أبجر، والبختري بن أبي درهم من بنى الحارث بن عبّاد. فدعا بهم، وأنبهم، فأرّم القوم، وتكلّم سورة بن أبجر، فذكر حاله وطاعته ومناصحته، وأنّه ليس ينبغي له أن يقبل قول عدوّ مبطل، وأن يجمع بينهم وبين من فوقهم بالباطل. فلم يقبل قوله، وأمر بهم فجرّدوا، فضرب عبد الرّحمن بن النّعيم، وكان رجلا بطينا أرسح. فلمّا ضرب التوى وجعل سراويله يزلّ عن موضعه. فقام بعض أهل بيته، فأخذ رداء له هرويّا، وقام مادّا ثوبه بيديه، وهو ينظر إلى أسد يريد أن يأذن له فيؤزره. فأومأ إليه أن افعل. فدنا منه فأزّره وقال:

« اصبر أبا زهير، فإنّ الأمير وال مؤدّب. »

ثم ضرب الجميع، وحلّقهم بعد الضّرب، ودفعهم إلى عبد ربّه بن أبي صالح مولى بنى سليم وكان من الحرسي، وعيسى بن بريق، ثم وجّههم إلى خالد، وكتب إليه أنّهم أرادوا الوثوب عليه. فكان ابن بريق كلّما نبت شعر أحدهم حلقه.

وكان البختري بن أبي درهم يقول: « وددت أنّه ضربني وهذا شهرا. » يعنى نصر بن سيّار، لما كان بينهم بالبروقان.

فأرسل بنو تميم إلى نصر:

« إن شئتم انتزعناكم من أيديهم. » فكفّهم نصر. فلمّا قدم بهم على خالد، لام أسدا، وعنّفه، وقال:

« ألا بعثت برؤوسهم؟ » فقال عرفجة التميمي:

فكيف، وأنصار الخليفة كلّهم ** عناة وأعداء الخليفة مطلق

بكيت ولم أملك دموعي وحقّ لي ** ونصر شهاب الحرب في الغلّ موثق

وقال نصر:

بعثت بالعتاب في غير ذنب ** في كتاب تلوم أمّ تميم

إن أكن موثقا أسيرا لديهم ** في هموم وكربة وسهوم

رهن قسر فما وجدت بلاء ** كإسار الكريم عند اللئيم

أبلغ المدّعين قسرا، وقسر ** أهل عود القناة ذات الوصوم

هل فطمتم عن الخيانة والنّك ** ث، أم أنتم كالحاكم المستديم

وقال الفرزدق:

أ خالد، لو لا الله لم تعط طاعة ** ولو لا بنو مروان لم توثقوا نصرا

إذا للقيتم دون شدّ وثاقه ** بنى الحرب لا كشف اللقاء ولا غمرا

وكان قدم خراسان أبو محمّد مولى همدان، داعيا بعثه محمّد بن عليّ بن عبد الله بن عبّاس وقال له:

« أدع النّاس إلينا، وانزل في اليمن، والطف بمضر. » ونهاه عن رجل يقال له غالب من أبرشهر، لأنّه كان مفرطا في حبّ بنى فاطمة. فلمّا قدم زياد أبو محمّد، ودعا إلى بنى العبّاس، وذكر سيرة بنى مروان وظلمهم، وجعل يطعم النّاس الطّعام، توافى إليه خلق، فقدم عليه غالب من أبرشهر، فكانت بينهم منازعة، غالب يفضّل آل أبي طالب، وزياد يفضّل بنى العبّاس. فأخبر بخبرهم أسد بن عبد الله، فدعا بزياد، وكان معه رجل يكنّى أبا موسى. فلمّا نظر إليه أسد قال له:

« أعرفك، رأيتك في حانوت بدمشق. » قال:

« نعم. » قال أسد لزياد:

« فما هذا الّذى بلغني عنك. » قال:

« رفع إليك الباطل. إنّما قدمت خراسان في تجارة لي وقد فرّقت مالي على النّاس ولو قد صار إليّ خرجت. » قال له أسد:

« أخرج عن بلادي. » فانصرف عنه، وعاد إلى أمره.

وكان الحسن بن شيخ على خراج مرو، ويبلغه خبره، فدخل على أسد وعظّم عليه أمره، فأرسل إليه. فلمّا نظر إليه قال:

« ألم أنهك عن المقام بخراسان؟ » فقال له زياد:

« ليس عليك، أيّها الأمير، مني بأس. » فأحفظه فأمر بقتلهم، وكانوا عشرة.

فقال له أبو موسى:

« اقض ما أنت قاض. » فازداد غضبا وقال:

« أنزلتنى منزلة فرعون. » فقال:

« ما أنزلتك، ولكن الله أنزلك. » فقتلوا، وكانوا عشرة من أهل الكوفة، ولم ينج منهم يومئذ إلّا غلامان استصغرهما، وصلب الباقون. فأتى من الغد أحدهما وسأله أن يلحقه بأصحابه، فأشرف به على السّوق وهو يقول:

« رضينا بالله ربّا، وبالقرآن إماما، وبمحمد نبيا. »

فدعا أسد بسيف كان لبخارا خذاه، وضرب عنقه بيده.

ثم قدم بعدهم رجل من أهل الكوفة يقال له كثير. فكان يأتيه الّذين لقوا زيادا فيدعوهم. وكان على ذلك سنة أو سنتين، وكان كثير أمّيّا. فقدم عليه خداش وهو في قرية يقال لها مرغم، فغلب كثيرا على أمره. ولمّا تعصّب أسد وأفسد النّاس بالعصبيّة، بلغ ذلك هشاما، فكتب إلى خالد: اعزل أخاك.

فعزله، واستأذن له بالحجّ، ففعل. فقفل أسد إلى العراق، واستخلف الحكم بن عوانة الكلبيّ، فأقام الحكم صيفته ولم يغز.

استعمال هشام بن عبد الملك أشرس على خراسان

واستعمل هشام بن عبد الملك على خراسان أشرس بن عبد الله السّلمى، وأمره، أن يكاتب خالدا، وكان أشرس فاضلا خيّرا، كانوا يسمّونه: الكامل، لفضله عندهم.

وقال: ولمّا قدم خراسان، فرح به أهلها، فاستعمل على شرطته عميرة أبا أميّة اليشكري، ثم عزله وولّى السّمط، واستقضى محمّد بن زيد وكان أوّل من اتّخذ الرّابطة بخراسان، فاستعمل على الرّابطة عبد الملك بن زياد الباهليّ.

وتولّى أشرس صغير الأمور وكبيرها بنفسه، وكان يحجّ بالنّاس في هذه السّنين إبراهيم بن هشام. فيقال: إنّه خطب النّاس بمنى في غد يوم النّحر وقال:

« سلوني، فأنا ابن الوحيد، لا تسألون أحدا أعلم مني. » فقام إليه رجل من العراق فسأله عن الأضحية: أواجبة هي؟ فما درى أيّ شيء يقول، فنزل.

ثم دخلت سنة عشر ومائة

وفي هذه السّنة همّ أشرس بأن يدعو أهل الذّمّة ممّا وراء النّهر إلى الإسلام على أن يوضع عنهم الجزية.

ذكر سوء رأي أشرس وفساد تدبيره وحرصه على المال حتى نصب الناس له الحرب

ذكر أنّ أشرس قال في عمله بخراسان:

« أبغونى رجلا له ورع وفضل أوجّهه إلى من وراء النّهر يدعوهم إلى الإسلام. » فأشاروا عليه بأبي الصّيداء صالح بن طريف مولى بنى ضبّة، فقال:

« لست بالماهر بالفارسيّة. » فضمّوا إليه الرّبيع بن عمران التيمي. فقال أبو الصّيداء:

« فإني أخرج على شريطة أنّ من أسلم لم تؤخذ منه الجزية، فإنّما خراج خراسان على رؤوس الرّجال. » قال أشرس: « أجل، ذلك لك. » قال أبو الصيداء لأصحابه: « فإني أخرج، فإن لم يف أعنتمونى عليهم. » قالوا: « نعم. » فشخص إلى سمرقند، وعليها الحسن بن أبي العمرّطة الكندي حربها وخراجها. فدعا يومئذ أبو الصّيداء أهل سمرقند ومن حولها إلى الإسلام على أن توضع عنهم الجزية. فتسارع النّاس إلى ذلك، فكتب غورك إلى أشرس أنّ الخراج قد انكسر، وكتب أشرس إلى ابن أبي العمرّطة في ذلك، فقال ابن أبي العمرّطة لأبي الصّيداء:

« لست من الخراج في شيء. فدونك هانئا والاشحيذ. » فقام أبو الصّيداء يمنعهم من أخذ الجزية ممّن أسلم. فكتب هانئ إلى أشرس وقال:

« ممّن تأخذ الخراج، والنّاس قد أسلموا وبنو المساجد. » فكتب أشرس إلى هانئ والعمّال:

« إنّ الخراج قوّة للمسلمين، وقد بلغني أنّ أهل السّغد وأشباههم لم يسلموا رغبة وإنّما دخلوا في الإسلام تعوّذا من الجزية، فانظر من اختتن وأقام الفرائض، وحسن إسلامه، وقرأ من القرآن شيئا فارفع عنه خراجه، وإلّا فاستوفه منه. » فأعاد العمّال الجزية على من أسلم، فامتنعوا، واعتزل من أهل السّغد سبعة آلاف، فنزلوا على ستّة فراسخ من سمرقند، وخرج إليه أبو الصّيداء والرّبيع بن عمران التيمي، وأقسم الشّيبانى وأبو فاطمة الأزدي وجماعته من العرب لينصرونهم، ولم يخرج ابن أبي العمرّطة إلى حربهم، فعزل أشرس بن أبي العمرّطة عن الحرب، واستعمل مكانه المجشّر بن مزاحم السّلمى، وضمّ إليه عميرة بن سعد الشّيبانى.

فلمّا قدم المجشّر كتب إلى أبي الصّيداء وثابت قطنة، وكان خرج معه يسألهما أن يقدما عليه في أصحابهما، فقدم أبو الصّيداء وثابت قطنة، فحبسهما.

فقال أبو الصّيداء:

« أغدرتم ورجعتم عمّا قلتم؟ » فقال له هانئ:

« ليس بغدر ما كان فيه حقن الدّماء. » وحمل أبا الصّيداء إلى الأشرس، وحبس ثابت قطنة عنده. فلمّا حمل أبو الصّيداء اجتمع أصحابه، وولّوا أمرهم أبا فاطمة ليقاتلوا هانئا، فقال لهم:

« كفّوا، حتى أكتب إلى الأشرس فيأتينا رأيه. » فكتبوا إلى أشرس، فكتب الأشرس:

« ضعوا عليهم الجزية. » فرجع أصحاب أبي الصّيداء منكسرين وضعف أمرهم، ولم يقدموا على محاربة السّلطان، وتتبّع العمّال الرؤساء منهم وحملوا إلى مرو، وبقي ثابت قطنة محبوسا، وألحّ هانئ والعمّال في الخراج وجباية الأموال والجزية، حتى استخفّوا بعظماء العجم، وسلّطوا عليهم من أقامهم، وحرّق ثيابهم، وألقى مناطقهم في أعناقهم، وأخذوا الجزية من الضّعفاء. فكفرت السّغد وبخارى، واستجاشوا التّرك فلم يزل ثابت قطنة في حبس المجشّر حتى قدم نصر بن سيّار واليا على المجشّر، فحمل ثابتا إلى أشرس مع إبراهيم بن عبد الله الليثي، فحبسه، وكان نصر بن سيّار ألطفه وأحسن إليه، فمدحه ثابت وهو محبوس عند أشرس، فقال:

ما هاج شوقك من نؤى وأحجار ** ومن رسوم عفاها صوب أمطار

لم يبق منها ومن أعلام عرصتها ** إلّا صبيح، وإلّا موقد النّار

وماثل في ديار الحيّ بعدهم ** مثل الرّبيئة في أهدامه العاري

ديار ليلى قفار، لا أنيس بها ** دون الحجون وأين الحجن من دارى

بدّلت منها، وقد شطّ المزار بها ** وادي المخافة لا يسرى بها السّارى

بين السّماوة في حزم مشرّقة ** ومعنق دوننا آذيّة جارى

نقارع التّرك ما تنفك نائحة ** منّا ومنهم على ذي نجدة شار

إن كان ظنّى بنصر صادقا أبدا ** فما أدبّر من نقضي وإمرارى

لا يصرف الجند حتى يستفيء بهم ** نهبا عظيما ويوفى ملك جبّار

حتى تروهم ودون السّرح بارقة ** فيها لواء كظلّ الأجدل الضّارى

لا يمنع الضّيم إلّا ذو محافظة ** من الخضارم سبّاق بأوتار

إني وإن كنت من جذم الّذى نشرت ** منه الفروع وزندي الثّاقب الواري

لذاكر منك أمرا قد سبقت به ** من كان قبلك يا نصر بن سيّار

ناضلت عني نضال الحرّ إذ قصرت ** عني لعشيرة واستبطأت أنصاري

وصار كلّ صديق كنت آمله ** ألبا عليّ، ورثّ الحبل من جارى

وما تلبّست بالأمر الّذى وقعوا ** به عليّ ولا دنّست أطمارى

ولا عصيت إماما كان طاعته ** حقّا عليّ، ولا فارقت من عار

ولمّا ارتدّ أهل السّغد وأهل بخارى لأجل الجزية، واستجاشوا التّرك، خرج إليهم أشرس، فنزل آمل، وأقام ثلاثة أشهر، وقدم قطن بن قتيبة بن مسلم فعبر النّهر في عشرة آلاف واقبل التّرك مع أهل بخارى والسّغد فحصروا قطن بن قتيبة في خندقه، وجعل خاقان ينتخب كلّ يوم فارسا فيعبر، وقطعت قطعة من التّرك النهر فقال قوم:

« أقحموا دوابّكم عريا. » فعبروا، وأغاروا على سرح النّاس، فأخرج أشرس ثابت قطنة بكفالة عبد الله بن بسطام بن مسعود بن عمرو، ووجّهه مع عبد الله بن بسطام في خيل، فاتّبعوا التّرك، فقاتلوهم بآمل حتى استنقذوا ما بأيديهم. ثم قطع التّرك النّهر راجعين، ثم عبر أشرس بالنّاس إلى قطن بن قتيبة، ووجّه أشرس رجلا يقال له: مسعود، أحد بنى حيّان في سريّة، فلقيهم العدوّ، فقاتلهم، فهزم مسعود وأصيب رجال من المسلمين، وأقبل العدوّ. فلمّا صاروا بقرب، لقيهم المسلمون، فقاتلوهم، فجال المسلمون، فقتل في تلك الجولة خلق من المسلمين. ثم كرّ المسلمون، وصبروا، فانهزم المشركون، ومضى أشرس بالنّاس حتى نزل بيكند، وقطع عنهم العدوّ الماء، فأقام أشرس والمسلمون في عسكرهم يومهم وليلتهم، فأضحوا وقد نفد ماؤهم، فاحتفروا فلم ينبطوا وعطشوا، فارتحلوا إلى المدينة الّتى منها قطعوا الماء عنهم، وعلى مقدّمة المسلمين قطن بن قتيبة، فلقيهم العدوّ، فقاتلوهم، فجهدوا من العطش، فمات منهم سبعمائة وعجز النّاس عن القتال، وكاد قوم يوسرون من الجهد، فحضّ الحارث بن سريج النّاس. فقال:

« أيّها النّاس، القتل بالسّيف أكرم في الدّنيا وأعظم أجرا عند الله من الموت عطشا. » وتقدّم الحارث بن سريج وقطن بن قتيبة وجماعة من بنى تميم وقيس، فقاتلوا حتى أزالوا التّرك عن الماء، وابتدره النّاس، فاستقوا ورووا. فمرّ ثابت قطنة بعبد الملك بن دثار الباهلي، فقال:

« يا عبد الملك، هل لك في الجهاد؟ » قال:

« أنظرني ريث ما أغتسل وأتحنّط. » فوقف له، حتى خرج ومضى. فقال ثابت لأصحابه:

« أنا أعلم بقتال هؤلاء منكم. » وحضّهم، فحملوا على العدوّ، واشتدّ القتال، فقتل ثابت وعبد الملك في عدّة من المسلمين فضمّ قطن بن قتيبة وإسحاق بن حسّان خيلا من بنى تميم تبايعوا على الموت، فأقدموا على العدوّ، فقاتلوهم حتى كشفوهم وركبهم المسلمون يقتلونهم حتى حجزهم الليل وتفرّق العدوّ. فأتى أشرس بخارى فحاصر أهلها.

وتحدّث قوم شهدوا قتال التّرك لمّا التقوا على الماء وقاتلوا عليه، قالوا:

سمعنا ثابتا يقول:

« اللهمّ إني كنت ضيف ابن بسطام البارحة، فاجعلني ضيفك الليلة، والله لا ينظر إليّ بنو أميّة مشدودا في الحديد. » فحمل، وحمل أصحابه، فكذب أصحابه وثبت هو، فرمى برذونه فشبّ، وضربه فأقدم وضرب فارتثّ، فقال وهو صريع:

« اللهم إني أصبحت ضيفا لابن بسطام، وقد أمسيت ضيفك، فاجعل قراي من ثوابك الجنّة. »

ولحق غورك في تلك الوقعة بالتّرك. فيقال: إنّه وقع وسط خيل، فلم يجد بدّا من اللحاق بهم. ويقال: إنّ أشرس كان أرسل إلى غورك يطلب منه طاسا كان عنده. فقال غورك لرسول أشرس:

« إنّه لم يبق معي شيء أتدهّن به غير هذا الطّاس. فاصفح عنه. » فأرسل إليه:

« اشرب في قرعة، وابعث إليّ بالطّاس. » فكان ذلك سبب فراقه.

فيقال: إنّ أشرس نزل قريبا من مدينة بخارى، ثم تحوّل منه إلى كمرجة، وكانت كمرجة من أشرف آجام خراسان وأعظمها. فمرّ بهم سبّابة مولى قيس وقال:

« إني قصدتكم للنّصيحة. إنّ خاقان مارّ بكم غد، فأرى لكم أن تظهروا عدّتكم ليرى حدّا واحتشادا فينقطع طمعه منكم. » فقال لهم رجل:

« استوثقوا منه، فإنّه جاءكم ليفت في أعضادكم. » قالوا:

« لا تفعل هذا مولانا، وقد عرفناه بالنّصيحة. » فلم يقبلوا منه، وفعلوا ما أمرهم به المولى. وصبّحهم خاقان، فلمّا حاذى بهم ارتفع إلى طريق بخارى، كأنّه يريدها، فانحدر بجنوده من وراء تلّ بينه وبينهم. فنزلوا وتأهّبوا وهم لا يشعرون بهم. فما فاجأهم أن طلعوا على التّلّ، فإذا جبل حديد فيهم أهل فرغانة والطّاربند وأفشينة ونسف وطوائف من أهل بخارا. فسقط في أيدى النّاس.

فقال لهم كليب بن قبان الذّهلى:

« هم يريدون مزاحفتكم، فسرّحوا دوّابكم المجفّفة في طريق النّهر، كأنّكم تريدون أن تسقوها، فإذا حدرتموها فخذوا طريق الباب، وتسرّبوا الأوّل فالأوّل. » فلمّا رءاهم التّرك يتسرّبون، شدّوا عليهم في مضيق، وكانوا أعلم بالطّريق من التّرك، فسبقوهم إلى الباب، فلحقوهم عنده، وقتلوا رجلا من العرب كان على حاميتهم يقال له المهلّب، وقاتلوهم، فغلبوهم على الباب الخارج من الخندق ودخلوه، فاقتتلوا، وجاء رجل بحزمه قصب قد أشعلها، فرمى بها في وجوههم، فتنحّوا، وأجلوا عن قتلى وجراحات. وأمسى القوم.

فانصرف التّرك وأحرق العرب القنطرة.

وجاءهم خسرو بن يزدجرد في ثلاثين رجلا. فقال:

« يا معشر العرب، لم تقتلون أنفسكم وأنا الّذى جئت بخاقان ليردّ عليّ مملكة آبائى؟ وأنا آخذ لكم الأمان. » فشتموه، فانصرف.

فجاءهم بازغرى في مائتين، وكان داهية، من وراء النّهر، وكان خاقان لا يخالفه، ومعه رجلان من قرابة خاقان، ومعه أفراس من رابطة أشرس، فقال:

« آمنونا حتى ندنو منكم، وأعرض عليكم ما أرسلنى به إليكم خاقان. » فآمنوه، فدنا من المدينة، فأشرفوا عليه، ومعه أسرى من العرب، وقال بازغرى:

« يا معشر العرب، احدروا إليّ رجلا منكم أكلّمه برسالة خاقان. » فحدروا حبيبا مولى مهرة من أهل درقتين، فكلّموه، فلم يفهم. فقال:

« احدروا إليّ رجلا يعقل عني. » فحدروا يزيد بن سعيد الهلالي، وكان يشدو شيئا من التركية. فقال له:

« هذه خيل الرّابطة، ووجوه العرب، معه أسرى. » وقال لهم:

« إنّ خاقان أرسلنى إليكم وهو يقول لكم: إني أجعل من كان عطاءه منكم ثلاثمائة، ستّمائة، ومن كان عطاؤه ستّمائة أجعله ألفا، وهو مجمع بعد هذا على الإحسان إليكم. » فقال له يزيد:

« هذا أمر لا يلتئم، كيف يكون العرب وهم ذئاب، مع التّرك وهم شاء لا يكون بيننا وبينهم صلح. » فغضب بازغرى.

فقال التّركيان اللذان معه:

« ألا تضرب عنقه؟ » فقال:

« لا، نزل إلينا بأمان. » وفهم يزيد ما قالا له، فخاف. فقال:

« بلى يا بازغرى، إلّا أن تجعلونا نصفين، فيكون نصفنا في أثقالنا، ويسير النّصف معه، فإن ظفر خاقان فنحن معه، وإن كان غير ذلك كنّا كسائر مدائن سغد. » فرضي بازغرى والتّركيان بما قال. فقال له:

« اعرض على القوم ما تراضينا به. » وأقبل، فأخذ بطرف الحبل، فجذبوه حتى صار على السّور، فنادى:

« يا أهل كمرجه اجتمعوا، فقد جاءكم قوم يدعونكم إلى الكفر بعد الإيمان. » قالوا:

« لا نجيب ولا نرضى. » قال:

« يدعونكم إلى قتال المسلمين مع المشركين. » قالوا:

« نموت جميعا قبل ذلك. » قال:

« فأعلموهم ذلك. » قال:

« فأشرفوا عليهم. » فقال:

« يا بازغرى، أتبيع الأسرى الّذين في أيديكم فنفادى بهم؟ فأما ما دعوتنا إليه فإنّا لا نجيبكم إليه. » فقال لهم:

« أفلا تشترون أنفسكم منّا؟ فما أنتم عندنا إلّا بمنزلة من في أيدينا منكم. » وكان في أيديهم الحجّاج بن حميد النّضرى.

فقالوا:

« يا حجّاج، إلا تتكلّم؟ » قال:

« عليّ رقباء. » ثم أمر خاقان بقطع الشّجر. »

ذكر حيلة تمت مع اتفاق حسن

فكان خاقان يقطع الشّجر الرّطب، ويلقيه في الخندق، وجعل أهل كمرجة يلقون معه الحطب اليابس، حتى سوّى الخندق ليقطعوا إليهم. فأشعلوا النّيران، فهاجت ريح شديدة، صنعا من الله عز وجل، فاشتعلت النّيران في الحطب، فأحرق ما عملوا في ستّة أيام، في ساعة واحدة من نهار، ورميناهم فأوجعناهم، وشغلناهم بالجراحات، فأصابت بازغرى نشّابة في سرّته، فاحتقن بوله، فمات من ليلته، فقطع أتراكه أذانهم، فأصبحوا بشرّ منكّسين رؤوسهم يبكونه، ودخل عليهم أمر عظيم.

فلمّا امتدّ النّهار، جاءوا بالأسرى، وهم مائة، فيهم أبو العوجاء العتكي وأصحابه، فقتلوهم، ورموا إليهم برأس الحجّاج بن حميد النّضريّ، وكان مع المسلمين مائتان من أولاد المشركين كانوا رهائن في أيديهم، فقتلوهم، واستماتوا، واشتد القتال، وقاموا على باب الخندق، وصار منهم على السّور خمسة أعلام.

فقال كليب: « من لي بهؤلاء؟ » فقال ظهير بن مقاتل الطّلاوى:

« أنا لك بهم. » فذهب يسعى وقال لفتيان:

« امشوا خلفي. » وهو جريح.

فقتل من أصحاب الأعلام اثنان ونجا ثلاثة.

فقال لهم خاقان:

« عليكم بهذا الغنم وقسمه في أصحابه. » ثم قال لهم:

« كلوا لحومها واسلخوا جلودها واملأها ترابا، ثم اكبسوا خندقهم بها. » ففعلوا، وبعث الله سحابة فمطرت وسال الخندق، فاحتمل المطر ما ألقوا فيه، فألقاه في النّهر الأعظم. فيقال: إنّ خاقان لمّا رأى أنّه لا يصل إليهم، شتم أصحابه، وعيّر أهل السّغد وفرغانة والشّاش والدّهاقين وقال لهم:

« زعمتم أنّ في هذه خمسين حمارا وأنّا نفتحها في خمسة أيّام وقد صارت الخمسة الأيام شهرين. » وشتمهم وأمرهم بالارتحال، فقالوا:

« ما ندع جهدا، ولكن أحضرنا غدا فانظر. » فلمّا كان الغد جاء خاقان فوقف فقام إليه ملك الطّاربند، واستأذنه في القتال والدّخول عليهم. قال:

« لا أرى أن نقاتل في هذا الموضع. » وكان خاقان يعظّمه، فقال له:

« اجعل لي جاريتين من جواري العرب وأنا أدخل عليهم. » فأذن لهم، فقاتل حتى قتل ثمانية، وجاء حتى وقف على ثلمة، وكان إلى جنب الثّلمة بيت فيه خرق يفضى إلى الثّلمة، وفي البيت رجل مريض من بنى تميم، فرماه بكلّوب، فتعلّق بدرعه، ثم نادى النّساء والصّبيان فجذبوه حتى سقط لوجهه، ورماه رجل بحجر فأصاب أصل أذنه فصرع، وجاء شابّ أمرد من التّرك، فأخذ سيفه، وغلبناهم على جسده. وكانوا قد اتّخذوا أبنية من خشب، فألصقوها بحائط الخندق، ونصبوا قبالة ما اتّخذوا أبوابا، وأقعدوا وراءها الرّماة وجاء رجلان، فاطّلع أحدهما في الخندق، فرماه واحد منّا، فلم تضرّه الرّمية لكثرة سلاحه، وكان عليه كاسخودة تبّتيّة، فرماه رجل شيبانيّ، وليس يرى منه غير عينيه، ورماه غالب بن المهاجر، فدخلت نشّابة في عينيه وتنكّس، فلم يدخل خاقان شيء أشدّ منه. فأرسل إلى المسلمين: « أنّه ليس من رأينا أن نرتحل من مدينة ننزل عليها دون افتتاحها أو نرحلهم عنها. » فقال لهم كليب بن قبان:

« وليس من ديننا أن نعطى بأيدينا حتى نقتل، فاصنعوا ما بدا لكم. »

فرأى التّرك أنّ مقامهم عليهم ضرر، فقالوا:

« نعطيكم الأمان على أن ترحلوا بأموالكم وأهاليكم إلى سمرقند أو الدّبوسيّة. » ورأى أهل كمرجة ما هم فيه من الحصار والشدّة، فبعثوا إلى أهل سمرقند يشاورونهم. فأشاروا عليهم بالدّبوسيّة وقالوا: هي أقرب.

فرجع إلى أصحابه، فأخذوا من التّرك رهائن لئلّا يعرضوا لهم، وأخذ التّرك من العرب رهائن، وارتحل خاقان، وأظهر أنّه إنّما فعل ذلك من أجل غورك، أنّه مع العرب، وأنّ ابنه المختار طلب إليه في ذلك مخافة على أبيه. فأجابه إلى ذلك.

وقال المسلمون:

« أعطونا رجلا كبيرا يكون معنا. » فقال لهم التّرك:

« اختاروا من شئتم. » فاختاروا كورصول، وكان معهم. فلمّا ارتحل خاقان قال كورصول للعرب:

« ارتحلوا ».

قالوا:

« نكره أن نرتحل والتّرك لم يمضوا، فلا نأمنهم أن يعرضوا لبعض النّساء فتحمى العرب، فنصير إلى ما كنّا فيه من الحرب. » قال: فكفّ عنهم حتى مضى خاقان والتّرك.

فلمّا صلّوا الظّهر أمرهم كورصول بالرّحلة، وقال:

« إنّما الشّدّة والخوف أن تسيروا فرسخين، ثم تصيروا إلى قرى متّصلة، فارتحلوا. » وكان في أيدى التّرك من العرب خمسة رهائن، وفي أيدى العرب من التّرك خمسة، فارتدف خلف رجل من التّرك رجل من العرب معه خنجر، وليس على التّركى غير قباء، فساروا بهم. ثم قال العجم لكورصول:

« إنّ الدّبوسيّة فيها عشرة آلاف مقاتل، فلا نأمن أن يخرجوا علينا. » فقال لهم العرب:

« إن قاتلوكم قاتلناهم معكم. » فساروا، فلمّا صار بينهم وبين الدّبوسيّة قدر فرسخ وأقلّ، نظر أهلها إلى فرسان ورجّالة، فظنّوا أنّ كمرجة قد فتحت، وإنّ خاقان قصدهم. فتهيّأوا للحرب، فوجّه كليب بن قبان رجلا من بنى ناجية يقال له الضّحّاك، على برذون يركض، وعلى الدّبوسيّة عقيل بن ودّان السّعديّ. فأتاهم الضّحّاك وهم صفوف فرسان ورجّالة، فأخبرهم بالخبر، فأقبل أهل الدّبوسيّة يركضون، فحملوا كلّ من كان يضعف عن المشي ومن كان مجروحا. ثم إنّ كليبا أرسل محمّد بن كرّان ومحمّد بن درهم ليعلما سباع بن النّعمان وسعيد بن عطيّة وسائر الرّهائن في أيدى التّرك، أنّهم قد بلغوا مأمنهم، ثم خلّوا عن الرّهن، فجعلت العرب ترسل رجلا من الرّهن الّذين في أيديهم من التّرك، وترسل التّرك رجلا من الّذين في أيديهم من العرب، حتى بقي سباع بن النّعمان في أيدى التّرك، ورجل من التّرك في أيدى العرب، وجعل كلّ فريق منهم يخاف على صاحبه الغدر.

فقال سباع:

« خلّوا رهينة التّرك. » فخلّوه وبقي سباع في أيديهم. فلمّا التقى مع كورصول قال له:

« لم فعلت هذا؟ » قال:

« إني وثقت برأيك، وقلت: ترفّع نفسك عن الغدر في مثل هذا. » فوصله وسلّحه، وحمله على برذون، وردّه إلى أصحابه.

وكان حصار كمرجة خمسة وثلاثين يوما. فيزعمون أنّهم لم يسقوا إبلهم خمسة وعشرين يوما.

وفي هذه السّنة جعل خالد بن عبد الله القسري بالبصرة الصّلاة مع الشرط والأحداث، والقضاء إلى بلال بن أبي برده، فجمع ذلك كلّه.

ودخلت سنة احدى عشرة ومائة وفيها عزل هشام أشرس بن عبد الله عن خراسان

وكان السّبب في ذلك، أنّ شدّاد بن خالد بن عبد الله الباهلي شخص إلى هشام، فشكاه، فعزله واستعمل الجنيد بن عبد الرّحمن على خراسان سنة احدى عشرة ومائة. وكان السّبب في استعماله إيّاه، أنّه كان أهدى لأمّ حكيم بنت يحيى بن الحكم امرأة هشام قلادة فيها جوهر، فأعجبت هشاما، فأهدى لهشام قلادة أخرى، فاستعمله على خراسان، وحمله على ثمانية من البريد، فسأله أكثر من تلك الدوابّ، فلم يفعل. فقدم خراسان في خمسمائة وأشرس بن عبد الله يقاتل أهل بخارا والسّغد. فسأل عن رجل يسير معه إلى ما وراء النّهر، فدلّ على الخطّاب بن محرز السّلمى خليفة أشرس. فسار معه، فلمّا قدم آمويه، أشار عليه الخطّاب أن يقيم ويكتب إلى من بزمّ ومن حوله، فقدموا عليه، فأبى وقطع النّهر، وأرسل إلى أشرس أن أمدّنى بخيل، وخاف أن يقتطع قبل أن يصل إليه، فوجّه إليه أشرس عامر بن مالك الحمّانى. فلمّا كان ببعض الطّريق، عرض له التّرك والسّغد ليقتطعوه قبل أن يصل إلى الجنيد. فدخل عامر حائطا حصينا، وقاتلهم على ثلمة الحائط ومعه ورد بن زياد بن أدهم بن كلثوم، فرماه رجل من العدوّ بنشّابة عرض منخريه، فأنفذ المنخرين. فقال له عامر بن مالك:

« يا بالزّاهرية، كأنّك دجاجة مقفّ. » وكان خاقان على تلّ خلفه أجمة عظيمة. فخرج من عسكر أشرس، عاصم بن عمير السّمرقندى وواصل بن عمرو القينى في شاكريّته، فاستدارا حتى صارا من وراء الأجمة والماء، فضمّوا خشبا وقصبا وما قدروا عليه، حتى اتّخذوا طريقا، فعبروا عليه، فلم يشعر خاقان إلّا بالتّكبير من ورائه، وحمل واصل والشاكريّة على العدوّ، فقاتلوهم، فقتل تحت واصل برذونان، وهزم خاقان وأصحابه.

وخرج عامر بن مالك من الحائط، فمضى إلى الجنيد، وهو في سبعة آلاف، فتلقّى الجنيد، فأقبل معه وعلى مقدّمة الجنيد عمارة بن خزيم فلمّا انتهى إلى فرسخين من بيكند، تلقّته خيل التّرك، فقاتلهم، وكاد الجنيد يهلك ومن معه، ثم أظهره الله، فسار حتى قدم العسكر وقد ظفر بأولئك الأتراك. فزحف إليه خاقان فالتقوا دون رومان من بلاد سمرقند وقطن بن قتيبة على ساقة الجنيد، وواصل في أهل بخارا، وكان ينزلها قاسم ملك الشّاش، وأسر الجنيد ابن أخي خاقان في هذه الغزاة، فبعث به إلى هشام، وأوفد لمّا أصاب في وجهه ذلك عمّار بن معاوية العدويّ ومحمّد بن الجرّاح العبديّ وعبد ربّه بن أبي صالح السّلمى إلى هشام.

ثم أتى الجنيد مرو غانما ظاهرا.

فقال خاقان:

« هذا غلام مترف هرب مني العام، وأنا مهلكه في قابل. » واستعمل الجنيد عمّاله، فلم يستعمل إلّا مضريّا، وكان بينه وبين الباهليّين تباعد، لما كان بينهم بالبروقان.

ثم دخلت سنة اثنتي عشرة ومائة

وفي هذه السّنة استشهد الجرّاح بن عبد الله الحكمي في من معه من أهل الشّام بمرج أردبيل، وافتتحت التّرك أردبيل. ولمّا بلغ هشاما أنّ التّرك قتلت الجرّاح بن عبد الله وافتتحت أردبيل، دعا سعيد بن عمرو الحرشيّ، فقال له:

« أنّه بلغني أنّ الجرّاح بن عبد الله قد انحاز عن المشركين. » فقال:

« كلّا يا أمير المؤمنين، الجرّاح أعرف بالله من أن ينحاز عن العدوّ، لكنّه قتل. » قال:

« فما الرأي؟ » قال:

« تبعثني على أربعين دابّة من دوّاب البريد، ثم تبعث إليّ كلّ يوم أربعين دابّة عليها أربعون رجلا. ثم اكتب إلى أمراء الأجناد يوافونى. » ففعل ذلك هشام، فأصاب سعيد بن عمرو للتّرك ثلاثة جموع وفودا إلى خاقان بمن أسروا من المسلمين وأهل الذّمّة. فاستنفذ الحرشيّ ما أصابوا، وأكثر القتل فيهم.

ثم أنفذ هشام أخاه مسلمة بن عبد الملك في أثر التّرك، فسار في شتاء شديد البرد، ومطر وثلوج، فطلبهم، حتى جاز الباب، وخلّف الحارث بن عمرو الطائيّ بالباب.

وقعة الجنيد مع الترك

وفي هذه السّنة كانت وقعة الجنيد مع التّرك ورئيسهم خاقان بالشّعب. وفيها قتل سورة بن أبجر والأشراف.

وقد قيل: إنّ هذه الوقعة كانت في سنة ثلاث عشرة.

وكان سبب ذلك أنّ الجنيد بن عبد الرّحمن خرج غازيا في هذه السّنة يريد طخارستان، فنزل على نهر بلخ، ووجّه عمارة بن خزيم إلى طخارستان في ثمانية عشر ألفا، وإبراهيم بن بسّام الليثي في عشرة آلاف في وجه آخر.

وجاشت التّرك، فأتوا سمرقند، وعليها سورة بن أبجر أحد بنى دارم. وكتب سورة إلى الجنيد:

« انّ خاقان جاش بالتّرك، فخرجت إليهم، فما قدرت أن أمنع حائط سمرقند، فالغوث! »

فأمر الجنيد النّاس بالعبور، فقام إليه المجشّر بن مزاحم السّلمى وابن بسطام الأزدي، وابن صبيح الحرقى، فقالوا:

« إن التّرك ليسوا كغيرهم، لا يلقونك صفّا ولا زحفا وقد فرّقت جندك:

فمسلم بن عبد الرّحمن بالرّوب، والبختي بهراة، ولم يحضرك أهل الطّالقان، وعمارة بن خزيم غائب. » وقال له المجشّر:

« إنّ صاحب خراسان لا يعبر النّهر في أقلّ من خمسين ألفا، فأكتب إلى عمارة، فليأتك، وأمهل ولا تعجل. » قال:

« فكيف بسورة ومن معه من المسلمين، لو لم أكن إلّا في بنى مرّة، أو من طلع معي من أهل الشّام، لعبرت. » قال:

« أليس أحقّ النّاس أن يشهد الوغا ** وأن يقتل الأبطال، ضخم على ضخم»

وعبر، ونزل كسّ، وبعث الأشهب بن عبيد الحنظلي ليعلم علم القوم.

فرجع إليه فقال:

« قد أتوك، فتأهّب. » فبلغ التّرك مسيره، فعوّروا طريق كسّ وما فيه من الركايا.

فقال الجنيد:

« أيّ الطّرق إلى سمرقند أمثل؟ » قالوا:

« طريق المحترقة. » فقال المجشّر بن مزاحم السّلمى:

« القتل بالسّيف أمثل من القتل بالنّار. إنّ طريق المحترقة فيه الشّجر والحشيش، ولم يزرع منذ سنتين، فقد تراكم بعضه على بعض، فإن لقيت خاقان، أحرق ذلك كلّه، فقتلنا بالنّار والدّخان، ولكن خذ طريق العقبة، فهو بيننا وبينهم سواء. » فأخذ الجنيد طريق العقبة، فارتقى في الجبل. فأخذ المجشّر بعنان دابّته وقال:

« إنّه كان يقال: إنّ رجلا من قيس مترفا يهلك على يده جند من جنود خراسان، وقد خفنا أن تكونه. » قال: « أفرخ روعك. » فقال المجشّر: « أمّا ما كان بيننا مثلك فلا يفرح. » فبات في أصل العقبة، ثم ارتحل حتى. أصبح، فصار الجنيد بين مرتحل ومقيم، فتلقّاه فارس. فقال له:

« ما اسمك؟ » قال:

« حرب. » قال:

« ابن من؟ » قال:

« ابن محرب. » قال:

« ممّن؟ » قال:

« من بنى حنظلة. » قال:

« سلّط الله عليك الحرب، والحرب، والكلب. » ومضى بالنّاس حتى دخل الشّعب وبينه وبين سمرقند أربعة فراسخ.

فصبّحه خاقان في جمع عظيم، وزحف إليه السّغد، وشاش، وفرغانة. فحمل خاقان على المقدّمة، وعليها عثمان بن عبد الله بن السّخّير، فرجعوا إلى العسكر والتّرك تتبعهم وجاءوهم من كلّ وجه، وقد كان الإخريد قال للجنيد:

« ردّ النّاس إلى العسكر، فقد جاءك جمع كثير. » فطلع أوائل الخيل من العدوّ، والنّاس يتغدّون، فرءاهم عبيد الله بن زهير بن حيّان، فكره أن يعلم النّاس حتى يفرغوا من غدائهم، والتفت أبو الوأل، فرءاهم، وقال: « العدّو! » فركب النّاس إلى الجنيد. فصيّر تميما والأزد في الميمنة، وربيعة في الميسرة ممّا يلي الجبل، وعلى مجفّفة خيل بنى تميم عبيد الله بن زهير بن حيّان، وعلى المجرّدة عمر بن حرفاس المنقري، وعلى جماعة بنى تميم عامر بن مالك الحمّانى، وعلى الأزد عبد الله بن بسطام بن مسعود، وعلى خيلهم المجفّفة والمجرّدة فضيل بن هنّاد وعبد الله بن حوذان: أحدهما على المجفّفة والآخر على المجرّدة. فالتقوا وربيعة ممّا يلي الجبل في مكان ضيّق، فلم يقدم عليهم أحد. وقصد العدوّ الميمنة، وفيها تميم والأزد في موضع واسع فيه مجال للخيل، فترجّل حيّان بن عبيد الله بن زهير بين يدي أبيه، ودفع برذونه إلى أخيه عبد الملك.

فقال له أبوه:

« يا حيّان، انطلق إلى أخيك فإنّه حدث وأخاف عليه. » فأبى، فقال:

« يا بنيّ، إنّك إن قتلت على حالك هذه، قتلت عاصيا. » فرجع إلى الموضع الّذى خلّف فيه أخاه والبرذون فإذا أخوه قد لحق بالعسكر وقد شدّ البرذون، فقطع حيّان مقوده وركبه، فإذا العدوّ قد أحاطوا بالموضع الّذى خلّف فيه أباه وأصحابه، فأمدّهم الجنيد بنصر بن سيّار وبسبعة فيهم جميل بن غزوان. فدخل عبيد الله بن زهير معهم، وشدّوا على العدوّ، فكشفوهم، ثم كرّوا عليهم، فقتلوا جميعا، فلم يفلت أحد ممّن كان في ذلك الموضع. قتل عبيد الله بن زهير، وابن حوذان، وابن حرفاس، والفضيل بن هنّاد، وجالت الميمنة والجنيد واقف في القلب، فأقبل إلى الميمنة، فوقف تحت راية الأزد، وقد كان جفاهم.

فقال له صاحب راية الأزد:

« ما جئتنا لتحبونا ولا لتكرمنا، ولكنّك قد علمت أنّه لا يوصل إليك ومنّا رجل حي، فإن ظفرنا كان لك، وإن هلكنا لم تبك علينا، ولعمري، لئن ظفرنا وبقيت لا أكلّمك كلمة أبدا. » وتقدّم، فقتل، وأخذ الرّاية ابن مجّاعة، فقتل، فتناول الرّاية ثمانية عشر رجلا من الأزد.

قال: وصبر النّاس يقاتلون حتى أعيوا. فكانت السّيوف لا تحيك ولا تقطع شيئا، فقطع عبيدهم الخشب يقاتلون به! حتى ملّ الفريقان. فكانت المعانقة، فتحاجزوا. فقتل من الأزد خلق، وفيهم الفضيل الحارثي صاحب الخيل. وقتل يزيد بن الفضل الحدّانى، وكان حمل يوم الشّعب على مائة بعير سويقا للمسلمين، فجعل يسأل عن النّاس، فلا يسأل عن أحد إلّا قيل له: « قتل. » فاستقدم وهو يقول:

« لا إله إلّا الله. » فقاتل حتى قتل.

وقاتل يومئذ محمّد بن عبد الله بن حوذان وهو على فرس أشقر، عليه تجفاف مذهّب. فحمل سبع مرّات يقتل في كلّ مرّة رجلا، ثم يرجع إلى موقفه، فهابه كلّ من كان في ناحيته.

فناداه التّرجمان من قبل خاقان:

« يقول لك الملك: لا تستقتل، وتحوّل إلينا، فنرفض صنمنا الّذى نعبده، ونعبدك ».

فقال محمّد:

« إنما أقاتلكم لتتركوا عبادة كلّ شيء، وتعبدوا الله وحده. » وقاتل حتى استشهد.

وقتل جشم بن قريظ الهلالي، وقتل النّضر بن راشد العبدى، وكان دخل على امرأته والنّاس يقتتلون، فقال لها:

« كيف أنت إذا أتيت بابى ضمرة في لبد مضرّجا بالدّماء؟ » فشقّت جيبها، ودعت بالويل. فقال:

« حسبك، لو أعولت كلّ أنثى عليّ اليوم، لعصيتها شوقا إلى الجنّة. »

وقاتل حتى استشهد.

وبينا النّاس كذلك، إذ أقبل رهج، وطلعت فرسان.

فنادى منادى الجنيد:

« الأرض، الأرض. » فترجّل، وترجّل معه النّاس. ثم نادى منادى الجنيد:

« ليخندق كلّ قائد على حياله. » فخندق النّاس فتحاجزوا. وأصبحوا يوم السبت، فأقبل خاقان نصف النّهار، فلم ير موضعا القتال فيه أيسر من موضع بكر بن وائل، وعليهم زياد بن الحارث، فقصدوهم.

فقالت بكر لزياد:

« إن القوم قد كثروا، فخلّنا نحمل عليهم قبل أن يحملوا علينا. » فقال لهم:

« قد مارست منذ سبعين سنة أنّكم إن حملتم عليهم فصعدتم انبهرتم، ولكن دعوهم حتى يقربوا. » ففعلوا. فلمّا قربوا منهم، حملوا عليهم، فأخرجوا لهم، فسجد الجنيد.

وقال خاقان يومئذ:

« إنّ العرب إذا أحرجوا استقتلوا. فخلّوهم حتى يخرجوا، ولا تعرّضوا لهم. » وخرج جوار للجنيد يولولن، فانتدب رجال من أهل الشّام، فقالوا:

« الله الله، يا أهل خراسان، إلى أين؟ »

وقال [ الجنيد ]:

« ليلة كليلة الجرّاح، ويوم كيومه. » فقيل له:

« لم، أصلحك الله؟ » قال:

« إن الجرّاح سير إليه بآذربيجان، فقتل أهل الحجى والحفاظ. فلمّا جنّ عليه الليل انسلّ النّاس تحت الظّلمة إلى مدائن لهم بآذربيجان، وأصبح الجرّاح في قلّة، فقتل. »

سبب قتل سورة بن أبجر

وفي هذه الغزوة، قتل سورة بن أبجر التّميمى. وكان سبب ذلك أنّ عبد الله بن حبيب قال للجنيد:

« اختر بين أن تهلك أنت أو سورة. » فقال:

« هلاك سورة أهون عليّ. » قال:

« فاكتب إليه، فليأتك في أهل سمرقند، فإنّ التّرك إن بلغهم أنّ سورة قد توجّه إليك انصرفوا إليه، فقاتلوه. » فكتب إلى سورة يأمره بالقدوم عليه، وقيل: كتب إليه: « أغثنى. » فقال عبادة بن السّليل لسورة:

« انظر أبرد بيت بسمرقند، فنم فيه. فإنّك إن خرجت لا تبالي أسخط عليك الأمير، أم رضى. » وقال له حليس بن غالب الشّيبانى:

« إنّ التّرك بينك وبين الجنيد، فإن خرجت كرّوا عليك، فاختطفوك. »

فكتب إلى الجنيد:

« إني لا أقدر على الخروج. » فكتب إليه الجنيد:

« يا بن اللخناء، لتقدمنّ، أو لاوجّهنّ شدّاد بن خالد الباهلي وكان له عدوّا فاقدم، وضع فلانا بفرّخشاذ في خمسمائة ناشب، والزم الماء، فلا تفارقه. » فأجمع على المسير. فقال له الوجف بن خالد العبدى:

« إنّك لهلك نفسك والعرب ومن معك بمسيرك. » قال:

« لا بدّ. » فقال له عبادة وحليس:

« أمّا إذا أبيت فخذ على النّهر. » فقال:

« أنا لا أصل إليه على النّهر في يومين، وبيني وبينه من هذا الوجه ليلة فأصبّحه، فإذا سكنت الرّجل سرّ فصبّحته. »

ذكر إفشاء سره في ذلك حتى هلك هو ومن معه

فكان خطأه في هذا الرّأى أن أظهره، وكان ينبغي أن يعرّض بغير الطّريق [ الّذى ] يسلكه. فلمّا قال ما قاله، جاءت عيون الأتراك إلى خاقان، فأخبروه بما عزم عليه سورة.

وأمر سورة بالرّحيل، واستخلف على سمرقند موسى بن أسود، وخرج في اثنى عشر ألفا. فأصبح على رأس جبل دلّه عليه علج. فتلقّاه خاقان حين أصبح، وقد سار ثلاثة فراسخ، وبينه وبين الجنيد فرسخ.

فقال بعض الرّواة وهو أبو الذّيّال:

« قاتلهم في أرض حوّارة. » فصبر، وصبروا حتى اشتدّ الحرّ. فقال له غورك:

« يومك يوم حارّ، فلا تقاتلهم حتى تحمى الشّمس عليهم، وعليهم السّلاح، يثقلهم. » فأخذ خاقان برأيه، وأشعل النّيران في الحشيش، وواقعهم، وحال بينهم وبين الماء.

فقال سورة لعبادة:

« ما ذا ترى يا أبا السّليل؟ » قال:

« تركت الرّأى. » قال:

« فما ترى الآن؟ » قال:

« أن تشرع الرّماح، وتزحف زحفا، فإنّما هو فرسخ حتى تصل إلى العسكر. » قال: « لا أقوى على هذا، ولا يقوى فلان وفلان وعدّد رجالا ولكني أرى أن أجمع الخيل ومن أرى أنّه يقاتل، فأصكّهم به، سلمت أم عطبت. » فجمع النّاس، وحملوا، فانكشف التّرك، وثار الغبار، فلم يبصروا. وكان وراء التّرك لهب فسقطوا فيه، سقط فيه العدوّ والمسلمون، وسقط سورة، فاندقّت فخذه، وتفرّق النّاس، فانجلت الغبرة والنّاس متفرّقون. فعطفت التّرك، فقتلوهم لم ينج منهم إلّا ألف رجل.

فانحاز المهلّب بن زياد العجلى في سبعمائة إلى رستاق يعرف بالمرغاب، فأصيب المهلّب بالمرغاب. لأنّ القوم تبعوهم وقاتلوهم، وقاتلهم أهل قصر من قصور المرغاب. فلمّا أصيب المهلّب، ولّوا أمرهم الوجف بن خالد.

فقال لهم غورك وكان في من تبعهم مع التّرك:

« يا وجف، لكم الأمان. » فقال قريش بن عبد الله. » « لا تثقوا بهم. ولكن إذا جنّنا الليل خرجنا عليهم حتى نأتى سمرقند.

فإنّا إن أصبحنا قتلونا. » فعصوه وأقاموا. فساقوهم إلى خاقان فقال:

« لا أجيز أمان غورك. » فقال غورك للوجف:

« أنا عبد لخاقان، من شاكريّته. » قال:

« فلم غررتنا؟ » فقاتلهم الوجف وأصحابه فقتلوا غير سبعة عشر رجلا دخلوا حائطا فأمسوا. فقطع المشركون شجرة فألقوها على ثلمة الحائط، فجاء قريش بن عبد الله العبدى إلى الشّجرة، فرمى بها، فخرج في ثلاثة، فأتوا ناؤوسا فكمنوا فيه، وجبن الآخرون، فقتلوا حين أصبحوا، وقتل سورة.

وكان الجنيد خرج من الشّعب لمّا اشتغل التّرك بسورة، وبادر بالسّير، وكان خالد بن عبيد الله بن حبيب يقول له:

« سر، سر. » ومجشّر بن مزاحم السّلمى يقول:

« أذكّرك الله، أقم. » والجنيد يتقدّم. فلمّا رأى المجشّر ذلك، نزل، فأخذ بلجام دابّة الجنيد. فقال:

« والله، لا تسير ولتنزلنّ طائعا أو كارها، ولا ندعك تهلكنا بقول هذا الهجريّ، انزل. » فنزل، ونزل النّاس، فلم يتتامّ نزولهم حتى طلع التّرك.

فقال المجشّر:

« لو لقونا ونحن نسير، ألم يستأصلونا؟ » فلمّا أصبحوا تناهضوا، فانكشفت طائفة وجال النّاس.

فقال الجنيد:

« ايّها النّاس، إنّها النّار. » فتراجعوا، وأمر الجنيد رجلا فنادى:

« أيّ عبد قاتل فهو حرّ. » فقاتل العبيد قتالا عجبا عجب منه النّاس، وجعل أحدهم يأخذ اللّبد، فيجوبه، ويجعله في عنقه يتوقّى به، فسرّ النّاس بما رأوا من صبرهم، وحمل العدوّ، وصبر النّاس حتى انهزم العدوّ. فقال موسى بن النّعر للنّاس:

« أتفرحون بما رأيتم من العبيد! والله، إنّ لكم منهم ليوما أرونان. » ومضى الجنيد إلى سمرقند، فحمل عيال من كان مع سورة إلى مرو. وكان المجشّر صاحب رأى في الحرب يرجع إليه. وأمّا عبيد الله بن حبيب فكان له تعبئة في القتال وعلم به، وكان عبد الرّحمن بن صبح الحرقيّ إذا نزل الأمر العظيم في الحرب، لم يكن لأحد مثل رأيه.

ولمّا انصرف التّرك إلى بلادهم بعث الجنيد بنهار بن توسعة مع ابن عمّ له إلى هشام بن عبد الملك يخبره.

« أنّ سورة عصاني. أمرته بلزوم الماء، فلم يفعل، وتفرّق أصحابه، وأصيب سورة في جماعة من أصحابه. » فدعا هشام بنهار بن توسعه، فاستخبره الخبر، فأخبره بجميع ما شهد. وكان الجنيد أوفد إلى خالد، وأوفد خالد إلى هشام يحسّن أمره في قتل سورة.

فقال هشام:

« إِنَّا لِلَّهِ، وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. مصاب سورة بخراسان، والجرّاح بالباب. » فكان أبلى نصر بن سيّار يوم الشّعب، فانقطع سيفه، وانقطع سير ركابه.

فأخذ سيور ركابه يضرب بها من كان يقاتله حتى أثخنه، وسقط في اللهب مع سورة جماعة يومئذ، فلم يشكر الجنيد لنصر ما كان من بلائه.

فقال نصر:

إن تحسدونى على حسن البلاء لكم ** يوما، فمثل بلائي جرّ لي حسدا

يأبى الإله الّذى أعلى بقدرته ** كعبي عليهم، وأعطى فوقكم عضدا

وضربي التّرك عنكم يوم فرقكم ** بالسّيف في الشّعب، حتى جاوز السّندا

ذكر آراء أشير بها عليه فأخذ بأصولها

ولمّا أقام الجنيد بسمرقند، وانصرف خاقان إلى بخارى، وكان عليها قطن بن قتيبة، فخاف النّاس على قطن من التّرك. فشاورهم الجنيد. فقال قوم:

« الزم سمرقند، واكتب إلى أمير المؤمنين يمدّك بالجنود. » وقال قوم:

« بل تسير وتأتى ربنجن، ثم تسير منها إلى كسّ ثم إلى نسف، فتصل منها إلى أرض زمّ، وتقطع النّهر، فتنزل آمل، فتأخذ عليه بالطّريق. »

فبعث إلى عبد الله بن أبي عبد الله، فقال:

« قد اختلف النّاس عليّ فأخبره بما قالوا فما الرأي؟ » فاشترط عليه ألّا يخالفه في ما يشير به من ارتحال ونزول أو قتال. قال:

« نعم. » « فإنى أطلب إليك خصالا. » قال:

« ما هي؟ » قال:

« تخندق حيثما نزلت، ولا يفوتنّك حمل الماء ولو كنت على شاطئ نهر، وأن تطيعنى في نزولك وارتحالك.

فأعطاه ما أراد. فقال:

« أمّا ما أشاروا به عليك في مقامك بسمرقند حتى يأتيك الغياث، فالغياث يبطئ عليك. وإن سرت فأخذت بالنّاس غير الطّريق، فتتّ في أعضادهم وانكسروا عن عدوّهم، واجترأ عليك خاقان وهو اليوم قد استفتح بخارى ولم تفتح له. فإن أخذت بهم في غير الطّريق، تفرّق النّاس عنك مبادرين إلى منازلهم، ويبلغ أهل بخارى فيستسلمون لعدوّهم وإن أخذت الطّريق الأعظم، هابك العدوّ. والرّأى أن تعمد إلى عيالات من شهد الشّعب وأصحاب سورة، فتقسمهم على عشائرهم، وتحملهم معك، فإني أرجو أن ينصرك الله على عدوّك وتعطى كلّ رجل تخلّف بسمرقند ألف درهم وفرسا. » فأخذ برأيه، وخلّف بسمرقند عثمان بن عبد الله بن الشّخّير في ثمانمائة رجل فرسانا ورجّالة، وأعطاهم سلاحا.

فشتم النّاس عبد الله بن أبي عبد الله وقالوا:

« عرّضنا للهلاك. » وأمر الجنيد بحمل العيال، وخرج معه النّاس، وعلى طلائعه الوليد بن القعقاع، وسرّح الجنيد الأشهب بن عبيد الحنظلي ومعه عشرة من طلائع الجند، وقال له:

« كلّما مضيت مرحلة، فسرّح إليّ رجلا يعلمني الخبر. » وسار الجنيد، فلمّا صار بقصر الرّيح، أخذ عطاء الدّبوسيّ بلجام فرس الجنيد، فكبحه فقرع رأسه هارون الشّاشى مولى ابن خازم بالرّمح حتى كسره على رأسه.

فقال الجنيد لهارون: « خلّ عن الدّبوسيّ. » وقال له:

« مالك يا دبوسيّ؟ » قال:

أنظر أضعف شيخ في عسكرك، فسلّحه سلاحا تامّا، وقلّده سيفا وجعبة وترسا، وأعطه رمحا، ثم سر بنا على قدر مشيه، فإنّا لا نقدر على السّوق والقتال وسرعة السّير ونحن رجّالة. » ففعل ذلك الجنيد، فلم يعرض النّاس عارض حتى خرجوا من الأماكن المخوفة، ودنا من الطواويس، فجاءتنا الطلائع بإقبال خاقان، فعرضوا لهم بكرمينية أوّل يوم من شهر رمضان. فلمّا ارتحل الجنيد من كرمينية قدّم محمّد بن زيد في الأساورة آخر النّهار فلمّا كان في طرف مفازة كرمينية رأى العدوّ ضعيفا. فرجع إلى الجنيد، فأخبره. فنادى منادى ألّا يخرج المكذّبون إلى عدوّهم. فخرج النّاس وشبّت الحرب، وجاء عبد الله بن أبي عبد الله إلى الجنيد يضحك.

فقال له الجنيد:

« ما هذا بيوم ضحك. » قال:

« بلى، والحمد للَّه، إذا لم يلقك هؤلاء إلّا في حال معطشة على ظهر وأنت مخندق آخر النّهار، بل أتوك كالّين وأنت مستريح، معك الزّاد. » فما قاتل التّرك إلّا قليلا، ثم رجعوا.

وكان عبد الله بن أبي عبد الله قال للجنيد وهم يقاتلون:

« ارتحل. » فقال الجنيد:

« فهل من حيلة؟ » قال:

« نعم، تمضى برايتك قدر ثلاث غلوات، فإنّ خاقان يودّ أنّك لو أقمت، فينطوى عليك إذا شاء. » فأمر بالرّحيل وعبد الله بن أبي عبد الله على السّاقة. ثم أرسل إليه أن:

« أنزل. » قال:

« أنزل على غير ماء؟ » فأرسل إليه:

« إن لم تنزل ذهبت خراسان من يدك. » فنزل، وأمر النّاس أن يستقوا. فذهب النّاس الرّجالة والنّاشبة وهما صفّان، فاستقوا، وباتوا، فلمّا أصبحوا ارتحلوا.

فقال عبد الله بن أبي عبد الله:

« إنكم معشر العرب أربعة جوانب، فليس يغيث بعضكم بعضا، كلّ ربع لا يقدر أن يزول عن مكانه مقدّمة وهم: القلب ومجنّبتان وساقة، فإن جمع خاقان خيله ورجاله، ثم صدم جانبا منكم وهم ساقه كان بواركم، وبالحريّ أن يفعل، وأنا أتوقّع ذلك في يومي، فشدّوا السّاقة بخيل. » فوجّه الجنيد بخيل بنى تميم والمجفّفة، وجاءت التّرك، فمالت على السّاقة وقد دنا المسلمون من الطّواويس، فاقتتلوا واشتدّ الأمر بينهم، فحمل سلم بن أحوز على عظيم من عظماء التّرك، فقتله، فتطيّر التّرك وانصرفوا من الطّواويس، ومضى المسلمون فأتوا بخارى يوم المهرجان، فتلقّاهم أهل بخارى بالدّراهم البخاريّة، ففرّق فيهم عشرة عشرة.

وكان الجنيد يذكر خالد بن عبد الله ويقع فيه ويقول:

« ربذة بن الرّبذ، صنبور بن صنبور، قلّ بن قلّ، هيفة بن الهيف. » وقدمت الجنود على الجنيد مع عمرو بن مسلم الباهلي في أهل البصرة، ومع عبد الرّحمن بن نعيم الغامدى في أهل الكوفة وهو بالصّغانيان، وابتدأ الشّعراء يمدحون نصر بن سيّار ويذكرون بلاءه، ويذمّون الجنيد، فتركنا ذكرها.

ودخلت سنة ثلاث عشرة ومائة

وفي هذه السّنة هلك عبد الوهّاب بن بخت وهو مع البطّال بأرض الرّوم.

غزا معه في هذه السّنة، فانهزم النّاس عن البطّال، فانكشفوا، فجعل عبد الوهّاب يكرّ فرسه ويقول:

« ما رأيت فرسا أجبن منه، سفك الله دمى إن لم أسفك دمك. » ثم ألقى البيضة عن رأسه وصاح:

« أنا عبد الوهّاب بن بخت، إلى أين أيّها النّاس؟ أمن الجنّة تفرّون؟ » ثم تقدّم في نحور العدوّ، فمرّ برجل وهو يقول:

« وا عطشاه! » فقال:

« تقدّم، الرّيّ أمامك. » قال: فخالط القوم، وقتل وقتل فرسه.

وفي هذه السّنة صار من دعاة ولد العباس جماعة إلى خراسان، فأخذ الجنيد رجلا منهم، فقتله، ثم قال:

« من أصبت منهم فدمه هدر. »

ودخلت سنة أربع عشرة ومائة

وفيها ولى عاصم بن عبد الله بن يزيد الهلالي خراسان، وتوفّى الجنيد قبل أن يصل إليها.

وكان سبب ولاية عاصم أنّ الجنيد تزوّج الفاضلة بنت يزيد بن المهلّب، فغضب هشام على الجنيد، وكان بين عاصم وبينه عداوة شديدة، فولّاه خراسان وقال:

« إن أدركته وبه رمق فأرهق نفسه. » وأنّما قال ذلك، لأنّ الجنيد كان قد استسقى بطنه، فمات الجنيد قبل وصول عاصم.

فقال أبو الجويرية:

هلك الجود والجنيد جميعا ** فعلى الجود والجنيد السّلام

أصبحا ثاويين في بطن مرو ** ما تغنّى على الغصون الحمام

كنتما نهزة الكرام، فلمّا ** متّ مات النّدى ومات الكرام

وفي هذه السّنة خلع الحارث بن سريج، وكانت الحرب بينه وبين عاصم بن عبد الله. وذلك أنّ عاصما لمّا قدم خراسان، أقبل الحارث بن سريج حتى قدم بلخ، وعليها نصر بن سيّار، والبختي بن ضبيعة المرّى ولّاهما الجنيد.

فلمّا انتهى إلى قنطرة عطاء، وهي على نهر بلخ على فرسخين من المدينة، تلقّاه نصر بن سيّار في عشرة آلاف، والحارث بن سريج في أربعة آلاف.

فدعاهما الحارث إلى الكتاب والسنّة والبيعة للرّضا.

فقال قطن بن عبد الرّحمن بن حرّ الباهلي:

« يا حارث، أنت تدعو إلى كتاب الله والسّنة. والله، لو أنّ جبرئيل عن يمينك وميكائيل عن يسارك، ما أجبتك. »

وقاتلهم، فأصابته رمية في عينه، فكان أوّل قتيل، وانهزم إلى المدينة أهل بلخ، واتّبعهم الحارث حتى دخلها وخرج نصر من باب آخر، فأمر الحارث بالكفّ عنهم، وخرج إلى الجوزجان، واستعمل على بلخ رجلا من ولد عبد الله بن خازم.

ثم استشار أصحابه في قصد مرو. فقال له أبو فاطمة:

« مرو بيضة خراسان، وفرسانهم كثير، لو لم يلقوك إلّا بعبدهم لانتصفوا منك، فأقم، فإن أتوك قاتلتهم، وإن أقاموا قطعت المادّة عنهم. » فعصاه وغيره وسار.

فقال أهل الدّين من مرو:

« إن مضى إلى أبرشهر ولم يأتنا فرّق جماعتنا، وإن أتانا نكب. » وبلغ عاصما أنّ أهل مرو يكاتبون الحارث، فأجمع على الخروج وقال:

« يا أهل خراسان، قد بايعتم الحارث بن سريج، وأنّه قصد بلخ والجوزجان والفارياب والطّالقان ومرو الرّوذ ففتحها، وليس يقصد مدينة إلّا خلّيتموها له. أنا لا حق بأرض قومي أبرشهر، وكاتب منها أمير إلى المؤمنين حتى يمدّنى بعشرين ألفا من أهل الشّام. » فقال له مجشّر بن مزاحم:

« إن أعطوك بيعتهم بالطّلاق والعتاق فأقم، وإن أبوا، فسر حتى تنزل أرض أبرشهر وتكاتب أمير المؤمنين. » فقال خالد بن هريم وهلال بن عليم:

« لا والله، لا نخلّيك والذّهاب، فيلزمنا ذنبك عند أمير المؤمنين، ونحن معك حتى نموت إن بذلت الأموال. » قال:

« فإني أفعل. » قال يزيد بن قران الرّياحى:

« إن لم أقاتل معك ما قاتلت، فبنت الأبرد بن قرّة الرّياحى طالق ثلاثا. » وكانت عنده. فقال عاصم:

« كلّكم على هذا؟ » قالوا:

« نعم. » وكان سلمة بن أبي عبد الله صاحب حرسه يحلّفهم بالطّلاق.

وأقبل الحارث بن سريج إلى مرو في جمع كثير يقال ستّون ألفا، ومعه فرسان الأزد وتميم وعدّة من الدّهاقين، وخرج عاصم في أهل مرو، وغيرهم، فعسكر عند البيعة وقال: فأعطى النّاس دينار دينارا، فخفّ عنهم النّاس، وأعطاهم ثلاثة دنانير ثلاثة دنانير. فلمّا قرب بعضهم من بعض، أمر بالقناطر فكسرت. فجاء أصحاب الحارث، فقالوا:

« تحصروننا في البرّيّة، دعونا نقطع إليكم فنناظركم في ما خرجنا له. » فأبوا عليهم. وذهبت رجّالتهم يصلحون القناطر، وأتاهم رجّالة مرو يقاتلونهم ويمنعونهم. فمال محمّد بن المثنّى برايته إلى عاصم، فلمّا فعل ذلك بدأ أصحاب الحارث بالحملة، والتقى النّاس، فقتل قوم وانهزم أصحاب الحارث، فغرق بشر كثير من أصحاب الحارث ومضت الدّهاقين إلى بلادهم. فأرسل عاصم بجماعة إلى الحارث يسأله ما يريد. فبعث الحارث إليه بمحمّد بن مسلم وحده، فرجع معهم، وقال لهم:

« إنّ الحارث وإخوته يقرأون عليكم السّلام ويقولون: قد عطشنا، فدعوا ننزل الليلة ونتناظر غدا، فإن اتّفقنا، وإلّا كنتم من وراء أمركم. » فأبوا عليه. فقال مقاتل بن حيّان:

« يا أهل خراسان، كنّا بمنزلة أهل بيت واحد، ثغرنا واحد، ويدنا على عدوّنا واحدة، وقد أنكرنا ما صنع صاحبكم. وجّه إليه أميرنا بجماعة الفقهاء والقرّاء من أصحابه، ووجّه [ هو ] رجلا واحدا. » قال محمّد:

« إنّما أتيتكم مبلغا، وسيأتيكم الّذى تطلبون غدا إن شاء الله. » وانصرف محمّد بن مسلم إلى الحارث.

وسار الحارث، فبلغ عاصما، فلمّا أصبح سار إليه، فالتقوا واقتتلوا، فهزم أصحاب الحارث وقتلوا قتلا ذريعا، وقطع الحارث وادي مرو، وضرب رواقا.

فكفّ عنه عاصم، ولو ألحّ في طلبه لأهلكه.

وكان الحارث قال لأصحابه:

« لا يردّ لي راية. » فلمّا هزم هذه الهزيمة، أجمع أصحابه على مفارقته.

وكان عاصم لمّا رأى الحارث يستفحل أمره والنّاس يميلون إليه وهو يفتح كلّ يوم مدينة، هابه وانهزم أصحابه، وخشي أن يبطئ عنه المدد من جهة الخليفة فيهلك.

ودخلت سنة سبع عشرة ومائة

وفيها عزل هشام بن عبد الملك عاصم بن عبد الله عن خراسان وضمّها إلى خالد بن عبد الله، فولّاها أخاه أسد بن عبد الله.

ذكر السبب في ذلك

كان عاصم كتب إلى هشام بن عبد الملك:

« أمّا بعد، يا أمير المؤمنين، فإنّ الرّائد لا يكذب أهله. وقد كان من أمير المؤمنين إليّ ما يحقّ به عليّ النّصيحة له، وإنّ خراسان لا تصلح إلّا أن تضمّ إلى صاحب العراق، فتكون موادّها ومعونتها في الأحداث والنّوائب من قريب لتباعد أمير المؤمنين عنها وتباطؤ غياثه عمّن يكون بها. » فلمّا أمضى كتابه، أخرج حديثه إلى أصحابه، مثل مجشّر بن مزاحم ويحيى بن حصين وأشباههم. فقال لهم المجشّر بعد ما مضى الكتاب:

« كأنّك بأسد قد طلع عليك. » فقدم أسد بعد كتاب عاصم بشهرين.

ثم عاد الحارث واستعدّ وأراد مناجزة عاصم. فلمّا بلغ عاصما أنّ أسد بن عبد الله قد أقبل، صالح الحارث، وكتب بينه وبينه كتابا على أن ينزل الحارث أيّ كور خراسان شاء، على أن يكتبوا جميعا إلى هشام يسألونه كتاب الله وسنّة نبيه. فإن أبي، أجمعوا أمرهم جميعا عليه.

فختم على الكتاب جماعة من الرّؤساء ممّن رضى به، وأبي يحيى بن حصين وقال:

« هذا خلع لأمير المؤمنين. » وكان في بعث الشّام رجل من اليمانية يعدل بألف رجل، اختارته اليمانية، يكنّى أبا داود، وكان في خمسمائة. فكان لا يمرّ بقرية من قرى خراسان إلّا قال لأهلها:

« انتظروني، فكأنّكم بي قد مررت بكم راجعا حاملا رأس الحارث بن سريج. » فلمّا التقوا خرج ودعاه إلى البراز، فبرز له الحارث بن سريج، فضربه فوق منكبه الأيسر، فصرعه، وحامى أصحابه فحملوه، فخولط فكان يقول:

« يا أبرشهر، يا أصحاب العموداه، الحارث بن سريجاه. » ورمى الحارث بن سريج رجل من أهل الشّام بنشّابة فأصابت لبان فرسه، فاستحضره وألحّ عليه بالضّرب حتى عرّقه وشغله عن ألم الجراحة، فحمل الشامي عليه برمحه، حتى إذا ظنّ أنّ الرّمح قد خالطه، مال الحارث عن فرسه، ثم لحق الشّاميّ. فقال له الشّاميّ:

« بحرمة الإسلام إلّا كففت عن دمى. » قال:

« انزل عن فرسك. » فنزل، وركبه الحارث.

وعظّم أهل الشّام يحيى بن الحصين لما كان منه في أمر الكتاب الّذى كتبه عاصم. وكان هشام لمّا بلغه أمر الحارث بن سريج وكتاب عاصم، كتب إلى خالد بن عبد الله:

« ابعث أخاك ليصلح ما أفسد. فإن كانت وجبة فلتكن به. » فوجّه أخاه أسدا إلى خراسان وما يملك عاصم من خراسان إلّا مرو وناحية أبرشهر، والحارث بن سريج بمرو الرّوذ، وخالد بن عبد الله الهجريّ بآمل من قبل الحارث. فأقام أسد أيّاما يروّى: أيقصد الحارث بمرو الرّوذ، أم خالدا بآمل؟ حتى أجمع على توجيه عبد الرّحمن بن نعيم الغامدى في أهل الكوفة إلى الحارث، وسار أسد إلى آمل، فلقيه خيل عظيمة لأهل آمل عليها زياد الفرشى فهزمهم، وتحصّنوا في ثلاث مدائن لهم، ونزل عليهم أسد وحصرهم ونصب المجانيق عليهم وهناك خالد بن عبد الله الهجري من قبل الحارث بن سريج. فلمّا ضاق عليهم الحصار طلبوا الأمان.

فخرج إليهم بعض أصحاب أسد وقال:

« يقول لكم الأمير: ما تطلبون؟ » قالوا:

« كتاب الله وسنة نبيه. » قال:

« فلكم ذلك. » قالوا:

« على ألّا يأخذ أهل المدن بجنايتنا. » فأعطاهم ذلك.

وسار أسد إلى بلخ في طريق زمّ، وكان أهل بلخ قد تابعوا سليمان بن عبد الله بن خازم، فقدم بلخ، ثم اتّخذ سفنا، وسار منها إلى التّرمذ، فوجد الحارث محاصرا لها، وكان مع الحارث وجوه النّاس ومعه السّيل. فنزل أسد دون النّهر، ولم يطق العبور إليهم، ولا أن يمدّ أهل التّرمذ. إلّا أنّ أهل التّرمذ قد قويت نفوسهم، فهم يخرجون ويقاتلون أشدّ قتال.

فكان أصحاب الحارث من القرّاء يأتون أبواب التّرمذ، فيبكون عندهم، فيشكون جور بنى مروان، ويسألونهم أن يمالئوهم على حرب بنى مروان، حتى تكون أيديهم واحدة، فيأبون عليهم.

فقال السّيل يوما للحارث وهو معه:

« يا حار، إنّ التّرمذ بنيت بالطّبول والمزامير، ولا تفتتح بالبكاء، إنّما تفتتح بالسّيف. فقاتل إن كان بك قتال. » فتركه السّيل وأتى بلاده وارتحل أسد إلى بلخ، وخرج أهل التّرمذ إلى حارث، فقاتلوه ووثبوا حتى هزموه، وقتلوا أبا فاطمة وعكرمة وخلقا من أهل البصائر.

وسار أسد إلى سمرقند على طريق زمّ وكان بزمّ القاسم الشّيبانى بحصن هناك. فلمّا مرّ به أسد لم يعرض له. ولمّا عاد في هذا الوقت مجتازا به، بعث إلى الهيثم الشّيبانى وهو بزّم أيضا في طاعة الحارث. فقال له:

« إنّكم ما أنكرتم على قومكم إلّا سوء سيرتهم، ولم يبلغ ذلك السّبى ولا استحلال الفروج ولا غلبة المشركين على مثل سمرقند، وأنا أريد سمرقند، ولك عهد الله وميثاقه أن لا يبدأك مني شرّ، ولك المواساة واللطف والكرامة والأمان لمن معك، وإن أنت غمطت ما دعوتك إليه، فعلى عهد الله وميثاقه وذمّة أمير المؤمنين وذمّة خالد، إن أنت رميت بسهم أن لا أومنك أبدا، ولا أفي لك بأمان إن جعلته لك. » فخرج إليه على ما أعطاه من الأمان. فآمنه، وسار معه إلى سمرقند.

قتل دعاة بنى العباس بخراسان

وفي هذه السّنة أخذ أسد جماعة من دعاة بنى العبّاس بخراسان، فقتل بعضهم ومثل ببعضهم. فكان فيهم سليمان بن كثير، ومالك بن الهيثم، وموسى بن كعب، ولاهز بن قريط، وعدّة منهم. فأمّا موسى بن كعب، فأمر به فألجم بلجام حمار، وأمر باللجام أن يجذب، فجذب حتى تحطّمت أسنانه، ثم أمر فوجئ لحياه، فندر ضرسه. وضرب لاهز بن قريط بالسّوط، وأمر بصلبه، فتكلّم فيه الحسن بن زيد وقال:

« هو لي جار وهو بريء ممّا قرف به. » فوهبه له.

فقال:

« والآخرون أعرفهم بالبراءة. » فخلّى سبيلهم وضمنهم.

ودخلت سنة ثماني عشرة ومائة

وفيها وجّه بكير بن ماهان خداشا على خراسان يدعو إلى محمّد بن عليّ، فصار واليا على شيعة بنى العباس. ويقال إنّ اسمه عمّار بن يزيد، فغيّر اسمه.

فلمّا دعا النّاس تسارعوا إليه، وقبلوا ما جاءهم به، وسمعوا وأطاعوا، حتى غيّر ما دعاهم إليه، وتكذّب وأظهر دين الخرّمّية ودعا إليه، ورخّص لبعضهم نساء بعض، وأخبرهم أنّ ذلك دين محمّد بن عليّ.

فبلغ ذلك أسد بن عبد الله، فوضع عليه العيون حتى ظفر به، فأتى به فسأله فلم يلطف به وجعل يغلّظ في بعض كلامه. فأمر به أسد فقطعت يداه وقلع لسانه وسمل وصلب بآمل.

ثم إن أسدا لما انصرف من سمرقند سرّح جديعا الكرماني إلى القلعة الّتى فيها الحارث من طخارستان العليا. فحصرهم وقتل مقاتلتهم، وكان فيها أصهار الحارث ورهطه، فسبى عامّة أهلها من العرب والموالي وغيرهم من الذّراريّ، وباعهم فيمن يزيد بسوق بلخ.

والسّبب في ذلك

وكان السّبب في ذلك أنّه كان قد نقم على الحارث نحو من خمسمائة رجل من أصحابه أشياء ورئيسهم جرير بن الميمون القاضي، وهمّوا بمفارقته.

فقال لهم الحارث:

« إن كنتم لا بدّ مفارقيّ وطلبتم الأمان فاطلبوه وأنا شاهد، فإنّه أجدر أن يجيبوكم، وإن ارتحلت قبل ذلك لم تعطوا الأمان. » فقالوا:

« ارتحل أنت عنّا وخلّنا. » ثم بعثوا من يطلب لهم الأمان، فوصل أسدا الرّسول وأحسن إليه.

فقال الرّسول:

« إنّ القوم في القلعة، ليس لهم طعام ولا ماء. » فغدر بهم وسرّح أسد جديعا الكرماني في ستّة آلاف. فلمّا كان بينه وبين القلعة فرسخ أو دونه، نزل حتى وافاهم قوم فيهم المهاجر بن ميمون في جماعة مستأمنة. فتركهم حتى اجتمعوا. ثم خطبهم فقال بعد حمد الله والثّناء عليه:

« يا أهل بلخ، لا أجد لكم مثلا غير الزّانية من أتاها أمكنته من رجلها.

أتاكم الحارث في ألف من العجم فأمكنتموه من مدينتكم، فقتل أشرافكم وطرد أميركم. ثم سرتم معه مكانفيه إلى مرو فخذلتموه. ثم انصرف إليكم منهزما، فأمكنتموه من المدينة. والّذى نفسي بيده، لا يبلغني عن رجل منكم كتب كتابا إليهم في سهم إلّا قطعت يديه ورجليه. فأمّا من كان معي من أهل مرو فهم خاصّتى، ولست أخاف غدرهم. » ثم نهد إلى القلعة وحصرها وكان القوم مجهودين، قد جاعوا وعطشوا.

فنادى مناديه أن:

« قد نبذنا إليكم بالعهد. » وقاتلوهم. فسألوا أن ينزلوا على الحكم وتترك نساؤهم وأولادهم، فنزلوا على حكم أسد. وأقام حتى رجع إليه جواب كتابه من أسد على يد المهلّب بن عبد العزيز العتكيّ بكتاب يقول فيه:

« احمل إليّ خمسين رجلا منهم، وليكن فيهم المهاجر بن ميمون وأمثاله من وجوههم. » ففعل، فقتلهم أسد.

وكتب إلى الكرماني أن يصيّر الّذين بقوا عنده أثلاثا. فثلثا يصلبهم، وثلثا يقطع أيديهم وأرجلهم، وثلثا يقطع أيديهم. ففعل ذلك الكرماني وباع أثقالهم وذراريّهم كما حكينا.

موت علي بن عبد الله بن العباس

وفي هذه السّنة مات عليّ بن عبد الله بن العبّاس وله ثمان وسبعون سنة، وكان ولد في الليلة الّتى ضرب فيها عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - فسمّاه عبد الله بن العبّاس أبوه عليّا وكنّاه أبا الحسن وقال:

« سمّيته باسم أحبّ النّاس إليّ. »

ودخلت سنة تسع عشرة ومائة

وفيها لقي أسد صاحب التّرك، فقتله وغنم كلّ ما معه، وقتل خلقا، وسلم أسد والمسلمون.

ذكر الخبر عن هذه الوقعة

لمّا دخل أسد الختل كتب ابن السّائجى إلى خاقان يعلمه دخول أسد الختّل، وتفرّق جنده، وأنّه بحال مضيعة.

وكان ابن السّائجى هذا استخلفه السّيل عند موته وأوصى إليه. وسيجيء خبره إن شاء الله.

فلمّا أتاه كتابه تجهّز، وكان لخاقان مرج وجبل حمى لا يقربها أحد. فصاد ما في المرج ثلاثة أيام وما في الجبل ثلاثة أيام. فتجهّزوا ودبغوا جلود الصّيد، واتّخذوا أوعية، واتّخذوا القسّى والنّشّاب، ودعا خاقان ببرذون مسرّج ملجم، وأمر بشاة فقطّعت، ثم علّقها في معاليق سرجه، وأخذ شيئا من ملح، فصيّره في كيس وجعله في منطقته، وأمر كلّ تركيّ أن يفعل مثل ذلك وقال:

« هذا زادكم حتى تلقوا العرب بالختّل. » فلمّا أحسّ ابن السّائجى بخاقان قد أقبل، بعث إلى أسد:

« أخرج عن الختّل، فإنّ خاقان قد أظلّك. » فشتم أسد رسوله ولم يصدّقه. فبعث صاحب الختّل:

« إني لم أكذبك، وأنا الّذى أعلمته دخولك وتفرّق جندك. وأعلمته أنّها فرصة له، وسألته المدد. غير أنّى نظرت فرأيت أنّك قد أمعرت البلاد وأصبت الغنائم. فإن لقيك على هذه الحالة ظفر بك، وعادتنى العرب أيضا ما بقيت، واستطال عليّ خاقان، واشتدّت مؤنته، وأمتنّ عليّ يقول: أخرجت العرب من بلادك ورددت عليك ملك. » فعرف أسد أنّه صدقه، فأمر بالأثقال أن تقدّم، وولّى عليها إبراهيم بن عاصم العقيليّ، وهو الّذى ولى سجستان بعد، وأخرج معه المشيخة. فسارت الأثقال.

وكتب أسد إلى داود بن شعيب والأصبغ بن ذؤالة الكلبي وقد كان وجّهها في وجه أنّ خاقان قد أقبل. فانضمّا إلى الأثقال مع إبراهيم بن عاصم. ووقع إلى داود والأصبغ رجل دبوسى، فأشاع أنّ خاقان قد هزم المسلمين وقتل أسدا.

فقال الأصبغ:

« إن كان أسد ومن معه أصيبوا، فإنّ فيئتنا هشام ننحاز إليه، فإنّ الله حيّ قيّوم وجنود المسلمين كثير. » قال داود:

« [ أ ] فلا ننظر ما فعل أسد فنخرج على علم؟ » قال: « بلى. » فسارا حتى شارفا عسكر إبراهيم. فإذا هما بالنّيران.

فقال داود: « هذه نيران المسلمين، لأنّها متقاربة، ونيران الأتراك متفرّقة. »

فقال الأصبغ: « هم في مضيق. » ثم دنوا، فسمعوا نهيق الحمير.

فقال داود:

« أما علمت أنّ التّرك ليس لهم حمير؟ » فقال الأصبغ:

« أصابوها بالأمس، ولم يستطيعوا أكلها في يوم ولا اثنين. » فقال داود:

« نسرّح فارسيّين فيكبّران. » فبعثا إلى العسكر بهما. فلمّا دنوا منهم كبّرا، فأجابهما أهل العسكر بالتكّبير.

فأقبلوا إلى العسكر الّذى فيه الأثقال، ومع إبراهيم أهل الصّغانيان وصاغان خذاه. فضامّا إبراهيم بن عاصم.

وأقبل أسد يريد أن يخوض نهر بلخ، وقد كان إبراهيم قطعه بالسّبى وجميع ما أصاب. فلمّا أشرف أسد على النّهر، وقد أتاه أنّ خاقان قد سار من الشومان سبع عشرة ليلة، قام إليه أبو نميلة بن بحر وعبد الرّحمن بن حيفر الأزديان، فقالا:

« أصلح الله الأمير، إنّ الله قد أحسن بلاءك في هذه الغزوة، فغنمت وسلمت، فاقطع هذه النّطفة واجعلها وراء ظهرك. » فأمر بهما، فوجئت رقابهما وأخرجا من العسكر، وأقام يومه.

فلمّا كان من الغد ارتحل وفي النّهر ثلاثة وعشرون موضعا يخوضه النّاس، وموضع فيه مجتمع ماء يبلغ دفّتى السّرج. فخاضه النّاس. وأمر أن يحمل كلّ رجل شاة، وحمل هو نفسه شاة.

وقال له غسّان بن عبيد الله بن مطرّف بن الشّخّير:

« أيها الأمير، إنّ الّذى أنت فيه من حمل الشّاء، ليس له خطر، وقد فرّقت النّاس، وشغلتهم وأظلّك عدوّك، فدع هذه الشّاء لعنة الله عليها ومر النّاس بالاستعداد. » فقال أسد:

« والله، لا يعبر رجل ليس معه شاة حتى تفنى هذه الغنم، الفارس يحملها بين يديه، والرّاجل على عنقه. » وخاض النّاس.

فلمّا حفرت سنابك الخيل النّهر، صار بعض المواضع مخائض يقع فيها الرجل. فأمر أسد بالشّاء أن تقذف ويخوضوا. فما استتمّ النّاس العبور حتى طلعت عليهم التّرك بالدّهم، فقتلوا من لم يقطع النّهر، وجعل النّاس يقتحمون، وركب أسد إلى النّهر، وأمر بالإبل أن يقطع بها النّهر حتى يحمل عليها الأثقال. وأقبل رهج من ناحية الختّل، فإذا خاقان. فلمّا توافى معه صدر من جنده حمل على الأزد وبنى تميم، وكانوا على مسلحة خلّفهم أسد على الضّعفة من النّاس.

فلمّا حمل عليهم خاقان انكشفوا، وركض أسد حتى انصرف إلى عسكره، وبعث إلى أصحاب الأثقال الّذين كان قد سرّحهم أمامه أن:

« انزلوا وخندقوا مكانكم في بطن الوادي. » وأقبل خاقان، فظنّ المسلمون أنّه لا يقطع النّهر إليهم. فلمّا نظر خاقان إلى النّهر أمر الإسكند، وهو يومئذ اصبهبذ، أن يسير في الصّفّ. وسأل الفرسان وأهل البصر بالحرب:

« هل يطاق قطع النّهر والحملة على أسد؟ » وكلّهم يقول:

« لا يطاق. » حتى انتهى إلى استجن فقال:

« بلى يطاق، لأنّنا خمسون ألف فارس، فإذا نحن اقتحمنا دفعة واحدة ردّ بعضنا عن بعض الماء، فذهبت جريته. » قال: فضربوا بكوساتهم. فظنّ أسد ومن معه أنّه منهم وعيد، فأقحموا دوابّهم، فجعلت تنخر أشدّ النّخير. فلمّا رأى المسلمون إقحام التّرك ولّوا إلى العسكر، وعبرت التّرك، فسطع رهج شديد لا يبصر الرّجل دابّته ولا يعرف بعضهم بعضا، ودخل المسلمون عسكرهم وحوى التّرك ما كان خارجا، وخرج الغلمان بالبراذع والعمد، فضربوا وجوه التّرك، فأدبروا. وبات أسد وعبّأ من الليل تخوّفا من غدوّ خاخان. فلمّا أصبح لم ير شيئا، ودعا وجوه النّاس واستشارهم.

فقالوا له:

« اقبل العافية. » قال:

« ما هذه عافية، بل هذه بليّة، لقينا خاقان أمس، فظفر وأصاب من الجند والسّرح، فما منعه اليوم منّا إلّا أنّه قد وقع في يده أسرى فأخبروه بموضع الأثقال. » فكان هذا رأيا جيّدا وحديثا صوابا من أسد، وقد علم العدوّ أنّ الثقل أمامنا، فترك لقاءنا طمعا فيها.

ثم ارتحل أسد وبعث أمامه الطّلائع. فرجع بعضهم فأخبره أنّه عاين طوقات الأتراك وأعلاما من أعلام اسكند، فسار [ والدوابّ ] مثقلة. فقيل له:

« انزل أيّها الأمير واقبل العافية. » فقال:

« واين العافية فأقبلها، إنّما هي بليّة ذهاب الأموال والأنفس. » فلمّا صار الى منزل وأمسى، استشار النّاس:

« أتنزلون أم تسيرون؟ » فقال النّاس:

« اقبل العافية، وما عسى أن يكون من ذهاب الأثقال بعافيتنا وعافية أهل خراسان » ونصر بن سيّار مطرق.

فقال أسد:

« مالك يا بن سيّار لا تتكلّم؟ »

فقال: « أصلح الله الأمير، خلّتان كلتاهما لك: إن تسر تغث الأثقال وتخلّصهم، وإن أنت انتهيت إليهم وقد هلكوا، فقد قطعت قحمة لا بدّ من قطعها. » فقبل رأيه وسار يومه كلّه.

قال: ودعا أسد قبل أن يسير سعيدا الصّغير، وكان عالما بطريق الختّل فارسا، وكتب معه كتابا إلى إبراهيم يأمره بالاستعداد ويعلمه أنّ خاقان طواه وتوجّه إلى ما قبلك. ثم قال له:

« سر بالكتاب إلى إبراهيم حيث كان قبل الليل، فإن لم تفعل فأسد بريء من الإسلام إن لم يقتلك، وأنت لحقت بالحارث هربا مني، فعليّ مثل الّذى حلفت. إني أبيع أمرأتك دلال في سوق بلخ، وجميع أهل بيتك. » قال سعيد:

« فادفع إليّ فرسك الكميت الذّنوب. » قال:

« لعمري، لئن جدت بدمك وبخلت عليك بالفرس، إني للئيم. » فدفعه إليه وسار على دابّة من جنائبه وغلامه على فرس معه فرس أسد يجنبه. فلمّا حاذى غبرة طلائع التّرك تحوّل إلى فرس أسد، فطلبته الطّلائع، فركض ولم يلحقوه. وأتى إبراهيم بالكتاب وتبعه بعض الطّلائع حتى وافوا عسكر إبراهيم والأثقال. فرجعوا إلى خاقان فأخبروه. فغدا خاقان اليوم الثاني على الأثقال وقد خندق إبراهيم خندقا والنّاس قيام عليه. فأمر خاقان أهل السّغد بقتالهم. فلمّا دنوا من مسلحة المسلمين، ثاروا في وجوههم فهزموهم، وقتلوا منهم رجلا.

فقال خاقان:

« اركبوا. » وصعد تلّا مشرفا، وجعل ينظر العورة، ووجّه المقاتلة وكذا كان يفعل ينفرد في رجلين أو ثلاثة، فإذا رأى عورة أمر جنوده فحملت من ناحية العورة.

ذكر ظفر خاقان ثم انهزامه باتّفاق حسن مع تدبير جيّد وجدّ في المسير من أسد حتى رجع كيد العدوّ عليه وسلم المسلمون وأثقالهم

ولمّا صعد خاقان التّلّ رأى خلف العسكر جزيرة ودونها مخاضة. فدعا بعض قوّاد التّرك، فأمرهم أن يقطعوا فوق العسكر في مقطع وصفه، ثم ينحدروا، في الجزيرة، حتى يأتوا عسكر المسلمين من ورائهم، وأمرهم أن يبدءوا بالأعاجم وأهل الصّغانيان وقد عرفهم بأبنيتهم وأعلامهم. وقال لهم:

« إن أقام القوم في خندقهم وأقبلوا إليكم دخلنا نحن خندقهم، وإن ثبتوا لنا، فادخلوا من دبره عليهم. » ففعلوا، ودخلوا عليهم من ناحية الأعاجم، فقتلوا صاغان خذاه، ودخلوا عسكر إبراهيم، فأخذوا عامّة ما فيه، وترك المسلمون التّعبئة، واجتمعوا في موضع وأحسّوا بالهلاك، فإذا رهج قد ارتفع وتربة سوداء، وإذا أسد في جنده قد أتاهم، فجعلت التّرك ترتفع عنهم إلى الموضع الّذى فيه خاقان وإبراهيم يتعجّب من كفّهم، وقد ظفروا، وقتلوا من قتلوا، بعد إصابتهم الغنيمة، وهو لا يطمع في أسد.

وكان أسد قد أغذّ السّير، فأقبل أسد حتى وقف على التّلّ الّذى عليه خاقان، وتنحّى خاقان إلى ناحية الختّل، وخرج إلى أسد من كان بقي من أصحاب إبراهيم وقد قتل منهم بشر كثير ومشيخة من خزاعة. وخرجت امرأة صاغان خذاه إلى أسد فبكت زوجها، وبكى أسد معها حتى علا صوته.

وانصرف خاقان على طريق طخارستان وهناك الحارث بن سريج، فانضمّ الحارث إلى خاقان، وسار معه في أصحابه، ومضى أسد إلى بلخ، فعسكر في مرجها حتى الشّتاء، وكان الحارث يقول لخاقان:

« إنّه لا نهوض بأسد، وقد تفرّق عنه العسكر. » فبثّ خاقان جنده في الغارات على النّواحى وأقبل حتى نزل جزّة، فأمر بالنّيران، فرفعت على أعلى المدينة. فجاء النّاس من الرّساتيق إلى مدينة بلخ.

فأصبح أسد وصلّى، وخطب النّاس وقال:

« إن عدوّ الله الحارث بن سريج استجلب طاغية التّرك ليطفئ نور الله ويبدّل دينه، وإنّ عدوّكم قد أصاب من إخوانكم ما أصاب، فإن يرد الله نصركم لم يضرركم قلّتكم وكثرتهم، فاستنصروا الله. » ثم وضع جبهته لله عز وجل، ودعا، فأمّنوا عليه، ثم رفعوا رؤوسهم وهم لا يشكّون في الفتح. ثم نزل عن المنبر وضحّى، وكان يوم الأضحى، وشاور النّاس في المسير إلى خاقان.

فقال قوم:

« أنت شاب لا تتخوّف من غارة على دابّة ولا شاة إلّا ما لا خطر فيه لخروجك. » فقال:

« والله لأخرجنّ، فإمّا ظفر وإمّا شهادة. » ثم أخذ من جبلة بن أبي داود مائة وعشرين ألف درهم، وأمر النّاس بعشرين عشرين، ومعه من جنود خراسان وأهل الشّام سبعة آلاف رجل.

فاستخلف على بلخ الكرمانيّ، وأمره أن لا يدع أحدا يخرج من مدينتها وإن ضرب التّرك باب المدينة.

فقال نصر بن سيّار الليثي والقاسم بن بخيت وجماعة أمثالهم وسعيد الصّغير:

« أصلح الله الأمير، ائذن لنا في الخروج ولا تهجّن طاعتنا. » فأذن لهم وخرج فنزل بابا من أبواب بلخ، وصلّى بالنّاس ركعتين طوّلهما، ونادى في النّاس:

« ادعوا الله. » وأطال الدّعاء بالنّصر وأمّن النّاس على دعائه.

ثم انتقل من دعائه فقال:

« نصرتم وربّ الكعبة إن شاء الله. » ثلاث مرّات.

ثم نادى مناديه: « بريت الذّمّة من رجل حمل امرأة. » وسار، فلمّا كان عند قنطرة عطاء، قال لمسعود بن عمرو:

« أبغنى خمسين رجلا وراية أخلّفهم على هذه القنطرة، فلا يدع أحدا ممّن جازها أن يرجع. » وكان مسعود هذا يخلف الكرمانيّ بحضرته. فقال مسعود:

« من أين أجد خمسين رجلا؟ » فأمر به فصرع عن دابّته وضرب. ثم أمر بضرب عنقه. فتكلّم فيه قوم، فكفّ عنه.

وسار منزلا وأقام حتى أصبح، فقال له بعضهم:

« ليتمّ الأمير على المقام يومه حتى يتلاحق النّاس. »

فأمر بالرّحيل وقال:

« لا حاجة لنا في المتخلّفين. » ثم جعل على مقدّمته سالم بن منصور تفألا باسمه. فلقى ثلاثمائة من التّرك طليعة لخاقان. فأسر قائدهم وسبعة معه وهرب بقيّتهم، فأتى به أسدا، فبكى التّركيّ. فقال أسد:

« ما يبكيك؟ » فقال:

« لست أبكى لنفسي، وإنّما أبكى لهلاك خاقان. » قال:

« وكيف؟ » قال:

« لأنّه فرّق خيله في ما بينه وبين مرو. » وسار أسد حتى إذا شارف العين الحارّة استقبله بشر بن رزين، فقال:

« ما وراءك؟ » قال:

« إن لم تلحقنا غلبنا على مدينتنا. » فقال:

« قل للمقدام بن عبد الرّحمن يطاول نزّ رمحي. » وسار فنزل مدينة الجوزجان وقد استباحها خاقان. فأتاه المقدام بن عبد الرّحمن في مقاتلته وأهل الجوزجان، وانصرفت طلائع الخاقان إليه، فأخبرته أنّ رهجا ساطعا من قبل بلخ طلع.

فدعا خاقان الحارث فقال:

« ألم تزعم أنّ أسدا ليس به نهوض؟ وهذا رهج من ناحية بلخ. » فقال الحارث:

« هذا هو اللصّ الّذى كنت أخبرتك أنّه من أصحابي. » فبعث خاقان طليعة وقال:

« أنظروا هل ترون على الإبل سريرا وكراسيّ » فجاءته الطلائع، فأخبرته أنّهم عاينوها.

فقال خاقان:

« اللصوص لا يحملون الأسرّة والكراسيّ. هذا أسد قد أتاك. » فسار أسد غلوة، فلقيه سالم بن منصور فقال:

« أبشر أيّها الأمير، حزرتهم فلا يبلغون أربعة آلاف، وأرجو أن يكون عقيرة الله. » وسار أسد على تعبئة، ميمنة وميسرة وقلبا، وعبّى خاقان مثل ذلك وجعل على ميمنته الحارث بن سريج وأصحابه وملك السّغد وصاحب الشّاش وصاحب الختّل والتّرك كلّهم معه. فلمّا التقوا حمل الحارث ومن معه على الميسرة، وفيها ربيعة وأهل الشّام، فما ثبت له أحد، وانهزموا، فلم يردّهم شيء دون رواق أسد، ثم شدّت عليهم ميمنة أسد وهم الأزد وبنو تميم والجوزجان، فانهزم الحارث والأتراك، فحمل النّاس جميعا.

فقال أسد:

« اللهمّ إنّهم عصوني فانصرهم. »

وذهب التّرك عباديد لا يلوى بعضهم على، بعض، وتبعهم النّاس يقتلون من لحقوا منهم، حتى انتهوا إلى أغنامهم، فاستاقوا أكثر من خمسين ومائة ألف رأس، ودوابّ كثيرة، وأخذ خاقان غير طريق الجادّة في الجبل، والحارث بن سريج يحميه، وهاجت ريح الحرب الّتى تسمّى الهفّافة، فهزمهم الله تعالى.

فقال الجوزجان لعثمان بن عبد الله بن الشّخّير:

« إني أعلم ببلادي وطرقها، فهل لك في أمر فيه هلاك خاقان ولك فيه ذكر ما بقيت؟ فقال:

« وما هو؟ » قال:

« تتبعني. » قال:

« نعم. » فأخذ به طريقا يسمّى ورادك، فأشرفوا على طوقات خاقان وهم آمنون، فأمر خاقان بالكوسات فضربت ضربة الانصراف وقد شبّت الحرب، فلم يقدر التّرك على الانصراف ثم ضربت الثّانية، فلم يقدروا لاشتغالهم. فحمل ابن الشّخّير والجوزجان على الطوقات، ووليّ خاقان مدبرا، فحوى المسلمون عسكرهم، وتركوا قدورهم تغلى ونساءهم مع نساء العرب كنّ معهم، ووحل بخاقان دابّته، فحماه الحارث بن سريج، وأراد خصّى لخاقان أن يحمل امرأة خاقان، فأعجلوه عن ذلك، فطعنها بخنجر، فلحقوها وهي تتحرّك، فأخذوا خفّها وهو من لبود مضرّب، ووجد عسكر التّرك مشحونا من كلّ شيء من آنية الفضّة وصنّاجاتهم وأمتعتهم. وبعث أسد بجوارى التّرك إلى دهاقين خراسان، فاستنقذ من كان في أيديهم من المسلمين، وانصرف أسد إلى بلخ اليوم التّاسع من خروجه، فقال ابن السّجف المشاجعى:

لو سرت في الأرض تقيس الأرضا ** تقيس منها طولها والعرضا

لم تلق خيرا مرّة ونقضا ** من الأمير أسد وأمضى

أفضى إلينا الخير حين أفضى ** وجمع الشّمل وكان رفضا

ما فاته خاقان إلّا ركضا ** قد فضّ من جموعه ما فضّا

يا ابن سريج قد لقيت حمضا ** حمضا به يشفى صداع المرضى

وأصاب أسد أربعة آلاف درع، وكان أسد يوجّه النّاس في السّرايا، فكانوا لا يزالون يصيبون جماعة من التّرك.

ومضى خاقان إلى بلاده، فلمّا ورد سروشنه، تلّقاه خرّابغره جدّ كاوس أبي الأفشين باللعّابين، وأعدّ له هدايا عظيمة ودوّاب له ولجنده. وكان الّذى بينهما متباعدا، ولكنّه لمّا رجع منكوبا، أحبّ أن يتّخذ عنده يدا، فأتاه بكلّ ما يقدر عليه. فلمّا رجع خاقان إلى بلاده أخذ في الاستعداد للحرب ومحاصرة سمرقند. وحمل الحارث بن سريج وأصحابه على خمسة آلاف برذون، وفرّق في أصحابه مثلها.

ثم إنّه لاعب يومّا كورصول بالنّرد على خطر تدرجة، فقمر كورصول الرقشى، فطلب منه التدرجة، فقال أحدهما: أنثى، وقال الآخر: ذكر. وتأدّى التّنازع إلى أن رفع يده فضرب يد خاقان، فأوهنه، فحلف خاقان ليكسرنّ يد كورصول، فتنحّى كورصول من بين يديه، وجمع جمعا، ثم بيّت خاقان فقتله، وتفرّق عنه التّرك، فتركوه مجرّدا، حتى أتاه عظماء التّرك، ودفنوه، وصنع به ما يصنع بمثله، وتفرّقت التّرك في الغارات بعضها على بعض، وانحاز بعضهم إلى الشّاش. فعند ذلك طمع أهل السّغد في الرّجعة إليها، فلم يسلم من خيل التّرك الّتى تفرّقت في الغارات إلّا زرابر الكسّى، فإنّه سلم حين صار إلى طخارستان.

ذكر اتفاق حسن اتفق لمقاتل بن حيان من غير قصد منه

كان أسد بعث من مدينة بلخ رجلا يعرف بسيف بن وصّاف إلى هشام يخبره بما أظلّه من الخطب العظيم، ويستمدّه. فلمّا وصل إليه أخبره، فلم يصدّقه هشام، وقال لحاجبه:

« ويحك، إنّ هذا الشيخ قد أتانا بالطّامّة الكبرى إن كان صادقا، ولا أظنّه صادقا، اذهب به، فغدّه، ثم سله، وأتنى بما يقول. » ففعل، ثم سأله فأخبره بما أخبر به هشاما، فدخل عليه أمر عظيم، وصرفه.

ثم دعاه بعد أيّام بسيرة، وقال له:

« من القاسم بن بخيت منكم؟ » قال:

« ذاك، صاحب العسكر. » قال:

« فإنّه قد أقبل. » قال:

« فإن كان قد أقبل، فقد فتح الله عز وجل على أمير المؤمنين. » وكان أسد وجّهه حين فتح عليه، فأقبل القاسم بن بخيت، فكبّر على الباب، ثم دخل يكبّر وهشام يكبّر معه حتى انتهى إليه. فقال:

« الفتح يا أمير المؤمنين. »

وأخبره الخبر. فنزل هشام عن سريره، فسجد سجدة الشّكر، وهي واحدة عندهم. فحسدت القيسيّة أسدا وخالدا، وقالوا لهشام:

« اكتب إلى خالد فليأمر أخاه أن يوجّه مقاتل بن حيّان. » فكتب إليه، فدعا أسد مقاتل بن حيّان على رؤوس النّاس وقال له:

« سر إلى أمير المؤمنين، فأخبره بما عاينت، وقل الحقّ، وأنت لا تقول غير الحق إن شاء الله، وخذ من بيت المال حاجتك. » فقال النّاس:

« إنّه لا يأخذ شيئا، أعطه من المال كذا وكذا، ومن الكسوة كذا. » وجهّزه. فسار حتى قدم على هشام وهو والأبرش جالسان. فسأله، فقال:

كان من أمرنا كيت وكيت. إلى أن قال:

« قصدنا خاقان، فساق من الذّراريّ وأهل البلدان بعد أن قاتلناه كذا يوما، ثم واقعناه وهو لا ينتظر، فحملوا على ميسرتنا فكشفوهم، ثم حملت ميمنتنا فهزمناهم، ثم تبعناهم حتى استبحنا عسكر خاقان بما فيه من النّساء والذّراريّ والآلات. » وكان هشام متكئا، فاستوى جالسا عند ذكر خاقان، وقال ثلاثا:

« أنتم استبحتم عسكر خاقان؟ » قال:

« بلى » قال:

« حاجتك. » قال:

« إنّ يزيد بن المهلّب أخذ من أبي حيّان من غير حقّ مائة ألف. » فقال هشام:

« لا أكلّفك شاهدا، أحلف بالله، إنّه لكما قلت. » فحلف، فردّها عليه من بيت مال خراسان، وكتب إلى خالد أن يكتب إلى أسد فيها. فكتب إليه، فأعطاه مائة ألف، فقسمها بين ورثة حيّان على فرائض الله.

خروج المغيرة بن سعيد على خالد بن عبد الله

وفي هذه السّنة خرج على خالد بن عبد الله المغيرة بن سعيد وبيان في نفر، فأخذهم وقتلهم.

ذكر السبب في ذلك

أمّا المغيرة بن سعيد، فكان يتشيّع، ثم نسبت إليه أمور شنيعة فيها تزيّد وإسراف.

فأحدها ما حكاه صاحب التّاريخ على ما أخبرنا به القاضي عن محمّد بن جرير الطّبري، قال: حدّثنا ابن حميد قال: حدّثنا جرير عن الأعمش، قال سمعت المغيرة بن سعيد يقول:

« لو أراد عليّ أن يحيى عادا وثمود وقرونا بين ذلك كثيرا، لأحياهم. » قال الأعمش:

« كان المغيرة يخرج إلى المقبرة، فيتكلّم فيرى مثل الجراء على القبور. » ونحو هذا من الكلام.

وحكيت عنه حكايات عظيمة.

فلمّا أخذ خالد المغيرة وأصحابه أتى بهم، وهم سبعة، وأمر بسريره، فأخرج إلى المسجد الجامع، وأمر بأطنان قصب ونفط، فأحضر، ثم أمر المغيرة أن يتناول طنّا، فكعّ وتأنّى، فصبّت السّياط على رأسه، فتناول طنّا فاحتضنه، فشدّ عليه، ثم صبّ عليه وعلى الطّنّ نفط، ثم ألهبت النّار، فاحترقا، ثم فعل بالرّهط مثل ذلك. ثم أمر بيانا آخرهم، فتقدّم إلى الطّنّ مبادرا، فاحتضنه، فقال خالد:

« ويلكم، في كلّ أمركم تحمقون، هلّا رأستم هذا إلّا المغيرة. » ثم أحرقه.

وكان هؤلاء يسمّون الوصفاء، وكان ظهورهم وخروجهم بظهر الكوفة، فأخبر خالد القسري بخروجهم وهو على المنبر، فقال:

« أطعمونى ماء. » وقيل فيه:

أ خالد لا جزاك الله خيرا ** وأير في حر أمّك من أمير

وقلت من المخافة أطعمونى ** شرابا، ثم بلت على السّرير

ولمّا قتل خالد المغيرة، أرسل إلى مالك بن أعين الجهني، فسأله، فصدّقه عن نفسه، فأطلقه. فلمّا خلا مالك بمن يثق به وكان فيهم أبو مسلم صاحب الدّعوة قال لهم:

ضربت لهم بين الطريقين لاحبا ** وطنت عليه الشّمس في من يطينها

وألقيته في شبهة حين سألني ** كما اشتبها في الخطّ سين وشينها

وكان يقول أبو مسلم حين ظهر أمره:

« لو وجدته لقتلته بإقراره على نفسه.

وفي هذه السّنة حكّم بهلول بن بشر الملقب كثارة فقتل

ذكر الخبر عن مخرجه ومقتله

كان بهلول يتألّه، وكان بدابق، وهو مشهور بالبأس والنّجدة عند هشام بن عبد الملك، فخرج يريد الحجّ. فلمّا كان بسواد الكوفة أمر غلامه أن يبتاع له خلّا بدرهم. فجاء غلامه إليه بخمر، فردّه وقال:

« استرجع الدّرهم. » فلمّا رجع الغلام لم يجبه البائع إلى ذلك، فجاء بهلول إلى عامل القرية، فكلّمه، فقال العامل:

« الخمر خير منك ومن قومك. » فمضى البهلول في حجّه حتى فرغ منه. ثم عزم على الخروج على السّلطان، فلقى بمكة من كان على مثل رأيه، فاتّعدوا قرية من قرى الموصل، واجتمع إليه أربعون رجلا، وأمّروا عليهم بهلول، وأجمعوا على أن لا يمرّوا بأحد إلّا أخبروا أنهم أقبلوا من عند هشام على بعض الأعمال، وجّههم إلى خالد لينفذهم في أعمالهم. فجعلوا لا يمرّون بعامل إلّا أخبروه بذلك وأخذوا منه دوابّ من دوّاب البريد. فلمّا انتهوا إلى القرية الّتى كان ابتاع الغلام فيها الخلّ فأعطى خمرا، قال له أصحابه:

« نحن نريد قتل خالد، فإن بدأنا بهذا شهرنا وحذرنا خالد وغيره، ولعلّ خالدا يفلت، وهو الّذى يهدم المساجد ويبنى البيع والكنائس، ويولّى المجوس على المسلمين، وينكح أهل الذّمّة المسلمات. » قال:

« لا والله، إن تركت هذا وأتيت خالدا لعلّى لا أظفر منه بما أريد ويفوتني هذا، والله يقول: « قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ من الْكُفَّارِ. » قالوا:

« أنت ورأيك. » فأتاه، فقتله، فنذر بهم النّاس، وعلموا أنهم خوارج، وابتدروا إلى الطّريق هرّابا، وخرجت البرد إلى خالد، فأعلموه أنّ خارجة خرجت وهم لا يدرون من رئيسهم.

فخرج خالد من واسط حتى أتى الحيرة في خلق كثير، وكان قدم في تلك الأيّام قائد من أهل الشّام من بنى القين، قد وجّهوهم مددا لعامل خالد على الهند، فنزلوا الحيرة. فقصدها خالد ودعا رئيسهم وقال له:

« قاتل هؤلاء المارقة، فإني أعطى من قتل منهم واحدا عطاء سوى ما قبض بالشّام وأعفيه من الخروج إلى أرض الهند. » وكان الخروج إلى أرض الهند شاقّا عليهم، فسارعوا إلى ذلك وقالوا:

« نقتل هؤلاء النّفر ونرجع إلى بلادنا. » فتوجّه القينيّ إليهم في ستّمائة، وضمّ إليهم خالد مائتين من شرط الكوفه. وقال القائد:

« لا تكونوا معنا. » وإنّما يريد في نفسه أن يخلو هو وأصحابه بالقوم، فيكون الظّفر لهم دون غيرهم لما وعدهم خالد.

وخرج إليهم بهلول، فسأل عن رئيسهم حتى عرف مكانه، ثم حمل عليه، فطعنه في فرج درعه فأنفذه، فقال:

« قتلتني، قتلك الله. » فقال بهلول:

« إلى النّار أبعدك الله. » وولّى أهل الشّام مع شرط أهل الكوفة منهزمين حتى بلغوا الكوفة وبهلول وأصحابه يقتلونهم.

فأمّا الشّاميّون، فمن كان منهم على خيول جياد فأتوه.

وأمّا الشرط فإنّه لحقهم، فقالوا:

« اتّق الله فينا فإنّا مكرهون مقهورون. » فجعل يقرع رؤوسهم برمحه ويقول:

« الحقوا، النّجا النّجا. » وأصاب البهلول مع القيني بدرة. وكان بالكوفة ستة نفر يرون رأى البهلول، فخرجوا يريدونه، فقتلوا. وخرج إليهم البهلول وحمل البدرة بين يديه، فقال:

« من قتل هؤلاء النّفر حتى أعطيه هذه الدّراهم؟ » فجعل هذا يقول، أنا، وهذا يقول: أنا. حتى عرفهم، وهم يرون أنّه من قبل خالد جاء ليعطيهم ثواب ما فعلوا.

فقال بهلول لأهل القرية.

« أصدق هؤلاء، هم قتلوا هؤلاء النّفر؟ » قالوا:

« نعم. » وكان خشي بهلول أن يكونوا ادّعوا ذلك طمعا في المال.

فقال لأهل القرية:

« انصرفوا أنتم. » وأمر بأولئك، فقتلوا.

وبلغ هزيمة القوم خالدا، فأنفذ إليهم جيشا مع قائد من بنى شيبان، فلقيهم بين الموصل والكوفة، فشدّ عليه البهلول، فقال:

« نشدتك الله والرّحم، فإني جانح مستجير. » فكفّ عنه وانهزم أصحابه. فأتى خالدا وهو بالحيرة، فلم يرعه إلّا الفلّ قد هجم عليه، وارتحل البهلول يريد الموصل، فكتب عامل الموصل إلى هشام أنّ خارجة خرجت وأنّه يخافهم ويسأله جندا يقاتلهم به.

فكتب إليه هشام:

« وجّه إليه كثارة بن بشر. » وكان هشام لا يعرف البهلول إلّا بلقبه. فكتب إليه العامل:

« إن الخارج هو كثارة! » وكان البهلول قال لأصحابه:

« ما نصنع بابن النّصرانية؟ يعنى خالدا وإنّما خرجت لله، فلم لا نطلب الرّأس الّذى يسلّط خالدا وأشباهه؟ » فتوجّه إلى الشّام يريد هشاما، فخاف عمّال هشام موجدته، إن تركوه يجوز بلادهم إليه. فجنّد له خالد جندا من العراق، وجنّد له عامل الجزيرة جندا من الجزيرة، ووجّه إليه هشام جندا من الشّام. فاجتمعوا بدير بين الجزيرة والموصل، وأقبل بهلول حتى انتهى إليهم، فنزل على باب الدير، فقالوا له:

« تزحزح عن باب الدّير حتى نخرج إليك. » فتنحّى وخرجوا. فلمّا رأى كثرتهم وهو في سبعين، جعل من أصحابه ميمنة وميسرة، ثم أقبل على أعدائه، فقال:

« أكلّكم يرجو أن يقتلنا ويسلم فيأتى أهله سالما؟ » قالوا:

« نعم، إنّا نرجو ذلك، إن شاء الله. » فشدّ على رجل عظيم من عظمائهم فقتله، وقال:

« أمّا هذا، فلا يأتى أهله أبدا. » ولم يزل هذا ديدنه حتى قتل ستّة، فانهزموا ودخلوا الدّير، وحاصرهم حتى جاءتهم الأمداد، وكانوا عشرين ألفا.

فقال له أصحابه:

« ألا نعقر دوابّنا ثم نشدّ عليهم شدّة واحدة؟ » فقال:

« لا، حتى نبلى عذرا ما استمسكنا على دوابّنا. » فقاتلوهم عامّة نهارهم حتى فشا فيهم القتل والجراح.

ثم إنّ بهلولا نزل هو وأصحابه، فعقروا دوابّهم وترجّلوا لهم، وأصلتوا السّيوف وقتل عامة أصحاب البهلول، وهو يقاتل ويذود عن أصحابه، إلى أن حمل عليه رجل يكنّى أبا الموت، فصرعه، فارتثّه من بقي من أصحابه، وقالوا له:

« ولّ أمرنا من بعدك من يقوم به. » فقال:

« إن هلكت، فأمير المؤمنين دعامة الشّيبانى. » ومات البهلول في ليلته، وهرب دعامة قبل الصّبح.

ثم دخلت سنة عشرين ومائة

وفيها هلك أسد بن عبد الله من دبيلة كانت في جوفه، فاستخلف جعفر بن حنظلة البهراني، فعمل أربعة أشهر، وجاء عهد نصر بن سيّار في رجب سنة احدى وعشرين.

وفي هذه السنّة وجّهت شيعة بنى العبّاس بخراسان إلى محمد بن عليّ بن عبد الله بن العبّاس سليمان بن كثير، ليعلمه أمرهم وما هم عليه.

سبب توجيههم سليمان إلى محمد

والسّبب في ذلك موجدة كانت من محمّد بن علي، على من كان بخراسان من شيعته من أجل طاعتهم كانت لخداش الّذى ذكرنا خبره وقبولهم منه الكذب الّذى رواه لهم عنه. فلمّا أبطأ كتابه اجتمعوا، فذكروا ذلك منهم، فأجمعوا على الرّضا بسليمان بن كثير ليلقاه بأمرهم ويخبره عنهم ويرجع إليه بما يرد عليه. فقدم سليمان بن كثير على محمّد بن عليّ وهو متنكّر، فأخبره عنهم بطاعة وخير، فعنّفهم وقال:

« لعن الله خداشا ومن كان على رأيه ومن سمع مقالته فأجابه إليها. » ثم صرف سليمان إلى أهل خراسان فسأله أن يكتب إليهم معه كتابا، فكتب كتابا وختمه. فلمّا قدم عليهم سليمان فضّوا خاتم الكتاب، فلم يجدوا فيه إلّا « بسم الله الرّحمن الرّحيم »، فغلظ ذلك عليهم وعلموا أنّ ما كان من خداش أتاهم به مخالف لأمره. ثم أنفذ محمّد بن عليّ بكير بن ماهان إلى شيعته بخراسان وبعث معه بعصيّ مضبّبة بعضها بالحديد وبعضها بالشّبّة.

فقدم بها بكير وجمع النّقباء والشّيعة ودفع إلى كلّ رجل منهم عصا، فعلموا أنهم عصاة، فرجعوا، وتابوا واعتذروا إلى بكير.

وفي هذه السّنة عزل هشام خالد بن عبد الله عن أعماله كلّها

ذكر السبب في عزل خالد بن عبد الله القسري ونكبته

كان السّبب في ذلك سكرة عرضت لخالد من طول الولاية وعزّ الإمرة وكثرة ما اجتمع عنده من الأموال. فمن ذلك أنّ كاتبا كان لابنه خلا به يوما فقال له:

« كم غلّة ابني؟ » فقال:

« قد زاد على عشرة آلاف ألف درهم. » فقال:

« ابني مظلوم. ما تحت قدمي من شيء إلّا وهو له. » يعنى أنّ عمر بن الخطّاب رضي الله عنه جعل لبجيلة ربع السّواد. وكان خالد قد اتخذ بالعراق أموالا، وحفر أنها را حتى بلغت غلّته عشرين ألف ألف درهم، وكان كثيرا ما يقول في خلواته عند من يأنس به:

« هذا ابن الحمقاء. » يعنى هشاما. وكانت أمّ هشام مستحمقة، فتكلّم فيه أولاد هشام وحسدوه وسبعوه هم وأهل بيت مروان، وكان أحد الأسباب الّذى غاظ هشاما أنّه دخل على خالد رجل من قريش من أولاد سعيد بن العاص، أو عمرو بن العاص، فتبسّط عنده، فاستخفّ به خالد وعضّه بلسانه. فكتب إلى هشام يشكوه.

فكتب هشام إلى خالد:

كتاب هشام إلى خالد القسري

« أمّا بعد، فإنّ أمير المؤمنين، وإن كان أطلق يدك ورأيك في من استرعاك أمره واستحفظك عليه للّذى من كفايتك ووثق به من حسن تدبيرك، لم يفرشك غرّة أهل بيته لتطأه بقدمك ولا تحدّ إليه بصرك، فكيف بك وقد بسطت عليه لسانك تريد بذلك تصغير خطره واحتقار قدره. زعمت بالنّصفة منه حتى أخرجك ذلك إلى الإغلاظ له في اللفظ بمحضر العامّة غير متحلحل له حين رأيته مقذّا من صدر مهادك الّذى مهّدك الله فيه، وفي قومك من يعلوك بحسبه، ويغمرك بأوّليته، فنلت مهادك بما رفع به آل عمرو من ضعتك خاصّة، مساورين بك فروع غرر القبائل وقرومها قبل أمير المؤمنين، حتى حللت هضبته صرت تنحو بها عليهم مفتخرا. هذا إن لم تدهده بك قلّة شكرك متحطّما وقيذا.

« فهلا يا ابن محرّشة قومه، أعظمت رجلهم داخلا عليك وخارجا، ووسّعت مجلسه إذا رأيته مقبلا إليك، وتجافيت له عن صدر فراشك مكرما، ثم فاوضته مقبلا عليه ببشرك، إكراما لأمير المؤمنين، فإذا اطمأنّ به مجلسه نازعته نجّى السّرار. معظّما لقرابته، عارفا بحقّه. فهو سنّ البيتين ونابهم وابن شيخ آل أبي العاص وحرب وغرّتهم.

« وبالله يقسم أمير المؤمنين لولا ما تقدّم من حرمتك، وما يكره من شماتة عدوّك بك، لوضع ما رفع من قدرك، حتى [ يردّك إلى حال ] تفقد بها أهل الحوائج بعراقك، وتزاحم المواكب ببابك، وما أقربنى من أن أجعلك تابعا لمن كان لك تبعا.

« فانهض على أيّ حال ألفاك رسول أمير المؤمنين وكتابه من ليل أو نهار ماشيا على قدميك بمن معك من حولك، حتى تقف بباب ابن عمرو صاغرا مستأذنا عليه، متنصّلا إليه، إذن لك أو منعك، فإن حرّكته عواطف رحمه احتملك، وإن احتملته حميّته وأنفته من دخولك عليه، فقف ببابه حولا غير متحلحل ولا زائل، ثم أمرك إليه بعد: عزل أو ولّى، انتصر أو عفا.

« فلعنك الله من متّكل عليه بالثّقة، ما أكثر هفواتك، وأقذع لأهل الشّرف ألفاظك الّتى لا تزال تبلغ أمير المؤمنين من إقدامك بها على من هو أولى بما أنت فيه من ولاية مصري العراق وأقدم وأقوم، وقد كتب أمير المؤمنين إلى ابن عمّه بما كتب به إليك من إنكاره عليك ليرى في العفو عنك والسّخط عليك رأيه، مفّوضا ذلك إليه، مبسوطة فيه يده، محمودا عند أمير المؤمنين على أيّها أتى إليك موفّقا إن شاء الله. »

وكتابه إلى ابن عمرو:

« أمّا بعد، فقد بلغ أمير المؤمنين كتابك، وفهم ما ذكرت من بسط خالد عليك لسانه في مجلس العامّة، محتقرا لقدرك، مستصغرا لقرابتك بأمير المؤمنين، وعواطف رحمه عليك، وإمساكك عنه تعظيما لأمير المؤمنين وسلطانه، وتمسّكا بوثائق عصم طاعته، على مؤلم ما تداخلك من قبائح ألفاظه، وشرارة منطقه، وإكبابه عليك عند إطراقك عنه مروّيا في ما أطلق أمير المؤمنين من لسانه، وأطال من عنانه، ورفع من ضعته، ونوّه من خموله. كذلك أنتم آل سعيد في مثلها عند هذر الذّنابى، وطائشة أحلامها، صمت غير ما إفحام، بل بأحلام تخفّ بالجبال، وقد حمد أمير المؤمنين تعظيمك إيّاه، وتوقيرك سلطانه وسكره، وقد جعل أمر خالد إليك في عزله وإقراره، فإن عزلته أمضى عزلك إيّاه، وإن أقررته فتلك منّة لك عليه لا يشركك أمير المؤمنين فيها.

« وقد كتب إليه أمير المؤمنين بما يطرد عنه سنة الهاجع عند وصوله له، يأمره بإتيانك، راجلا على أيّة حالة صادفه كتاب أمير المؤمنين وألفاه رسوله الموجّه إليك من ليلة أو نهاره، حتى يقف ببابك، أذنت له أو حجبته، أقررته أو عزلته.

« وتقدّم أمير المؤمنين إلى رسوله في ضربه بين يديك عشرين سوطا على رأسه، إلّا أن تكره أن يناله ذلك بسببك لحرمة خدمته، فأيّهما رأيت إمضاءه كان لأمير المؤمنين في برّه لك وتعظيمه حرمتك وقرابتك وصلة رحمك موافقا وإليه حبيبا في ما ينوي من قضاء حقّ آل أبي العاص وسعيد.

« فكاتب أمير المؤمنين مبتدئا ومجيبا ومحادثا وطالبا، ما عسى أن ينزل بك أهلك من حوائجهم التي تقعد بهم الحشمة عن تناولها من قبله لبعد دارهم عنه، وقلّة إمكان الخروج لإنزالها به غير محتشم من أمير المؤمنين، ولا مستوحش من تكرارها عليه على قدر قرابتهم وأديانهم وأسنانهم، مستميحا ومسترفدا ومطالبا مستزيدا، تجد إليك أمير المؤمنين سريعا بالبرّ لما يحاول من صلة قرابتهم، وقضاء حقوقهم.

« وبالله يستعين أمير المؤمنين على ما ينوي، وإليه يرغب في العون على قضاء حقوق قرابته، وعليه يتوكّل، وبه يثق، والله وليّه ومولاه، والسّلام. »

جناية خالد على نفسه

وممّا جناه خالد على نفسه، أنّ رجلا يقال له: فرّوخ كان قد تقبّل من ضياع هشام بن عبد الملك بموضع يقال له: نهر الرّمان فكان يدعى لذلك: فرّوخ الرمّانى فثقل مكانه على خالد.

فقال خالد لحسّان النّبطى:

« ويحك، اخرج إلى أمير المؤمنين، وزد على فرّوخ. » فخرج حسّان، فزاد عليه ألف ألف، فبعث معه هشام رجلين من صلحاء أهل الشّام، فحاز الضياع، فصار حسّان أثقل على خالد من فرّوخ، فجعل يضرّبه ويوذيه، فيقول حسّان له:

« لا تفسدنى وأنا صنيعتك. » فأبى إلّا الإضرار به حتى بثق عليه البثوق. فخرج حسّان إلى هشام، فقال:

- إنّ خالدا بثق البثوق على ضياعك. » فوجّه هشام رجلا، فنظر إليها، ثم رجع فأخبره.

وأقام حسّان يفسد أمر خالد حتى قال يوما لخادم من خدم هشام:

« إن تكلّمت بكلمة أقولها لك حيث يسمع هشام، فلك عندي ألف دينار. » قال:

« فعجّل لي الألف، وأقول ما شئت. » فعجّلها له وقال له:

« بكّ صبيّا من صبيان هشام، فإذا بكى فقل له: اسكت والله لكأنّك ابن خالد القسري الّذى غلّته ثلاثة عشر ألف ألف. » ففعل. فسمعها هشام، ودارت في نفسه. فلمّا دخل عليه حسّان، قال:

« أدن مني. » فقال:

« كم غلّة خالد؟ » قال:

« عشرون ألف ألف. » قال.

« فكم غلّة ابنه؟ » قال:

« ثلاثة عشر ألف ألف. » قال:

« فكيف لم تخبرني بهذا؟ » فقال:

« وهل سألتنى؟ » فوقرت في نفس هشام، حتى عزله.

وممّا كتب به هشام إلى خالد:

« قد بلغني يا ابن أمّ خالد أنّك تقول: ما ولاية العراق لي بشرف. فيابن اللخناء، كيف وأنت من بجيلة القليلة الذليلة؟ أما والله، إني لأظنّ أن أوّل ما يأتيك صفر من قريش يشدّ يديك إلى عنقك. » وكان من أسباب موجدته أيضا، أنّ رجلا قدم عليه، فقال:

« إني سمعت خالدا ذكر أمير المؤمنين بما لا يلتقى به الشفتان، قال: قال الأحول! قال لا، بل أشدّ من ذلك. » قال:

« فما هو؟ » قال:

« لا أقوله أبدا. » ولمّا صحّ عزم هشام على عزل خالد، أحب أن يكتم ذلك حتى يتمّمه.

فاختار لمكانه يوسف بن عمر، وكان يومئذ والى اليمن. فكاتبه، فقدم عليه جندب مولى يوسف بكتاب له. فقرأه، ثم قال لكاتبه:

« أجبه على لسانك. » وكتب هو بخطّه كتابا صغيرا. ثم قال لي:

« ايتنى بكتاب سالم. » وكان سالم على الدّيوان، فأتيته به، فأدرج فيه الكتاب الصّغير، ثم قال:

« اختمه. » ففعلت. ثم دعا برسول يوسف، فقال:

« إنّ صاحبك لمتعدّ طوره، ويسأل فوق قدره. » ثم قال لي:

« مزّق ثيابه. » ثم أمر بضربه. فضربه أسواطا، وقال:

« أخرجه عني، وادفع إليه كتابه. » فدفعت إليه الكتاب وقلت له:

« ويلك، النّجا. » فارتاب بشير بن أبي ثلجة بذلك وكان خليفة سالم وقال:

« هذه حيلة والله. » وقد ولى يوسف العراق. فكتب إلى عياض، وهو صاحب طارق بن أبي زناد، وطارق هذا خليفة خالد على الخراج. وكان كتابه إلى عياض:

« إنّ أهلك قد بعثوا إليك بالثّوب اليماني، فإذا أتاك فالبسه، واحمد الله، وأعلم ذلك طارقا. » فبعث عياض إلى طارق بالكتاب، وندم بشير على كتابه، فكتب إلى عياض:

« إن أهلك قد بدا لهم في إمساك الثّوب، فلا تتّكل عليه. » فجاء عياض بالكتاب الآخر إلى طارق. فقال طارق:

« الخبر في الكتاب الأوّل، ولكن صاحبك ندم وخاف أن يظهر الكتاب.

فكتب بهذا. » ثم ركب طارق من الكوفة إلى خالد، وهو بواسط، فسار يوما وليلة، فصبّحهم، فرءاه داود البربري وكان على حجابة خالد وحرسه وديوان الرّسائل فأعلم خالدا قدومه، فغضب وقال:

« قدم بغير إذن! » ثم أذن له. فلمّا رءاه قال:

« ما أقدمك؟ » قال:

« أمر كنت أخطأت فيه. » قال:

« وما هو؟ » قال:

« وفاة أسد. رحمه الله كتبت إلى أمير أعزّيه عنه، وإنّما كان ينبغي أن آتيه ماشيا. » فرقّ خالد، ودمعت عيناه وقال:

« ارجع إلى عملك. » فقال:

« أردت أن أذكر للأمير أمرا أسرّه إليه. » قال:

« ما دون داود سرّ. » قال:

« أمر من أمري. » فغضب داود وخرج، فأخبر طارق خالدا. قال:

« فما الرأي؟ » قال:

ذكر آراء أشير بها على خالد فلم يقبلها

« تركب إلى أمير المؤمنين، فتعتذر إليه من شيء إن كان بلغه عنك. » قال خالد:

« ما أركب إليه بغير إذنه. » قال:

« فشيء آخر. » قال:

« وما هو؟ » قال:

« تسير في عملك وأتقدّمك إلى الشّام، فأستاذنه لك. فإنّك لا تبلغ أقصر عملك حتى يأتيك إذنه. » قال:

« ولا هذا. » قال:

« فأذهب، واضمن لأمير المؤمنين جميع ما انكسر في هذه السّنين، وآتيك بعهدك مستقبلا. » قال:

« وما مبلغ ذلك؟. » قال:

« مائة ألف ألف. » قال:

« ومن أين أجد هذا؟ والله ما أجد عشرة آلاف ألف درهم. » قال:

« أتحمّل أنا وسعيد بن راشد أربعين ألف ألف درهم، وتفرّق الباقي على العمّال [ والزينبي وأبان بن الوليد عشرين ألف ألف درهم ] قال:

« إني إذن للئيم إن كنت سوّغت قوما شيئا ثم أرجع فيه. » فقال طارق:

« إنّا نقيك ونقى أنفسنا بأموالنا، ونستأنف الدّنيا، ونبقّى النّعمة عليك وعلينا، خير من أن يجيء من يطالبنا بالأموال، وهي عند تجّار أهل الكوفة، فيتقاعسون ويتربّصون بنا، فنقتل نحن ويأكلون تلك الأموال. » فأبى خالد فودّعه طارق وبكى وقال:

« هذا آخر ما نلتقي في الدّنيا. »

[ مواساة من بلال بن أبي بردة لخالد ]

وتحدّث ابن عيّاش أنّ بلال بن أبي بردة كتب إلى خالد وهو عامله على البصرة حين بلغه تعتّب هشام عليه:

« إنّه حدث أمر لا أجد بدّا من مشافهتك به. فإن رأيت أن تأذن لي، فإنّما هي ليلة ويومها إليك، ويوم عندك، وليلة ويومها منصرفا. » فكتب إليه: أن أقبل إذا شئت.

فركب هو وموليان، له الجمّازات. فسار يوما وليلة حتى صلّى المغرب بالكوفة وهي ثمانون فرسخا. فأخبر خالد بمكانه، فأتاه وقد تعصّب. فقال:

« أبا عمرو، أتعبت نفسك. » قال:

« أجل. » قال:

« متى عهدك بالبصرة؟ » قال:

« أمس. » قال:

« أحقّ ما تقول؟ » قال:

« هو والله ما قلت. » قال:

« فما أنصبك؟ » قال:

« بلغني من تعتّب أمير المؤمنين وقوله وما بغاك به ولده وأهل بيته. فإن رأيت أن تعرض عليه بعض أموالنا ثم تدعوه منها إلى أحبّ، فأنفسنا به طيّبة. ثم اعرض على مالك، فما أخذ منه فعلينا العوض منه بعد. » قال:

« ما أتّهمك، وحتى أنظر. » قال:

« إني أخاف أن تعاجل. » قال:

« كلّا. » قال:

« إنّ قريشا من عرفت ولا سيّما سرعتهم إليك. » قال:

« يا بلال، إني والله ما أعطى شيئا قسرا أبدا. » قال:

« أيّها الأمير، أتكلّم؟ » قال:

« نعم. » قال:

« إنّ هشاما أعذر منك. يقول: استعملتك وليس لك شيء، فلم تر من الحقّ عليك أن تعرض عليّ بعض ما صار إليك، وأخاف أن يزيّن له حسّان النّبطى ما لا تستطيع إدراكه، فاغتنم هذه الفترة. » قال:

« أنا ناظر في ذلك، فانصرف راشدا. » فانصرف بلال وقد يئس منه.

هشام يولى يوسف بن عمر العراق

وكان رسول يوسف بن عمر لمّا قدم عليه قال له:

« ما وراءك؟ » قال:

« الشّرّ. أمير المؤمنين ساخط عليك، وقد ضربني ولم يكتب جواب كتابك، وهذا كتاب سالم صاحب الدّيوان. » ففضّ الكتاب وقرأه. فلمّا انتهى إلى آخره قرأ كتاب هشام بخطّه أن:

« سر إلى العراق، فقد ولّيتكه، وإيّاك أن يعلم بذلك أحد، وخذ ابن النّصرانيّة وعمّاله، فاشفني منهم. » فاستخلف يوسف ابنه على عمله، واختار دليلا عالما بالطّرق وسار.

فسأله ابنه:

« أين تريد؟ » قال له:

« يا بن اللخناء، أيخفى عليك إذا استقرّ بي منزل » ثم سار. فكان إذا أتى طريقين سأل. فإذا قيل: هذا إلى العراق، قال: أعرف، حتى أتى الكوفة. فقال لغلامه كيسان:

« انطلق، فأتنى بطارق، فإن كان قد أقبل، فأحمله على أكاف، وإن لم يكن قد أقبل، فأت به سحبا. » قال: فأتيت الحيرة دار عبد المسيح وهو سيّد أهل الحيرة. فقلت له:

« إنّ يوسف قد قدم على العراق، وهو يأمرك أن تشدّ طارقا وتأتيه به. » فخرج هو وولده وغلمانه حتى أتوا منزل طارق. وكان لطارق غلام شجاع معه غلمان شجعان، لهم سلاح وعدّة. فقال لطارق:

« إن أذنت لي خرجت إلى هؤلاء في من معي فقتلتهم، ثم طرت على وجهك حيث شئت. » فقال: « لا. » وأذن لكيسان. فلمّا دخل قال:

« أخبرني عن الأمير ما يريد؟ »

قال: « المال. »

قال: « فأنا أعطيه ما سأل. » ثم أقبلوا إلى يوسف، فتوافوا بالحيرة. فلمّا عاينه ضربه ضربا مبرّحا، يقال:

خمسمائة، ودخل المدينة - يعنى الكوفة - فخطب بها وتوعّد أهل العراق وقال:

« والله لأقتلنّ منافقيكم بالسّيف وجناتكم بالعذاب، وفسّاقكم بالسّوط. » ثم نزل، ومضى إلى واسط وأتى بخالد وهو بها، فحبسه. فتوسّط بينهما النّاس حتى صالحه آبان بن الوليد على تسعة آلاف ألف درهم. فندّم يوسف وقيل له:

« لو لم تفعل لأخذت منه مائة ألف ألف درهم. » قال:

« ما كنت لأرجع وقد رهنت لساني بشيء. » وأخبر خالد، فقال:

« أسأتم حين أعطيتموه عند أوّل وهلة تسعة آلاف ألف، ما آمن أن يأخذها ثم يعود عليكم، فارجعوا عليه. » فجاؤوه، وقالوا:

« إنّ خالدا ليس يرضى بما ضمنّا وأخبرنا أنّ الملك لا يمكنه. » فقال:

« أنتم أعلم وصاحبكم. أما أنا فلا أرجع عليكم. فإن رجعتم لم أمنعكم. » قالوا:

« فإنّا قد رجعنا. » قال:

« [ أ ] فقد فعلتم؟ » قالوا:

« نعم. » قال:

« فمنكم أتى النّقص. فو الله لا أرضى بتسعة آلاف ألف، ولا أضعافها. » فأخذ مائة ألف ألف.

كتاب يوسف بن عمر إلى جديع بولاية خراسان

ثم كتب يوسف بن عمر إلى جديع بن علي الكرماني بولاية خراسان. فأتاه الكتاب بمرو، فخرج إلى النّاس، فخطبهم، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر أسدا وما صنع الله للنّاس على يده بعد ما كانوا فيه من الشّدة والجهد. ثم ذكر أخاه خالدا بالجميل، وأثنى عليه، وذكر قدوم يوسف بن عمر إلى العراق، وحثّ النّاس على الطّاعة ولزوم الجماعة، ثم قال:

« غفر الله للميّت - يعنى أسدا - وعافى المعزول، وبارك للقادم. » ثم نزل.

وفي هذه السّنة عزل جديع الكرماني عن خراسان وولّيها نصر بن سيّار

ذكر السبب في ذلك

لمّا انتهت وفاة أسد إلى هشام استشار أصحابه في من يصلح لخراسان.

فأشير عليه بقوم. فقال:

« اكتبوا أسماءهم. » فكان ممّن كتب له: عثمان بن عبد الله بن الشّخير، ويحيى بن الحصين بن المنذر، ونصر بن سيّار، والمجشّر بن مزاحم السّلمى، وغيرهم.

- فسأل عن عثمان، فقيل: « هو صاحب شراب. » وسأل عن المجشّر، فقيل: « هو شيخ همّ. » وسأل عن ابن حصين، فقيل: « فيه تيه وعظمة. »

وسأل عن قطن بن قتيبة، فقيل: « هو موتور. » فاختار نصر بن سيّار. فقيل:

« ليست له بها عشيرة. » فقال:

« أنا عشيرته. » فولّاه، وبعث بعهده. وكان هشام سأل عبد الكريم - وكان أتاه من خراسان من أخبره بموت أسد:

« [ من ترى أن نولّى خراسان؟ ] بلغني أنّ لك بها وبأهلها علما. » فقال:

« يا أمير المؤمنين، أمّا رجل خراسان حزما ونجدة فالكرماني. » فأعرض بوجهه وتطّير من اسمه: « جديع. » وقال:

« سمّ لي غيره. » قال: قلت:

« اللّسن المحرب يحيى بن نعيم بن هيبرة الشّيبانى. » قال:

« ربيعة لا تسدّ بها الثّغور. » فقال عبد الكريم: فقلت في نفسي، قد كره ربيعة واليمن، فأرميه بمضر.

فقلت:

« عقيل بن معقل الليثي إن اغتفرت هنة. » قال:

« ما هي؟ » قلت:

« ليس بالعفيف. » قال:

« فلا حاجة لي به. » قال: قلت:

« المجشّر بن مزاحم، عاقل شجاع له رأى. » قال:

« فيه كذب، ولا خير في الكذب. »

قال عبد الكريم: وأخّرت نصرا وهو أرجل القوم وأعرفهم بالسّياسة.

ثم قلت: « نصر بن سيّار الليثي. » فقال:

« نصر بن سيّار هو لها. » قلت:

« فإنّ عشيرته بها قليلة. » قال:

« لا أبا لك، أكثر مني؟ أنا عشيرته. » فولّى نصرا، وأمره بمكاتبة يوسف بن عمر. وكان يوسف قد أسمى لخراسان جماعة، وأوفد في ذلك وفدا، فأبى عليه هشام فيهم.

وكان خرج بعهد نصر إلى خراسان عبد الكريم الحنفي، أنفذه هشام مع كاتبه أبي المهنّد، فوصل عبد الكريم بعشرة آلاف درهم. واستعمل نصر خلفاءه على كور خراسان، وعمر خراسان عمارة لم تعمر قطّ مثلها، ووضع الخراج، وأحسن الولاية والجباية، ومدحه الشّعراء، وكان نصر شاعرا خطيبا، فخطب النّاس، وقال في خطبته:

استمسكوا أصحابنا يحد بكم ** فقد عرفنا خيركم من شرّكم

ثم دخلت سنة احدى وعشرين ومائة

وفيها غزا مروان بن محمّد بلاد صاحب السّرير الذّهب، ففتح قلاعه، وخرّب أرضه، فأذعن له بالجزية في كل سنة ألف رأس يؤدّيه، وأخذ رهائنه، وملّكه على أرضه.

قتل زيد بن علي بن الحسين (ع)

وفيها قتل زيد بن علي بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب - صلوات الله عليهم - في قول الواقدي. وفي قول هشام بن محمّد: قتل في سنة اثنتين وعشرين ومائة.

ذكر السبب في مقتله والسبب في خروجه

كان بين أولاد الحسين والحسن - عليهم السلام - خصومة في صدقة رسول الله وكانوا يتنازعون إلى والى المدينة، وكان واليها يومئذ إبراهيم بن هشام. وانتهت الخصومة إلى زيد بن علي، وإلى جعفر بن حسن. فلمّا هلك جعفر قال عبد الله بن حسن بن حسن « من لزيد؟ » قال حسن بن حسن بن حسن:

« أنا. » قال:

« إنّا نخاف لسانك ويدك. ولكني [ أنا أكفيكه. ] » قال:

« إذن لا تبلغ حاجتك [ وحجتك ] ولكن أبلغ حجّتي. »

فتنازعا يوما، فأغلظ عبد الله لزيد وقال:

« يا ابن العندكية. » فتضاحك زيد وقال:

« فعلتها يا با محمد. » ثم ذكر أمّه بشيء.

وكانت ولاية المدينة يومئذ لخالد بن عبد الملك وهذه الخصومة كانت عنده. فقال خالد:

« اغدوا علينا غدا. فلست لعبد الملك إن لم أفصل بينكما. » فباتت المدينة تغلى كالمرجل، يقول قائل: قال زيد كذا، ويقول قائل: قال عبد الله كذا. فلمّا كان الغد، جلس خالد في المسجد واجتمع النّاس. فمن شامت ومن مهموم. فدعا بهما خالد وهو يحبّ أن يتشاتما فيتبيّن ذلك لهما.

وذهب عبد الله يتكلّم. فقال زيد:

« لا تعجل يا با محمّد، أعتق زيد ما يملك، إن خاصمك إلى خالد أبدا. » ثم قال:

« يا خالد، لقد جمعت ذرّيّة رسول الله لأمر ما كان يجمعهم عليه أبو بكر ولا عمر. » فقال خالد:

« ما لهذا السّفيه أحد. » فتكلّم رجل من الأنصار من آل عمرو بن حزم، فقال:

« يا بن أبي تراب وابن حسين السّفيه، أما ترى للوالي عليك حقّا ولا طاعة! فقال زيد:

« أسكت أيّها القحطانيّ، فإنّا لا نجيب مثلك. » فقال:

« ولم؟ أترغب عني؟ فو الله، إني لخير منك وأبي خير من أبيك، وأمي خير من أمّك. » فتضاحك زيد، ثم قال:

« يا معشر قريش، هذا الدّين قد ذهب، أذهبت الأحساب؟ فو الله، إنّه ليذهب دين القوم وما تذهب أحسابهم. » فتكلّم عبيد الله بن واقد بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب، فقال:

« كذبت والله يا قحطانيّ، فهو لخير منك نفسا وأبا وأمّا ومحتدا. » وتناوله بكلام كثير.

فقال القحطانيّ:

« دعنا منك، يا ابن واقد. » فأخذ ابن واقد كفا من حصباء المسجد، فضرب بها الأرض، ثم قال:

« أف! والله ما لنا على هذا صبر. » وقام فشخص زيد إلى هشام بن عبد الملك. فجعل هشام لا يأذن له، فيرفع إليه القصص. فكلّما قرأ قصّة له كتب هشام في أسفلها:

« إرجع إلى أميرك. » فيقول زيد:

« إني والله ما أرجع إلى خالد أبدا، وما أسأل مالا، وإنّما أنا رجل مخاصم. »

إذن هشام لزيد ومحاجة جرت بينهما

ثم إنّ هشاما أذن له يوما بعد طول حبس، وجلس في عليّة له رفيعة، وأمر خادما له أن يتبعه ويتسمّع عليه، فقال له:

« أنظر لا يرينّك [ واسمع ما يقول ] » قال: فأتعبته الدّرجة وكان بادنا فوقف في بعضها وقال:

« والله ما أحبّ الدنيا أحد إلّا ذلّ. » فلمّا أعيد ذلك على هشام، علم أنّه خارج عليه.

فيقال: إنّ هشاما قال له يوما:

« لقد بلغني يا زيد، أنّك تذكر الخلافة وتتمنّاها ولست هناك، فإنّك ابن أمّة. » فقال زيد:

« إنّ لك يا أمير المؤمنين جوابا. » قال:

« فتكلّم به. » قال:

« إنّه ليس أحد أولى بالله، ولا أرفع عنده منزلة من نبي ابتعثه، وقد كان إسماعيل من خير الأنبياء وولد خيرهم محمّدا وكان ابن أمة، وأخوه ابن صريحة مثلك، فاختاره الله عليه، فأخرج منه خير البشر، وما على أحد [ من ذلك ] جدّه رسول الله ما كانت أمّه. » فقال له هشام:

« أخرج عني. » قال:

« إن خرجت لا تراني إلّا حيث تكره. » فقال له سالم:

« لا يظهرنّ منك هذا. »

بين خالد بن عبد الله القسري وزيد بن علي

ثم إنّ خالد بن عبد الله القسري ادّعى مالا له قبل زيد بن عليّ، ومحمّد بن عمر بن أبي طالب، وداود بن عليّ بن عبد الله بن العبّاس وإبراهيم بن سعد بن عبد الرّحمن بن عوف الزّهرى، وأيّوب بن سلمة بن عبد الله بن الوليد بن المغيرة المخزومي. فقدمت كتب يوسف بن عمر على هشام بذلك، فبعث إليهم يخبرهم بما ادّعى عليهم خالد، فأنكروا.

فقال لهم هشام:

« فاخرجوا إليه يجمع بينكم وبينه. » فقال له زيد بن عليّ:

« أنشدك الله والرّحم، أن تبعث بي إلى يوسف بن عمر. » قال:

« وما الّذى تخاف منه؟ » قال:

« أخاف أن يعتدى عليّ. » قال هشام:

« ليس له ذاك. » ودعا كاتبه وقال له: أكتب إلى يوسف بن عمر:

« أمّا بعد، فإذا قدم عليك فلان وفلان، فاجمع بينهم وبين خالد القسري وابنه يزيد. فإن هم أقرّوا بما ادّعى عليهم، فسرّح بهم إليّ، وإنّ هم أنكروا، فسله بيّنة، فإن لم يقمها، فاستحلهم بالله الّذى لا إله إلا هو: ما استودعكم خالد ولا ابنه يزيد وديعة، ولا لهما قبلكم شيء. ثم خلّ سبيلهم. » فقالوا لهشام:

« إنّا نخاف تعدّيه لكتابك. » قال:

« كلّا، إني قد صدّقتكم، ولكن لا بدّ من أن تكذّبوا خالدا في وجهه، وأنا باعث معكم رجلا من الحرس بذلك، حتى يعجّل الفراغ منه، ويردّكم إليّ. » قالوا:

« جزاك الله خيرا. » فوصلهم هشام، وسرّح بهم إلى يوسف. فلمّا قدموا عليه أجلس زيد بن عليّ قريبا منه، وألطفه في المسألة. ثم سألهم عن المال، فأنكروا جميعا، فأخرج يوسف خالدا إليهم في عباءة، وجمع بينه وبينهم، وقال:

« هذا زيد بن عليّ وهذا داود بن علي، وهذا فلان وفلان الّذين ادّعيت عليهم ما ادّعيت، وقد أمر أمير المؤمنين بكيت وكيت، وهذا الكتاب. فهل عندك بيّنة بما ادّعيت؟ » فلم تكن له بيّنة.

فقال يوسف للقوم:

« أتحلفون أنّ خالدا ما أودعكم ما لا ولا له قبلكم حقّ فقال زيد:

« أنّى يودعنى هذا مالا وهو يشتم آبائي على منبره؟ » وسكت القوم. ثم التفتوا بأجمعهم إلى خالد وقالوا:

« ما دعاك إلى ما صنعت؟ » قال:

« إنّه أغلظ عليّ في العذاب، فادّعيت ما ادّعيت، وأمّلت أن يأتى الله بفرج قبل قدومكم. » فأطلقهم يوسف، فمضوا، وتخلّف بالكوفة زيد بن عليّ وداود.

إقبال الشيعة إليه

وأقبلت الشّيعة تختلف إلى زيد ويوسف يأمره بالخروج، وهو يعتلّ عليه.

وبلغ ذلك هشاما. فكتب إلى يوسف:

« إنّه بلغني أنّ زيدا يحتجّ عليك في مقامه بخصومة بينه وبين بعض آل طلحة في مال بينه وبينهم بالمدينة، فليقم جريّا يقوم مقامه. » وأزعجه، وقد كان بايعه سلمة بن كهل، ونصر بن خزيمة العبسي، ومعاوية بن إسحاق الأنصاري وناس من وجوه أهل الكوفة. فلمّا رأى ذلك داود بن عليّ قال:

« يا ابن عمّ، لا يغرّنك هؤلاء من نفسك. ففي أهل بيتك لك عبرة. » وذكّره بأيّام عليّ وأيّام الحسن والحسين، ولم يزل به حتى أخرجه معه، فشخصا حتى بلغا القادسيّة. فاتبعه شيعته حتى بلغوا الثعلبية، وقالوا له:

نحن أربعون ألفا، وإن رجعت إلى الكوفة لم يتخلّف عنك أحد. » فجعل يقول:

« إني أخاف أن تخذلوني وتسلّمونى كما فعلتم بأبي وجدّى. »

فيحلفون له ويعطونه المواثيق والأيمان المغلّظة، ويقول له داود:

« يا بن عمّ، هكذا قالوا لأبيك وجدّك، ثم لم يفوا. » فقال لزيد:

« إنّ هذا لا يحبّ أن تظهر أنت، ويزعم أنّه وأهل بيته أحقّ بهذا الأمر منكم. »

رجوع زيد إلى المدينة

ولم يزالوا عليه بهذا الكلام ونحوه حتى انصرف معهم إلى الكوفة. فأتاه سلمة بن كهل، فاستأذن عليه، فأذن له. فذكر قرابته برسول الله وحقّه، فأحسن. ثم تكلّم زيد فأحسن.

فقال سلمة:

« اجعل لي الأمان حتى أقول. » قال:

« سبحان الله! ومثلك يسأل مثلي الأمان؟ » وإنّما أراد سلمة أن يسمع ذلك أصحابه.

ذكر رأي أشار به سلمة على زيد فلم يقبله

فقال:

« نشدتك الله، كم بايعك؟ » قال:

« أربعون ألفا. » قال:

« فكم بايع جدّك؟ » قال:

« ثمانون ألفا. » قال:

« فكم حصل معه؟ » قال:

« ثلاثمائة. » قال:

« نشدتك الله، أأنت خير أم جدّك؟ » قال:

« بل جدّى. » قال:

« أفقرنك الّذين خرجت فيهم خير، أم القرن الّذين خرج فيهم جدّك؟ » قال:

« بل القرن الّذين خرج فيهم جدّى. » قال:

« أفتطمع أن يفي لك هؤلاء، وقد غدر أولئك بجدّك؟ » قال:

« إنّهم بايعوني، ووثّقوا لي. » قال:

« فتأذن لي أن أخرج من البلد؟ » قال:

« ولم؟ » قال:

« آمن أن يحدث في أمرك حدث، فلا أملك نفسي. » قال:

« وقد أذنت لك. » فخرج إلى اليمامة.

كتاب عبد الله بن الحسن إلى زيد

وكتب عبد الله بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب إلى زيد:

« يا بن عمّ، إنّ أهل الكوفة نفج العلانية، خوز السّريرة، تقدّمهم ألسنتهم، ولا تشايعهم قلوبهم. ولقد تواترت إليّ كتبهم، فصممت عن ندائهم، وألبست قلبي غشاء عن ذكرهم، يأسا منهم، واطّراحا لهم، وما لهم مثل إلّا ما قال علي بن أبي طالب»

وذكّره بأشياء قالها في أهل العراق.

[ كيف كانت بيعة زيد ]

واستخفى زيد بالكوفة وبثّ دعاته، وأخذ يتنقّل من موضع إلى موضع ويبايع من استجاب له. وكانت بيعته:

« إني أدعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيه وجهاد الظّالمين، والدّفع عن المستضعفين، وإعطاء المحرومين، وقسم هذا الفيء بين أهله بالسّواء، وردّ المظالم، وإقفال المجمّر، ونصرنا أهل البيت على من نصب لنا. أتبايعون على ذلك؟ » فإذا قالوا: نعم، وضع يده على يده، ثم يقول:

« عليك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله لتفينّ ببيعتي، ولتقاتلنّ معي عدوّى، ولتنصحنّ لي في السّر والعلانية. » فإذا قال: نعم، مسح يده على يده، ثم قال:

« اللهمّ اشهد. » فمكث بذلك عشر شهرا، وبلغ هشاما خبر رجوعه إلى الكوفة بعد خروجه منها. ولم يبلغ ذلك يوسف بن عمر، وظنّ أنّه استمرّ في خروجه إلى المدينة.

كتاب هشام إلى يوسف بن عمر في أمر زيد بن علي

فكتب هشام إلى يوسف بن عمر في أمر زيد كتابا نسخته:

« أمّا بعد، فقد علمت حال الكوفة في حبّهم أهل هذا البيت، ووضعهم إيّاهم في غير مواضعهم، لأنّهم افترضوا طاعتهم على أنفسهم، وضيّقوا عليهم شرائع دينهم، ونحلوهم علم ما هو كائن، حتى حملوهم من تفريق الجماعة على حال استخفّوهم فيها إلى الخروج، وقد كان قدم زيد بن عليّ على أمير المؤمنين في خصومة له، فرأى رجلا جدلا لسنا خليقا بتمويه الكلام وصوغه واجترار الرّجال بحلاوة لسانه وكثرة مخارجه في حججه، وما يدلى به عند لدد الخصام من السّطوة على الخصم بالقوّة الحادّة لنيل الفلج. فعجّل إشخاصه إلى الحجاز، ولا تخلّه والمقام قبلك، فإنّه إن أعاره القوم أسماعهم فحشّاها من لين لفظه وحلاوة منطقه مع ما يدلى به من القرابة برسول الله وجدّهم [ غير متئدة قلوبهم، ولا ساكنة أحلامهم، ولا مصونة عندهم أديانهم ]، ميّلا إليه، وبعض التحامل عليه في أذى له [ وإخراجه وتركه ] مع السّلامة للجميع، والحقن للدماء، والأمن للفرقة، أحبّ إليّ من أمر فيه سفك دمائهم، وانتشار كلمتهم، وقطع سبلهم، والجماعة حبل الله المتين، ودين الله القويم، وعروته الوثقى. فادع إليك اشراف أهل المصر، فأوعدهم العقوبة في الأبشار، واستصفاء الأموال. فإنّ من له عقد أو عهد منهم سيبطئ عنه، ولا يخفّ معه إلّا الرّعاع وأهل السّواد ومن تنهضه الحاجة استلذاذا للفتنة، [ وأولئك ممّن يستعبد إبليس وهو يستعبدهم ] فبادهم بالوعيد، واعضضهم بسوطك، وجرّد منهم سيفك، وأخف الأشراف قبل الأوساط، والأوساط قبل السّفلة. واعلم أنّك قائم على باب ألفة، وداع إلى طاعة، وحاضّ على جماعة، ومشمّر لدين الله، فلا تستوحش لكثرتهم، واجعل معقلك الّذى تأوى إليه، وصغوك الّذى تخرج به، الثّقة بربّك والغضب لدينك والمحاماة على الجماعة ومناصبة من أراد كسر هذا الباب الّذى أمرهم الله، عز وجل، بالدّخول فيه، والتشاحّ، عليه، فإنّ أمير المؤمنين قد أعذر إليه، وقضى من ذمامه، فليس له منزى إلى ادّعاء حقّ هو له، ظلمه من نصبه في فيء أوصله لذي قربى، إلّا ما خاف أمير المؤمنين من حمل مدرة السّوء له، على الّذى عسى أن يكونوا به أشقى وبه أضلّ، ولهم أمرّ، ولأمير المؤمنين أعزّ وأسهل، إلى حياطة الدّين والذبّ عنه، فإنّه لا يحبّ أن يرى في أمّته حالا متفاوتا، نكالا لهم مفتنا. فهو يستديم النّظر، ويتأتّى للرّشاد، ويجتبيهم، على المخاوف، ويستجرّهم إلى المراشد، ويعدل بهم عن المهالك، فعل الوالد المشفق على ولده، والرّاعى الحدب على رعيّته. واعلم أنّ من حجّتك عليهم، واستحقاق نصر الله لك عند معاندتهم، توفيتك أطماعهم وأعطية ذرّيّتهم، ونهيك جندك أن ينزلوا حريمهم ودورهم. فانتهز رضا الله في ما أنت بسبيله، فإنّه ليس ذنب أسرع تعجيل عقوبة من بغى، وقد أوقعهم الشّيطان، ودلّاهم فيه، ودلّهم عليه، والعصمة بتارك البغي أولى. فأمير المؤمنين يستعين الله عليهم وعلى غيرهم من رعيّته ويسأل إليه ومولاه ووليّه أن يصلح منهم ما كان فاسدا، وأن يسرع بهم إلى النّجاة والفوز، إنّه سميع قريب. » فبعث يوسف في طلب زيد، فأرشد إلى من يعرف خبره، وجاءه سليمان بن سراقة البارقي، فأخبره أنّه يختلف إلى ابن أخت له، فطلبه يوسف هناك، فلم يوجد عنده، وجاء بالرّجل. فلمّا كلّمه استبان له أمر زيد وأصحابه، وتخوّف زيد أن يؤخذ، فأخذ في التّعجيل.

نكث بيعة زيد

ولمّا رأى أصحاب زيد أنّ يوسف بن عمر قد بلغه أمر زيد وأصحابه، وأنّه يستبحث عن أمره، اجتمعت إليه جماعة من رؤساء من بايعه، فقالوا:

« رحمك الله، ما قولك في أبي بكر وعمر؟ » قال زيد: « رحمهما الله وغفر لهما، ما سمعت من أهل بيتي أحدا يتبرّأ منهما، ولا يقول فيهما إلّا خيرا. » قالوا: « فلم تطلب إذا بدم أهل هذا البيت، إلّا أنّ هذين وثبا على سلطانكم.

فنزعاه من أيديكم؟ » فقال زيد:

« إنّ أشدّ ما نقول في ما ذكرتم أنّا كنّا أحقّ بسلطان رسول الله من النّاس أجمعين، وأنّ القوم استأثروا علينا ودفعونا عنه، ولم يبلغ ذلك بهم عندنا كفرا. قد ولوا فعدلوا، وعملوا بالكتاب واتّبعوا السّنّة. » قالوا له:

« فلم يظلمك إذا هؤلاء، فلم تدعونا إلى قتال قوم ليسوا لك بظالمين؟ » فقال لهم:

« إنّهم ليسوا كأولئك. لأنّ هؤلاء ظالمون لأنفسهم، وإنّما ندعوهم إلى كتاب الله وسنّة نبيه، وإلى السّنن أن تحيا، وإلى البدع أن تطفأ. فإن أنتم أجبتمونا سعدتم، وإن أنتم أبيتم، فلست عليكم بوكيل. » ففارقوه ونكثوا بيعته وقالوا:

« سبق الإمام. » وقد كان هلك محمد بن عليّ بن الحسين يومئذ، وكان ابنه جعفر حيّا، فقالوا:

« جعفر إمامنا وهو أحقّ بالأمر بعد أبيه وليس زيد بإمام. » فسمّاهم زيد الرّافضة. وهم اليوم يزعمون أنّ الّذى سمّاهم الرّافضة المغيرة، وذلك أنّهم فارقوه بالكوفة وتركوه حتى قتل، وقد حكينا أمره.

استتباب الخروج لزيد

واستتبّ لزيد الخروج. فواعد أصحابه ليلة الأربعاء، وهي اوّل ليلة من صفر. يقال سنة اثنتين وعشرين، ويقال سنة احدى وعشرين.

وبلغ يوسف بن عمر أنّ زيدا قد أزمع الخروج. فبعث حكم بن أبي الصّلت، وأمره أن يجمع أهل الكوفة في المسجد الأعظم، ثم يحصرهم فيه.

فبعث الحكم إلى العرفاء، وإلى الشّرطة، والمناكب، والمقاتلة، فأدخلهم المسجد. ثم نادى مناديه أنّ الأمير يقول:

« من أدركناه في رحله فقد برئت منه الذمّة. ادخلوا المسجد الأعظم. » فأتى النّاس المسجد يوم الثلاثاء قبل خروج زيد بيوم، وطلبوا زيدا في المواضع الّتى كان يتنقّل فيها. فخرج ليلة الأربعاء وكانت ليلة شديدة البرد - من دار معاوية بن إسحاق، وكان قد طلب فيها. فرفعوا هراديّ النّيران من القصب ونادوا بشعارهم:

« يا منصور أمت » وكلّما أكلت النّار هرديا رفعوا آخر. فما زالوا بذلك حتى طلع الفجر. فلمّا أصبحوا، بعث زيد القاسم التّبعى ورجلا آخر من أصحابه يناديان بشعارهم.

فلقيهما جعفر بن العبّاس الكندي في أصحابه. فشدّوا عليهما وقتل الرّجل الّذى كان مع القاسم التّبعى، وارتثّ القاسم، فأتى به الحكم بن أبي الصّلت، فكلّمه، فلم يرد عليه شيئا، فضربت عنقه على باب القصر. فكان هذان أوّل من قتل من أصحاب زيد.

وأمر الحكم به أبي الصّلت بدروب السّوق، فغلّقت، وغلّقت أبواب المسجد الأعظم على أهل الكوفة، وأمر أصحاب الأرباع بالكوفة أن يصيروا إليه، وبعث إلى يوسف بن عمر، فأخبره الخبر، فبعث يوسف جعفر بن العبّاس الكندي فركب في خمسين فارسا، ثم قال:

« اذهب فأتنى بخبرهم. » فلمّا استقبل الرّجلين وكان ما كان من أمرهما، رجع إلى يوسف، فأخبره.

فلمّا أصبح خرج إلى تلّ قريب من الحيرة، فنزل عليه ومعه قريش وأشراف النّاس، وعلى شرطته العبّاس بن سعيد المرّى. فبعث زياد بن سلمة في ألفين وثلاثمائة من الرّجال معهم النشّاب وأصبح زيد، فكان جميع من وافاه تلك اللّيلة مائتي رجل وثمانية عشر رجلا فقال زيد:

« سبحان الله! أين النّاس؟ » فقيل:

« هم في المسجد الأعظم محصورون. » فقال:

« لا والله، ما هذا بعذر لمن بايعنا. » وسمع نصر بن خزيمة النّداء، فأقبل إليه، فلقى عمرو بن عبد الرّحمن صاحب شرطة الحكم بن أبي الصّلت في أصحابه. فقال نصر بن خزيمة:

« يا منصور أمت. » فشدّ عليه نصر وأصحابه، فقتل عبد الرّحمن، وانهزم من كان معه.

وأقبل زيد الى جبّانة الصّيّادين، وبها خمسمائة من أهل الشّام، فحمل عليهم زيد في من معه، فهزمهم. وكان تحت زيد يومئذ برذون أدهم بهيم، وسار حتى انتهى إلى دار رجل من الأزد يقال له: أنس بن عمرو، وكان في من بايعه، فنودي وهو في داره، فلم يجب. فناداه زيد:

« يا أنس، اخرج. فقد جاء الحقّ وزهق الباطل، إنّ الباطل كان زهوقا. » فلم يخرج إليه. فقال زيد:

« قد فعلتموها، الله حسيبكم. » ثم مضى زيد إلى الكناسة، فحمل على جماعة بها من أهل الشّام، فهزمهم.

ثم خرج حتى ظهر إلى الجبّانة، ويوسف بن عمر على التّلّ ينظر إليه هو وأصحابه، وبين يديه نحو من مائتي رجل، وناس من الأشراف لا يبلغ عشرة.

فلو أقبل على يوسف لقتله وتمّم أمره.

ثم إن زيد أخذ ذات اليمين على مصلّى خالد بن عبد الله حتى دخل الكوفة، فأقبل على نصر بن خزيمة وقال:

« أما ترى خذلان النّاس إيّانا قد جعلوها حسينيّة. » فقال له:

« جعلني الله فداءك. أمّا أنا، فو الله لأضربنّ معك بسيفي هذا حتى أموت. » ثم إنّ نصرا قال لزيد:

« جعلني الله فداءك. إنّ النّاس في المسجد الأعظم محصورون، فاذهب بنا نحوهم. » فخرج بهم زيد نحو المسجد، فمرّ على دار خالد بن عرفطة، وبلغ عبيد الله بن العبّاس الكندي إقباله، فخرج في أهل الشّام، وأقبل زيد، فالتقوا على باب عمرو بن سعد بن أبي وقّاص، فكعّ صاحب لواء عبيد الله فقال له:

« احمل يا ابن الخبيثة. » فحمل حتى خضب لواءه بالدّم.

ثم إنّ عبيد الله برز، فخرج إليه واصل الحنّاط، فاضطربا بسيفيهما فقال واصل:

« خذها مني وأنا الغلام الحنّاط. » فقال:

« قطع الله يدي إن كلت بقفيز أبدا. » ثم ضربه، فلم يصنع شيئا، وانهزم عبيد الله وأصحابه، وبلغ زيد وأصحابه باب المسجد، وجعلوا يدخلون راياتهم من فوق الأبواب ويقولون:

« يا أهل المسجد، اخرجوا. » وجعل نصر بن خزيمة يناديهم ويقول:

« يا أهل الكوفة اخرجوا من الذّلّ والصّغار إلى العزّ، اخرجوا الى الدّين والدّنيا. » فأشرف عليهم أهل الشّام، فجعلوا يرمونهم بالحجارة. وانصرف عنهم زيد بن عليّ، فنزل دار الرزق، وخرج اليه ناس من أهل الكوفة، فأتاه ريّان بن سلمه، فقاتله عند دار الرزق قتالا شديدا، فخرج أهل الشّام وقتل منهم وانهزموا، وتبعهم أصحاب زيد من دار الرزق حتى انتهوا الى المسجد، فرجع أهل الشّام مساء يوم الأربعاء أسوأ شيء ظنّا. فلمّا كان من الغد يوم الخميس دعا يوسف الرّيّان بن سلمه وليس عليه سلاحه فأفّف به وقال:

« أفّ لك من صاحب خيل، اجلس. » ودعا العبّاس بن سعد المرّى صاحب شرطته، فبعثه في أهل الشّام، فسار حتى انتهى الى زيد في دار الرّزق، وخرج زيد في أصحابه، وعلى مجنّبته نصر بن خزيمة العبسي، ومعاوية بن إسحاق الأنصاري. فلمّا رءاهم العبّاس ولم يكن معه رجّالة، نادى أهل الشّام:

« الأرض، الأرض. » فنزل معه ناس كثير، فاقتتلوا قتالا شديدا في المعركة، فقتل نصر بن خزيمة.

ثم اشتدّ القتال، فهزمهم زيد وقتل من أهل الشام نحوا من سبعين رجلا، فانصرفوا وهم بشرّ حال. فلمّا كان العشيّ عبّاهم يوسف بن عمر ثم وجّههم.

فأقبلوا حتى التقوا مع زيد وأصحابه، فحمل عليهم زيد وأصحابه، فكشفهم. ثم تبعهم حتى أخرجهم إلى بنى سليم، ثم تبعهم حتى أخذوا على المسنّاة. ثم ظهر لهم زيد في ما بين بارق ورؤاس، فقاتلهم هناك قتالا شديدا، فجعلت خيلهم لا تثبت لخيله ولا رجالهم لرجاله. فبعث العبّاس إلى يوسف يعلمه ذلك وقال له:

« ابعث اليّ النّاشبة. » فبعث إليهم القيقانيّة والبخاريّة، وهم ناشبة، فرموا زيدا وأصحابه، وحرص زيد على أن يصرف أصحابه، فأبوا عليه. فقاتل إسحاق بن معاوية بن إسحاق الأنصاري بين يديه قتالا شديدا حتى قتل بين يدي زيد وثبت زيد ومن معه، حتى جنح الليل، فرمى حينئذ بسهم أصاب جبهته اليسرى، فثبت في الدّماغ، فرجع ورجع أصحابه، ولا يظنّ أهل الشّام أنّهم رجعوا إلّا للمساء والليل. وحمل زيد حتى أدخل بعض دور أرحب وشاكر، وجاءوه بطبيب يقال له: شقّر، فانتزع السّهم، وجعل يضجّ، ولم يلبث أن قضى رحمه الله.

ما ذا فعلوا برأسه وجثته

فتشاور أصحابه: أين يوارى؟ فقال بعضهم:

« نحتزّ رأسه ونطرحه بين القتلى، فهو أجدر أن لا يعرف، وندفن رأسه حيث يخفى. » فقال ابنه:

« لا والله، لا تأكل لحم أبي الكلاب. » فقال بعضهم:

« فننطلق به إلى الحفرة الّتى يؤخذ منها الطّين. » فانطلقوا به. فحفروا له ودفنوه، ثم أجروا عليه الماء وتصدّع عنه النّاس، وخرج ابنه نحو النّهرين يعنى نهري كربلاء.

ثم بعث يوسف بن عمر لمّا علم بقتل زيد. فأمر أن يطلبوه في الجرحى في دور أهل الكوفة. فكانوا يخرجون النّساء إلى صحن الدار ويدخلون جوف البيوت، يلتمسون الجرحى، حتى دلّهم غلام سنديّ كان لزيد حضر دفنه.

وقيل: بل أبصرهم قصّار كان هناك، فدلّ عليه، فاستخرج.

فأمر يوسف بن عمر بحزّ رأسه، وبعث به إلى هشام، وصلب جثّته بالكناسة مع جثّة نصر بن خزيمة، ومعاوية بن إسحاق الأنصاري وزياد النّهدى. فبقى زمانا طويلا يحرس بالكناسة لئلّا ينزل. وأمّا رأسه فإنّ هشاما أمر بنصبه على باب مدينة دمشق. ثم أرسل به إلى المدينة. ولم يزل بدنه منصوبا حتى مات هشام، فأمر به الوليد، فأنزل وأحرق.

كلام يوسف بن عمر بعد قتل زيد بن علي

ولمّا قتل زيد بن علي أقبل يوسف بن عمر حتى دخل الكوفة، وجاء إلى المسجد، فصعد المنبر، وقال:

« يا أهل الكوفة، يا أهل المدرة الخبيثة، إني والله ما تقرّن بي الصّعبة، ولا تقعقع لي بالسّنان، ولا أخشى بالذئب. هيهات، [ حبيت ] بالسّاعد الأشدّ. أبشروا يا أهل الكوفة بالصّغار والهوان فلا عطاء لكم عندنا ولا رزق. لأخربنّ بلادكم، ولأحربنّكم أموالكم. أما والله، ما أطلت منبري إلّا لأسمعكم عليه ما تكرهون، فإنّكم أهل بغى وخلاف، ما منكم إلّا من حارب الله ورسوله. ولقد سألت أمير المؤمنين فيكم. ولو أذن لي لقتلت مقاتلتكم، وسبيت ذراريّكم. »

ما كان من غزوات نصر بن سيار

وفي هذه السّنة قتل البطّال بن الحسين، واسمه عبد الله، في جماعة من المسلمين بأرض الرّوم. وقد حكينا ما جرى في سنة اثنتين ومائة إلّا ما كان من غزوات نصر بن سيّار، فإنى كرهت أن أقطع حديث زيد بحديثه.

وكان من حديث نصر بن سيّار أنّه غزا من بلخ ما وراء النّهر، ثم قفل فخطب النّاس وقال:

« ألا إنّ فلانا كان مانح المجوس، وفلان مانح اليهود، وفلان مانح النّصارى يحملون أثقال المشركين على المسلمين. ألا، إني مانح المسلمين أحمل أثقالهم على المشركين. ألا إنّه لا يقبل مني إلّا توفير الخراج على ما كتب ورفع، وقد استعملت عليكم منصور بن عمار بن أبي الحرّ، وأمرته بالعدل عليكم. فأيّما رجل منكم من المسلمين كان يؤخذ منه جزية من رأسه، أو ثقّل عليه في خراجه وخفّف مثل ذلك عن المشركين، فليرفع ذلك إلى منصور بن عمر يحوّله عن المسلم إلى المشرك. » قال: فما كانت الجمعة الثّانية حتى أتاه ثلاثون ألفا من المسلمين كانوا يؤدّون الجزية عن رؤوسهم، وثلاثون ألف رجل من المشركين قد ألقيت عنهم جزيتهم فحوّل، ذلك إليهم وألقاه عن المسلمين.

ثم غزا من مرو الشّاش، فحال بينه وبين قطوع النّهر كورصول في خمسة عشر ألفا استأجر كلّ رجل منهم كلّ شهر بشقّه حرير، والشّقة يومئذ بخمسة وعشرين درهما. فكانت بينهم مراماة، فمنع نصرا من القطوع إلى الشّاش. وكان الحارث بن سريج يومئذ بأرض التّرك، فأقبل معهم، وكان بإزاء نصر، فرمى نصرا وهو على سريره على شاطئ النّهر بحسبان، فوقع السّهم في شدق وصيف لنصر يوضّئه، فتحوّل نصر عن سريره ورمى فرس لرجل من أهل الشّام، فنفق وعبر كورصول في أربعين رجلا، فبيّت أهل العسكر، وساق شاء أهل بخارى وكانوا في السّاقة، وأطاف بالعسكر في ليلة مظلمة، ومع نصر أهل بخارى وسمرقند وكسّ وسروشنة وهم عشرون ألفا.

فنادى نصر في الأخماس:

« لا يخرجنّ أحد من بنائه، واثبتوا على مواضعكم. » فخرج عاصم بن عميرة وهو على جند سمرقند، حتى مرّت خيل كورصول، فحمل على آخرهم، فأسر رجلا. فإذا هو ملك من ملوكهم صاحب أربعة آلاف قبّة. فجاؤوا به إلى نصر، فإذا هو شيخ يسحب درعه شبرا، وعليه رانا ديباج فيهما حلق وقباء فرند مكفّف بالدّيباج.

فقال له نصر:

« من أنت؟ » قال:

« كورصول. فما ترجو من قتل شيخ؟ وأنا أعطيك ألف بعير من إبل التّرك، وألف برذون تقوّى به جندك وخلّ سبيلي. » فقال نصر لمن حوله من أهل الشام وأهل خراسان:

« ما تقولون؟ » قالوا:

« خلّ سبيله. » فسأله عن سنّة. قال:

« لا أدري. » قال:

« كم غزوة غزوت؟ » قال:

« اثنتين وسبعين غزوة. » قال:

« أشهدت يوم العطش؟ » قال:

« نعم. » قال:

« لو أعطيتني ما طلعت عليه الشمس ما انفلت من يدي بعد ما ذكرت من مشاهدك. » وقالوا لعاصم بن عمير السّعدى:

« قم إلى سلبه فخذه. »

فلمّا أيقن بالقتل قال:

« من أسرنى؟ » فقال نصر وهو يضحك:

« يزيد بن قرّان الحنظلي. » وأشار إليه. قال:

« هذا لا يقدر أن يغسل استه، فكيف يأسرنى؟ فأخبرني من أسرنى؟

فإني أهل أن أقتل سبع قتلات. » قيل له:

« عاصم بن عمير. » قال:

« الآن لست أجد مسّ القتل إذ كان أسرنى فارس من فرسان العرب. » فقتله وصلبه على شاطئ النّهر.

وعاصم بن عمير هذا هو الهزارمرد الّذى قتل بنهاوند أيّام قحطبة.

ولمّا قتل كورصول تجرّدت التّرك، وجاءوا بأبنية له، فحرّقوها، وقطعوا آذانهم، وخدّدوا وجوههم، وتعرّوا يبكون عليه. فلمّا أمسى نصر وأراد الرّحلة بعث إليه بقارورة نفط فصبّها عليه، ثم أشعل فيه النّار لئلّا يحملوا عظامه. فكان ذلك أشدّ عليهم من قتله.

فارتفع نصر إلى فرغانة، فسبى منها ثلاثين ألف رأس.

مسير نصر إلى الشاش

ثم إنّ يوسف بن عمر كتب إلى نصر أن:

« سر إلى هذا الغارز ذنبه بالشّاش. يعنى الحارث بن سريج فإن أظفرك الله به وبأهل الشّاش، فخرّب بلادهم واسب ذراريّهم، وإيّاك وورطة المسلمين. »

فدعا نصر النّاس، فقرأ عليهم الكتاب، وقال:

« ما ترون؟ » فقال يحيى بن حضين:

« امض لأمر الأمير. » فقال نصر:

« يا يحيى، تكلمت ليالي عاصم بكلمة فبلغت الخليفة فحظيت بها، وزيد في عطائك، وفرض لأهل بيتك وبلغت الدّرجة الرّفيعة. فقلت أقول مثلها. سرّ يا يحيى، فقد ولّيتك مقدّمتى. » فأقبل النّاس على يحيى يلومونه. فسار إلى الشّاش، فأتاه الحارث بن سريج، فنصب عرّادتين تلقاء بنى تميم. فقيل له:

« هؤلاء بنو تميم. » فنقلها ونصبها على الأزد وأغار عليهم الأخرم، وهو فارس الترّك، فقتله المسلمون وأسروا سبعة من أصحابه. فأمر نصر برأس الأخرم، فرمى به إلى عسكرهم في منجنيق. فلمّا رأوه ضجّوا ضجّة ثم ارتحلوا منهزمين. ورجع نصر وأراد أن يعبر، فحيل بينه وبين ذلك. فأقبل نصر حتى نزل سمرقند. ثم سار إلى الشّاش. فلمّا وافاها تلقّاه نذر ملكها بالصّلح والفدية والرّهن، واشترط عليه إخراج الحارث بن سريج من بلدانه. فأخرجه إلى فاراب واستعمل على الشّاش نيزك بن صالح مولى عمرو بن العاص.

وكان نصر بعث سليمان بن صول إلى صاحب فرغانة بكتاب الصّلح بينهما يعنى ملك الشّاش.

قال سليمان: فقدمت عليه، فقال لي:

« من أنت؟ » قلت:

« شاكري خليفة كاتب الأمير. » فقال:

« أدخلوه الخزائن ليرى ما أعددناه. » قال: فأدخلت خزائنه، فقلت في نفسي يا سليمان، شمت بك حسّادك، ليس هذا إلّا لكراهية الصّلح، وسأنصرف بخفّى حنين. قال: فرجعت إليه فقال لي:

« كيف رأيت الطّرق في ما بيننا وبينكم؟ » قلت:

« سهلا كثير الماء والرّعى. » فقال:

« ما علمك؟ » قلت:

« غزوت غرشستان، والختّل وطبرستان. فكيف لا اعلم؟ » قال:

« فكيف رأيت ما أعددنا؟ » قلت:

« رأيت عدّة حسنة ولكني أعلم أنّ صاحب الحصار لا يسلم من خصال. » قال:

« وما هنّ؟ » قلت:

« لا يأمن أقرب النّاس إليه وأحبّهم له وأوثقهم في نفسه أن يثب عليه، ويتقرّب به، أو يفنى ما جمع بطول المدّة، فيسلّم، برمّته، أو تصيبه الأدواء الّتى لا يجد أدويتها ومعالجها فيموت. » فقطب وقال لي:

« انصرف إلى منزلك. » فانصرفت وأنا لا أشكّ في تركه الصّلح.

فدعاني بعد يومين، فحملت كتاب الصّلح ومعي غلامي، وقلت له:

« إن أتاك رسولي فطلب الكتاب فقل: إني خلّفته في منزلي. »

فدخلت إليه. فسألنى عن الكتاب، فقلت:

« خلّفته في منزلي. » فبعثت إلى الغلام أن اذهب فجئنى بالكتاب، وقبل الصّلح وأحسن جائزتي، وسرّح معي أمّه وكانت صاحبة أمره ومدبّرته. فلمّا قدمت على نصر قال:

« مثلك ما قال الأوّل: أرسل حكيما ولا توصه. »

ودخلت سنة ثلاث وعشرين ومائة

وفي هذه السنة سعى يوسف بن عمر للحكم بن أبي الصّلت في ضمّ خراسان إلى عمله وعزل نصر بن سيّار

وذلك أنّ أيّام نصر طالت بخراسان ودانت له، فحسده يوسف فكتب إلى هشام يسأله أن يضمّها إلى العراق، ليعمرها ويستغرز دخلها. وأنفذ إليه الحكم بن أبي الصّلت وقال:

« هو لبيب وله نصيحة ومودّة لأمير لمؤمنين، وقد كان مع الجنيد، وولى جسام أعمالها. وقد سرّحته إلى باب أمير المؤمنين ليراه. » فلمّا أتاه وقرأ كتاب يوسف بعث إلى دار الضّيافة، فوجد فيها مقاتل بن علي السّغدى، فأتوه به، فقال:

« ابن خراسان أنت؟ » قال:

« نعم، وأنا صاحب الترّك. » وكان قدم على هشام بخمسين ومائة من التّرك. فقال:

« هل تعرف الحكم بن أبي الصّلت؟ » قال:

« نعم. » قال:

« فما ولى بخراسان؟ » قال:

« ولى قرية يقال لها: الفاراب، خراجها سبعون ألفا، فأسره الحارث بن سريج. » قال:

« ويحك! فكيف أفلت من يده؟ » قال:

« عرك أذنه وقفده وخلّى سبيله. » فلمّا قدم الحكم عليه وشاهده رأى جمالا وبيانا. فكتب إلى يوسف:

« إنّ الحكم قدم، وهو على ما وصفت وفي ما قبلك سعة، فخلّ الكنانيّ وعمله. » ثم أوفد نصر بن سيّار مغراء بن أحمر إلى العراق لمّا غزا فرغانة غزوته الثّانية.

فقال له يوسف بن عمر:

« يا مغراء، أيغلبكم ابن الأقطع على سلطانكم معشر قيس! » فقال:

« قد كان ذلك أصلح الله الأمير. » قال:

« فإذا قدمت على أمير المؤمنين فابقر بطنه. » فلمّا قدموا على هشام وسألهم عن أمور خراسان، تكلّم مغراء، فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر يوسف بن عمر بخير. فقال:

« ويحك، أخبرني عن خراسان. » فقال:

« يا أمير المؤمنين، ليس لك جند أعدّت ولا أحدّ منهم، من سرادق في السّماء وقراسية مثل الفيل، وعدة وعدد من قوم ليس لهم قائد. » قال:

« ويحك، فما فعل الكناني؟ » قال:

« لا يعرف ولده من الكبر. » فردّ هشام عليه مقالته، وبعث إلى دار الضيافة، فأتى بشبيل بن عبد الرّحمن المازني.

فقال له هشام:

« أخبرني عن نصر. » قال:

« ليس بالشيخ يخشى خرفه ولا الشابّ يخشى سفهه، المحرب المجرّب، قد ولى عامّة ثغور خراسان وحروبها قبل ولايته. » فكتب إلى يوسف بذلك. فوضع يوسف الأرصاد. فلمّا انتهوا إلى الموصل تركوا طريق البريد، وقد بلغ نصرا قول شبيل، وكان إبراهيم بن يسّار في الوفد، فمكر به يوسف ونعى إليه نصرا، وأخبره أنّه قد ولّى الحكم بن أبي الصلت خراسان. ففسّر له أمر خراسان كلّه، حتى قدم إبراهيم بن زياد رسول نصر، فعرف أنّ يوسف قد مكر به، وقال:

« أهلكنى يوسف، أهلكه الله. » وكان بعد ذلك إذا ذكر انسان نصرا بين يدي هشام، قال:

« معلّم وهذا من جهة يوسف. » ويقال: إنّ مغراء لمّا كلّفه يوسف الوقيعة في نصر، قال له مغراء:

« كيف أعيب نصرا مع بلائه وآثاره الجميلة عندي وعند قومي. » فلم يزل به حتى قال:

« فبأيّ شيء أعيبه؟ أعيبه تجربته، أو طاعته، أمّ يمن نقيبته، أم حسن سياسته؟ » قال:

« بواحدة من هذه. عبه بالكبر. » فلمّا قدم مغراء وكان منه ما كان، قال ليوسف:

« قد علمت بلاء نصر عندي، وقد صنعت به ما قد علمت. فليس لي في صحبته خير، ولا لي بخراسان مقام. » فأمره بالمقام. وكتب إلى نصر:

« إني قد حوّلت اسمه، فأشخص إليّ من كان قبلك من أهله. »

ثم دخلت سنة أربع وعشرين ومائة

ولم يجر على ما بلغنا، فيها ما تستفاد منه تجربة.

ثم دخلت سنة خمس وعشرين ومائة

وفاة هشام بن عبد الملك

وفيها كانت وفاة هشام بن عبد الملك. وكانت خلافته تسع عشرة سنة وثمانية أشهر، وسنّة خمس وخمسون سنة. فتحدّث سالم قال:

« خرج علينا هشام بن عبد الملك يوما وهو كئيب، يعرف ذلك في وجهه، مسترخ ثيابه، قد أرخى عنان دابّته. فلمّا سار ساعة انتبه، فجمع ثيابه وأخذ بعنان دابّته، وقال للرّبيع:

« أدع الأبرش. » فسار بيني وبين الأبرش فقال له الأبرش:

« يا أمير المؤمنين، لقد رأيت منك اليوم ما غمّنى. » قال:

« وما هو؟ » فوصف حاله. قال:

« وكيف لا أكون كذلك وقد زعم أهل العلم أنّى ميّت إلى ثلاثة وثلاثين يوما؟ » قال سالم: فلمّا عدت إلى منزلي كتبته في قرطاس: زعم أمير المؤمنين يوم كذا أنّه يسافر إلى ثلاثة وثلاثين يوما. فمات في اليوم الثّالث والثّلاثين.

قال: فأغلق الخزّان الأبواب لما سنذكره. فطلبوا قمقما يسخن فيه الماء لغسله. فما وجد، حتى استعاروه من بعض الجيران.

فقال الحاضرون:

« إنّ في هذا لمعتبرا لمن اعتبر. » وكانت وفاته بالذّبحة.

ذكر بعض سيرة هشام

حكى عقّال بن شبّة قال: دخلت على هشام حين وجّهنى إلى خراسان وعليه قباء أخضر عليه فنك. فجعل يوصيني وأنا أنظر إلى القباء وأتأمّله. ففطن وقال:

« مالك؟ » قلت:

« إني رأيت عليك قبل أن تلى الخلافة قباء فنك أخضر، فأنا أتأمّل هل هو ذاك. » قال:

« هو - والله الّذى لا إله غيره - ذاك. ما لي قباء غيره وما ترون من جمعى هذا المال وصونه إلّا لكم. » وكان عقّال يقول: دخلت على هشام، فرأيت رجلا محشوّا عقلا.

ولم يكن يسير أيّام هشام أحد في موكب إلّا مسلمة بن عبد الملك. ورأى هشام يوما سالما في موكب. فزجره وقال:

« لا أعلمنّ متى سرت في موكب! » فكان بعد ذلك إذا قدم الرّجل الغريب، فسار مع سالم، وقف له سالم ويقول: حاجتك؟ ويمنعه أن يسير معه. هذا وسالم يرى كأنّه هو أمرّ هشاما.

ولم يكن أحد يأخذ العطاء إلّا ألزمه الغزو، فمنهم من يغزو، ومنهم من يخرج بديلا.

وولّى هشام بعض مواليه ضيعة، فعمرها، فجاءت بغلّة كثيرة، ثم عمرها أيضا، فأضعفت الغلّة، وبعث بها مع ابنه فجزاه خيرا ووجد ابن هذا المولى منه انبساطا، فقال:

« يا أمير المؤمنين، إنّ لي حاجة. » قال:

« ما هي؟ » قال:

« زيادة عشرة دنانير في العطاء. » فقال:

« ما يخيّل إلى أحدكم عشرة دنانير زيادة إلّا بقدر الجوز. لا لعمري، لا أفعل. »

وقال غسّان بن عبد الحميد: لم يكن أحد من بنى مروان أشدّ نظرا، ولا أشدّ مبالغة في الفحص عن أمور أصحابه ودواوينه من هشام.

وكان أقطع هشام قبل الخلافة أرضا يقال لها: دورين. فلمّا أرسل في قبضها، وجدها خرابا. فقال لكاتب كان بالشّام يقال له. دويد: « ويحك! كيف الحيلة؟ » قال:

« ما تجعل لي؟ » قال:

« خمسمائة دينار. » فكتب دويد دورين وقراها. ثم أمضاها في الدّواوين، فأخذ شيئا كثيرا.

فلمّا ولى هشام دخل عليه دويد. فقال:

« يا دويد، دورين وقراها لا والله، لا تلى لي ولاية أبدا. » فأخرجه من الشّام.

وقال له بعض آل مروان يوما:

« أتطمع في الخلافة وأنت بخيل جبان؟ » قال:

« ولم لا أطمع، وأنا عليم عفيف سائس؟ » وأتى هشاما محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب فقال:

« ما لك عندي شيء. » ثم قال:

« إيّاك أن يغرّك أحد فيقول: لم يعرفك أمير المؤمنين. أنت محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب. فلا تقيمنّ وتنفق ما معك. فليس عندي صلة.

فبادر، والحق بأهلك! » وحجّ هشام، فأخذ الأبرش مخنّثين معهم برابط. فقال هشام:

« احبسوهم وبيعوا متاعهم هذا وما أدري ما هو، وصيّروا ثمنه في بيت المال، فإذا صلحوا فردّوا الثّمن عليهم. » وكان هشام ينزل الرّصافة. وكان سبب ذلك أنّ الخلفاء وأبناءهم كانوا يهربون من الطاعون، فينزلون البرّيّة. فعزم هشام على نزول الرّصافة. فقيل له:

« لا تخرج، فإنّ الخلفاء لا يطعنون، لم نر خليفة طعن! » فقال:

« أفتريدون أن تجرّبوا بي؟ » فخرج إلى الرّصافة، وهي برّيّة. فابتنى بها قصرين. والرّصافة كانت مدينة روميّة بنتها الرّوم في القديم، ثم خربت.

وبعث يوسف بن عمر إلى هشام بياقوتة حمراء يخرج طرفاها من كفّ القابض، وحبّة لؤلؤ أعظم ما يكون الحبّ على يد كاتبه قحذم.

قال: فدخلت عليه، ودنوت منه، فلم أر وجهه من طول السّرير وكثرة الفرش. فتناول الحجر والحيّة فقال:

« أكتب معك وزنهما. » قلت:

« يا أمير المؤمنين، هما أجلّ من أن يكتب بوزنهما ومن أين يوجد مثلهما؟ » قال:

« صدقت. » وكانت الياقوتة لجارية خالد بن عبد الله القسري ويقال لها: رائقة، اشترتها بثلاثة وسبعين ألف دينار.

خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك

وفي هذه السّنة ولى الخلافة بعد موت هشام، الوليد بن يزيد بن عبد الملك. وكان يزيد بن عبد الملك عقد له الخلافة بعد أخيه هشام. وذاك أنّ ابنه هذا كان صغيرا يوم عقد لهشام. ثم لم يمت يزيد حتى بلغ ابنه خمس عشرة سنة، فندم على استخلافه هشاما. وكان إذا نظر إلى ابنه الوليد يقول: « الله بيني وبين من جعل هشاما بيني وبينك. » وولى هشام وهو للوليد مكرم معظّم مقرّب، ولم يزل ذلك من أمرهما حتى ظهر من الوليد مجون وشرب الشّراب، حمله على ذلك عبد الصّمد بن عبد الأعلى، وكان مؤدّبه. واتخذ الوليد ندما، فأراد هشام أن يقطعهم عنه، فولّاه الحجّ سنة ستّ عشرة ومائة. فحمل معه كلابا في صناديق، فسقط صندوق منها، فأحالوا على الكريّ السّياط فأوجعوه ضربا. وكان حمل معه قبّة عملها على قدر الكعبة ليضعها فوق الكعبة، وحمل معه خمرا. وأراد أن ينصب القبّة على الكعبة ويجلس فيها للشّرب. فخوّفه أصحابه وقالوا:

« لا نأمن النّاس عليك وعلينا. » فلم يحرّكها. وظهر للنّاس تهاون بالدّين واستخفاف به، وبلغ ذلك هشاما فطمع في خلعه والبيعة لابنه مسلمة بن هشام، فأراده على أن يخلعها ويبايع لمسلمة، فأبى. فقال له:

« فأجعلها له من بعدك. » فأبى فتنكّر له هشام وأضرّ به، وعمل سرّا في البيعة لابنه. فأجابه جماعة فيهم خالاه محمد وإبراهيم. وتمادى الوليد في شرب الشّراب وطلب اللذّات، فأفرط.

فقال له هشام يوما:

« ويحك يا وليد، والله ما أدري أعلى الإسلام أنت، أم لا؟ لا تدع شيئا من المنكر إلّا أتيته غير متحاش ولا مستتر به.

قال: فكتب إليه الوليد:

يا أيّها السّائل عن ديننا ** نحن على دين أبي شاكر

نشربها صرفا وممزوجة ** بالسّخن أحيانا وبالفاتر

يعنى بأبي شاكر، مسلمة بن هشام، وكان يكنّى أبا شاكر.

فغضب هشام على ابنه وقال:

« يعيّرنى بك الوليد، وأنا أرشّحك للخلافة، فالزم الأدب، واحضر الجماعة. » وولّاه الموسم سنة تسع عشرة، وأظهر النّسك والوقار واللين والجود. وقسم بالمدينة ومكّة أموالا. فقال الشّاعر:

يا أيّها السائل عن ديننا ** نحن على دين أبي شاكر

الواهب الجرد بأرسانها ** ليس بزنديق ولا كافر

يعرّض بالوليد.

وأخذ هشام يعيب الوليد ويتنقّصه، وزاد حتى قصد أصحابه. فخرج الوليد لمّا رأى ذلك مع خاصّته حتى نزل بالأزرق على ماء يقال له: الأعدف، وخلّف كاتبه عياض بن مسلم مولى عبد الملك بن مروان بالرّصافة، ووصّاه أن يكاتبه بما يحدث، وأخرج معه عبد الصّمد بن عبد الأعلى. فقطع هشام عن الوليد ما كان يجرى عليه، وكتب إليه:

« بلغني أنّك اتّخذت عبد الصّمد خدنا ونديما، وقد حقّق ذلك عندي أشياء بلغتني عنك، ولم أبرّئك من سوء، فأخرج عبد الصّمد مذموما مدحورا. » فأخرجه إليه، وكتب إليه:

« إني قد أخرجت إليك عبد الصّمد. » واعتذر إليه ممّا بلغه.

وبلغ هشاما أنّ عياض بن مسلم يكاتب الوليد بالأخبار، فأخذه، وضربه ضربا مبرّحا، والبسه المسوح. فبلغ الوليد، فقال:

« من يثق بالنّاس ويصطنع المعروف؟ هذا الأحول المشؤوم قدّمه أبي على أهل بيته، ثم صيّره وليّ عهده، ويصنع بي ما ترون! اللهمّ أجزنى منه.

وقال:

أنا النذير لمسدى نعمة أبدا ** إلى المقاريف ما لم تخبر الدخلا

إن أنت أكرمتهم ألفيتهم بطرا ** وإن أهنتهم ألفيتهم ذللا

أ تشمخون ومنّا رأس نعمتكم ** ستعلمون إذا صارت لنا دولا

أنظر، فإن أنت لم تقدر على مثل ** له سوى الكلب، فاضربه له مثلا

بينا يسمّنه للصّيد صاحبه ** حتى إذا ما نوى من بعد ما هزلا

عدا عليه، فلم تضرره عدوته ** ولو أطاق له أكلا لقد أكلا

وكتب إلى هشام:

« قد بلغني الّذى أحدث أمير المؤمنين من قطع ما قطع عني ومحو من محا من أصحابي وحرمتي وأهلى، ولم أكن أخاف أن يبتلى الله أمير المؤمنين بذلك، ولا إيّاى منه. فان يكن مني ذنب، فيحسب الغير أن يكون على قدر الذّنب، وإن يكن ذلك لشيء في نفس أمير المؤمنين عليّ فقد سبّب الله لي من العهد وكتب لي من العمر وقسم لي من الرّزق ما لا يقدر أحد على قطع شيء منه دون مدّته، ولا صرف شيء عن مواقعه، فأمر الله يجرى بمقاديره في ما أحبّ النّاس أو كرهوا.

فالنّاس بين ذلك يقترفون الآثام على أنفسهم من الله، أو يستوجبون الأجور عليه، وأمير المؤمنين أحقّ أمّته بالبصر لذلك والتحفّظ به، والله الموفّق لأمير المؤمنين. »

فكتب هشام في الجواب إلى الوليد:

« قد فهم أمير المؤمنين ما كتبت به في قطع ما قطع عنك وغير ذلك، وأمير المؤمنين يستغفر الله من إجرائه ما كان يجرى عليك، وأمير المؤمنين أخوف على نفسه في اقتراف المآثم حيث أجرى عليك ممّا أحدثه في قطع ما قطع ومحو من محا من صاحبتك لأمرين: أحدهما إيثار أمير المؤمنين ايّاك بما كان يصل إليك وهو يعلم وضعك له في غير موضعه، والآخر اثبات أصحابك وإدرار أرزاقهم، وهم لا ينالهم ما ينال المسلمين في كلّ عام من مكروه الغزو، وهم معك تجول بهم في سفهك، ولأمير المؤمنين أخرى بالتّقصير في الغير عليك، منه في الاعتداء عليك، مع أنّ الله قد بصّر أمير المؤمنين في قطع ما قطع عنك من ذلك ما يرجوا به تكفير ما يتخوّف مما سلف فيه.

وأمّا ما ذكرت ممّا سبّب الله لك، فإنّ الله ابتدأ أمير المؤمنين بذلك واصطفاه له، والله بالغ أمره. فقد أصبح أمير المؤمنين وهو على اليقين من ربّه، لا يملك لنفسه في ما أعطاه الله من كرامته ضرّا ولا نفعا، وأنّ الله وليّ ذلك منه، وأنّه لا بدّ له من مزايلته، والله أرأف بعباده وأرحم من أن يولّى أمرهم غير الرّضا له منهم، وأنّ أمير المؤمنين من حسن ظنّه بربّه - لعلى أحسن الرّجاء أن يولّيه من هو أهله، فإنّ بلاء الله عند أمير المؤمنين أعظم من أن يبلغه ذكره أو يؤدّيه شكره إلّا بعون منه له. ولعمري، إنّ كتابك إلى أمير المؤمنين بما كتبت به، لغير مستنكر من سفهك وحمقك. فاربع على نفسك من غلوائها، وارق على ظلعك، فإنّ لله سطوات يصيب بها من يشاء، ويأذن فيها لمن يشاء، وأمير المؤمنين يسأل الله العصمة والتّوفيق. » فكتب الوليد إلى هشام

رأيتك تبنى جاهدا في قطيعتي ** ولو كنت ذا إرب لهدّمت ما تبنى

تثير على الباقين مجنى ضغينتى ** فويل لهم إن متّ من شرّ ما تجنى

كأنّى بهم واللّيت أفضل قولهم ** ألا ليتنا كنّا إذ اللّيت لا يغنى

ولم يزل الوليد مقيما في تلك البرّيّة حتى مات هشام.

ولما كان صبيحة اليوم الّذى جاءته فيه الخلافة دعا أبا الزّبير المنذر بن أبي عمرو. فقال له:

« يا أبا الزّبير، ما أتت عليّ ليلة، منذ عقلت، أطول من هذه الليلة، عرضت لي هموم وحدّثت نفسي فيها بأمور من أمر هذا الرّجل الّذى قد أولع بمكروهى يعنى هشاما فاركب بنا نتنفّس. » فركبا وسارا ميلين. فبينا هو يشكو حاله إذا برهج. فقال:

« أسأل الله خير الأمور. هؤلاء رسل هشام. » فلمّا دنا القوم نزل موليان يعدوان حتى دنوا. فسلّما عليه بالخلافة، فوجم، وجعلا يكرّران عليه ذلك. فقال:

« ويحكما! أمات هشام؟ » قالا:

« نعم. » قال:

« فممّن كتابكما؟ » قالا:

« من مولاك، سالم بن عبد الرّحمن صاحب ديوان الرّسائل. » ثم سأل عن كاتبه عياض بن مسلم. فقالا:

« يا أمير المؤمنين. لم يزل محبوسا » حتى نزل بهشام أمر الله، فلمّا صار في حدّ لا يرجى الحياة لمثله أرسل عياض إلى الخزّان: احتفظوا بما في أيديكم، فلا يصلنّ أحد منه إلى شيء.

فمنعوه بعض ما التمسه. فقال: أرءانا كنّا خزّانا للوليد. فمات من ساعته.

فخرج عياض من السّجن وختم أبواب الخزائن وأمر بهشام، فأنزل عن فرشه. فما وجدوا قمقما يسخّن له فيه الماء حتى استعاروه، ولا وجدوا كفنا من الخزائن، فكفّنه غالب مولى هشام.

استعمال الوليد العمال

واستعمل الوليد العمّال، وجاءته بيعته من الآفاق، وكتب إليه العمّال، وجاءته الوفود، وجاءه كتاب من مروان بن محمّد وكان إليه ارمينية وآذربايجان بليغ يثنى عليه، ويذكر أنّه قد بايع له من قبله ويستأذنه في المصير إليه لمشاهدته.

إجراء على الزمنى والعميان

وأجرى الوليد على الزّمنى والعميان، وأمر لكلّ إنسان منهم بخادم، وأخرج لعيالات النّاس الطّبيب والكسوة، وزاد النّاس جميعا في العطاء عشرات، ثم زاد أهل الشّام بعد زيادة العشرات عشرة عشرة، وأضعف جوائز أهل بيته ولم يقل قطّ في شيء سئله: لا.

عقد الوليد بن اليزيد للخلافة بعده لابنيه الحكم وعثمان

وفي هذه السنة عقد الوليد لابنيه: الحكم وعثمان، بعده وجعلهما وليّى عهده، أحدهما بعد الآخر، وكتب بذلك إلى الأمصار، إلى يوسف بن عمر بالعراق، وإلى نصر بن سيّار بخراسان.

ونسخة البيعة: « تبايع لعبد الله بن الوليد أمير المؤمنين وللحكم بن أمير المؤمنين إن كان بعده، وعثمان بن أمير المؤمنين إن كان بعد الحكم، على السّمع والطّاعة. فإن حدث بواحد منهما حدّث، فأمير المؤمنين أملك في ولده ورعيّته، يقدّم من أحبّ ويؤخّر من أحبّ. عليك بذلك عهد الله وميثاقه. » وفي هذه السنّة ولّى الوليد نصر بن سيّار خراسان كلّها وأفرده بها.

وفيها كتب يوسف بن عمر إلى نصر بن سيّار يأمره بالقدوم عليه، وبحمل ما قدر عليه من الهدايا والأموال، وبعياله أجمعين.

فلمّا أتى نصرا كتابه قسم على أهل خراسان الهدايا وعلى عمّاله، ولم يدع بخراسان جارية، ولا عبدا: ولا برذونا فارها، إلّا أعدّه، واشترى ألف مملوك وأعطاهم السّلاح، وحملهم على الخيل، وأعدّ خمسمائة وصيفة، وأمر بصنعة أباريق الذّهب والفضة، وتماثيل الظباء، ورؤوس السباع والأيائل، وغير ذلك. فلمّا فرع من جميع ذلك كتب الوليد يستحثّه، فسرّح أوائلها حتى بلغ ذلك بيهق، وكتب الوليد إليه يأمره أن يبعث إليه برابط وطنابير، وأن يجمع له كلّ صنّاجة بخراسان يقدر عليها وكلّ باز هناك، ثم يسير بذلك كلّه بنفسه، مع ما أعدّه، وبوجوه أهل خراسان.

وكان المنجّمون يخبرون نصرا بفتنة تكون. فبعث نصر إلى صدقة بن وثّاب، وكان منجّما محذقا ببلخ فأحضره فكان مقيما عنده، وألحّت عليه الكتب. فلم يزل يتباطأ حتى وجّه إليه يوسف رسولا وأمره بلزومه واستحثاثه، فإن أبطأ، أشاع في الناس أنّه خلع.

فلمّا جاء الرسول أجازه وأرضاه، وتحوّل إلى قصره الذي هو دار الإمارة اليوم. فلم يأت لذلك إلّا يسير، حتى وقعت الفتنة، فحوّل نصر إلى قصره بماجان، واستخلف عصمة بن عبد الله الأسرى على خراسان، وولّى كلّ كورة ثقة له، وأمرهم، إذا بلغهم خروجه من مرو، أن يستجلبوا الترك، وأن يغيروا على ما وراء النهر لينصرف بعد خروجه، يعتلّ بذلك. فبينا هو يسير يوما إلى العراق طرقه ليلا مولى لبنى ليث وناجاه.

فلمّا أصبح أذن للناس، وبعث إلى رسل الوليد، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:

« قد كان من مسيري ما رأيتم، وبعثني بالهدايا ما علمتم، فطرقنى فلان ليلا وأخبرني أنّ الوليد قد قتل، ووقعت الفتنة بالشام، وقدم منصور بن جمهور العراق، وقد هرب يوسف بن عمر منه، ونحن في بلاد قد علمتم حالها وكثرة عدوّها. »

ثم دعا بالقادم، فأحلفه أنّ ما جاء به حقّ. فحلف.

فقال سلم بن أحوز:

« أصلح الله الأمير، لو حلفت لكنت صادقا أنّه بعض مكايد قريش، أرادوا تهجين طاعتك. فسر ولا تهجّنّا. » فقال:

« يا سلم، أنت رجل لك علم بالحروب، ولك مع ذلك حسن طاعته لبني أمية. فأمّا مثل هذا من الأمور فرأيك فيه رأى أمة هتماء. » ثم قال لمن حضر:

إني لم أشهد بعد ابن خازم أمرا مفظعا إلّا كنت المفرع في الرأي. » فقال الناس:

« قد علمنا ذلك، فالرأي رأيك. »

يوسف الثقفي يولى المدينة ومكة

وفي هذه السنة وجّه الوليد بن يزيد خاله يوسف بن محمد بن يوسف الثقفي واليا على المدينة ومكّة، ودفع إليه إبراهيم ومحمّدا ابني هشام بن إسماعيل المخزومي موثقين في عباءتين. فقدم بهما المدينة وأقامهما للناس ثم بعث بهما إلى يوسف بن عمر وهو يومئذ عامله على العراق فعذّبهما حتى قتلهما وقد كان رفع عليهما عند الوليد أنّهما أخذا مالا كثيرا.

ذكر أبي مسلم

وفي هذه السنة قدم سليمان بن كثير ومالك بن الهيثم ولاهز بن قريظ وقحطبة بن شبيب مكّة على محمّد بن عليّ وأخبروه بقصّة أبي مسلم وما رأوا منه. فقال لهم:

« أحرّ هو أم عبد؟ » قالوا:

« أمّا عيسى فيزعم أنّه عبد وأمّا هو فيزعم أنّه حرّ. » قال:

« فاشتروه وأعتقوه وأعطوا محمّد بن عليّ مائتي ألف درهم. » وكسى بثلاثين ألف درهم. فقال لهم:

« ما أظنّكم تلقوني بعد عامي هذا فإن حدث بي حدث فصاحبكم إبراهيم بن محمّد فانّه مأمون وأنا أثق به لكم وأوصيكم به خيرا وقد أوصيته بكم. » فصدروا من عنده.

وفي هذه السنة قتل يحيى بن زيد بن عليّ بخراسان.

ذكر مقتل يحيى بن زيد والسبب فيه

أقام يحيى بن زيد ببلخ عند الحريش بن عمر بن داود حتى هلك هشام وولى الوليد بن يزيد بن عبد الملك. فكتب يوسف بن عمر إلى نصر بن سيّار بمسير يحيى بن زيد وبمنزله ببلخ حتى قال أنّه عند الحريش وقال له:

« ابعث إليه فخذه أشدّ الأخذ. »

فبعث نصر إلى عقيل بن معقل يأمره أن يأخذ الحريش فلا يفارقه حتى يزهق نفسه أو يأتيه بيحيى بن زيد، فبعث إليه عقيل فسأله عنه فقال:

« لا علم لي به. » فجلده ستمائة سوط. فقال له الحريش:

« والله لو أنّه كان تحت قدمي ما رفعتها لك عنه. » فلمّا رأى ذلك قريش بن الحريش أتى عقيلا فقال له:

« لا تقتل أبي وأنا أدلّك عليه. » فأرسل معه فدلّه عليه وهو في بيت جوف بيت فأخذه فأتى به نصر بن سيّار فحبسه وكتب إلى يوسف بن عمر يخبره بذلك فكتب بذلك يوسف إلى الوليد بن يزيد فكتب الوليد إلى نصر بن سيّار يأمره أن يؤمنه ويخلّى سبيله وسبيل أصحابه وكان معه نفر خرجوا معهم من الكوفة فظفر بهم فدعاه نصر بن سيّار وأمره بتقوى الله وحذّره الفتنة وأمره أن يلحق بالوليد بن يزيد وأمر له بألفي درهم وبغلين فخرج هو وأصحابه إلى سرخس وأقام بها فكتب نصر إلى عامله بسرخس أن يشخصه منه وكتب إلى عامله بطوس:

« انظر يحيى بن زيد إذا مرّ بك فلا تدعه يقيم بطوس. » وأمرهما إذا مرّ بهما أن لا يفارقاه حتى يدفعاه إلى عمرو بن زرارة بأبرشهر ففعل به ذلك ووكّل به سرحان بن فرّوخ بن مجاهد بن بلعاء العنبري.

قال سرحان: فدخلت يوما عليه فذكر نصر بن سيّار وما أعطاه وإذا هو يستقلّه وذكر الوليد فأثنى عليه ثم اعتذر من مجيئه بأصحابه. وأنّه لم يأت بهم إلّا مخافة أن يسمّ أو يغمّ ثم عرض بيوسف وذكر أنّه يتخوّفه وهمّ بالوقوع فيه ثم أمسك فبسطته وقلت:

« قل ما أحببت يرحمك الله، فليس عليك مني عين. » ثم اعتذرت إليه من مسيري معه وكنت أسير معه على رأس فرسخ حتى تلقّانا عمرو بن زرارة فدفعنا إليه فأشخاصه إلى بيهق وهي أقصى خراسان وأدناه من قومس فأقبل في سبعين رجلا وكان يخاف اغتيال يوسف إيّاه ومرّ به قوم تجّار فأخذ دوابّهم وقال:

« علينا أثمانها. » وكتب عمرو بن زرارة إلى نصر: أنّ يحيى قد أقبل وفعل كيت وكيت.

فكتب نصر إلى عبد الله بن قيس وإلى الحسن بن زيد أن يمضيا إلى عمرو بن زرارة فهو عليهم ثم يقاتلوا يحيى بن زيد حتى يقتلوه أو يأخذوه أسيرا فانتهوا إلى عمرو بن زرارة وكانوا عشرة آلاف وأتاهم يحيى وليس معه إلّا سبعون رجلا فهزمهم وقتل عمرو بن زرارة وأصاب دوابّ ومتاعا كثيرا.

وأقبل يحيى بن زيد حتى مرّ بهراة، وعليها مغلّى بن زياد فلم يعرض له ولا عرض هو لمغلّى وقطع هراة فسرّح نصر بن سيّار سلم بن أحوز في طلب يحيى فتبعه حتى لحقه بالجوزجان بقرية منها وقد لحق بيحيى نفر من الشيعة فصافّه سلم بن أحوز وأمر سلم جماعة بتعبئة الناس فتباطؤوا عليه حتى عبّأهم سورة بن محمد بن عزير الكندي واقتتلوا فقتل أصحاب يحيى من عند آخرهم ومرّ سورة بيحيى صريعا فأخذ رأسه وبعث به إلى يوسف بن عمر فنصبه فكتب الوليد بن يزيد إليه أن أحرقه ثم انسفه في اليمّ نسفا. فأمر يوسف بإنزاله من جذعه وأحرقه بالنار ثم رضّه وجعله في قوصرة وأمر بأن يذّر في الفرات.

ودخلت سنة ستّ وعشرين ومائة

وفيها قتل الوليد بن يزيد قتله يزيد بن الوليد.

خلافة يزيد الناقص

ذكر السبب في قتل الوليد وخلافة يزيد الناقص

كان سبب اضطراب أمره وفساد نيّات الناس له اشتغاله بالمجون والخلاعة وتهاونه بأمر الدين واستخفافه به وقد حكى عنه ما لا يلفظ به ولا فائدة في ذكره وكان من أعظم ما جنى على نفسه إفساده بنى عمّيه: ولد هشام وولد الوليد ابني عبد الملك بن مروان وأفسد أيضا على نفسه اليمانية وهم عظم أهل الشام.

وكان قد اشتدّ على الجند وعلى بنى هشام ضربه سليمان بن هشام مائة سوط وحلق رأسه ولحيته، وغرّبه إلى عمان وكان يتعرّض لجوارى أبيه وأولادهم وأراد خالد بن عبد الله القسري على البيعة لابنيه فأبى فقال له أهله:

« ويحك أبيت على أمير المؤمنين. » قال:

« ويحكم كيف أبايع من لا أصلّى خلفه ولا أقبل شهادته وهم صبيان. » قالوا:

« فالوليد تقبل شهادته مع فسقه؟ » قال:

« أمر الوليد مغيّب عني ولا أعلمه يقينا إنّما هي أخبار الناس. » فغضب الوليد على خالد وحبسه ثم رمى الناس الوليد بكلّ فاحشة واتهموه بالزندقة وكان أشدّ الناس عليه يزيد بن الوليد الذي لقّب فيما بعد بالناقص وكان الناس يميلون إليه لأنّه كان يظهر النسك ويتواضع فكان يحمل الناس على الفتك به وأجمع قوم من اليمانية وقضاعة من أهل دمشق خاصّة على قتل الوليد فاجتمع رؤساؤهم إلى خالد بن عبد الله فدعوه إلى أمرهم فلم يجبهم فسألوه أن يكتم عليهم قال:

« لا أسمّى أحدا منكم. » وأراد الوليد الحجّ فخاف خالد أن يفتكوا به في الطريق، فأتاه فقال:

« يا أمير المؤمنين أخّر الحجّ العام. » قال:

« ولم؟ » فلم يخبره فأمر بحبسه وأن يستأدى ما عليه من بقايا أموال العراق.

وهمّ الوليد بعزل يوسف عن العراق فكتب إليه:

« إنّك كنت كتبت إلى أمير المؤمنين بتخريب ابن النصرانية البلاد وقد كنت تحمل إلى هشام ما تحمل وقد ينبغي أن تكون عمرت البلاد ووفّرت الدخل فاشخص إلى أمير المؤمنين وصدّق ظنّه بك فيما تحمل إليه لعمارتك البلاد وليعرف أمير المؤمنين فضلك على غيرك، فانّك خاله وأحقّ الناس بالتوفير وقد علمت ما أمر به أمير المؤمنين لأهل الشام وغيرهم من الزيادة في أعطياتهم وما وصل به أهل بيته لطول جفوة هشام إيّاهم حتى أضرّ ذلك ببيوت الأموال. » فخرج يوسف واستخلف عمّه يوسف بن محمد وحمل من الأموال والأمتعة والآنية ما لم يحمل من العراق مثله، فقدم يوسف وخالد بن عبد الله محبوس فلقيه حسّان النبطي ليلا فأخبره أنّ الوليد عازم على تولية عبد الملك بن محمد بن الحجّاج بن يوسف. وقال له:

« لا بدّ لك من إصلاح أمر وزرائه. » فقال:

« ليس عندي فضل درهم. » قال:

« فعندي خمسمائة ألف درهم إن شئت فهي لك وإن شئت فارددها إذا تيسّرت. » قال:

« فأنت أعرف بالقوم ومنازلهم من الخليفة مني ففرّقها على قدر علمك فيهم. » ففعل. فقدم يوسف والقوم يعظّمونه. فقال له حسّان:

« لا تغد إلى أمير المؤمنين ولكن رح إليه رواحا واكتب على لسان خليفتك كتابا إليك: إني كتبت ولا أملك إلّا القصر ثم ادخل على الوليد والكتاب معك متحازنا فأقرئه الكتاب وأمر ابان بن عبد الرحمن أن يشترى منه خالدا بأربعين ألف ألف. » ففعل يوسف فقال له الوليد:

« إرجع إلى عملك. » فقال ابان بن عبد الرحمن:

« ادفع إليّ خالدا وأحمل إليك أربعين ألف ألف. » قال:

« ومن يضمن عنك؟ » قال:

« يوسف. » فقال:

« أتضمن عنه؟ » قال:

« بل ادفعه إليّ فأنا أستأديه خمسين ألف ألف. » فدفعه إليه فحمله في غير وطاء في محمل مكشوف وقدم به الكوفة فقتله بالعذاب.

وكانت اليمانية أتت يزيد بن الوليد فأرادوه على البيعة فشاور فقيل:

« لا يبايعك الناس فشاور أخاك العبّاس بن الوليد فإنّه سيّد بنى مروان فإن بايعك لن يخالفك أحد وإن أبي كان الناس أطوع له، فإن أبيت إلّا المضيّ على رأيك فأظهر أنّ العبّاس قد بايعك. » وكانت الشام وبيئة تخرج الملوك منها إلى البوادي وكان يزيد بن الوليد بن عبد الملك متبدّيا وكذلك العبّاس بن الوليد وبينهما أميال يسيرة فأتى يزيد أخاه العبّاس فشاوره وعاب الوليد.

فقال له العبّاس:

« مهلا يا يزيد فإنّ في نقض عهد الله فساد الدين والدنيا. » فرجع يزيد إلى منزله ودبّ في الناس فبايعوه سرّا، وبثّ ثقاته يدعون إليه ويلعنون الوليد وبلغ العبّاس أخاه، فقال له:

« لئن عاودت لما يبلغني لأشدّنّك وثاقا ولأحملنّك إلى أمير المؤمنين. » فلم ينته يزيد وبلغ معاوية بن عمرو بن عتبة خوض الناس فأتى الوليد فقال:

« يا أمير المؤمنين إنّك تبسط لساني بالأنس بك وأكفّه بالهيبة لك وأنا أسمع ما لا تسمع وأخاف عليك ما أراك تأمن. أفأتكلّم ناصحا أم أسكت مطيعا؟ » قال:

« كلّ مقبول منك ولله فينا علم غيب نحن صائرون إليه، ولو علم بنو مروان أنّ ما يوقدون عليّ رضف يلقونه في أجوافهم ما فعلوا، ونعود فأسمع منك. » وبلغ مروان بن محمد بأرمينية أنّ يزيد يؤلّب الناس ويدعوا إلى خلع الوليد فكتب إلى سعيد بن عبد الملك يأمره أن ينهى الناس ويكفّهم وكان سعيد يتألّه، فقال:

« إنّ الله جعل لكلّ أهل بيت أركانا يعتمدون عليها ويتّقون بها المخاوف وأنت بحمد ربّك ركن من أركان أهل بيتك وقد بلغني أنّ قوما من سفهاء أهل بيتك قد أسّسوا أمرا إن تمّت لهم رؤيّتهم فيه على ما أجمعوا عليه من نقض بيعتهم، استفتحوا بابا لن يغلقه الله عنهم حتى يسفك دماء كثير منهم، وأنا مشغول بأعظم الثغور فرجا، ولو جمعتني وإيّاهم لرممت فساد أمرهم بيدي ولساني، ولخفت الله في ترك ذلك لعلمي بما في عواقب الفرقة وأنّه لن ينتقل سلطان قوم إلّا بتشتت كلمتهم وأنّ كلمتهم إذا تشتّتت طمع فيهم عدوّهم وأنت أقرب إليهم مني فاحتل لعلم ذلك بإظهار المتابعة لهم فإذا صرت إلى علم ذلك فتهدّدهم بإظهار إسرارهم وخذهم بلسانك وخوّفهم العواقب لعل الله أن يرد عليهم ما قد عزب من أحلامهم فإنّ فيما سعوا فيه تغيّر النعم وذهاب الدولة فعاجل الأمر وحبل الألفة مشدود والناس سكون والثغور محفوظة وقد أمّل القوم في الفتنة أملا لعلّ أنفسهم تهلك دون ما أمّلوا ولكلّ أهل بيت مشائيم يغيّر الله بهم النعمة فأعاذك الله من ذلك وحفظ عليك دينك. » فأعظم سعيد ذلك وبعث بكتابه إلى العبّاس فأعاد العبّاس موعظة يزيد وتهديده وقال:

« يا أخي أخاف أن يكون بعض من حسدنا على هذه النعمة أراد أن يغرى بيننا. » وحلف له أنّه لم يفعل. فصدّقه.

فلمّا اجتمع ليزيد أمره وهو متبدّ أقبل إلى دمشق وبينه وبينها أربع ليال متنكّرا في سبعة على حمر وكان أهل دمشق قد بايعوا ليزيد سرّا، إلّا معاوية بن مصاد وكان سيّد أهل المزّة، وبين المزّه وبين دمشق ميل.

فمضى يزيد من ليلته ما شاء في نفير من أصحابه إلى مزّة فأصابهم مطر شديد فأتوا منزل معاوية فضربوا بابه ففتح لهم فلمّا رأى يزيد قال:

« إلى الفراش أصلحك الله. » قال:

« إنّ في رجلي طينا وأكره أن أفسد بساطك. » قال:

« إنّ الذي تريدنا عليه أفسد. » وكلّمه يزيد، فبايعه، ورجع يزيد إلى دمشق ونزل دار سليمان بن سعيد الجشمي وكان على دمشق عبد الملك بن محمد بن الحجّاج بن يوسف فخاف الوباء وخرج واستخلف ابنه وكان على شرطته أبو العاج كثير بن عبد الله السّلمى، فأجمع يزيد على الظهور. وقيل للعامل: إنّ يزيد خارج. فلم يصدّق، وأرسل يزيد أصحابه بين المغرب والعشاء ليلة الجمعة سنة ستّ وعشرين ومائة، فكمنوا عند باب الفراديس حتى سمعوا أذان العتمة، فدخلوا المسجد وصلّوا وللمسجد حرس قد وكّلوا بإخراج الناس من المسجد باليل. فلما صلّى الناس صاح الحرس وتباطأ أصحاب يزيد وجعلوا يخرجون من باب ويدخلون من باب حتى لم يبق إلّا الحرس وأصحاب يزيد.

فأخذوا الحرس ومضى ابن عنبسة إلى يزيد بن الوليد وقال:

« قم يا أمير المؤمنين وأبشر بنصر الله تعالى وعونه. » فقام وقال:

« اللهم إن كان هذا لك رضا فأعنّى عليه وإن كان غير رضا فاصرفه عني بموت. » وأقبل في اثنى عشر رجلا فلمّا كانوا عند سوق الحمر لقوا أربعين رجلا من أصحابهم. فلمّا كانوا عند سوق القمح لقيهم زهاء مائتي رجل من أصحابهم فمضوا إلى المسجد ودخلوه فضربوا باب المقصورة وقال رسل الوليد: ففتح لهم خادم الباب فأخذوه ودخلوا فأخذوا أبا العاج وهو سكران وأخذوا خزّان بيت المال وصاحب البريد. وأرسل إلى كلّ من يحذره، فأخذوه. وتوجّه رسل يزيد من ليلته إلى محمد بن عبيد وهو على بعلبك فأخذه وأرسل من ليلته إلى محمد بن عبد الملك بن الحجّاج بن يوسف، فأخذه وقال:

« استدعوا أصحابنا من النواحي. » وقال للبوّابين:

« لا تفتحوا الباب غدوة إلّا لمن أخبركم بشعارنا. » فتركو الأبواب بالسلاسل فلمّا أصبحوا جاء أهل المزّة وغيرهم فما انتصف النهار حتى تتابع الناس وكان في المسجد سلاح كثير قدم به سليمان بن هشام من الجزيرة فلم يكن الخزّان قد قبضوه فأصابوا سلاحا كثيرا عتيدا وتتابع الناس من كلّ ناحية وأرسل يزيد بن الوليد إلى عبد العزيز بن الحجّاج بن عبد الملك وأمره أن يقف بباب الجابية وقال:

« من كان له عطاء فليأت إلى عطاءه ومن لم يكن له عطاء فله ألف درهم معونة. » وقال لبنى الوليد بن عبد الملك وكان معه منهم ثلاثة عشر:

« تفرقوا في الناس يروكم، وحضّوهم. » ونادى مناديه:

« من ينتدب إلى الفاسق وله ألف درهم؟ » فانتدب ألف رجل. ثم نادى مناديه:

« من ينتدب وله ألف وخمسمائة؟ » فانتدب نحو من ألفين. فعقد لجماعة. وجعل عليهم جميعا عبد العزيز بن الحجّاج عبد الملك. فخرج عبد العزيز حتى عسكر بالحيرة. وبلغ الخبر الوليد فأنفذ أبا محمّد ابن عبد الله بن يزيد بن معاوية وأجازه وجهّزه ووجهه إلى دمشق. فخرج أبو محمّد. فلمّا انتهى إلى ذنبة أقام فوجّه إليه يزيد بن الوليد عبد الرحمن بن مصاد فسالمه أبو محمّد وبايع ليزيد بن الوليد وأتى الوليد الخبر وهو بالأعدف.

ذكر آراء أشير بها على الوليد فساقه الحين إلى أحدهما

فقال له يزيد بن خالد بن يزيد بن معاوية:

« يا أمير المؤمنين سر حتى تنزل حمص فإنّها حصينة ووجّه الجنود إلى يزيد فإنّه يقتل أو يؤسر. » فقال عبد الله بن عنبسة بن سعد بن العاص:

« ما ينبغي للخليفة أن يدع عسكره ونساءه قبل أن يقاتل ويعذر، والله مؤيّد أمير المؤمنين وناصره. » فقال يزيد بن خالد:

« وما ذا تخاف على حرمه؟ » وإنّما أتاه عبد العزيز بن الحجّاج بن عبد الملك وهو ابن عمّهنّ. فأخذ بقول ابن عنبسة.

فقال له الأبرش:

« يا أمير المؤمنين تدمر حصينة وبها قومي يمنعونك. » فقال:

« أهلها بنو عامر وهم الذين خرجوا عليّ ولكن دلّنى على منزل حصين. » قال:

« أنزل القرية. » قال « أكرهها. » قال:

« فهذا الهريم قال:

« أكره اسمه. » قال:

« فهذا البخراء قصر النعمان بن بشير. » قال:

« ويحك ما أقبح أسماء مياهكم. » وأقبل في طريق السماوة فقال له بيهس بن زميل:

« أمّا إذ أبيت أن تمضى إلى حمص وتدمر فهذا الحصن البخراء وهو حصين وهو من بناء العجم فأنزله. » فنزله.

وندب يزيد بن الوليد الناس إلى الوليد ونادى مناديه:

« من سار فله ألفان. » فانتدب ألفا رجل فأعطاهم ألفين ألفين وقال: موعدكم بذنبة وسار فوافاه بذنبة ألف ومائتان ثم سار، فتلقاهم ثقل الوليد فأخذوه ونزلوا قريبا من الوليد وأرسل العبّاس إلى الوليد:

« إني آتيك، فاختر بين أن آتيك، أو آتى يزيد فأكفّه. »

فاتهمه وقال:

« بل ائتني. » فبلغ عبد العزيز مسير العبّاس بن الوليد فأرسل إليه منصور بن جمهور في خيل وقال:

« إنّكم ستلقون العبّاس بن الوليد في الشّعب ومعه بنوه فخذوهم وجيئوني بهم. » فخرج منصور في خيل فلمّا صاروا في الشّعب إذا هم بالعبّاس في ثلاثين من أهل بيته.

فقالوا له:

« اعدل إلى عبد العزيز. » فشتمهم. فقال له منصور:

« والله لئن تقدّمت لأنفذنّ حصينك. » « ويقال بل الذي لقيه، يعقوب بن عبد الرحمن بن سليم وقال له:

« والله لئن أبيت لأضربنّ ما فيه عيناك. » ولم يكن مع العبّاس أصحابه، لأنّه تقدّمهم وكان معه بنوه فقال:

« إنّا لله. » وأتوا به عبد العزيز. فقال:

« بايع لأخيك يزيد بن الوليد. » فبايع.

وكان عبد العزيز قد أخرج أصحابه وعبّأهم فقاتل أصحاب الوليد وقد قتل من أصحابه جماعة. وحملت رؤوسهم إلى الوليد والوليد على باب البخراء جالس ينتظر العبّاس فلمّا بايع الناس على الكره وعلى سبيل المكر به، قال:

« إنّا لله، خدعة من خدع الشيطان هلك بنو مروان ونصب عبد العزيز راية. » وقالوا:

« هذه راية العبّاس بن الوليد وقد بايع لأمير المؤمنين يزيد. » فتفرّق الناس عن الوليد، ودخلوا في الأمان إلى عبد العزيز والعبّاس.

وظاهر الوليد بين درعين، وأتوه بفرسين: السندي والذائد. فقاتلهم، فناداهم رجل:

« اقتلوا عدوّ الله قتلة قوم لوط، ارموه بالحجارة. » فلمّا سمع ذلك دخل القصر وتبعه الناس يطلبونه. فدنا الوليد من الباب.

فقال:

« أما فيكم رجل شريف له حسب وحياء أكلّمه؟ » فقال له يزيد بن عنبسة السّكسكيّ:

« كلّمنى. » قال:

« من أنت؟ » قال:

« يزيد بن عنبسة. » قال:

« يا أخا السكاسك، ألم أزد في أعطياتكم، ألم أرفع المؤن عنكم، ألم أعط فقراءكم، ألم أخدم زمناكم؟ » « فأجابه وقال:

« ما ننقم عليك في أنفسنا، ولكن ننقم عليك في انتهاك ما حرّم الله، وشرب الخمر، ونكاح أمّهات أولاد أبيك، واستخفافك بالدين. » قال:

« حسبك يا أخا السكاسك، فلعمري لقد أكثرت وأغرقت. فإنّ فيما أحلّ الله لسعة عمّا ذكرت وو الله لا اجتمعت كلمتكم بعدي. » ورجع إلى القصر. وأخذ مصحفا فنشره وجلس يقرأ. وقال:

« يوم كيوم عثمان. » وكان أول من علا الحائط يزيد بن عنبسة. فتحدّث المثنى بن معاوية قال:

دخلت القصر فإذا الوليد قائم في قميص قصب وسروايل وشى ومعه سيف في غمد والناس يشتمونه. ثم كثر الناس عليه وتعاوروه بأسيافهم فقتل.

رأس الوليد وما فعل به

وكان جعل يزيد بن الوليد في رأس الوليد مائة ألف فانتهب الناس عسكر الوليد وخزائنه وأمر يزيد بنصب الرأس على رمح وطيف به في مدينة دمشق ثم قال:

« ادفعوه إلى سليمان أخي الوليد. » وكان سليمان أخو الوليد ممّن سعى على أخيه. فغسل الرأس ووضع في سفط وأتى به سليمان فنظر إليه ثم قال:

« بعدا له وسحقا أشهد أنّه كان شروبا للخمر فاسقا ماجنا ولقد أرادنى الفاسق على نفسي. » فخرج حامل الرأس وهو ابن فروة من الدار فتلقّته مولاة للوليد. فقال لها:

« ويحك ما أشدّ ما شتمه زعم أنّه أراده على نفسه. » قالت:

« كذب الخبيث ولئن كان أراده على نفسه لقد فعل. ما كان ليقدر على الامتناع منه. »

هرب المغنين

وكان مع الوليد مالك بن أبي السمح المغنّى وعمر الوادي. فلمّا تفرّق الوليد عن أصحابه وحصر قال مالك لعمر:

« اذهب بنا. » فقال عمر:

« ليس هذا من الوفاء ونحن لا يعرض لنا لأنّا لسنا ممّن يقاتل. » فقال مالك:

« ويلك والله لئن ظفروا بنا لا يقتل قبلي وقبلك أحد فيوضع رأسه بين رأسينا ويقال للناس: انظروا من كان معه في هذه الحال فلا يعيبونه بشيء أشدّ من هذا. » فهربا، وكان معهما أبو كامل العزيل المغنّى، وكان سبقهما إلى الهرب.

من صفات الوليد

وكان قتل الوليد يوم الخميس لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة ستّ وعشرين ومائة وكانت خلافته سنة وثلاثة أشهر وكان له من السنين نيّف وأربعون سنة وقد اختلف في النيّف. وكان شديد البطش طويل أصابع الرجلين وكان يوتد له سكة حديد فيها خيط قوى فيشدّ الخيط في رجله ثم يثب على الدّابّة فينتزع السكّة ويركب ما يمسّ الدابّة بيده.

وكان شاعرا شروبا للخمر، أحصى عليه في ليلة سبعون قدحا، وكان صاحب صيد، ولمّا أفضت إليه الخلافة انهمك وأولع بالصيد، وكره الجلوس للناس وحجبهم وفعل تلك الأمور التي زادته بغضا إلى الناس حتى قتل ولم يتمتّع بملكه.

مقتل خالد بن عبد الله القسري في العذاب

وفي هذه السنة قتل خالد بن عبد الله القسري. وقد كنّا ذكرنا عزل هشام له وأنّه استعمل يوسف بن عمر وطالبه واستخرج منه مالا وعذّبه. ولكن كان مع ذلك يحامى عليه هشام ويوصّى به. ولم يزل يوسف يكثر ويعتلّ بانكسار الخراج وذهاب الأموال حتى أذن له وبعث حرسيّا يشهد أمره، وحلف لئن أتى على خالد أجله وهو في يده ليقتلنّه. وكان يوسف يطالبه ويبقى عليه بعض الإبقاء إلى أن بسط عليه يوما بحضرته فلم يكلّمه خالد حتى شتمه يوسف وقال:

« يا ابن الكاهن » يعنى، شق بن صعب الكاهن فقال له خالد:

« إنّك لأحمق تعيّرنى بشر في ولكنّك ابن سبّاء، إنّما كان أبوك يبيع الخمر. »

فردّ إلى محبسه ثم كتب إليه هشام بتخلية سبيله. فخرج حتى ورد دمشق.

وكان يقصد بها ويؤذى من جهة أعداء كانوا له، نصبهم يوسف عليه، حتى قال يوما:

« والله ليكفّنّ عني هشام أو لأدعونّ إلى عراقيّ الهوى، شاميّ الدار، حجازيّ الأصل، يعنى محمّد بن عليّ بن عبد الله بن العبّاس وقد أذنت لكم أن تبلّغوا هشاما. » فلمّا بلغه ما قال. قال:

« خرف أبو الهيثم. » وأقام خالد بدمشق حتى هلك هشام، وقام الوليد، وقدم عليه يوسف بن عمر بمال العراق، وتكلّم أبان بن عبد الله النمري في خالده فقال يوسف:

« أنا أشتريه بخمسين ألف ألف. » فقال الوليد لخالد:

« إن كنت تضمنها، والّا دفعتك يا خالد إليه. » فقال خالد:

« ما عهدت العرب تباع والله لو سألتنى أن أضمن هذا. ورفع عودا من الأرض ما ضمنته، فرأيك. » فدفعه إلى يوسف فنزع ثيابه ودرّعه عباءة ولحفه أخرى وحمله في محمل بغير وطاء ثم دعا به وذكر أمّه.

فقال:

« ما ذكر الأمّهات لعنك الله، والله لا أكلّمك كلمة أبدا. »

فبسط عليه العذاب وعذّبه عذابا شديدا لا يكلّمه كلمة ومكث خالد يوما في العذاب. فحدّث أبو نعيم قال: شهدت خالدا حين أتى به يوسف فدعا بعود يعرف بالمضرّسة فوضعه على قدميه ثم قامت عليه الرجال حتى كسر قدماه فو الله ما تكلّم ولا عبس، ثم على ساقيه حتى كسرتا، ثم على فخذيه، ثم على حقويه، ثم على صدره حتى مات. فو الله ما تكلّم ولا عبس، وو الله ما نصره طول أيّام حبسه أحد من عشيرته ولا من صنائعه، بيد ولا لسان، إلّا رجل من بنى عبس فإنّه قال:

ألا أنّ بحر الجود أصبح ثاويا أسير ثقيف موثقا في السّلاسل فإن تسجنوا القسريّ لا تسجنوا اسمه ولا تسجنوا معروفه في القبائل

خلافة يزيد بن الوليد بن عبد الملك

اضطراب حبل بنى مروان

وفي هذه السنة بويع ليزيد بن الوليد بن عبد الملك الذي يقال له: الناقص، وإنّما قيل له الناقص لنقصه الناس الزيادة التي زادهموها الوليد بن يزيد في أعطياتهم وذلك عشرة عشرة. وفي هذه السنة اضطرب حبل بنى مروان وهاجت الفتنة.

ذكر الفتن وأسبابها

كان سبب ذلك وثوب سليمان بن هشام بن عبد الملك بعمان - وكان محبوسا بها فأخذ ما كان بعمان من الأموال وأقبل إلى دمشق يلعن الوليد ويعيبه ويرميه بالكفر - ووثوب أهل حمص بأسباب العبّاس بن الوليد وهدمهم داره وإظهارهم الطلب بدم الوليد بن يزيد.

وأمّا أهل حمص فكان وإليهم مروان بن عبد الله من قبل الوليد. وكان نبيلا فاضلا كريما له جمال وروعة فلمّا قتل الوليد أغلق أهل حمص أبوابها وأقاموا النوائح والبواكي على الوليد، وسألوا عن قتله. فقال بعض من حضر الأمر:

« ما زلنا منتصفين من القوم قاهرين لهم حتى جاء العبّاس بن الوليد فمال إلى عبد العزيز بن الحجّاج بن الوليد فوثب أهل حمص إلى دار العبّاس، فانتهبوها وسلبوا حرمه، وأخذوا بنيه وحبسوهم، وطلبوه فخرج إلى يزيد بن الوليد. » وبلغ ذلك مروان بن عبد الله بن عبد الملك فوافقه ذلك وتابعهم وكتب أهل حمص بينهم كتابا وتواثقوا فيه على ألّا يدخلوا في طاعة يزيد وكاتبوا رؤساء الأجناد ودعوا إلى وليّى العهد وكانا صبيّين بعد، فلمّا بلغ يزيد بن الوليد خبرهم وجّه إليهم رسلا فيهم يعقوب بن هاني وكتب معه:

« إنّه ليس يدعو إلى نفسه، ولكن يدعوهم إلى الشّورى. » فقال عمرو بن قيس السّكونى:

« قد رضينا بوليّ عهدنا. » يعنى ابن الوليد.

فأخذ يعقوب بلحيته. فقال:

« أيّها الغشمة، إنّك قد خرفت وذهب عقلك. إنّ الذي تعنى لو كان يتيما في حجرك لم يحلّ لك أن تدفع إليه ماله فكيف أمر الأمة؟ » فوثب أهل حمص على رسل يزيد بن الوليد فطردوهم.

ثم أقبل أهل حمص، فنزلوا قرية كانت لخالد بن يزيد بن معاوية، وأمرهم إلى رجل يعرف بأبي محمّد السفياني. فتكلّم مروان بن محمّد بشيء اتّهموه فيه، فوثبوا عليه وقتلوه. ولمّا بلغ يزيد أمر أهل حمص دعا عبد العزيز بن الحجّاج، فوجّهه في ألف وخمسمائة ووعده أن يمدّه وكان سليمان بن هشام قد بادرهم فنزلوا بالسليمانية وكان أهل حمص قد نزلوها قبلهم وأراحوا دوابّهم وجعلوا الزيتون عن أيمانهم والجبل عن شمائلهم والجباب خلفهم وليس لهم مأتى إلّا من وجه واحد.

قال من حضر: ودفعنا إليهم ونحن معيون قد كلّت دوّابنا وثقل علينا الحديد فحاربناهم فهزموا ميمنتنا وميسرتنا أكثر من غلوتين وسليمان كان في القلب فثبت وحمل عليهم حتى ردّهم إلى مواضعهم. فبينا نحن نحمل مع سليمان ويحملون علينا إذا طلع عبد العزيز من الثنيّة فشدّ عليهم حتى دخل عسكرهم وقتل ثم نفذ إلينا فلمّا تشتتوا واستحرّ فيهم القتل نادوا يزيد بن خالد بن عبد الله القسري:

« الله الله في قومك. » فكفّ الناس عنهم على أن يبايعوا ليزيد بن الوليد فلمّا خرجوا إلى دمشق أعطاهم يزيد وأجاز الأشراف.

ووثب في هذه السنة أهل فلسطين والأردن على عاملهم فطروده.

ذكر السبب في ذلك

كان سبب ذلك أن سعيد بن عبد الملك كان عاملا للوليد على فلسطين وكان حسن السيرة وكان يزيد بن سليمان سيّد ولد أبيه وكان ولد سليمان بن عبد الملك ينزلون فلسطين وكان أهل فلسطين يحبّونهم لجوارهم فلمّا ورد قتل الوليد ورأس أهل فلسطين يومئذ سعيد بن روح بن زنباع فكتب إلى يزيد بن سليمان:

« انّ الخليفة قد قتل فاقدم علينا نولّك أمرنا. »

فقدم فجمع له سعيد قومه وكتب إلى سعيد بن عبد الملك وهو نازل بالسبع:

« ارتحل عنّا فإنّ الأمر قد اضطرب وقد ولّينا أمرنا رجلا قد رضيناه. » فخرج إلى يزيد بن الوليد.

ودعا يزيد بن سليمان أهل فلسطين إلى قتال يزيد بن الوليد وبلغ أهل الأردن أمرهم فولّوا عليهم محمّد بن عبد الملك وأمر أهل فلسطين إلى سعيد بن روح بن زنباع وضبعان بن روح وبلغ يزيد أمرهم فوجّه إليهم سليمان بن هشام في أهل دمشق.

فقال محمّد بن راشد: كان سليمان بن هشام يرسلني إلى سعيد وضبعان ابني روح وإلى الحكم وهاشم ابنى حرو من بلقين فأعدهم وأمنّيهم على الدخول في طاعة يزيد بن الوليد.

وقال عثمان بن داود الخولاني: أنفذنى يزيد بن الوليد ومعي حذيفة بن سعيد إلى محمّد بن عبد الملك ويزيد بن سليمان يدعوهما إلى طاعته ويعدهما ويمنّيهما فبدأنا بأهل الأردن ومحمّد بن عبد الملك، فاجتمع إليه جماعة وقال بعضهم:

« أصلح الله الأمير، أقتل هذا القدريّ الخبيث، فكفّهم عني الحكم بن جرو القينى. وأقيمت الصلاة فخلوت به وقلت:

« إني رسول يزيد إليك والله ما تركت ورائي راية تعقد إلّا على رأس رجل من قومك، ولا درهما يخرج من بيت المال إلّا في يد رجل منهم وهو يجعل لك كذا وكذا. » فقال:

« أنت بذاك. » قلت: « نعم. » ثم خرجت فأتيت ضبعان بن روح فقلت له مثل ذلك وقلت:

« يولّيك فلسطين ما بقي. » فأجابنى فما أصبحت حتى رحل بأهل فلسطين.

فلمّا أتيت يزيد قال:

« أخبرني كيف قلت لضبعان بن روح؟ » فأخبرته. قال:

« فما صنع؟ » قلت:

« ارتحل. » قال:

« فليسا بأحقّ بالوفاء مني، ارجع. » فأمره ألّا ينصرف حتى ينزل الرملة فيبايع أهلها. وقد استعملت إبراهيم بن الوليد على الأردن وضبعان بن روح على فلسطين ومسرور بن الوليد على قنّسرين وابن الحصين على حمص.

خطبة خطبها يزيد استمال بها الناس

خطب يزيد بن الوليد الناس بعد قتل الوليد فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه:

« أيّها الناس إني والله ما خرجت أشرا ولا بطرا ولا حرصا على الدنيا ولا رغبة في الملك وما بي إطراء لنفسي. إني لظلوم لنفسي إن لم يرحمني ربّى ولكني خرجت غضبا لله ورسوله ودينه، وداعيا إلى الله وكتابه وسنّة نبيه لمّا هدمت معالم الهدى وأطفئ نور أهل التقوى وظهر الجبّار العنيد المستحلّ لكلّ حرمة والراكب كلّ بدعة مع أنّه والله ما كان يصدّق بالكتاب، ولا يؤمن بيوم الحساب وأنّه لابن عمّى في النسب وكفئى في الحسب.

فلمّا رأيت ذلك استخرت الله في أمره وسألته ألّا يكلني إلى نفسي ودعوت إلى ذلك من أجابنى من أهل ولايتي وسعيت فيه حتى أراح الله منه العباد والبلاد بحول الله وقوّته لا بحولي وقوّتى.

« أيّها الناس إنّ لكم عليّ ألّا أضع حجرا على حجر ولا لبنة على لبنة، ولا أكرى نهرا، ولا أكنز مالا ولا أعطيه زوجة ولا ولدا، ولا أنقل مالا من بلد حتى أسدّ ثغر ذلك البلد، وخصاصة أهله بما يغنيهم فإن فضل فضل نقلته إلى البلد الذي يليه ممّن هو أحوج إليه ولا أجمركم على ثغوركم فأفتنكم وأفتن عليكم أهليكم ولا أغلق بابى دونكم، فيأكل قوّيكم ضعيفكم، ولا أحمل على أهل جزيتكم ما يجليهم عن بلادهم ويقطع نسلهم، وإنّ لكم أعطياتكم عندي في كل سنة وأرزاقكم في كل شهر، حتى تستدرّ المعيشة بين المسلمين فيكون أقصاهم كأدناهم. فإن أنا وفيت لكم بما قلت فعليكم السمع والطاعة وحسن المؤازرة وإن أنا لم أف لكم أن تخلعونى إلّا أن تستتيبونى فإن تبت قبلتم مني وإن علمتم أحدا ممّن يعرف بالصلاح يعطيكم من نفسه مثل ما أعطيكم فأردتم أن تبايعوه فأنا أوّل من يبايعه ويدخل في طاعته » « أيّها الناس، إنّه لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق ولا وفاء له بنقض عهد. إنّما الطاعة طاعة الله فمن أطاع فأطيعوه بطاعة الله ما أطاع، فإذا عصى الله ودعا إلى معصيته، فهو أهل أن يعصى ويقتل. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. » ثم دعا إلى تجديد البيعة له فكان أوّل من بايعه الأفقم يزيد بن هشام وبايعه قيس بن هانئ فقال:

« يا أمير المؤمنين، اتّق الله ودم على ما أنت عليه فما قام مقامك أحد من أهل بيتك، وإن قالوا: عمر بن عبد العزيز، فأنت أخذتها بحبل صالح وإنّ عمر أخذها بحبل سوء. » فلمّا بلغ قوله مروان بن محمّد قال:

« ما له قاتله الله ذمّنا جميعا وذمّ عمر وحقدها. »

فلمّا ولى بعث رجلا وقال له:

« إذا دخلت مسجد دمشق فانظر قيس بن هانئ فإنّه طالما صلّى فيه فاقتله. » « فانطلق الرجل، فدخل المسجد، فرأى قيسا يصلّى، فقتله.

عزل يزيد يوسف بن عمر عن العراق وتولية منصور بن جمهور

وفي هذه السنة عزل يزيد بن الوليد يوسف بن عمر عن العراق وولّاها منصور بن جمهور. ولمّا استوسق أهل الشام ليزيد بن الوليد على الطاعة عزل يوسف عن العراق وولّاها منصور بن جمهور، فسار وهو سابع سبعة. فبلغ خبره يوسف بن عمر، فهرب وقدم منصور بن جمهور الحيرة في رجب، وكان منصور أعرابيّا جافيا غيلانيّ الرأي وإنّما صار مع يزيد لرأيه في الغيلانيّة وحميه لقتل يوسف خالدا فلمّا ولّاه يزيد، وصّاه وقال:

« اتق الله وسر وأنت تستشعر التقوى، وأعلم إني إنّما قتلت الوليد لفسقه ولما أظهر من الجور، فلا تركب مثل ما قتلناه عليه. » فلمّا صار بالحيرة، كتب إلى سليمان بن سليم بن كيسان:

« أمّا بعد، فإن الله لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حتى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ الله بِقَوْمٍ سُوْءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ. وإنّ الوليد بدّل نعمة الله كفرا، فسفك الله دمه وعجّله إلى النار وولّى خلافته من هو خير منه وأحسن هديا وقد بايعه الناس. وولّى على العراق الحارث بن العبّاس بن الوليد وجّهنى العبّاس لأخذ يوسف وعمّاله، وقد نزل الأبيض وهو ورائي. فخذ يوسف وعمّاله ولا يفوتنّك منهم أحد فاحبسهم قبلك، وإيّاك أن تخالف فيحلّ بك وبأهل بيتك ما لا قبل لك ولهم به. فاختر لنفسك أو دع. » فلمّا ورد الكتاب على سليمان بن سليم مع كتب كتبها إلى جماعة من قوّاد الشام، أوصلت الكتب كلّها سليمان بن سليم وسئل أن يفرّقها في الجند.

فدخل سليمان على يوسف بن عمر، وأقرأه كتاب منصور إليه، فبعل به وقال:

« ما الرأي؟ » فقال:

« ليس لك إمام تقاتل معه ولا تقاتل أهل الشام، الحارث بن العبّاس معك، ولا آمن من منصور إن قدر عليك لما في نفسه من أجل خالد، وما الرأي إلّا أن تلحق بشامك. » قال:

« هو رأيي. فكيف الحيلة؟ » قال:

« تظهر الطاعة ليزيد، وتدعو له في خطبتك، فإذا قرب منصور بن جمهور وجّهت معك من أثق به. »

ففعل. فلمّا نزل منصور بحيث يصبّح البلد، خرج يوسف إلى منزل سليمان فأقام أيّاما ثم وجّه معه من أخذ به طريق السماوة حتى صار إلى البلقاء. وكان يوسف وجّه رجلا من بنى كلاب في خمسمائة وقال لهم:

« إن مرّ بكم يزيد بن الوليد نفسه فلا تدعنّه يجوز. » فأتاهم منصور بن جمهور في سبعة فلم يهيجّوه فانتزع سلاحهم منهم وأدخلهم الكوفة.

ولمّا بلغ يوسف البلقاء رفع خبره إلى يزيد بن الوليد فوجّه قائدا في خمسين رجلا وقال له:

« ائتني بيوسف. » فأتى البلقاء وطلبه في منزله فلم يجده ورأى ابنا فرهّبه. فقال:

« أنا أدلّك عليه. » وذهب به إلى مزرعة فوجدوه في ثياب النساء جالسا مع نسوة، فألقين عليه قطيفة خزّ، وجلسن على حواشيها حاسرات، فجرّوا برجله وأقبلوا به إلى يزيد، فلقيه عامل ليزيد على نوبة من نوائب الحرس، فأخذ بلحيته وهزّها ونتف بعضها - وكان من أعظم الناس لحية وأصغرهم قامة - فلمّا دخل على يزيد قبض على لحيته وكانت حينئذ تجوز سرّته وجعل يقول:

« نتف والله يا أمير المؤمنين لحيتي فما بقّى فيها شعرة. » فأمر يزيد بحبسه في الخضراء، فدخل عليه محمّد بن راشد فقال له:

« أما تخاف أن يطلع عليك بعض من قد وترت فيلقى عليك حجرا فيقتلك؟ » قال:

« لا والله ما فطنت لهذا فنشدتك الله إلّا كلّمت أمير المؤمنين في تحويلي إلى محبس غير هذا وإن كان أضيق منه. » « ما غاب عنك من حمقه أكثر، وما حبسته إلّا لأردّه إلى العراق فيقام للناس وتؤخذ منه المظالم من ماله ودمه. » فأخبرت يزيد. فقال وأمّا منصور بن جمهور فإنّه فتح الخزائن وفرّق في الناس استحقاتهم وأحسن إلى جميعهم.

امتناع نصر بن سيار لعامل منصور بن جمهور

وفي هذه السنة امتنع نصر بن سيّار بخراسان لعامل منصور بن جمهور وكان يزيد بن الوليد قد ولّاها منصورا مع العراق.

ذكر الخبر عن ذلك

كنّا ذكرنا ما أعدّه نصر من الهدايا وشخوصه متوجّها إلى يوسف بن عمر بالعراق وتباطئه في سفره حتى ورد عليه الخبر بقتل الوليد. فحكى بشير بن نافع وكان على سكك العراق قال: لمّا أقبل منصور بن جمهور أميرا على العراق هرب يوسف بن عمر، فوجّه منصور أخاه منظور بن جمهور على الريّ، فأقبلت مع منظور إلى الريّ وقلت: اقدم على نصر فأخبره. لمّا وردت على نصر وأخبرته كان الخبر عنده، فأمر حميدا مولاه أن يحملني إلى عنده، وأكرمنى وأمر لي بجارية. ثم دخل إلى نصر قوم فيهم يونس بن عبد الله وعبيد الله بن هشام وسلم بن أحوز، فأرسل إليّ وقال: أخبرهم.

فلمّا أخبرتهم كذّبونى فقلت: أستوثق من هولاء. فلمّا مضت ثلاث وكّل بي ثمانين رجلا من الحرس، فأبطأ الخبر إلى الليلة التاسعة، ثم جاءهم الخبر ليلة النيروز على ما وصفت، فصرف عامّة تلك الهدايا إلى أربابها وأعتق الرقيق وقسّم روقة الجواري في ولده وخاصّته، وقسّم تلك الأوانى في الناس ووجّه العمّال وأمرهم بحسن السيرة.

وأرجفت الأزد بخراسان أن منظور بن جمهور قادم خراسان. فخطب نصر وقال في خطبته:

« إن جاءنا أمير ظنين قطعنا يديه ورجليه. » ثم باح به بعد وقال:

عدوّ الله المخذول المتبور. » وولّى نصر ربيعة واليمن وولّى كلّ من ظنّ عنده خيرا وأمرهم بحسن السيرة ودعا الناس إلى البيعة وكان نصر وليّ عبد الملك بن عبد الله السلمى خوارزم فخطبهم وقال في خطبته:

« والله ما أنا بالأعرابيّ الجلف، ولا القرويّ المستنبط، ولقد كدمتنى الأمور وكدمتها. أما والله لأضعنّ السيف موضعه، والسوط مضربه، والسجن مدخله. ثم لتجدنّى غشمشما أعشبى الشجر ولتستقيمنّ لي على الطريقة رقص البكارة في السّنن الأعظم، ولأصكّنّكم صكّ القطاميّ القطا القارب. »

وقوع اختلاف بخراسان

وفي هذه السنة وقع الاختلاف بخراسان بين اليمانية والنزارية.

وأظهر فيها الكرمانيّ الخلاف لنصر بن سيّار واجتمع مع كلّ واحد منهما جماعة لنصرته.

وفيها أظهر مروان بن محمّد الخلاف وكتب إلى الغمر بن يزيد أخي الوليد بن يزيد كتابا بليغا يأمره بالطلب بدم أخيه الوليد.

تولية عبد الله بن عمر العراق

وفيها عزل يزيد منصور بن جمهور عن العراق وولّاها عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بن مروان. وكان عبد الله بن عمر هذا متألّها فدعاه يزيد بن الوليد وقال:

« إنّ أهل العراق يميلون إلى أبيك فسر إليها فقد ولّيتكها. » فلمّا شخص قدّم بين يديه رسلا وكتب إلى قوّاد الشام الّذين بالعراق، وخاف إلّا يسلّم منصور بن جمهور العمل، فانقاد له الكلّ، وسلّم منصور بن جمهور، وانصرف إلى الشام وفرّق عبد الله بن عمر عمّاله وأعطى الناس أرزاقهم وأعطياتهم. وكتب إلى نصر بعهده على خراسان. وكان المنجّمون ذكروا لنصر أنّ خراسان ستكون بها فتنة. فأمر نصر برفع حاصل بيت المال، وأعطى الناس بعض أعطياتهم ورقا وذهبا من الآنية التي كان اتّخذها للوليد بن يزيد.

وكان أوّل من تكلّم رجل من كندة أفوه طوال فقال:

« العطاء، العطاء. » فلمّا كانت الجمعة، أمر نصر رجلا من الحرس، فلبسوا السلاح، وفرّقهم في المسجد مخافة أن يتكلّم متكلّم، فقام الكنديّ فقال:

« العطاء، العطاء. » وقام مولى للأزد يلقّب أبا الشياطين فتكلّم، وقام آخرون فقالوا:

« العطاء، العطاء. » فقال نصر:

« عليكم بالطاعة والجماعة، اتّقوا الله واسمعوا ما توعظون. » فصعد سلم بن أحوز وهو على المنبر فكلّمه فقالوا:

« ما يغنى كلامك هذا شيئا. » ووثب أهل السوق إلى أسواقهم، فغضب نصر وقال:

« إيّاى والعصبيّة ما لكم عندي عطاء بعد يومكم هذا. » ثم قال:

« كأنّى بالرجل منكم قد قام إلى أخيه وابن عمّه، فلطم وجهه في حمل يهدى له، وثوب يكساه، ويقول مولاي وظئرى فأذلّوا هذه السفلة، وكأنّى بهم قد نبغ الشر من تحت أرجلهم. وكأنّى بكم مطرّحين في الأسواق كالجزر المنحورة، إنّه لم تطل ولاية رجل قطّ إلّا ملّوه. وأنتم يا أهل خراسان مسلحة في نحر العدوّ، فإيّاكم أن يختلف فيكم سيفان. » فقال الكرماني:

« أنتم في فتنة، فانظروا لأموركم رجلا. » وإنّما سمّى الكرمانيّ لأنّه ولد بكرمان واسمه جديع بن عليّ بن شبيب المعنيّ. فقالوا: « أنت لنا. » فاجتمعت المضريّة إلى نصر وقالوا له:

« إنّ الكرمانيّ يفسد الناس عليك، فأرسل إليه فاقتله أو فاحبسه. » فقال: « لا، ولكنّ لي ولدا ذكورا وإناثا، وله ولد فأزوّج بنيّ ببناته، وبنيه ببناتى. » قالوا: « ليس ينفع ذلك شيئا. » « فابعث إليه بمائة ألف فإنّه بخيل ولا يعطى أصحابه شيئا ويعلمون بها فيتفرّقون عنه. » قالوا: « لا، هذه تصير قوّة له. » قال: « فدعوه على حاله يتّقينا ونتّقيه. »

قالوا: « لا. » وبلغ نصر بأنّ الكرمانيّ يقول: كانت غايتي في طاعة بنى مروان أن يتقلّد ولدي السيوف فأطلب بثأر بنى المهلّب معما لقينا من نصر وجفائه وطول حرمانه ومكافأته إيّانا بما كان من صنيع أسد إليه.

فقال عصمة بن عبد الله الأسدى لنصر:

« إنّها بدئ فتنة، فتجنّ عليه، واحبسه، وأظهر أنّه مخالف، ثم اضرب عنقه، وعنق سباع بن النعمان الأزدي، والفرافصة بن ظهير البكريّ، فانّه لم يزل غضبان على الله، عز وجل، بتفضيله مضر على ربيعة. » وكثر على نصر الكلام في أمر الكرمانيّ، حتى قال له أصرم بن قبيصة:

لو أنّ جديعا لم يقدر على السلطان والملك إلّا بالنصرانيّة واليهوديّة، لتنصّر أو لتهوّد. » وكان نصر والكرماني متصافين وكان الكرماني أحسن إلى نصر في ولاية أسد بن عبد الله، فلمّا ولى نصر خراسان عزل الكرماني عن الرئاسة، وصيّرها لحرب بن عامر الواشجى. ثم مات حرب، فأعاد الكرمانيّ عليها، ولم يلبث إلّا يسيرا حتى عزله وصيّرها لجميل بن النعمان، فتباعد ما بين نصر والكرمانيّ، فحبس نصر الكرمانيّ في القهندز، وكان على القهندز مقاتل بن عليّ المرّى ولمّا همّ نصر بحبس الكرمانيّ تكلّم قوم فخاف نصر الفتنة لأنّ الأزد تعصّب له فقال نصر:

« أحلف بالله أنّى أحبسه ثم لا ينداه مني مكروه فإن خشيتم عليه فاختاروا رجلا يكون معه. » فاختاروا يزيد النحوي وكان معه في القهندز وصيّر حرسه بنى ناجية.

فبيناهم كذلك إذا جاءهم رجل من أهل نسف فقال لغلام الكرمانيّ، يقال له جعفر:

« ما تجعلون لي إن أنا أخرجته؟ » قالوا:

« لك ما سألت ».

فأتى مجرى الماء في القهندز، فدخله ووسّعه، وأتى ولد الكرماني وقال لهم:

« أكتبوا إلى أبيكم يستعدّ للخروج الليلة. » فكتبوا إليه وأدخلوا الكتاب مع الطعام فدعا الكرمانيّ يزيد النحويّ وحصين بن حكيم، فتعشّيا معه وخرجا. ودخل الكرمانيّ السرب، وأخذوا بضبعه فيقال: إنّه انطوت على بطنه حيّة فلم تضرّه، وانتهى إلى موضع ضيق فسحبوه فسحج منكبه وجنبه، ثم خرج.

وكان الكرمانيّ أرسل إلى محمّد بن المثنّى وعبد الملك بن حرملة: « إني خارج الليلة فاجتمعوا بعلطان. » « فتوافوا على باب الرّيان بن سنان اليحمدي بنوس في المرج، وكان مصلّاهم في العيد، وخرج إليهم الناس من قراهم، فصلى بهم الغداة وهم زهاء ألف رجل. فما ترجّلت الشمس حتى صاروا ثلاثة آلاف، فسار وأتاهم أهل السقاذم فأتوا حوزان.

وكان الأزد اجتمعوا إلى عبد الملك بن حرملة فبايعوه على الكتاب والسنة قبل خروج الكرمانيّ بليلة. فلمّا اجتمعوا في مرج نوس أقيمت الصلاة فاختلف عبد الملك والكرمانيّ في التقدّم ساعة، ثم قدّمه عبد الملك وصيّر الأمر له، فصلّى بهم الكرمانيّ.

ولمّا أتى نصرا هرب الكرمانيّ استخلف عصمة بن عبد الله الأسدى، وخرج إلى القناطر الخمس بباب مرو الرود وخطب الناس، فنال من الكرمانيّ، وذكره بالقبيح، ثم ذكر الأزد فقال:

« إن يستوسقوا فأذلّ قوم وإن يأبوا فهم كما قال الأخطل:

ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت ** فدلّ عليها صوتها حيّة البحر. »

ثم ندم على ما فرط منه فقال:

« اذكروا الله فإنّ ذكر الله شفا، ذكر الله خير لا شرّ فيه، ذكر الله براءة من النفاق. » واجتمع إلى نصر بشر كثير فوجّه سلم بن أحوز إلى الكرمانيّ في المجفّفة وهم خلق كثير فسفر الناس بين نصر والكرمانيّ وسألوا نصرا أن يؤمنه ولا يحبسه. وضمن قومه ألّا يخالفه وأتاه القاسم بن بخيت فكلّمه فيه فآمنه وقال له:

« إنّ شئت خرج لك عن خراسان وإن شئت أقام في داره. » وكان رأى نصر إخراجه فقال له سلم:

« إن أخرجته نوّهت باسمه وقال الناس: أخرجه إنّه هابه. » فقال نصر:

« إنّ الذي أتخوّفه منه إذا خرج أيسر ممّا أتخوّفه منه إذا أقام والرجل إذا نفى عن بلده صغر أمره. » فأبوا عليه، فكفّ عنه وأعطى من كان معه عشرة عشرة.

وأتى الكرمانيّ نصرا، فدخل سرادقه فآمنه ولحق عبد العزيز بن عبد ربّه بالحارث بن سريج وهو بالترك. وأتى نصرا عزل منصور بن جمهور وولاية عبد الله بن عمر بن عبد العزيز. فخطب الناس وذكر ابن جمهور بسوء وقال:

« قد علمت أنّه لم يكن من عمّال العراق وقد عزله الله واستعمل الطّيب بن الطيّب. » فغضب الكرمانيّ لابن جمهور فعاد في جمع الرجال واتخاذ السلاح، وكان يحضر الجمعة في ألف وخمسمائة وأكثر وأقلّ، فيصلّى خارجا من المقصورة ثم يدخل على نصر، فيسلّم عليه ولا يجلس. ثم ترك إتيان نصر وأظهر الخلاف. فأرسل إليه نصر سلم بن أحوز وقال:

« إني والله ما أردت بك في حبسك سوءا، ولكني خفت أن تفسد أمر الناس فأتنى. » فقال الكرمانيّ لسلم:

« لو لا أنّك في منزلي لقتلتك، ولو لا ما أعرف من حمقك لأحسنت أدبك.

فارجع إلى ابن الأقطع فأعلمه ما شئت من خير وشر. » فرجع إلى نصر فأخبره. قال:

« عد إليه. » قال:

« لا وما بي هيبة له، ولكن [ أكره ] أن يسمعني فيك ما أكره. » فبعث إليه عصمة بن عبد الله الأسديّ فقال:

« يا با عليّ، إني أخاف عليك خصالا فانطلق إلى أميرك يعرضها عليك وما يريد بذلك إلّا الإعذار إليك. » فقال الكرمانيّ:

« إني أعلم أنّ نصرا لم يقل هذا لك ولكنّك أردت أن يبلغه فتحظى، والله لا أكلّمك كلمة بعد انقضاء كلامي حتى ترجع إلى أميرك فيرسل من أحبّ غيرك. » فرجع عصمة فقال:

« ما رأيت علجا أعدى لطوره من الكرمانيّ، وما أعجب منه ولكني أعجب من يحيى بن حصين وأصحابه لعنهم الله والله لهم أشدّ تعظيما له من أصحابه. » فقال سلم بن أحوز لنصر:

« إني أخاف فساد هذا الثغر والناس. » فأرسل إليه قديدا فقال نصر لقديد بن منيع:

« انطلق إليه. » فأتاه فقال:

« يا با عليّ قد لحجت وأخاف أن يتفاقم الأمر فنهلك جميعا وتشمت بنا هذه الأعاجم. » قال:

« يا قديد، إني لا أتّهمك، وقد جاء من لا أثق معه بنصر. وقد قال رسول الله : البكريّ أخوك ولا تثق به. » قال:

« أما وقد وقع هذا في نفسك فأعطه رهنا. » قال:

« أعطيه عليّا وعثمان فمن يعطيني ولا خير فيه؟ » فقال:

« يا با عليّ نشدتك الله أن يكون خراب هذه البلدة على يديك. » ورجع إلى نصر. فقال نصر لعقيل بن معقل الليثي:

« ما أخوفنى أن يقع بهذا الثغر بلاء فكلّم ابن عمّك. » فقال عقيل لنصر:

« أيّها الأمير. أنشدك الله أن تشأم عشيرتك. إنّ مروان بالشام تقاتله الخوارج والناس في فتنة، والأزد أخفّاء سفهاء، وهم جيرانك. » قال:

« فما أصنع إن علمت أمرا يصلح الناس فدونك وقد زعم أنّه لا يثق بي. » قال: فأتى عقيل الكرمانيّ فقال:

« يا با عليّ قد سننت للسفهاء سنّة تطلب بعدك من الأمراء. إني أرى أمرا أخاف أن تذهب فيه العقول. » قال الكرمانيّ:

« إنّ نصرا يريد أن آتيه ولا آمنه، وأريد أن يعتزل ونعتزل، ونختار رجلا من بكر بن وائل نرضاه جميعا، فيلي أمرنا حتى يأتى أمر الخليفة وهو يأبى هذا. » قال:

« يا با عليّ إني أخاف أن يهلك أهل هذا الثغر فأت أميرك وقل ما شئت تجب إليه ولا تطمع سفهاء قومك فيما دخلوا فيه. » فقال الكرمانيّ:

« إني لا أتّهمك في نصيحة ولا عقل ولكني لا أثق بنصر، فليحمل من المال ما شاء وليشخص. » قال:

« فهل لك في أمر يجمع الأمر بينكما، تتزوّج إليه ويتزوّج إليك؟. » قال:

« لا آمنه على حال. » قال:

« ما بعد هذا خير وإني لخائف أن يهلك غدا بمضبعة. » قال:

« لا حول ولا قوّة إلّا بالله. » فقال له عقيل:

« أعود إليك؟ » قال:

« لا ولكن أبلغه عني وقل له لا آمن أن يحملك قوم من أمري على غير ما تريد فتركب منّا ما لا بقيّة بعده. فإن شئت خرجت عنك لا من هيبة لك ولكن أكره أن أشأم أهل هذه البلدة وأسفك الدماء. » وتهيّأ ليخرج إلى جرجان.

وفي هذه السنة آمن يزيد بن الوليد الحراث بن سريج وكتب له بذلك وكتب إلى عبد الله بن عمر يأمره بردّ ما كان أخذ منه من ماله وولده.

ذكر السبب في ذلك

إنّ الفتنة لمّا وقعت بخراسان بين نصر والكرمانيّ خاف نصر قدوم الحارث بن سريج عليه بأصحابه والترك فيكون أمره أشدّ عليه من الكرمانيّ وغيره وطمع أن يناصحه فأرسل إليه مقاتل بن حيّان النبطي وثعلبة بن صفوان البنانيّ وجماعة ليردّه من بلاد الترك. وقيل: إنّ قوما خرجوا إلى يزيد بن الوليد فطلبوا منه أمانا للحارث بن سريج فكتب له أمانا ولمن معه وأمر نصرا بردّ ما كان أخذ له ولأصحابه. ثم نفذ القوم إلى الحارث فلقوا مقاتل بن حيّان وأصحابه الذين وجّههم نصر إلى الحارث وأقبل الحارث يريد مرو وكان مقامه بأرض الترك اثنتى عشرة سنة.

فيقال: إنّ نصرا كتب إلى الحراث من غير إذن الخليفة فكتب إليه ابن عمر:

« إنّك آمنت الحارث بغير إذنى ولا إذن الخليفة. » فسقط في يديه فبعث يزيد بن الأحمر وأمره أن يفتك بالحارث إذا صار معه في السفينة.

وفي هذه السنة وجّه إبراهيم بن محمّد الإمام أبا هاشم بكير بن ماهان إلى خراسان وبعث معه بالسيرة والوصيّة فقدم بمرو وجمع النقباء ومن بها من الدعاة. فنعى إليهم الإمام محمّد بن عليّ، ودعاهم إلى إبراهيم، فقبلوه ودفعوا إليه ما اجتمع عندهم من نفقات الشيعة.

ولاية عهد إبراهيم الوليد

وفي هذه السنة أخذ يزيد بن الوليد البيعة لأخيه إبراهيم بن الوليد وجعله ولّى عهده ولعبد العزيز بن الحجّاج بن عبد الملك من بعد إبراهيم بن الوليد.

ذكر السبب في ذلك

كان سبب ذلك أنّ يزيد مرض فاجتمع إليه القدريّة وكان يرى رأيهم وأشاروا عليه بذلك وقالوا:

« لا يحلّ لك أن تهمل أمر الأمة فبايع لأخيك. » حتى بايع لإبراهيم وعبد العزيز من بعده.

وفي هذه السنة أظهر مروان بن محمّد بن مروان الخلاف على يزيد بن الوليد وانصرف من أرمينية إلى الجزيرة مظهرا أنّه طالب بدم الوليد بن يزيد.

فلمّا صار بحرّان بايع ليزيد.

ذكر السبب في خلاف مروان ثم دخوله في الطاعة ومبايعته

لمّا بلغ مروان قتل الوليد أقبل يريد الجزيرة وكان ابنه عبد الملك بن مروان بن محمّد قد وثب على حرّان ومدائن الجزيرة فضبطها وكتب إلى أبيه بأرمينية يعلمه بذلك ويشير عليه بتعجيل السير والقدوم. فتهيّأ مروان للمسير وأظهر أنّه يطلب بدم الوليد وكره أن يدع الثغر معطّلا فوجّه إلى أهل الباب إسحاق بن مسلم العقيلي وهو رأس قيس وثابت بن نعيم الجذاميّ وهو رأس اليمن وكان سبب صحبة ثابت إيّاه أنّ مروان كان خلّصه من حبس هشام وأحسن إليه وحباه. فلمّا كتب مروان إلى أهل الباب على أيديهما وحمل معهما إليهم أعطياتهم ورغّبهم في الجهاد، ثبتوا. ثم بلغه أنّ ثابتا كان يدسّ إلى قوّاده بالانصراف إلى ثغرهم واللحاق بأجنادهم فلمّا انصرف إليه تهيّأ مروان للمسير وعرض جنده فدسّ ثابت بن نعيم إلى من معه من أهل الشام بالانخزال عن مروان والانضمام إليه ليسير بهم إلى أجنادهم فتولّى أمرهم فانخزلوا عن عسكر مروان ليلا وعسكروا على حدة، فبات ليلته ومن معه في السلاح يتحارسون حتى أصبح. ثم خرج إليهم بمن معه ومن مع ثابت يضعفون من مع مروان. فصافّوهم ليقاتلوهم فأمر مروان مناديين فبرزا بين الصفّين فنادوهم:

« يا أهل الشام ما دعاكم إلى الاعتزال وما الذي نقمتم عليّ ألم ألكم بما تحبّون وأحسن السيرة فيكم والولاية عليكم ما الذي دعاكم إلى سفك دمائكم؟ » فأجابوه ب [ قولهم ]:

« إنّا إنّما كنّا نطيعك بطاعة خليفتنا فقد قتل خليفتنا وبايع أهل الشام يزيد بن الوليد فرضينا بولاية ثابت ورأسناه ليسير بنا على ألويتنا حتى نردّ أجنادنا. » فأمر مناديه فنادى:

« أن قد كذبتم وليس تريدون الذي قلتم وإنّما أردتم أن تركبوا رؤوسكم فتغصبوا من مررتم به من أهل الذّمة أموالهم وأطعمتهم وأعلافهم. وما بيني وبينكم إلّا السيف حتى تنقادوا إليّ، فأسير بكم حتى أوردكن الفرات، ثم أخلّى عن كلّ قائد وجنده حتى يلحقوا بأجنادهم. » فلمّا الجدّ منه انقادوا له، ومالوا إليه، وأمكنوه من ثابت بن نعيم وأولاده وهم أربعة رجال فأمر بهم، فأنزلوا عن فيولهم، وسلبوا سلاحهم، ووضع في أرجلهم السلاسل، ووكّل بهم عدّة من حرسه يحتفظون بهم، وشخص بجماعة الجند من أهل الشام والجزيرة، وضمّهم إلى عسكره، وضبطهم في مسيره، فلم يقدر أحد منهم على أن يشذّ ولا أن يظلم أحدا من أهل القرى ولا يرزأه شيئا إلّا بثمن حتى ورد حرّان. ثم أمرهم باللحاق بأجنادهم وحبس ثابتا معه ودعا أهل الجزيرة إلى الفرض ففرض لستّة وعشرين ألفا من أهل الجلد منهم وتهيّأ للمسير إلى يزيد. فكاتبه يزيد على أن يبايعه ويوليّه ما كان عبد الملك بن مروان ولّى أباه محمّد بن مروان من الجزيرة وأرمينية والموصل وآذربيجان. فبايع له بحرّان ووجّه إليه بنفر من وجوه الجزيرة.

موت يزيد بن الوليد

وفي هذه السنة مات يزيد بن الوليد وكانت وفاته سلخ ذي القعدة سنة ست وعشرين ومائة. فكانت خلافته ستّة أشهر. واختلف في مبلغ سنّه فقيل نيّف وثلاثون وقيل نيّف وأربعون. وكان أسمر طويلا صغير الرأس جميلا وإنّما سمّى الناقص في قول أكثر الناس لأنّه نقصهم أعطياتهم التي كان الوليد زادها الناس. وقال بعضهم إنّما سمّى الناقص لأنّ مروان بن محمّد سبّه فقال: الناقص بن الوليد. فسمّى الناقص.

ثم كان إبراهيم غير أنّه لم يتمّ له أمر وسلّم عليه جمعة بالخلافة. وجمعة بالإمرة وجمعة لا بالخلافة ولا بالأمرة. فكان على ذلك [ أمره ] حتى قدم مروان بن محمّد فخلعه وقتل عبد العزيز بن الحجّاج بن عبد الملك.

ودخلت سنة سبع وعشرين ومائة

مسير مروان إلى الشام

فسار مروان بن محمّد إلى الشام في جند الجزيرة وخلف ابنه عبد الملك في أربعة آلاف بالرقّة. فلمّا انتهى إلى قنّسرين وبها أخ ليزيد بن الوليد يقال له بشر، كان ولّاه قنّسرين، فخرج إليه وصافة، وتنادى الناس، ودعاهم مروان إلى بيعته. فمال إليه يزيد بن عمر بن هبيرة في القيسيّة، وأسلموا بشرا وأخا له يقال له مسرور، فأخذهما مروان وحبسهما وسار متوجّها إلى حمص وكان أهل حمص قد امتنعوا حين مات يزيد أن يبايعوا إبراهيم. فوجّه إليهم إبراهيم عبد العزيز بن الحجّاج في جند أهل دمشق فحاصرهم في مدينتهم وأغذّ مروان السير، فلمّا دنا من مدينة حمص رحل عبد العزيز عنهم وخرجوا إلى مروان فبايعوه وساروا بأجمعهم معه.

ووجّه إبراهيم بن الوليد الجيوش مع سليمان بن هشام فسار بهم حتى نزل عين الجرّ في عشرين ومائة ألف وأتاه مروان في نحو من ثمانين ألفا فدعاهم مروان إلى الكفّ عن قتاله والتخلية عن ابني الوليد الحكم وعثمان وكانا في سجن دمشق وضمن لهم عنهما ألّا يؤاخذاهم بقتلهم أباهما ولا يطلبا أحدا ممّن ولى قتله. فأبوا عليه وجدّوا في قتاله، فاقتتلوا ما بين ضحوة النهار إلى العصر واستحرّ القتل وكثر في الفريقين. وكان محربا مكايدا، فدعا ثلاثة نفر من قوّاده أحدهم أخ لإسحاق بن مسلم، فأمرهم بالمسير خلف صفّه في خيلهم وهم ثلاثة آلاف، ووجّه معهم فعلة بالفؤوس وقد ملأ الصفّان من أصحابه وأصحاب سليمان ما بين الجبلين المحيطين بالمرج، وبين العسكرين نهر خرّار. وأمرهم إذا انتهوا إلى الجبل أن يقطعوا الشجر فيعقدوا جسورا فيجيزوا إلى عسكر سليمان ويغيروا فيه فلم تشعر خيول سليمان وهم مشغولون بالقتال إلّا بالخيل والبارقة والتكبير في عسكرهم من خلفهم فلمّا رأوا ذلك انكسروا وكانت هزيمتهم. ووضع أهل حمص السلاح فيهم، فقتلوا منهم نحوا من سبعة عشر ألفا، وكفّ أهل الجزيرة وأهل قنّسرين عن قتلهم، وأتوا مروان من أسراهم بمثل عدّة القتلى وأكثر، واستبيح عسكرهم فأخذ مروان عليهم العهد للغلامين: الحكم وعثمان، وخلّى عنهم بعد أن قوّاهم بدينار دينار وألحقهم بأهاليهم.

ومضى سليمان ومن معه من الفلّ حتى صبّحوا دمشق واجتمع إليه وإلى إبراهيم وعبد العزيز بن الحجّاج رؤوس [ من ] معهم فقال بعضهم لبعض:

« إن بقي الغلامان ابنا الوليد حتى يقدم مروان فيخرجهما من الحبس ويصير الأمر إليهما لم يستبقيا أحدا من قتلة أبيهما والرأي أن نقتلهما. »

فولّوا ذلك يزيد بن خالد ومعهما في الحبس أبو محمّد السفياني ويوسف بن عمر.

فأرسل يزيد مولى لخالد يكنّى أبا الأسد في عدّة من أصحابه فدخل السجن، فشدخ الغلامين بالعمد، وأخرج يوسف بن عمر فضرب عنقه وأرادوا أبا محمّد ليقتلوه فدخل بيتا من بيوت السجن فأغلقه وألقى خلفه المتاع واعتمد على الباب فلم يقدروا على فتحه ودعوا بنار ليحرقوه فلم يؤتوا بها حتى قيل قد دخلت خيل مروان المدينة. وهرب إبراهيم بن الوليد وتغيّب، ونهب سليمان ما كان في بيت المال من المال وقسمه فيمن معه من الجنود وخرج من المدينة.

وفي هذه السنة دعا إلى نفسه عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بالكوفة وحارب بها عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بن مروان فهزمه عبد الله بن عمر فلحق بالجبال وتغلّب عليها.

ذكر سبب خروج عبد الله بن معاوية وطمعه في الخلافة

كان سبب خروجه أنّه قدم الكوفة زائرا لعبد الله بن عمر بن عبد العزيز يلتمس صلته ولا يطمع في غيرها. فلمّا وقعت العصبيّة قال له أهل الكوفة:

« أدع إلى نفسك فبنو هاشم أولى بالأمر من بنى مروان لا سيّما وقد اختلفوا. » فدعا سرّا بالكوفة وابن عمر بالحيرة وبايعه قوم وكان فيهم ابن ضمره:

الخزاعي فدسّ إليه ابن عمر فأرضاه. فأرسل إليه:

« إذا نحن التقينا انهزمت بالناس. » وبلغ ابن معاوية فلمّا التقى الناس قال ابن معاوية:

« إنّ ابن ضمرة قد غدر ووعد ابن عمر أن ينهزم بالناس فلا يهولنّكم انهزامه فإنّه عن غدر ما يفعل. » فلمّا اقتتلوا انهزم ابن ضمرة، وانهزم الناس، فلم يبق مع ابن معاوية أحد فرجع ابن معاوية إلى الكوفة ثم خرج ومعه نفر، فغلب على حلوان، ثم على همذان والريّ وإصفهان.

خلافة مروان بن محمد

وفي هذه السنة بويع لمروان بن محمّد بدمشق بالخلافة.

وقد ذكرنا ما كان من هرب إبراهيم وأنّ سليمان انتهب ما كان في بيت المال وفرّقه في جنده ودخل مروان دمشق وأتى بالغلامين مقتولين وبيوسف بن عمر فأمر بهم فدفنوا وأتى بأبي محمّد في كبوله فسلّم عليه بالخلافة ومروان يسلّم عليه يومئذ بالإمرة فقال له: « مه » فقال أبو محمد:

« إنّهما جعلاها لك بعدهما. » وكانا قد بلغا أبا الحكم. وهو أكبرهما، وكان قد ولد له وأمّا الآخر فكان قد احتلم قبل ذلك بسنتين فأنشده شعرا قاله الحكم:

ألا من مبلغ مروان عني ** وعمّى الغمر، من كبدي حنينا

بأنّى قد ظلمت وصار قومي ** على قتل الوليد متابعينا

أ يذهب كلبهم بدمى ومالي ** فلا غثّا أصبت ولا سمينا

ومروان بأرض بنى نزار ** كليث الغاب مفترشا عرينا

ألم يحزنك قتل فتى قريش ** وشقّهم عصا للمسلمينا

ألا فاقرا السّلام على قريش ** وقيس بالجزيرة أجمعينا

وسار الناقص القدريّ فينا ** وألقى الحرب بين بنى أبينا

فلو شهد الفوارس من سليم ** وكعب، لم أكن لهم رهينا

ولو شهدت ليوث بنى تميم ** لما بعنا تراث بنى أبينا

أ ينكث بيعتي من أجل أمي ** فقد بايعتم بعدي هجينا

فليت خؤولتى في غير كلب ** وكانت في ولادة آخرينا

فإن أهلك أنا ووليّى عهدي ** فمروان أمير المؤمنينا

ثم قال:

« ابسط يدك أبايعك. » وسمعه من تبع مروان من أهل الشام. فكان أوّل من نهض معاوية بن يزيد بن حصين بن نمير، وتبعه الناس فبايعوه. فلمّا استوت لمروان بن محمّد الشام انصرف إلى منزله من حرّان وطلب منه الأمان إبراهيم بن الوليد وسليمان بن هشام فآمنهما. فقدم عليه سليمان وكان يتذمّر في إخوته وأهل بيته ومواليه فبايعوا مروان.

وفي هذه السنة انتقض على مروان أهل حمص وسائر أهل الشام.

ذكر السبب في ذلك

كان الذي دعاهم إلى ذلك ثابت بن نعيم، كان يراسلهم، ويكاتبهم ومروان بحماة ليس بينه وبين مدينة حمص إلّا ثلاثون ميلا. فأتاه خبرهم صبيحة الفطر، فجدّ في السير، ومعه يومئذ إبراهيم بن الوليد المخلوع وسليمان بن هشام. كان آمنهما وكان يكرمهما ويجلسان معه على غدائه وعشائه ويسيران معه في موكبه. فانتهى إلى مدينة حمص بعد الفطر بيومين وقد ردم القوم أبوابها من داخل، فأحدقت خيله بالمدينة ووقف حذاء باب منها، فأشرفت عليه جماعة من الحائط. فناداهم مناديه:

« ما دعاكم إلى النكث؟ » قالوا:

« فإنّا على طاعتك لم ننكث. » فقال لهم:

« إن كنتم على ما تذكرون فافتحوا. » ففتحوا له الباب فاقتحم عمرو بن الوضّاح في الوضّاحية وهم نحو من ثلاثة آلاف. فقاتلوهم داخل المدينة. ثم كثرتهم خيل مروان، فخرجوا من باب من أبواب المدينة فقاتلهم داخل المدينة من كان عليه، فقتل عامّتهم وأسر منهم قوم، فأتى بهم مروان فقتلهم. ثم أمر بجمع قتلاهم وهم خمسمائة أو ستّمائة فصلبوا حول المدينة وهدم من حائط مدينتها نحو غلوة، وثار أهل الغوطة إلى مدينة دمشق فحاصروا أميرهم زامل بن عمرو، وولّوا عليهم يزيد بن خالد القسريّ.

وثبت زامل مع أهل المدينة، فوجّه إليهم مروان بن حمص أبا الورد بن الكوثر بن زفر بن الحارث وعمرو بن الوضّاح في عشرة آلاف. فلمّا دنوا من المدينة حملوا عليهم وخرج من في المدينة فحملوا عليهم فهزموهم واستباحوا عساكرهم ولجأ يزيد بن خالد وأبو علاقة إلى رجل من لخم من أهل مزّة فدلّ عليهما زامل فأرسل إليهما فقتلا وبعث برأسيهما إلى مروان بحمص.

وخرج ثابت بن نعيم في أهل فلسطين حتى أتى طبرية، فحاصر أهلها فقاتلوه أيّاما. وكتب مروان إلى أبن الورد أن يشخص إليهم، ورحل من حمص إلى دمشق بعد أيّام. فلمّا بلغهم دنوّه خرجوا من المدينة على ثابت ومن معه، فاستباحوا عسكرهم وانصرف ثابت منهزما إلى فلسطين. فجمع قومه وجنده ومضى إليه أبو الورد، فهزمه ثانية وتفرّق من معه، وأسر ثلاثة من ولده وهم نعيم وبكر وعمران. فبعث بهم إلى مروان، فقدم بهم عليهم وهو بدير أيّوب جرحى، فأمر بمداواتهم.

وتغيّب ثابت وأفلت من ولده رفاعة بن ثابت وكان أخبثهم، فلحق بمنصور بن جمهور بالسند فأكرمه وولّاه وخلّفه مع أخ له يقال له منظور بن جمهور فوثب عليه فقتله فبلغ منصورا وهو متوجّه إلى الملتان وكان أخوه بالمنصورة فرجع إليه وظفر به فبنى له أسطوانة من آجرّ مجوّفة، وأدخله فيها وسمّره إليها وبنى عليه.

وكتب مروان إلى واليه على فلسطين وهو الرماحس في طلب ثابت والتلطّف له. فدلّ عليه رجل من قومه فأخذ ومعه نفر فأتى به مروان بعد شهرين فأمر به وببنيه الذين كانوا في يديه فقطعت أيديهم وأرجلهم. ثم حملوا إلى دمشق وأقيموا على باب مسجدها، لأنّهم كانوا يرجفون بثابت ويقولون: أتى مصر فغلب عليها وقتل عامل مروان بها.

وأقام مروان بدير أيّوب حتى بايع لابنيه عبيد الله وعبد الله واستقامت له الشام كلّها ما خلا تدمر. وأمر بثابت وبنيه الذين قطعوا، فقتلوا وصلبوا على أبواب دمشق.

وسار حتى نزل القسطل من أرض حمص ممّا يلي تدمر وبينهما مسيرة ثلاثة أيّام وبلغه أنّهم عوّروا ما بينه وبينها من الآبار وطمّوها بالصخر، فهيّأ المزاد والقرب والعلف والإبل له ولمن معه. فكلّمه الأبرش بن الوليد وسليمان بن هشام وغيرهما، وسألوه أن يعذر إليهم. فأجابه، ووجّه الأبرش إليهم أخاه، وكتب إليهم يحذّرهم ويعلمهم أنّه يتخوّف أن يكون هلاكه وهلاك قومه، فطردوه ولم يجيبوه. فسأله الأبرش أن يأذن له في التوجّه إليهم ويؤجّله أيّاما ففعل وأتاهم وكلّمهم وأعلمهم أنّهم حمقى ولا طاقة لهم به وبمن معه.

فأجابه عامّتهم وهرب من لم يثق به منهم.

فكتب الأبرش إلى مروان يعلمه ذلك، فكتب إليه مروان أن:

« اهدم حائط مدينتهم، وانصرف إليّ بمن تابعك. » ففعل وقدم عليه بالرصافة.

ثم شخص إلى الرقّة ومضى حتى نزل عند واسط على شاطئ الفرات فأقام ثلاثا. ثم مضى إلى قرقيسيا وابن هبيرة بها ليقدّمه إلى العراق لمحاربة الضحّاك بن قيس الشيبانى الحروري وكان خرج محكّما.

وأقبل جماعة نحو عشرة آلاف ممّن كان مروان قطع عليهم البعث بدير أيّوب لغزو العراق مع قوّادهم، حتى حلّوا بالرّصافة. فدعوا سليمان إلى خلع مروان ومحاربته.

وفي هذه السنة دخل الضّحك بن قيس الشيبانى الكوفة.

ذكر السبب في خروج الضحّاك وقوّته حتى دخل الكوفة

يقال: إنّ سبب خروج الضحّاك أنّه كان خرج بالجزيرة حروريّ يقال له:

سعيد بن بهدل الشيبانى، في مائتين من أهل الجزيرة فيهم الضحّاك، وقتل الوليد في تلك الأيّام فاغتنم ذلك واشتغال مروان بالشام، فخرج في أرض بكفرتوثا وخرج بسطام البيهسى وهو مفارق لرأيه في مثل عدّتهم من ربيعة، فسار كلّ واحد منهما إلى صاحبه. فلمّا تقارب العسكران وجّه سعيد بن بهدل الخيبري وهو أحد قوّاده وهو الذي هزم مروان في نحو من مائة وخمسين فارسا ليبّيته، فانتهى إلى عسكره وهم غارّون وقد أمر كلّ رجل منهم أن يكون معه ثوب أبيض يجلّل به دابّته ليعرف بعضهم بعضا فكبّروا في عسكره وقتلوا بسطاما وجميع من معه إلّا أربعة عشر رجلا ثم مضى فلحقوا بمروان فكانوا معه وأثبتهم وولّى عليهم رجلا منهم يكنّى أبا النعثل.

ثم مضى سعيد بن بهدل نحو العراق لما بلغه من تشتت الأمر بها واختلاف أهل الشام وقتال بعضهم بعضا مع عبد الله بن عمر والنضر بن سعيد الحرشي.

وكانت اليمانية من أهل الشام مع عبد الله بن عمر بالحيرة، والمضريّة مع ابن الحرشي بالكوفة، فهم يقتتلون فيما بينهم غدوة وعشية. فمات سعيد بن بهدل في وجهه ذلك من طاعون أصابه.

واستخلف الضحّاك بن قيس من بعده، فاجتمع مع الضحّاك نحو من ألف. ثم توجّه إلى الكوفة ومرّ بأرض الموصل فاتّبعه منها ومن السواد نحو من ثلاثة آلاف وبالكوفة يومئذ النضر بن سعيد الحرشي ومعه المضريّة وبالحيرة عبد الله بن عمر في اليمانية فهم متعصّبون يقتتلون فيما بين الكوفة والحيرة.

وكان سبب قتال عبد الله بن عمر النضر بن سعيد الحرشي أنّ مروان ولّى النضر العراق وعزل عبد الله بن عمر فأبى عبد الله أن يسلّم وقاتل النضر ووجد أعوانا من اليمانية للعصبيّة التي بينهم وبين المضريّة.

فلمّا دنا الضحّاك فيمن معه من الكوفة اصطلح ابن عمر والحرشيّ وصار أمرهما واحدا ويدا على قتال الضحّاك، وخندقا ومعهما يومئذ من أهل الشام نحو من ثلاثين ألفا لهم قوّة وعدّة ومعهم قائد من أهل قنّسرين يقال له، عبّاد بن العزيل، في ألف فارس قد كان مروان أمدّ به ابن الحرشي فبرزوا لهم فقاتلوهم فقتل يومئذ عاصم بن عمر بن عبد العزيز وجعفر بن عبّاس الكندي وهزموهم أقبح هزيمة.

ولحق عبد الله بن عمر في جماعتهم بواسط، وتوجّه ابن الحرشيّ، وجماعته المضريّة، وإسماعيل بن عبد الله القسريّ، إلى مروان واستولى الضحّاك بن قيس والحروريّة على الكوفة وأرضها، وجبوا السواد.

ثم استخلف الضّحاك رجلا من أصحابه يقال له: ملحان، على الكوفة في مائتي فارس ومضى في أصحابه إلى عبد الله بن عمر بواسط، فحاصره بها، وكان عبد الله بن عمر يأمل أن يقتل مروان لحديث سمعه وهو:

« إنّ عين بن عين بن عين، يقتل ميم بن ميم بن ميم. » فكان يروى هذا الحديث ويظنّه هو حتى تبيّن بعد ذلك فقتله عبد الله بن عليّ بن عبد الله بن العبّاس بن عبد المطلب.

فذكر أنّ أصحاب ابن عمر لمّا انهزموا فلحقوا بواسط، قالوا لابن عمر:

« علام تقيم، قد هرب الناس؟ » قال:

« أتلوّم وأنظر. » فأقام يوما أو يومين لا يرى إلّا هاربا قد امتلأت قلوبهم رعبا من الخوارج.

فأمر عند ذلك بالرحيل إلى واسط وجمع خالد بن العزيل أصحابه، فلحق بمروان وهو بالجزيرة مقيم.

ونظر عبيد الله بن العبّاس الكندي إلى ما لقي الناس فلم يأمن على نفسه فجنح إلى الضحّاك فبايعه وكان في عسكره.

فقال أبو عطاء السندي يعيّره باتباعه الضحّاك وقد قتل أخاه:

فقل لعبيد الله لو كان جعفر ** هو الحيّ لم يجنح وأنت قتيل

ولم يتبع المرّاق والثّار فيهم ** وفي كفّه عضب الذّباب صقيل

إلى معشر أردوا أخاك وأكفروا ** أباك فما ذا بعد ذاك تقول

فلمّا بلغ عبيد الله هذا البيت قال:

« أقول: أعضّك الله ببظر أمّك. » وأقام عبد الله بن عمر يقاتل الضحّاك أيّاما فاقتتلوا في بعض الأيّام واشتدّ قتالهم. فشدّ منصور بن جمهور على قائد من قوّاد الضحّاك عظيم القدر في الشراة يقال له: عكرمة، من بنى شيبان فضرب فقطّه باثنين، فقتله.

ثم إنّ منصورا قال بعد ذلك وقد لقي جهدا لابن عمر:

« ما رأيت في الناس مثل هولاء قطّ - يعنى الشراة - فلم تحاربهم أنت وتشغلهم عن مروان؟ أعطهم الرضا واجعلهم بينك وبين مروان. فإنّك إن أعطيتهم الرضا خلّوا عنك ومضوا إلى مروان فكان حدّهم وبأسهم به وأقمت أنت مستريحا بموضعك هذا فإن ظفروا به كان ما أردت، وكنت عندهم آمنا، وإن ظفر بهم وأردت خلافه وقتاله قاتلته جامّا مستريحا مع أنّ أمره معهم سيطول. » فقال ابن عمر:

« لا تعجل حتى نتلوّم وننظر. » فقال:

« أيّ شيء ننتظر؟ فو الله ما نستطيع أن نطلع معهم ولا نستقرّ. فإن خرجنا إليهم لم نقم لهم فواقا فما الذي ننتظر ومروان في راحة وقد كفيناه حدّهم وشغلناهم عنه وهو يتربّص بنا وبهم. أمّا أنا فخارج إليهم ولا حق بهم ومعطيهم الرضا. » قال: فخرج فواقف حيال صفّهم وناداهم:

« إني خارج أريد أن أسلم وأسمع كلام الله. » قال: وهي محنتهم فلحق بهم وبايعهم وقال لهم:

« قد أسلمت. » فدعوا لهم بغذاء فتغذّى معهم وتحرّم.

ثم خرج إليهم عبد الله بن عمر أيضا في شوّال فبايعهم.

خلع مروان بن محمد

وفي هذه السنة خلع سليمان بن هشام بن عبد الملك، مروان بن محمّد بن مروان، ونصب له الحرب.

لمّا شخص مروان من الرصافة إلى الرقّة لتوجيه ابن هبيرة إلى العراق لمحاربة الضحّاك بن قيس الشيبانى استأذنه سليمان بن هشام في المقام أيّاما لإجمام ظهره وإصلاح أمره. فأذن له ومضى مروان، فجاء إلى سليمان نحو من عشرة آلاف ممّن كان مروان قطع عليهم البعث لغزو العراق مع قوّادهم حتى حلّوا بالرّصافة، ودعوا سليمان إلى خلع مروان ومحاربته وقالوا:

« أنت أرضى عند أهل الشام منه وأولى بالخلافة. » فاستزلّه الهوى فأجابهم، وخرج إليهم بإخوته وولده ومواليه، فعسكر بهم، وسار بجميعهم إلى قنّسرين، وكاتب أهل الشام فانقضّوا إليه من كلّ وجه وجند.

فعاد مروان بعد أن شارف قرقيسيا منصرفا إليه وكتب إلى ابن هبيرة يأمره بالثبوت في عسكره واجتمع من كان بالهنيء من موالي سليمان وولد هشام، فدخلوا حصن الكامل بذراريهم وغلقوا الأبواب دونه. فأرسل إليهم:

« لم خلعتم طاعتي ونقضتم بيعتي بعد ما أعطيتمونى من العهود ومن المواثيق؟ » فردّوا على رسله:

« إنّا مع سليمان كنّا ومع سليمان نحن. » فردّ إليهم:

« فإني أنذركم أن تعرضوا لأحد ممّن يتبعني من جندي أو يناله منكم أذى، فاحذروا ألّا تحلّوا بأنفسكم، فلا أمان لكم حينئذ عندي. »

فأرسلوا إليه:

« إنّا سنكفّ. » ومضى مروان، وجعلوا يخرجون من حصنهم فيغيرون على من اتّبعه من أخريات الناس وشذّان الجند فيسلبونهم خيولهم وسلاحهم.

وبلغه ذلك فتحرّق عليهم غيظا، فاجتمع إلى سليمان نحو من سبعين ألفا.

فلمّا دنا منه مروان قدّم إليه السكسكي في سبعة آلاف، ووجّه مروان عيسى بن مسلم في نحو من عدّتهم، فالتقوا فيما بين العسكرين واقتتلوا قتالا شديدا، ثم التقى السكسكي وعيسى وكلّ واحد منهما فارس بطل، فاطّعنا حتى تقصّفت الرماح، ثم صارا إلى السيوف، فضرب السكسكي عيسى على مقدم فرسه فسقط لجامه وجال به فرسه فاعترضه السكسكي فضربه بالعمود فصرعه ثم نزل إليه فأسره، وبارز غيره فأسره، وانهزمت مقدمة مروان، وبلغه الخبر وهو في مسيره فمضى وطوى على تعبئة ولم ينزل حتى انتهى إلى سليمان وقد تعبّأ وتهيّأ لقتاله فلم يناظره حتى واقعه، فانهزم سليمان ومن معه واتبعتهم خيوله يقتلهم ويأسرهم حتى انتهوا إلى عسكرهم فاستباحوه.

ووقف مروان موقفا، وأمر ابنيه حتى وقفا موقفين آخرين، وأمر كوثرا صاحب شرطته فوقف في موضع آخر، ثم أمرهم ألّا يؤتوا بأسير إلّا قتلوه، إلّا أن يكون عبدا مملوكا. فأحصى قتلاهم يومئذ فزاد على ثلاثين ألفا.

قتل ابن لسليمان يقال له إبراهيم وهو أكبر ولده.

وأتى بخال لهشام بن عبد الملك يقال له خالد وكان بادنا كثير اللحم فأدنى إليه وهو كالّ متعب يلهث فقال:

« أى فاسق، أما كان لك في خمر المدينة وقيانها ما يكفّك عن الخروج مع الحرّاء تقاتلني؟ » قال:

« يا أمير المؤمنين، أكرهنى فأنشدك الله والرحمن. » قال:

« وتكذب أيضا. كيف أكرهك وقد خرجت بالقيان والزقاق والبرابط معك في عسكره؟ » صمّ أمر به فقتل. وادّعى كثير من الأسراء أنّهم رقيق، فكفّ عن قتلهم وأمر ببيعهم مع ما بيع ممّا أصيب في معسكرهم.

ومضى سليمان مفلولا حتى انتهى إلى حمص، فانضمّ إليه من أفلت، فعسكر بها وبنى ما كان مروان أمر بهدمه من سورها، ووجّه مروان يوم هزمه خيلا إلى الكامل جريدة ووصّاهم أن يسبقوا كلّ خبر حتى يحدقوا به.

ثم أقبل مروان نحوهم حتى نزل معسكره من واسط ثم راسلهم بأن:

« انزلوا على حكمي. » فقالوا:

« لا حتى تؤمننا بأجمعنا. » فنصب عليهم المجانيق، فلمّا تتابعت عليهم نزلوا على حكمه فمثل بهم. وكانت عدّتهم نحو ثلاثمائة.

ثم عاد إلى ناحية سليمان بحمص فلمّا دنا منهم اجتمعوا إلى سليمان وقال بعضهم لبعض بحضرته:

« حتى متى ننهزم من مروان؟ هلموا، فلنبايع على الموت ولا نفترق بعد معاينته حتى نقتله أو نموت جميعا. »

فوطّن على الموت نفسه قوم، وولّى سليمان السكسكي على شطرهم وعلى الشطر الباقي. ثبيتا البهراني فتوجّهوا إليه مجتمعين على أن يبيّتوه فإن أصابوا منه غرّة، فوجدوه متحرزا في الخنادق يسير على تعبئة. فتهيّبوا وكمنوا في زيتون على طريقه، فخرجوا عليه وهو يسير على تعبئة، فوضعوا السلاح فيمن معه وانتبذ، ثم فنادى في خيوله، فثابت إليه من المقدمة والمجنّبتين والساقة فقاتلوهم.

والتقى السكسكي وفارس من فرسانه من بنى سليم، فصرعه السلمى عن فرسه وأسره وأتى به إلى مروان فقال:

« الحمد لربّ أمكن منك فطال ما بلغت منّا. » قال:

« استبقني فإني فارس العرب. » قال:

« كذبت، الذي جاء بك أفرس منك. » فأمر به فأوثق، وقتل ممّن صبر معه نحو من سبعة آلاف. وأفلت ثبيت ومن انهزم معه فلمّا أتوا سليمان خلّف أخاه سعيد بن هشام في مدينة حمص، وعلم أنّه لا طاقة له به، ومضى هو إلى تدمر ونزل مروان بحمص فحاصرهم عشرة أشهر، ونصب عليها نيّفا وثمانين منجنيقا تخطر عليهم حجارتها ليلا ونهارا، وهم في ذلك يخرجون إليه كلّ يوم فيقاتلونه، وربّما بيّتوا نواحي عسكره. ولمّا تتابع عليهم البلاء ولزمهم الذّل سألوه الأمان على أن يمكّنوه من سعيد أخي سليمان وابنيه عثمان ومروان ومن قوم كانوا يغيرون على عسكره ويشتمونه من السور. فآمنهم واستوثق من سعيد وابنيه ومثل بالباقين، ثم أقبل متوجّها إلى الضحّاك؟

وقد روى أيضا أنّ سليمان لمّا انهزم من مروان أقبل إلى ابن عمر، ثم خرج معه إلى الضحّاك وبايعه. وفي ذلك يقول شاعرهم:

ألم تر أنّ الله أظهر دينه ** وصلّت قريش خلف بكر بن وائل

ولمّا استقام لمروان الشام ونفى عنها من كان يخالفه وقتل بها تلك المقتلة العظيمة أقبل حتى نزل نهر سعيد بن عبد الملك، وبلغ ذلك ابن عمر فأعلم ذلك الضحّاك، فارتحل الضحّاك وأقام ابن عمر بواسط، وبلغ خبر مروان ملحان الشيبانى وكان عامل الضحّاك على الكوفة، فخرج إليه يقاتله وهو في قلّة من الشراة، فلقى النضر وكان النضر قد توجّه إليه وبلغ القادسيّة وصبر في المعركة حتى قتله النضر.

وبلغ الضحّاك قتل ملحان، فاستعمل على الكوفة المثنّى بن عمران من بنى عائذة. وسار الضحّاك، فأخذ على الموصل، لأنّ أهل الموصل كاتبوه ودعوه ليمكّنوه منها. فسار في جماعة جنوده حتى انتهى إليها وعليها يومئذ عامل لمروان من بنى شيبان يقال له: القطران بن أكمة ففتح أهل الموصل المدينة للضحّاك، وقاتلهم القطران في قومه وجماعة يسيرة من أهل بيته وثبتوا حتى قتلوا واستولى الضحّاك على الموصل. وبلغ خبره مروان فكتب إلى ابنه عبد الله وهو خليفته على الجزيرة يأمره أن يسير فيمن معه ومن قدر على جمعه، إلى نصيبين ليشتغل الضحّاك عن توسط البلاد.

فشخص عبد الله إلى نصيبين في جماعة روابطه وهو نحو من سبعة آلاف أو ثمانية آلاف.

وسار الضحّاك من الموصل إلى عبد الله بنصيبين فقاتله فلم يطقه لكثرة من مع الضحّاك، وذاك أنّ عدّتهم بلغت عشرين ومائة ألف يرزق الفارس مائة وخمسين والراجل والبغّال مائة وما دونها إلى السبعين في كلّ شهر.

وأقام الضحّاك على نصيبين محاصرا لها ووجّه بخيل له إلى الرقّة وكان بها خيل لمروان، ولمّا بلغ مروان نزولهم بالرقّة وجّه خيلا إليها، فلمّا دنوا منها انقشع أصحاب الضحّاك منصرفين إليه واتبعتهم خيل مروان فاستسقطوا من ساقتهم نيّفا وثلاثين رجلا فقطع مروان أيديهم ومضى صامدا إلى الضحّاك في جموعه حتى التقيا بموضع يقال له: الغذّ، من أرض كفرتوثا، فقاتله عامّة نهاره.

فلمّا كان عند المساء ترجّل الضحّاك وترجّل معه من ذوي النيّات نحو من ستة آلاف، وأهل عسكره لكثرتهم لا يعلمون بما كان منه. فأحدقت بهم خيل مروان وألحّوا عليهم حتى قتلوهم عند المعتمة، وقتل فيهم الضحّاك، وانصرف من بقي من أصحاب الضحّاك إلى عسكرهم، وكذلك أصحاب مروان ولا يعلم مروان ولا أصحاب الضحّاك بمقتل الضحّاك حتى فقدوه في منتصف الليل وجاءهم بعض من عاينه حين ترجّل، فأخبرهم بمقتله فبكوا عليه وناحوا وخرج عبد الملك وهو القائد الذي كان وجّهه إلى الرّقة من عسكرهم حتى دخل عسكر مروان وتقرّب إليه بقتل الضحّاك فأرسل معه رسلا من حرسه معهم النيران والشموع إلى موضع المعركة، فقلّبوا القتلى حتى استخرجوه وأتوا به مروان وفي وجهه ورأسه أكثر من عشرين ضربة، فكبّر أهل عسكر مروان، فعرف أهل عسكر الضحّاك أنّهم قد علموا بذلك. وبعث مروان برأسه من ليلته إلى مدائن الجزيرة يطاف به فيها.

ولمّا قتل الضحّاك بايع أهل عسكره الخيبريّ وعاودوا مروان القتال من الغد وصافّهم وسليمان بن هشام يومئذ وأهل بيته ومواليه مع الخيبريّ - وقد كان قدم على الضحّاك في أكثر من ثلاثة آلاف من أهل بيته ومواليه، وتزوّج إليهم أخت شيبان الحروريّ وهو الذي بايعوه بعد الخيبري. فحمل الخيبريّ على مروان في نحو من أربعمائة فارس من الشّراة فهزم مروان وهو في القلب وخرج مروان من العسكر منهزما ودخل الخيبري فيمن معه عسكره، وجعلوا ينادون بشعارهم:

« يا خيبرى، يا خيبرى. » ويقتلون من أدركوا حتى انتهوا إلى حجرة مروان فقطعوا أطنابها.

وجلس الخيبري على فرسه وميمنة مروان على حيالها وعليها ابنه عبد الله، وميسرته أيضا ثابتة، عليها مسلم بن عقيل، فلمّا رأى أهل عسكر مروان قلّة من مع الخيبري ثار إليه عبيد أهل العسكر بعمد الخيام، فقتلوا الخيبريّ وأصحابه جميعا في حجرة مروان وحولها.

وبلغ مروان الخبر وقد جاز العسكر بنحو ستة أميال منهزما فانصرف إلى عسكره، وردّ خيوله عن مواقفها، وبات تلك الليلة في عسكره، وانصرف أيضا عسكر الخيبري. فولّوا عليهم شيبان وبايعوه، فقاتلهم مروان بعد ذلك بالكراديس وأبطل تعبئه الصفّ منذ يومئذ.

توجيه يزيد بن عمر بن هبيرة إلى العراق لحرب الخوارج

وفي هذه السنة وجّه مروان يزيد بن عمر بن هبيرة إلى العراق لحرب من بها من الخوارج. وكان بالعراق عمّال الضحّاك وفيهم عبد الله بن عمر، كما حكينا من أمره، ومضى ابن هبيرة، فأخذ على الموصل وانحطّ على غزّة من عين التمر، وبلغ ذلك المثنّى بن عمران عامل الضحّاك على الكوفة، فسار إليه فيمن كان معه من الشّراة ومعه منصور بن جمهور وقد كان صار إليه حين بايع الضحّاك. فالتقوا بغزّة، واقتتلوا قتالا شديدا أيّاما متوالية، فقتل المثنّى مع عدّة من رؤساء أصحاب الضحّاك وهرب منصور بن جمهور وانهزمت الخوارج.

وأقبل منصور بن جمهور حتى دخل الكوفة فجمع بها جمعا من اليمانية والصفرّية ومن كان تفرّق منهم يوم قتل ملحان ومن تخلّف منهم عن الضحّاك فجمعهم منصور جميعا ثم سار بهم حتى نزل الروحاء.

وأقبل ابن هبيرة في أجناده حتى لقيهم بها فقاتلهم أيّاما ثم هزمهم وقتل خلق من أصحاب الضحّاك وهرب منصور بن جمهور، وأقبل ابن هبيرة حتى نزل الكوفة ونفى الخوارج عنها.

وفي هذه السنة وافى الحارث بن سريج مرو من بلاد الترك بأمان الخليفة فصار إلى نصر، ثم خالفه وتابعه خلق.

ذكر الخبر عن أمره وأمر نصر بن سيار

إنّ الحارث سار إلى مرو ومخرجه من بلاد الترك فقدمها يوم الأحد سنة سبع وعشرين ومائة، ويقال ثمان وعشرين ومائة، فتلقّاه سلم بن أحوز والناس بكسماهن فقال له محمّد بن عطية العبسي:

« الحمد لله الذي أقرّ عيوننا بقدومك وردّك إلى قبّة الإسلام وإلى الجماعة. » قال:

« يا بنيّ، أما علمت أنّ الكثير إذا كانوا على معصية الله لم يكونوا جماعة، وأنّ القليل إذا كانوا على طاعة الله كانوا جماعة؟ وما قرّت عيني منذ خرجت إلى يومي هذا وما قرّة عيني إلّا أن يطاع الله. » فلمّا دخل مرو قال:

« اللهم إني لم أنو قطّ في شيء بيني وبينهم إلّا الوفاء، فإن أرادوا الغدر فانصرني عليهم. » وتلقّاه نصر وأجرى عليه نزلا خمسين درهما في كلّ يوم، فكان يقتصر على لون واحد وأطلق له نصر من كان عنده من أهله، فلمّا أتاه ابنه محمّد قال:

« اللهم اجعله برّا تقيّا. » وكان قدم الوضّاح بن حبيب بن بديل على نصر من عند عبد الله بن عمر.

فأتى الحارث وعنده جماعة من أصحابه فقال:

« إنّا بالعراق نشهر عظم عمودك وثقله وإني أحبّ أن أراه. » قال:

« ما هو إلّا كبعض ما ترى - وأشار إلى عمده مع قوم وقوف على رأسه - ولكني إذا ضربت به شهرت ضربتي. » وكان في عموده ثمانية عشر رطلا.

وعرض نصر على الحارث أن يولّيه ويعطيه مائة ألف فلم يقبل وقال:

« إني لست من [ أهل ] هذه اللذّات ومن [ أهل ] تزويج عقائل العرب في شيء أنا أسأل كتاب الله والعمل بالسنّة واستعمال أهل الخير، فإن فعلت ساعدتك على عدوّك. » ثم قال لنصر:

« خرجت من هذه البلاد منذ ثلاث عشرة سنة إنكارا للجور، وأنت تريدني عليه » وأرسل الحارث إلى الكرماني:

« إن أعطاني نصر العمل بكتاب الله وما سألته من استعمال أهل الخير والفضل عضدته وقمت بأمر الله، وإن لم يفعل استعنت بك عليه وتضمن لي ما أريد من القيام بالعدل والسنّة. » وكان كلّما دخل عليه بنو تميم دعاهم إلى نفسه، فبايعه قوم من رؤساءهم وانضمّ إلى الحارث ثلاثة آلاف.

ودخلت سنة ثمانية وعشرين ومائة

وفيها قتل الحارث بن سريج

ذكر الخبر عن مقتله وسبب ذلك

لمّا ولى ابن هبيرة العراق، كتب إلى نصر بعهده، فبايع لمروان. وقال الحارث:

« إنّما آمنني يزيد بن الوليد، ومروان لا يجيز أمان يزيد فلا آمنه. » فلمّا دعا الحارث قوما إلى مبايعته أتاه سلم بن أحوز وخالد بن هريم وقطن بن محمّد وأمثالهم فكلموه وقالوا:

« ألم يصيّر نصر سلطانه وولايته في أيدى قومك، ألم يخرجك من أرض الترك ومن حكم خاقان، - وعدّدوا عليه ما اصطنعه إليه - أتخالفه فتفرّق أمر عشيرتك وتطمع فيهم عدوّهم؟ فنذكّرك الله أن تفرّق جماعتنا. » فقال الحارث:

« إني لا أرى في عشيرتي شيئا من الولاية. » ولم يجبهم بما أرادوا.

وخرج فعسكر وأرسل إلى نصر يسأله أن يجعل الأمر شورى. فأبى نصر، وخرج الحارث، فأتى منازل آل يعقوب بن داود. وكان الحارث يظهر أنّه صاحب الرايات السود. فأرسل إليه نصر:

« إن كنت كما تزعم وإنّكم تهدمون سور دمشق وتزيلون أمر بني أمية فخذ مني خمسمائة رأس من الدوابّ ومائتي بعير واحمل إليك من الأموال ما شئت ومن آلة الحرب وسر، فلعمري لئن كنت الإمام صاحب الأمر إني لفى يدك، وإن كنت لست ذلك فقد أهلكت عشيرتك. » فقال الحارث:

« قد علمت أنّ هذا حقّ، ولكن لا يبايعني عليه من صحبني. » فقال نصر:

« فقد استبان لك أنّهم ليسوا على رأيك ولا لهم مثل بصيرتك وأنّهم فسّاق ورعاع فأذكّرك الله في عشرين ألفا من ربيعة واليمن سيهلكون فيما بينكم. » وعرض نصر على الحارث أن يوليه ما وراء النهر ويعطيه ثلاثمائة ألف فلم يقبل. فقال له نصر:

« إن شئت فابدأ بالكرمانيّ فإن قتلته فأنا في طاعتك وإن شئت فخلّ بيني وبينه فإن ظفرت به رأيت رأيك، وإن شئت فسر بأصحابك، فإذا جزت الرّيّ فأنا في طاعتك. » فخالفه الحارث وأبي إلّا أن يجعل الأمر شورى فأخذ نصر في التأهّب وصيّر سلما في المدينة وضمّ إليه الرابطة مع فرسان ضمّهم إلى هدبة بن عامر وحوّل السلاح والدواوين إلى القهندز، وجلس للناس.

وكان اتهم قوما من أصحابه أنّهم كاتبوا الحارث بن سريج، فأجلس عن يساره من اتّهم منهم وأجلس الذين اصطنعهم عن يمينه ثم تكلّم وذكر بنى مروان ومن خرج عليهم كيف أظفر الله به ثم قال لمن عن يمينه:

« إني أحمد الله وأذمّ من عن يساري وليت خراسان ففعلت وصنعت - وذكر حسن بلائه - وأمرتكم أن ترفعوا ما أصبتم لمّا أردت المسير إلى الوليد، فمنكم من رفع ألف ألف وأكثر وأقلّ وفرددتها عليكم ثم فعلت وفعلت فكان جزائي أن مالأتم الحارث عليّ، فهلّا نظرتم إلى هولاء الأحرار - وأومأ إلى من عن يمينه - الذين لزمونى مواسين لي على غير بلاء. » واعتذر إليه الناس فقبل عذرهم وصرفهم.

ولمّا انتشر في كور خراسان أمر الفتنة قدم على نصر جماعة من رؤساء الناس ووجوههم وكتب الحارث بن سريج سيرته فكانت تقرأ في طرق مرو وفي المساجد. فأجابه قوم كثير وأمر نصر [ الحسن بن سعد مولى قريش ] فنادى في المدينة.

« إنّ الحارث عدوّ الله قد نابذ وحارب، فاستعينوا الله، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله. » فأرسل نصر من ليلته إلى جماعة أصحابه:

« تهيّئوا للقتال. » فقال له أصحابه:

« ما نجعل شعارنا؟ » فقال مقاتل بن سليمان:

« شعارنا شعار رسول الله : حم لا ينصرون. » وعلامتهم على الرماح الصوف. » وكان الذي هاج القتال أنّ غلاما للنضر بن محمّد الفقيه يقال له: عطيّة، صار إلى أصحاب سلم فقال أصحاب الحارث:

« ردّوه علينا. » فأبوا فاقتتلوا فهزمهم أصحاب سلم فانتهوا إلى الحارث وهو يصلّى الغداة، فلمّا قضى الصلاة دنا منهم فرجعوا. ثم دنا من الحارث رجلان فناداهما عاصم.

« عرقبا برذونه. » فبادر الحارث أحدهما بعموده فقتله ورجع الحارث فأتبعه حمّاد بن عامر ومحمّد بن زرعة وهو في سكّة أبي عصمة فكسر رمحيهما بعموده وحمل على مرزوق مولى سلم، فلمّا دنا منه رمى بنفسه عن فرسه ودخل حانوتا وضرب برذونه على مؤخّره فنفق. وركب سلم حين أصبح وأمر بالخندق فخندقوا وأمر مناديا فنادى:

« من جاء برأس فله ثلاثمائة. »

فلم تطلع الشمس حتى انهزم أصحاب الحارث ومضى سلم حتى انتهى إلى عسكر الحارث ووجد فيه قوما فقتلهم وفيهم كاتب الحارث واسمه يزيد بن داود فقتل. ومضى سلم إلى باب بيق ففتحه وقتل رجلا كان دلّ الحارث على نقب في الحائط دخل منه.

وأرسل نصر إلى الكرمانيّ فأتاه على عهد جرى بينهما على يد القاضي محمّد بن ثابت وحضر القاضي ومقدام ونعيم وسلم بن أحوز فدعا نصر إلى الجماعة. فقال الكرمانيّ: « أنت أسعد الناس بذلك. » فوقع بين سلم بن أحوز وبين المقدام كلام فأغلظ له سلم فأعانه أخوه وغضب لهم عبد الرحمن الجرمي السغدى فقال له سلم:

« لقد هممت أن أضرب أنفك بالسيف. » فقال السغدى:

« لو مسست السيف لم ترجع إليك يدك. » فخاف الكرمانيّ أن يكون مكرا من نصر. فقام فتعلّقوا به، فلم يجلس، ومضى إلى باب المقصورة قال: فتلقّوه بفرسه، فركب في المسجد. وقال:

« أراد نصر الغدر بي. » فأرسل الحارث إلى نصر:

« إنّا لا نرضى بك إماما. » فأرسل إليه نصر:

« كيف يكون لك عقل وقد أفنيت عمرك في أرض الشرك، وغزوت المسلمين بالمشركين، أترانى أتضرّع إليك أكثر ممّا تضرّعت؟ » وأسر يومئذ جهم بن صفوان صاحب الجهمية فقال لسلم:

« إنّ لي عقدا من ابنك حارث. » قال:

« ما كان ينبغي له أن يفعل، ولو فعل ما آمنتك ولو ملأت لي هذه الملاءة كواكب والله لو كنت في بطني لشققت بطني حتى أقتلك لا والله لا تقوم علينا مع اليمانية أكثر ممّا قمت. » وأمر عبد ربّه بن سيسن فقتله.

ولمّا هزم نصر الحارث أتى الحارث فازة الكرماني حتى دخلها ومع الكرماني داود بن شعيب الحدانى، ومحمد بن المثنّى، فأقيمت الصلوة، فصلّى بهم الكرماني. فلمّا كان من الغد سار الكرماني إلى ناحية باب ميدان يزيد، فقاتل أصحاب نصر، فقتل جماعة، وأخذوا علم عثمانى الكرماني وتقاتلوا يوم الأربعاء، ثم تحاجزوا ولم يكن بينهم يوم الخميس قتال، والتقوا يوم الجمعة، فانهزمت الأزد حتى وصلوا إلى الكرمانيّ فأخذ اللواء بيده فقاتل به.

وحمل خضر بن تميم فرموه بالنشّاب وحمل عليه خنيس مولى نصر فطعنه في حلقه. فأخذ الخضر السنان بيده اليسرى فشبّ به فرسه وطعن خنيسا فأذراه عن برذونه وقتلته رجّالة الكرمانيّ بالعصيّ وانهزم أصحاب نصر وصرع تميم بن نصر وأخذوا له برذونين أخذ أحدهما السغدى والآخر الخضر.

ولحق الخضر سلم بن أحوز فتناول من ابن أخيه عمودا فضربه وصرعه.

فحمل عليه رجلان من تميم فهرب فرمى سلم بنفسه تحت القناطر وبه بضع عشرة ضربة على بيضته فسقط فحمله رجل إلى عسكر نصر وانصرفوا.

فلمّا كان في بعض الليل خرج نصر عن مرو، وقتل عصمة بن عبد الله الأسدى وكان يحمى أصحاب نصر. ولمّا هزمت اليمانية المضريّة أرسل الحارث إلى نصر:

« إنّ اليمانية يعيّروننى بانهزامكم وأنا كافّ، فاجعل حماة أصحابك بإزاء الكرمانيّ. » فبعث إليه نصر يزيد النحويّ أو خالدا يتوثّق منه أن يفي بما بذله من الكفّ. وإنّما كفّ الحارث عن قتال نصر لأنّ عمر بن الفضل الأزدي وأهل بيته وعبد الجبّار بن العدوى وخالد بن عبيد الله وعامّة أصحابه كانوا نقموا على الكرمانيّ ما فعله أهل التبوشكان. وذلك أنّ أسدا كان وجّه إليهم فنزلوا إليه على حكم أسد فبقر بطون جماعة وألقاهم في نهر بلخ وقطع أيدى ثلاثمائة منهم وأرجلهم وقتل ثلثا وصلب ثلثا وباع أثقالهم فيمن يزيد. فنقموا على الحارث معاونته الكرمانيّ وقتاله نصرا.

فأقام نصر بمرو أربعة أيّام ثم خرج إلى نيسابور ومعه سلم بن أحوز وسلم بن عبد الرحمن وقال نصر لنسائه:

« إنّ الحارث سيخلفنى فيكنّ ويحميكنّ. »

فلمّا قرب من نيسابور أرسل إليه أهلها:

« ما أقدمك، وقد أظهرت العصبية وكان أمرا قد أطفأه الله؟ » وكان عامل نصر على نيسابور ضرار بن عيسى العامريّ فأرسل إليهم نصر بن سيّار سنانا الأعرابيّ ومسلم بن عبد الرحمن وسلم بن أحوز فكلّموهم حتى خرجوا وتلقّوا نصرا بالمواكب والهدايا والجواري.

وقدم من مكّة على نصر عبد الحكم بن سعد وأبو جعفر عيس. فقال نصر لعبد الحكم:

« أما ترى ما صنع سفهاء قومك؟ » فقال عبد الحكم:

« بل سفهاء قومك، طالت ولايتك وصيّرت الولاية لقومك دون ربيعة واليمن فبطروا، وفي ربيعة واليمن حلماء وسفهاء فغلب سفهاؤهم حلماءهم. » فقال عبّاد:

« أتستقبل الأمير بهذا الكلام؟ » فقال:

« دعه فقد صدق. » فقال أبو جعفر عيسى لنصر:

« أيّها الأمير حسبك من الولاية، فإنّه قد أظلّ أمر عظيم سيقوم رجل مجهول النسب يظهر السواد ويدعوا إلى دولة لا محالة ستكون فيغلب على الأمر وأنتم تنظرون وتضطربون. » فقال نصر:

« ما أشبه أن يكون ما تقول لقلّة الوفاء وسوء ذات البين. وجّهت إلى الحارث وهو بأرض الترك فعرضت عليه الولاية والأموال فأبى إلّا الشغب ثم ظاهر عليّ. » فقال أبو جعفر عيسى:

« إنّ الحارث مقتول مصلوب، وما الكرمانيّ من ذلك ببعيد. » ولمّا خرج نصر من مرو وغلب الكرمانيّ عليها.

قال الحارث:

« إنّما أريد كتاب الله. » فقال مقاتل بن حيّان:

« في كتاب الله هدم الدور وإنهاب الأموال. » فبلغ الكرمانيّ فحبسه في خيمة في العسكر فكلّمه معمر بن مقاتل بن حيّان أو معمر بن حيّان أخوه فخلّاه. وأتى الكرمانيّ المسجد ووقف الحارث فخطب الكرمانيّ الناس وآمنهم.

وعسكر الكرمانيّ في مصلّى أسد. ومضى الحارث إلى باب دروازق سرخس فبعث إلى الحارث فأتاه فأنكر الحارث هدم الدور والإنهاب، فهمّ به الكرمانيّ ثم كفّ عنه.

وخرج بشر بن جرموز الضبي بخرقان فدعا إلى كتاب الله والسنّة وقال للحارث:

« إنّما قاتلت معك طلب العدل، فأمّا إذ كنت مع الكرمانيّ فقد علمت أنّك إنّما تقاتل ليقال: غلب الحارث. وهذه عصبيّة وليست مقاتلا معك. »

واعتزل في خمسة آلاف وقال:

« نحن الفئة العادلة ندعو إلى الحق ولا نقاتل إلّا من قاتلنا. » وأتى الحارث مسجد عياض فأرسل إلى الكرمانيّ يدعوه إلى أن يكون الأمر شورى. فأبى الكرمانيّ. وكتب أصحاب الحارث إلى الكرمانيّ وأصحابه:

« نوصيكم بتقوى الله وطاعته وتحريم ما حرّم الله عز وجل من دمائكم أمّا بعد، فإنّ اجتماعنا كان إلى الحارث ابتغاء الوسيلة إلى الله، ونصيحة لله في عباده، فعرّضنا أنفسنا للحرب، ودماءنا للسفك، وأموالنا للتلف، وصغر ذلك كلّه عندنا في جنب ما نرجو من ثواب الله ونحن وأنتم إخوان في الدين وأنصار على العدوّ، فاتّقوا الله وارجعوا إلى الحقّ فإنّا لا نريد سفك الدماء بغير حقّها. » وأقاموا أيّاما. فأتى الحارث بن سريج ثلمة في الحائط فوسّعها عند دور آل هشام بن أبي الهيثم فتفرّق عن الحارث أهل البصائر وقال: « غدرت. » وأقام معه نفر ودخل الكرمانيّ من باب سرخس فحاذى بالحارث ومرّ به المنخّل الأزدي فقتله السّميدع ونادى:

« يا لثارات لقيط. » واقتتلوا وعبّى الكرمانيّ ميمنته وميسرته واشتدّ الأمر بينهما فانهزم أصحاب الحارث وقتلوا ما بين الثلمة وعسكر الحارث وكان الحارث على بغل فنزل عنه وركب فرسا فحرن وانهزم. صحابه فبقى في مائة فقتل وقتل أخوه سوادة وجماعة معه نحو مائة.

وكفّ الكرمانيّ وكان قد قتل من أصحاب الكرمانيّ أيضا مائة. وصلب الحارث عند باب مدينة مرو بغير رأس وكان قتله بعد خروج نصر من مرو بثلاثين يوما. قتل يوم الأحد لستّ بقين من رجب.

وأصاب الكرمانيّ صفائح ذهب للحارث، فأخذها وأخذ أموال من خرج مع نصر، واصطفى متاع عاصم بن عمير، فقال إبراهيم:

« بأيّ شيء تستحلّ ماله؟ » فقال صالح من آل الوضّاح:

« اسقني دمه. » فحال بينه وبينه مقاتل بن سليمان وأتى به منزله.

وكان الحارث قبل مكاشفته الكرمانيّ ندم على اتباعه إيّاه. فلمّا همّ الكرمانيّ بقتال بشر بن جرموز، وكان عسكره خارجا عن المدينة، قال له الحارث:

« لا تعجل إلى قتالهم، فإني أردّهم إليك. » فخرج من العسكر في عشرة فوارس حتى أتى عسكر بشر وهو في خمسة آلاف. فأقام معهم وقال:

« ما كنت لأقاتلكم مع اليمانية. » وجعل المضريّون يتسلّلون من عسكر الكرمانيّ إلى الحارث حتى لم يبق مع الكرمانيّ مضريّ إلّا سلمة بن أبي عبد الله مولى بنى سليم فإنّه قال:

« لا أتبع الحارث أبدا فإني لم أره إلّا غادرا والمهلّب بن إياس. » وقال:

« لا أتبعه فإني لم أره قطّ إلّا في خيل تطرد. » فقاتلهم الكرمانيّ مرارا يقتتلون ثم يرجعون إلى خنادقهم فمرّة تكون لهولاء ومرّة لهولاء.

برذون الحارث

فالتقوا يوما وقد شرب مرثد بن عبد الله المجاشعي فخرج سكران على برذون للحارث فطعن فصرع وحماه فوارس تميم حتى تخلّص وعار البرذون.

فلمّا رجعوا لامه الحارث وقال:

« كدت تقتل نفسك. » فقال للحارث:

« إنّما تقول هذا لمكان برذونك، امرأته طالق إن لم آتك بأفره برذون في عسكرهم. » فالتقوا من غد فقال مرثد:

« أيّ برذون في عسكرهم أفره؟ » قال:

برذون عبد الله بن ديسم الغنوي. » وأشاروا له إلى موقفه فقاتل حتى وصل إليه فلمّا غشيه رمى ابن ديسم بنفسه عن برذونه وعلّق مرثد عنان البرذون في رمحه وقاده حتى أتى به الحارث وقال:

« هذا مكان برذونك. » فلقى مخلّد بن الحسن مرثدا فقال له يمازحه:

« ما أهيأ برذون بن ديسم تحتك! » فنزل عنه فقال:

« خذه. » قال:

« أردت أن تفضحني، أخذته منّا في الحرب وآخذه منك في السلم. »

ويقال: إنّ الحارث لمّا أتى حائط مرو ليلا فنقب فيه بابا ودخله، وأصبح الكرمانيّ في أثره داخلا من الباب، قالت المضريّة للحارث:

« قد تركنا الخنادق فهو يومنا وقد فررت غير مرّة. » فترجّل، فقال:

« أنا فارسا خير لكم مني راجلا. » قالوا:

« لا نرضى إلّا أن تترجّل فترجّل، فقتل هو وأخوه بشر بن جرموز، وعدّة من فرسان تميم، وانهزم الباقون، وصلب الحارث وصفت مرو لليمن. فهدموا دور المضريّة. فقالت أمّ كثير الضبّيّة:

لا بارك الله في أنثى وعذّبها ** تزوّجت مضريّا آخر الدهر

أبلغ رجال تميم قول موجعة ** أحللتموها بدار الذّلّ والفقر

إن أنتم لم تكرّوا بعد جولتكم ** حتى تعيدوا رجال الأزد في الطمر

إني استحيت لكم من بذل طاعتكم ** هذا المزونيّ يحبيكم على قهر

توجيه أبي مسلم إلى خراسان

وفي هذه السنة وجّه إبراهيم بن محمّد أبا مسلم إلى خراسان. وكتب إلى أصحابه:

« إني قد أمرته بأمري، فاسمعوا منه واقبلوا قوله. فإني قد أمّرته على خراسان وما غلب عليه بعد ذلك. » فأتاهم فلم يقبلوا قوله ولا كتابه حتى خرجوا من قابل فالتقوا بمكّة عند إبراهيم، فأعلمه أبو مسلم أنّهم لم ينفذوا كتابه ولا أمره. فقال إبراهيم:

« إني عرضت هذا الأمر على غير واحد فأبوه عليّ فأجمعت رأيي على هذا. » وأشار عليه، وأمرهم بالسمع والطاعة له. وكان إبراهيم عرض ذلك على سليمان بن كثير فقال:

« لا إلى أمر اثنين أبدا. » ثم عرضه على إبراهيم بن سلمة فأبى. ثم قال إبراهيم لأبي مسلم:

« يا عبد الرحمن، إنّك رجل منّا أهل البيت، فاحفظ وصيتي: انظر هذا الحيّ من اليمن، فأكرمهم وحلّ بين أظهرهم فإنّ الله عز وجل لا يتمّم هذا الأمر إلّا بهم. وانظر هذا الحيّ من ربيعة، فاتهمهم في أمرهم. وانظر هذا الحيّ من ربيعة، فاتهمهم في أمرهم. وانظر هذا الحيّ من مضر، فإنّهم العدوّ القريب الدار، واقتل من شككت في أمره ومن كان في أمره شبهة ومن وقع في نفسك منه شيء. وإن استطعت ألّا تدع بخراسان لسانا عربيّا فافعل. وأيّما غلام بلغ خمسة أشبار تتّهمه فاقتله. ولا تخالف هذا الشيخ يعنى سليمان بن كثير ولا تعصه، وإذا أشكل عليك أمر فاكتف به مني. »

أبو حمزة الخارجي يدعو الناس إلى خلاف مروان بن محمد

وفي هذه السنة لقي أبو حمزة الخارجي عبد الله بن يحيى طالب الحقّ فدعاه إلى مذهبه. وكان أبو حمزة واسمه المختار بن عوف الأزدي من أهل البصرة يوافى الموسم كلّ سنة يدعو الناس إلى خلاف مروان بن محمّد وآل مروان، حتى وافى عبد الله بن يحيى في آخر سنة. فقال لعبد الله بن يحيى:

« يا رجل، إني أسمع كلاما حسنا وأراك تدعو إلى حقّ، فانطلق معي فإني رجل مطاع في قومي. » فخرج به حتى ورد به حضرموت، فبايعه أبو حمزة على الخلافة ودعا إليه.

وكان أبو حمزة مرّ بمعدن سليم وكثير بن عبد الرحمن عامل على المعدن فسمع بعض كلامه فأمر به فجلد أربعين سوطا، ثم مضى إلى مكّة فلمّا قدم أبو حمزة المدينة وافتتحها تغيّب كثير حتى كان من أمرهم ما كان.

ثم دخلت سنة تسع وعشرين ومائة

وفيها كان هلاك شيبان بن عبد العزيز

ذكر السبب في ذلك

كان السبب في ذلك أنّ الناس الخوارج لمّا قتل الضحّاك بن قيس الشيبانى رئيسهم ثم الخيبري بعده، ولّوا أمرهم شيبان وبايعوه. فكان مروان يقاتلهم.

فقال سليمان بن هشام بن عبد الملك للخوارج وهو يومئذ معهم في عسكرهم:

« إنّ الذي تفعلون ليس برأى فإن أخذتم، برأيي وإلّا انصرفت عنكم. » قالوا: « وما الرأي؟ » قال: « إنّ أحدكم يظفر ثم يستقتل فيقتل. فأرى أن تنصرف على حاميتك حتى تنزل الموصل وتخندق. » فقبل منه وارتحل واتّبعه مروان فكان إذا رحل عن منزل نزل موضعه حتى أتى الموصل فنزل شيبان بشرقيّ دجلة من الموصل وخندق ونزل مروان بإزائه من غربيّها وخندق. فأقام سنة يقاتلهم بكرة وعشية. فبرز يوما ابن أخي سليمان بن هشام، وكان مع عمّه سليمان في عسكر شيبان، فبارزه رجل من فرسان مروان، فأسره الرجل، وأتى به مروان فقال:

« أنشدك الله والرحم يا عمّ. » فقال: « ما بيني وبينك اليوم رحم. » فأمر به، وعمّه سليمان وأخوته ينظرون، فقطعت يداه ورجلاه وضربت عنقه.

وكتب مروان إلى يزيد بن عمر بن هبيرة يأمره بالمسير من قرقيسيا بجميع من معه إلى عبيدة بن سوّار خليفة الضحّاك بالعراق فلقى خيوله بعين التمر.

فقاتلهم فهزمهم وعليهم يومئذ المثنى بن عمران. ثم تجمّعوا له بالنخيلة من الكوفة فهزمهم، ثم تجمّعوا له بالصراة، ومعهم عبيدة فقتل عبيدة، وهزم أصحابه واستباح عسكرهم. فلم تكن لهم بقية بالعراق، واستولى ابن هبيرة عليها.

وكان منصور بن جمهور معهم فمضى حتى غلب على الماهين والجبل وسار سليمان بن هشام حتى لحق بابن معاوية الجعفري بفارس. وبقي ابن عمر بواسط حتى سار إليه ابن هبيرة فأخذه وحبسه. فكتب مروان إلى ابن هبيرة لمّا صفت له العراق أن: أمدّنى بعامر بن ضبارة في أهل الشام. فأمدّه به فسار في أهل الشام حتى انتهى إلى السنّ، فلقيه بها الجون بن كلاب الخارجي، فهزم ابن ضبارة حتى أدخله السن فتحصّن وجعل مروان يمدّه بالجنود من طريق البرّ حتى ينتهوا إلى السنّ، ثم يقطعوا دجلة إلى ابن ضبارة، حتى كثروا. فنهض إلى الجون فقتله.

وسار ابن ضبارة مصعدا إلى الموصل. فلمّا انتهى خبر الجون وقتله إلى شيبان ومسير عامر انخزل، وكان شيبان لمّا بلغه مسير ابن ضبارة خاف أن يأتيه من ورائه. فأرسل الجون مع عدّة وافرة ليشغله فحصره حتى كان من أمره ما كان.

ولحق أصحاب الجون بشيبان وابن ضبارة في آثارهم. فكان شيبان والخوارج يقاتلون من وجهين. نزل ابن ضباره من ورائهم ممّا يلي العراق ومروان أمامهم ممّا يلي الشام فقطع عنهم المادّة والميرة وغلت أسعارهم حتى بلغ الرغيف درهما. ثم ذهب الرغيف فلا شيء يشترى بغال ولا رخيص. فانتقل إلى شهرزور من أرض الموصل فعاب عليه ذلك أصحابه واختلفت كلمتهم وارتحل شيبان ومن معه وأخذوا على حلوان إلى الأهواز وفارس ووجّه مروان إلى ابن ضبارة ثلاثة من قواده في ثلاثة آلاف من رابطته.

أحدهم مصعب والآخر شقيق وعطيف.

وكتب إليه يأمرهم بأتّباعهم وألّا يقلع عنهم حتى يبيرهم ويستأصلهم، فلم يزل يتبعهم حتى وردوا فارس وخرجوا منها وهو في ذلك يستسقط من لحق من أخرياتهم حتى تفرّقوا، وأخذ شيبان في فرقة إلى البحرين فقتل بها.

وأقبل عامر بن ضبارة حتى نزل بإزاء ابن معاوية، وناهضه القتال، فانهزم ابن معاوية ولحق بهراة. وسار سليمان إلى جيرفت فركب السفن فيمن معه من مواليه وأهل بيته إلى السند، وانصرف مروان إلى منزله من حرّان وأقام بها إلى أن شخص منها إلى الزاب.

إبراهيم بن محمد يأمر أبا مسلم بإظهار الدعوة والتسويد بخراسان

وفي هذه السنة أمر إبراهيم بن محمد أبا مسلم وكان شخص من خراسان يريده حتى بلغ قومس، بالانصراف إلى شيعته بخراسان وأمره بإظهار الدعوة إليهم والتسويد.

ذكر الخبر عن ذلك وعن مبدأ أمرهم

لم يزل أبو مسلم يختلف إلى خراسان حتى وقعت العصبيّة بها. فلمّا اضطرب الحبل كتب سليمان بن كثير إلى أبي سلمة الخلّال يسأله أن يكتب إلى الإمام حتى يوجّه رجلا من أهل بيته فكتب أبو سلمة إلى إبراهيم. فبعث أبا مسلم، وقد كتبنا خبره فيما تقدّم، ثم كتب إبراهيم إلى أبي مسلم يأمره بالقدوم عليه، يسأله عن أخبار الناس. فخرج في النصف من جمادى الآخرة مع سبعين نفرا من النقباء بالدّندانقان من أرض خراسان. فعرض له كامل أو ابن كامل فقال: « أين تريدون؟ » قالوا: « الحجّ. » ثم خلا به أبو مسلم فدعاه فأجابه وكفّ عنه. ومضى أبو مسلم إلى بيرود فأقام بها. ثم سار إلى نسا وعليها سليمان بن قيس السلمى عاملا لنصر بن سيّار، وكان قد تعرّض قبل ورود أبي مسلم لقوم من الشيعة فأخذهم. وبلغ أبا مسلم فتنكّب الطريق وأخذ في أسفل القرى حتى أتى قومس وعليها بيهس بن بديل العجلى فأتاهم بيهس فقال: « أين تريدون؟ » قالوا: « نريد الحجّ. » قال: « معكم فضل برذون تبيعونه؟ » قال أبو مسلم: « أمّا بيعا فلا ولكن خذ أيّ دوابّ شئت. » قال: « أعرضوها عليّ. » فعرضوها عليه فأعجبه برذون منها سمند. فقال أبو مسلم: « هو لك. » قال: « لا أقبله إلّا بثمن. » قال: « احتكم. » قال: « سبعمائة. » قال: « هو لك. » فأتاه وهو بقومس كتاب من الإمام وكتاب إلى سليمان بن كثير. فكان في كتاب أبي مسلم: « إني قد بعثت إليك براية النصر، فارجع من حيث لقيك كتابي ووجّه قحطبة بما معك يوافنى به بالمواسم. »

فانصرف أبو مسلم إلى خراسان، ووجّه قحطبة إلى الإمام فلمّا كانوا بنسإ عرض لهم صاحب مسلحة في قرية من قرى نسا فقال لهم: « من أنتم؟ » قالوا: « أردنا الحجّ. فبلغنا عن الطريق شيء خفناه. »

فرفعهم إلى عاصم بن قيس الشامي، فسألهم عن خبرهم فأخبروه فقال:

« ارتحلوا. » وأمر المفضّل وكان على شرطته أن يزعجهم فخلا أبو مسلم بالمفضّل، فأجابه، وقال:

« ارتحلوا على مهل ولا تعجلوا. » وأقام عندهم حتى ارتحلوا. فقدم أبو مسلم مرو في أوّل يوم من شهر رمضان سنة تسع وعشرين ومائة. فدفع كتاب الإمام إلى سليمان بن كثير. وكان فيه أن:

« أظهر دعوتك ولا تربّص. » فنصبوا أبا مسلم وقالوا:

« رجل من أهل البيت. » ودعوا إلى طاعة بنى العبّاس، وأرسلوا إلى من قرب منهم ومن بعد ممّن أجابهم فأمروهم بإظهار أمرهم والدعاء. فنزل أبو مسلم قرية من قرى خزاعة يقال لها سيكيذنج وشيبان وابن الكرماني يقاتلان نصر بن سيّار.

فبثّ أبو مسلم دعاته في الناس وظهر أمره وقال الناس:

« قدم رجل من بنى هاشم. » فاتوه من كلّ وجه، وظهر يوم الفطر في قرية خالد بن إبراهيم. فصلّى بالناس يوم الفطر القاسم بن مجاشع المري ثم ارتحل فنزل باللين وهي قرية لخزاعة فوافاه في يوم واحد أهل ستين قرية.

فأقام اثنين وأربعين يوما. وكان أوّل فتح أتى أبا مسلم من قبل موسى بن كعب في بيرود وتشاغل بقتل عاصم بن قيس ثم جاء فتح من قبل مرو الرود.

وكان أبو مسلم وجّه أبا الجهم ابن عطيّة إلى العلاء بن حريث بخوارزم بإظهار الدعوة في شهر رمضان لخمس تبقى من الشهر، فإن أعجلهم عدوّهم دون الوقت فعرضوا لهم بالأذى والمكروه، فقد حلّ لهم أن يدفعوا عن أنفسهم، وأن يظهروا السيوف ويجرّدوها من أغمادها ويجاهدوا أعداء الله، وإن شغلهم عدوّهم عن الوقت فلا حرج عليهم أن يظهروا بعد الوقت.

الظل والسحاب

فلمّا كان ليلة الخميس لخمس تبقى من شهر رمضان سنة تسع وعشرين ومائة اعتقد اللواء الذي بعث به الإمام الذي يدعى: الظلّ، على رمح طوله أربع عشرة ذراعا، وعقد الراية التي بعث بها الإمام التي تدعى: السحاب، على رمح طوله ثلاثة عشر ذراعا وهو يتلو: « أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ الله عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. » ولبس السواد هو وسليمان بن كثير وأخوه سليم ومواليه ومن كان أجاب الدعوة من أهل إسفيدنج وأوقد النيران ليلته للشيعة وكانت العلامة، فتجمّعوا له حين أصبحوا معدّين. وتأويل هذين الاسمين: الظلّ والسحاب، أنّ السحاب يطبّق الأرض فكذلك دعوة ولد العبّاس تطبّق الأرض، وتأويل الظلّ أنّ الأرض لا تخلو من الظلّ أبدا، فكذلك لا تخلو الأرض من خليفة عبّاسيّ أبد الدهر.

وقدمت على أبي مسلم الدعاة من أهل مرو بمن أجاب الدعوة فكان أوّل من قدم عليه أهل التقاذم مع أبي الوضّاح في تسع مائة راجل وأربعة فرسان. وقدم أهل السقاذم مع أبي القاسم محرز بن إبراهيم في ألف وثلاثمائة راجل وستّة عشر فارسا، فجعل أهل التقاذم يكبّرون من ناحيتهم وأهل السقاذم يجيبونهم بالتكبير. فلم يزالوا كذلك حتى دخلوا عسكر أبي مسلم بسيفيذنج وذلك يوم السبت من بعد ظهور أبي مسلم بيومين.

وأمر أبو مسلم أن يرمّ حصن سيفيذنج وتحصّن وتدرّب سيفيذنج بالدروب. فلمّا حضر العيد من يوم الفطر بسيفيذنج أمر أبو مسلم سليمان بن كثير أن يصلّى به وبالشيعة، ونصب له منبرا في العسكر، وأمره أن يبدأ بالصلاة قبل الخطبة، بغير أذان ولا إقامة. وكانت يومئذ تبدأ بالخطبة بأذان ثم الصلاة بإقامة على رسم صلاة يوم الجمعة، فيخطبون على المنابر جلوسا في الجمع والأعياد. وأمر أبو مسلم سليمان بن كثير في الركعة الأولى أن يكبّر ستّ تكبيرات تباعا. ثم يقرأ ويركع السادسة ويفتتح الخطبة بالتكبير ثم يختمها بالقرآن، وكانت بنو أميّة تكبّر في الركعة الأولى أربع تكبيرات يوم العيد، وفي الثانية ثلاث تكبيرات. فلمّا قضى سليمان بن كثير الخطبة والصلاة انصرف أبو مسلم والشيعة إلى طعام قد أعدّه لهم أبو مسلم فطعموا مستبشرين.

وكان أبو مسلم وهو في الخندق، إذا كتب إلى نصر بن سيّار، يكتب:

« للأمير نصر » فلمّا قوى بمن اجتمع إليه في خندقه من الشيعة بدأ بنفسه.

وكتب إلى نصر:

« أمّا بعد، فإنّ الله، تباركت أسماؤه وتعالى ذكره، عيّر قوما فقال:

« وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى من إِحْدَى الْأُمَمِ، فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا، اسْتِكْبارًا في الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ، وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ، فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ، فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ الله تَبْدِيلًا، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ الله تَحْوِيلًا. » فتعاظم نصر الكتاب، وأنّه بدأ بنفسه وكسر له إحدى عينيه وأطال الفكرة ثم قال:

« هذا كتاب له أخوات. » ولمّا استقرّ بأبي مسلم معسكره بالماخوان أمر محرز بن إبراهيم أن يخندق خندقا بجيرنج، ويجمع إليه أصحابه ومن نزع إليه من الشيعة فيقطع مادّة نصر بن سيّار من مرو الرود ومن بلخ من كور طخارستان. ففعل ذلك محرز واجتمع إليه في خندقه نحو من ألف رجل. فأمر أبو مسلم كامل بن مظفّر أن يوجّه رجلا إلى خندق محرز بن إبراهيم لعرض من فيه وإحصاءهم في دفتر بأسمائهم وأسماء آباءهم وقراهم. فوجّه كامل حميدا الأرزق الكاتب، فأحصى في خندق محرز ثمانمائة رجل وأربعة رجال وأسماء آباءهم وقراهم، فوجّه من أهل الكفّ، فكان يجلب له الغنم من هراة إلى مرو، ومن ربع خرفان ومن ربع السقاذم. ظم يزل محرز مقيما في خندقه حتى دخل أبو مسلم حائط مرو وعطّل الخندق بماخوان وإلى أن عسكر بباب سرخس يريد نيسابور فضمّ إليه محرزا وأصحابه.

نصر يوجه يزيد لمحاربة أبي مسلم أول حرب وقعت بين العباسية وبنى مروان

ثم إنّ نصر بن سيّار وجّه مولى له يقال له: يزيد، في خيل عظيمة لمحاربة أبي مسلم، وذلك بعد ثمانية عشر شهرا من ظهوره. فوجّه إليه أبو مسلم أبا نصر مالك بن الهيثم الخزاعي ومعه مصعب بن قيس. فالتقوا بقرية تدعى: آلين، فدعاهم مالك إلى الرضا من آل رسول الله ، فاستكبروا عن ذلك.

فصافّهم مالك وهو في نحو من مائتين من أوّل النهار إلى وقت العصر.

وقدم على أبي مسلم، صالح بن سليمان الضبي، وإبراهيم بن يزيد، وزياد بن عيسى، فوجّههم إلى مالك بن الهيثم، فقدموا عليه مع العصر، فقوى بهم.

فقال يزيد مولى نصر بن سيّار لأصحابه:

« إن تركنا هولاء الليلة، أتتهم الأمداد، فاحملوا على القوم. » ففعلوا، فترجّل أبو نصر، وحضّ أصحابه، فاجتلدوا جلادا صادقا، وصبر الفريقان فقتل من شيعة بنى مروان نفر وأسر جماعة. وحمل عبد الله الطائي على يزيد مولى نصر وهو عميد القوم، فأسره، وانهزم أصحابه. فوجّه أبو نصر بالأسير مع عبد الله الطائي وعدّة من أصحابه ومعهم الأسرى والرؤوس. وأقام أبو نصر في معسكره، فقدم الوفد على أبي مسلم في معسكره بسيفيذنج. فأمر أبو مسلم بالرؤوس فنصبت على باب الحائط الذي في معسكره، ودفع يزيد والأسرى إلى أبي إسحاق خالد بن عثمان، وأمره أن يعالج يزيد مولى نصر من جراحات كانت به ويحسن تعهّده.

وكتب إلى أبي نصر مالك بالقدوم عليه. فلمّا اندمل يزيد مولى نصر من جراحاته دعاه أبو مسلم فقال:

« إن شئت أن تقيم معنا وتدخل في دعوتنا، فقد أرشدك الله، وإن كرهت فارجع إلى مولاك سالما وأعطنا عهدك بالله ألّا تحاربنا أبدا، ولا تكذب علينا، وأن تقول فينا ما رأيت. » فاختار الرجوع إلى مولاه. فخلّى له الطريق وقال أبو مسلم لأصحابه:

« إنّ هذا سيردّ عنكم الورع والصلاح فإنّا عندهم على غير الإسلام. » وكذلك كانوا عندهم يرجفون عليهم بعبادة الأوثان واستحلال الدماء والأموال والفروج. فلمّا قدم يزيد على نصر قال له:

« لا مرحبا بك، والله ما استبقاك القوم إلّا ليتّخذوك حجّة علينا. » قال يزيد:

« فهو والله ما ظننت. وقد استحلفونى الّا أكذب عليهم. وأشهد: لقد رأيتهم يصلّون الصلاة الخمس لمواقيتها بأذان وإقامة، ويتلون القرآن ويذكرون الله كثيرا ويدعون إلى ولاية آل رسول الله ، وما أحسب أمرهم إلّا سيعلوا ويظهر. » فهذه أوّل حرب كانت بين الشيعة العبّاسية وشيعة بنى مروان.

وقد روى في مبدأ خبر أبي مسلم رواية أخرى، وهي أنّ أبا مسلم لمّا قدم خراسان كان حديث السنّ، فلم يقبله سليمان بن كثير وتخوّف ألّا يقوى على أمرهم وخاف على نفسه وأصحابه فردّه.

احتجاج أبي داود

وكان أبو داود خالد بن إبراهيم غائبا وراء نهر بلخ. فلمّا انصرف وقدم مرو أقرأوه كتاب الإمام فسأل عن الرجل الذي وجّهه فأخبروه أنّ سليمان بن كثير ردّه.

فأرسل إلى جميع النقباء فاجتمعوا في منزل عمران بن إسماعيل. فقال لهم أبو داود:

« أتاكم كتاب الإمام إبراهيم فيمن وجهّه إليكم فرددتموه، فما حجّتكم في ردّه؟ » فقال سليمان بن كثير:

« لحداثة سنّه، وتخوّفنا ألّا يقدر على القيام بهذا الأمر وأشفقنا على من دعونا إليه وعلى أنفسنا. » فقال أبو داود:

« هل فيكم من يشكّ أنّ الله، عز وجل، اختار محمدا ، وانتخبه واجتباه، وبعثه برسالته إلى جميع خلقه؟ » قالوا:

« لا. » قال:

« أفتشكّون أنّ الله أنزل عليه كتابه فأتاه به الروح الأمين، أحلّ فيه حلاله، وحرّم فيه حرامه وشرع [ فيه ] شرائعه وسنّ فيه سننه وأنبأه فيه بما كان قبله وما هو كان كائن بعده إلى يوم القيامة؟ » قالوا: « لا. » قال:

« أفتشكّون أنّ الله قبضه إليه بعد ما أدّى ما عليه من رسالة ربّه؟ » قالوا: « لا. » قال:

« أفتظنّون أنّ ذلك العلم الذي أنزله عليه ليقوّمنا به رفع مع أو خلّفه؟ » قالوا: « بل خلّفه. » قال:

« أفتظنّونه خلّفه عند غير عترته وأهل بيته الأقرب فالأقرب؟ » قالوا: « لا. » قال:

« فهل فيكم من إذا رأى من هذا الأمر إقبالا ورأى الناس مجيبين إليه، بدا له أن يصرف ذلك إلى نفسه؟ » قالوا: « اللهم لا، وكيف يكون ذلك؟ » قال:

« لست أقول إنّكم فعلتم، ولكن الشيطان ربّما نزغ النزغة فيما يكون وفيما لا يكون. » قال:

« فهل فيكم أحد بدا له أن يصرف هذا الأمر عن أهل البيت إلى غيرهم من عترة النبي ؟ » قالوا: « لا. » قال:

« أفتشكون في أنّهم معدن العلم وأصحاب ميراث رسول الله ؟ » قالوا:

« اللهم لا » قال:

« فأراكم قد شككّتم في أمركم، ورددتم عليهم علمهم، ولو لم يعلموا أنّ هذا الرجل هو الذي ينبغي له أن يقوم بأمرهم لم يبعثوه إليكم وهو لا يتّهم في موالاتهم ونصرتهم والقيام بحقّهم. »

رد أبي مسلم من قومس وتولية الأمر إياه

فبعثوا إلى أبي مسلم وردّوه من قومس بقول أبي داود، وولّوه أمرهم وسمعوا له وأطاعوا. فلم تزل تلك في نفس أبي مسلم على سليمان بن كثير ولم يزل يعرفها لأبي داود.

وأطاعت الشيعة من النقباء وغير هم أمر أبي مسلم. فبثّ الدعاة في أقطار خراسان ودخل الناس أفواجا. وكتب إليه إبراهيم في إظهار دعوته وأن يوجّه إليه بقحطبة بن شبيب ويحمل إليه ما اجتمع عنده من الأموال، فكان اجتمع عنده ثلاثمائة ألف وستون ألف درهم، فاشترى بها متاع التجار من القوهيّ والمرويّ والحرير والفرند، وجعلها بعضها سبائك ذهب وفضّة وجعلها في الأقبية المحشوّة وأشباهها. فبعث جميع ذلك مع قحطبة حين اجتمعت القوافل وأمن على ما أنفذه.

تحالف عامة قبائل العرب في خراسان على قتال أبي مسلم

وفي هذه السنة تحالفت عامّة من كان بخراسان من قبائل العرب على قتال أبي مسلم وذلك حين كثر أتباع أبي مسلم وقوى أمره.

ذكر السبب في ذلك

لمّا ظهر أبو مسلم، سارع إليه الناس، وجعل أهل مرو يأتونه لا يعرض لهم أحد، وكان الكرمانيّ وشيبان لا يكرهان أمر أبي مسلم لأنّه دعا إلى خلع بنى مروان وأبو مسلم في آلين في خباء ليس له حرس ولا حجّاب. فعظم أمره عند الناس وقالوا:

« ظهر رجل من بنى هاشم له حلم ووقار وعليه سكينة. » فانطلق عند ذلك فتية من أهل مرو نسّاك، كانوا يطلبون الفقه، فأتوا أبا مسلم في عسكره. فسألوه عن نسبه فقال:

« خبري خير لكم من نسبي. » وسألوه عن أشياء من الفقه فقال:

« إنّ أمركم بالمعروف ونهيكم عن المنكر خير لكم من هذا ونحن في شغل فاعفونا لنتوفّر على ما أنتم أحوج ونحن إليه. » قالوا:

« والله ما نعرف لك نسبا ولا نظنّك تبقى إلّا قليلا حتى تقتل وما بينك وبين ذلك إلّا أن يتفرّغ لك أحد هذين الأميرين. » قال أبو مسلم:

« بل أنا أقتلهما إن شاء الله. » ورجع الفتية فأتوا نصرا فحدّثوه. فقال:

« جزاكم الله خيرا مثلكم تفقّد هذا وعرفه. » وأتوا شيبان فأعلموه. فقال:

« نحن قد أشجى بعضنا بعضا. » فأرسل إليه نصر:

« إن شئت فكفّ عني حتى أقاتله وإن شئت فجامعنى على حربه حتى أقتله أو أنفيه، ثم نعود لأمرنا. » فهمّ شيبان أن يفعل ذلك وظهر في العسكر، وأتت عيون أبي مسلم أبا مسلم فأخبروه. فقال سليمان لأبي مسلم:

« ما هذا الأمر الذي بلغهم تكلّمت عند أحد بشيء؟ » فأخبره بخبر الفتية فقال:

« هذا إذا لذاك. » فكتبوا إلى علي بن الكرمانيّ: إنّك موتور. قتل أبوك ونحن نعلم أنّك لست على رأى شيبان، وإنّما تقاتل لثأرك، فامنع شيبان من صلح نصر.

فدخل على شيبان فكلّمه وثناه عن رأيه. فأرسل نصر إلى شيبان:

« إنّك مغرور، وأيم الله إني أرى هذا الأمر يتفاقم حتى تستصغرنى في جنبه. » فبينا هم في أمرهم إذ بعث أبو مسلم النضر بن نعيم الضبي إلى هراة وعليها عيسى بن عقيل بن معقل الليثي، فطرده من هراة. فقدم عيسى بن عليّ على نصر منهزما، وغلب النضر على هراة، وغلب خازم بن خزيمة على مرو الروّد، وقتل عامل نصر بن سيّار، وكتب بالفتح إلى أبي مسلم مع ابنه خزيمة بن خازم.

فقال يحيى بن نعيم بن هبيرة الشيبانى:

« اختاروا إمّا أن تهلكوا أنتم قبل مضر أو تهلك مضر قبلكم. » قالوا:

« وكيف ذلك؟ » قال:

« إنّ هذا الرجل إنّما ظهر منذ شهر وقد صار في عسكره مثل عسكركم. » قالوا: « فما الرأي؟ » قال:

« صالحوا نصرا فإنّكم إن صالحتموه قاتلوا نصرا وتركوكم، لأنّ الأمر في مضر، وإن لم تصالحوا نصرا صالحوه وقاتلوكم ثم عادوا عليكم. » قالوا: « فما الرأي؟ » قال:

« قدّموهم قبلكم ولو بساعة. فتقرّ أعينكم بقتلهم. » فأرسل شيبان إلى نصر يدعوه إلى الموادعة فأجابه. وأرسل إليه سلم بن أحوز، فكتب بينهم كتابا وأتى به شيبان وعن يمينه ابن الكرمانيّ وعن يساره يحيى بن نعيم. فقال سلم لابن الكرمانيّ:

« يا أعور، ما أخلقك أن تكون الأعور الذي بلغنا أن هلاك مضر يكون على يده. » ثم توادعوا سنة، وكتبوا بينهم كتابا، فبلغ أبا مسلم، فأرسل إلى شيبان:

« إنّا نوادعك أشهرا. » فتوادعا ثلاثة أشهر. فقال ابن الكرماني:

« فانّى والله ما صالحت نصرا وإنّما صالحه شيبان وأنا لذلك كاره وأنا موتور ولا أدع قتاله. » فعاوده القتال وأبي شيبان أن يعينه وقال:

« لا يحلّ الغدر. » فأرسل ابن الكرماني إلى أبي مسلم يستنصره على نصر بن سيّار، فأقبل أبو مسلم حتى نزل الماخوان. فأرسل إلى ابن الكرماني شبل بن طهمان يعرّفه أنّى قد أقبلت وأنّى معك على نصر. فقال ابن الكرماني لشبل:

« إني أحبّ أن يلقاني أبو مسلم. » فأبلغه ذلك شبل، فأقام أبو مسلم أربعة عشر يوما، ثم سار إلى ابن الكرماني وخلّف عسكره بالماخوان، فتلقّاه عثمان الكرماني في خيل وسار معه حتى دخل العسكر وأتى حجرة عليّ، فوقف حتى أذن له. فدخل وسلّم على عليّ بالإمرة وقد اتّخذ عليّ له منزلا في قصر لمخلد بن الحسن الأزدي فأقام يومين ثم انصرف إلى عسكره بالماخوان وكان احتفر بها خندقا وجعل له بابين ووكلّ بكل باب ثقة واستعمل على الشّرط أبا نصر مالك بن الهيثم، وعلى الحرس أبا إسحاق خالد بن عثمان، وعلى ديوان الجند كامل بن مظفّر ويكنى أبا صالح، وعلى الرسائل أسلم بن صبيح، وعلى القضاء القاسم بن مجاشع النقيب.

فكان القاسم بن مجاشع يصلّى بأبي مسلم في الخندق الصلوات ويقصّ القصص بعد العصر. فيذكر فضل بنى هاشم ومعايب بني أمية. ولم يزل أبو مسلم كرجل من الشيعة في الهيئة حتى أتاه عبد الله بن بسّام بالأروقة والفساطيط وبآلة المطابخ والمعالف للدوابّ وحياض الأدم للماء.

فاستعمل أبو مسلم داود بن كرّاز على العبيد وأفردهم عن عسكره واحتفر لهم خندقا ثم أمر أبو مسلم كامل بن مظفّر أن يعرض الجند في الخندق بأسمائهم وأسماء آباءهم وحلاهم وأن ينسبهم إلى القرى ويجعل ذلك في دفتر. ففعل، وبلغت عدّتهم سبعة آلاف رجل. فأعطى كل رجل ثلاثة دراهم. ثم أعطاهم بعد ذلك أربعة أربعة على يدي أبي صالح كامل

القبائل يضعون الحروب ويتفقون على محاربة أبي مسلم

ثم إنّ القبائل من مضر وربيعة وقحطان تواعدوا على وضع الحروب وعلى أن تجتمع كلمتهم على محاربة أبي مسلم. فإذا نفوه عن مرو نظروا في أمر أنفسهم وعلى ما يجتمعون عليه وكتبوا على أنفسهم بذلك كتابا وثيقا. وبلغ أبا مسلم الخبر فأفظعه ذلك وأعظمه. فنظر أبو مسلم في أمره، فإذا ماخوان سافلة الماء. فتخرّف أن يقطع نصر بن سيّار عنه الماء. فتحوّل إلى آلين قرية أبي منصور طلحة بن زريق النقيب، وخندق بآلين خندقا وجعل شربه وشرب أهل آلين من نهر يدعى الخرقان لا يمكن قطعه عنهم.

وخرج نصر بن سيّار إليه فعسكر على نهر عياض وفرّق قوادّه حول أبي مسلم ليواقعه. فكان أحد قوادّه أبو الذيّال فأنزل جنده بطوسان وكان عامّة أهلها مع أبي مسلم في الخندق فآذوا أهل طوسان وعسفوهم وذبحوا بقرهم ودجاجهم وحمامهم، وكلّفوهم الطعام والعلف. فشكت الشيعة ذلك إلى أبي مسلم، فوجّه معهم خيلا، فلقوا أبا الذيّال فهزموه وأصحابه وأسروا منهم جماعة، فكساهم أبو مسلم وداوى جرحاهم وخلّى سبيلهم.

في هذه السنة قتل جديع بن عليّ الكرماني وصلب.

ذكر مقتل جديع الكرماني وصلبه

قد ذكرنا مقتل الحارث بن سريج وأنّ الكرماني هو الذي قتله. ولمّا قتله خلصت له مرو وتنحّى نصر بن سيّار عنها إلى أبر شهر وقوى أمر الكرماني فوجّه نصر إليه سلم بن أحوز، فسار في رابطة نصر وفرسانه حتى لقي الكرماني، فوجد يحيى بن نعيم واقفا في ألف رجل من ربيعة ومحمّد بين المثنّى في سبعمائة من فرسان الأزد وجماعة أخرى في ألف من فتيانهم والصغرى في ألف من أبناء اليمن. فلمّا تواقفوا قال سلم بن أحوز لمحمّد بن المثنّى:

« يا محمّد، مر هذا الملّاح بالخروج إلينا. » فقال محمد لسلم:

« يا بن الفاعلة، لأبي عليّ تقول هذا؟ » ودلف القوم بعضهم إلى بعض، فاجتلدوا بالسيوف، وانهزم سلم بن أحوز، وقتل من أصحابه خلق وقدم أصحاب نصر عليه فلو لا. فقال له عقيل:

« يا نصر، شأمت العرب. فأمّا إذ صنعت ما صنعت فشمّر عن ساق وجدّ. » فوجّه عصمة بن عبد الله فوقف سلم بن أحوز فنادى:

« يا محمّد، لتعلمنّ أنّ السمك لا يغلب اللخم. » فقال محمد:

« لتعلمن، فقف لنا إذا. » وأمر محمّد الصغرى فخرج إليه في أهل اليمن. فاقتتلوا قتالا شديدا وانهزم عصمة حتى أتى نصرا وقد قتل من أصحابه أربعمائة. ثم أرسل نصر مالك بن عمرو التميم فأقبل في أصحابه فنادى:

« يا ابن المثنّى، ابرز لي إن كنت رجلا. »

فبرز له فضربه التميمي على حبل عاتقه فلم يصنع شيئا وضربه محمّد بن المثنّى بعمود فشدخ رأسه. والتحم القتال فاقتتلوا قتالا شديدا وانهزم أصحاب نصر وقد قتل منهم سبعمائة رجل، وقد قتل من أصحاب الكرمانيّ ثلاثمائة رجل. فلم يزل الشرّ بينهم حتى خرجوا جميعا إلى الخندقين فاقتتلوا قتالا شديدا.

حيلة لأبي مسلم تمت له

فلمّا علم أبو مسلم أنّ كلا الفريقين قد أثخن صاحبه وأنّه لا مدد لهم جعل يكتب الكتاب إلى شيبان، ثم يقول للرسول:

« انطلق، فاجعل طريقك على المضريّة، فانّهم سيعرضون لك ويأخذون كتبك. » فكانوا يأخذونها فيجدون فيها: إني رأيت أهل اليمن لا وفاء لهم ولا خير فيهم فلا تثقنّ بهم ولا تطمئنّ إليهم فإني أرجوا أن يريك الله في اليمانية ما تحبّ، ولئن بقيت لا أدع لهم شعرا ولا ظفرا. » ويرسل رسولا آخر في طريق آخر فيه ذكر المضريّة بمثل ذلك حتى صار هوى الفريقين جميعا معه. وجعل يكتب إلى نصر بن سيّار وإلى الكرماني:

« إنّ الإمام قد وصّانى بكم، ولست أعدوا رأيه فيكم. » وكتب إلى الكور بإظهار الأمر، فكان أوّل من سوّد أسيد بن عبد الله الخزاعي بنسّا ونادى:

« يا محمد، يا منصور. » وسوّد معه مقاتل بن الحكم وغيره، وسوّد أهل أبيورد وأهل مرو الرود.

وأقبل أبو مسلم حتى نزل بين خندق نصر بن سيّار وخندق جديع الكرماني وهابه الفريقان وكثر أصحابه. وكتب نصر بن سيّار إلى مروان يعلمه حال أبي مسلم، وكثرة من معه، وإظهاره أمره، وأنّه يدعو إلى إبراهيم بن محمّد.

وكتب بأبيات شعر:

أرى خلل الرماد وميض جمر ** ويوشك أن يكون له ضرام

فإنّ النار بالعودين تذكى ** وإنّ الحرب أوّلها الكلام

فقلت من التعجّب ليت شعري ** أأيقاظ أميّة أم نيام

فإن يك قومنا أمسوا رقودا ** فقل هبّوا، فقد حان القيام

وكتب إليه مروان:

« الشاهد يرى ما لا يرى الغائب فأحسم الثؤلول قبلك. » فقال نصر:

« أمّا صاحبكم فقد أعلمكم أن لا نصر عنده. » فكتب إلى يزيد بن عمر بن هبيرة يستمدّه وكتب إليه:

أبلغ يزيد وخير القول أصدقه ** وقد تبيّنت أن لا خير في الكذب

إنّ خراسان أرض قد أصبت بها ** بيضا لو أفرخ قد حدّثت بالعجب

فراخ عامين إلّا أنّها كثرت ** لمّا يطرن وقد سربلن بالزّغب

وإن يطرن ولم يحتل لهنّ بها ** يلهبن نيران حرب أيّما لهب

فقال يزيد:

« لا غلبة إلّا بكثرة، فليس عندي رجل. » ولمّا كتب نصر إلى مروان بخبره وخبر أبي مسلم وظهوره وقوّته، وأنّه يدعو إلى إبراهيم بن محمّد، ألقى ورود كتاب نصر على مروان وقدوم رسول لأبي مسلم كان أرسله إلى إبراهيم بن محمّد ومعه جواب إبراهيم عن كتاب لأبي مسلم إليه يلومه ألّا يكون واثب نصرا والكرمانيّ إذ أمكناه، ويأمره ألّا يدع بخراسان متكلّما بالعربية إلّا قتله.

فدفع الرسول الكتاب إلى مروان فكتب مروان إلى الوليد بن معاوية بن عبد الملك، وهو على دمشق، أن يكتب إلى عامل البلقاء، فيسير إلى كراد والحميمة، فليأخذ إبراهيم بن محمّد، فيشدّه وثاقا ويبعث به في حبل. فوجّه الوليد إلى عامل البلقاء فأتى إبراهيم وهو في مسجد القرية فأخذه وكتفه وحمله إلى الوليد، محمله الوليد إلى مروان فحبسه في السجن.

رجع الحديث إلى قصة نصر والكرماني وما كان من قتل نصر الكرماني وصلبه إياه

وأظهر أبو مسلم، لمّا تفاقم الأمر بين الكرماني وبين نصر، أنّه مع الكرمانيّ، فقبل ذلك الكرماني، وانضمّ إليه أبو مسلم. فاشتدّ ذلك على نصر وأرسل إلى الكرمانيّ: « ويلك لا تغترّ، فو الله إني لخائف عليك وعلى أصحابك منه، ولكن هلمّ إلى الموادعة فندخل مرو ونكتب بيننا كتابا بالصلح. » وهو يريد أن يفرّق بينه وبين أبي مسلم.

فدخل الكرماني منزله وأقام أبو مسلم في العسكر وخرج الكرمانيّ حتى وقف في الرحبة في مائة فارس وعليه قرطق خشكشويه ثم أرسل إلى نصر:

« أخرج لنكتب بيننا ذلك الكتاب. » فأبصر نصر منه غرّة، فوجّه إليه ابن الحارث بن سريج في نحو ثلاثمائة فارس، فالتقوا في الرحبة فاقتتلوا بها طويلا. ثم إنّ الكرمانيّ طعن في خاصرته فخرّ عن دابّته وحماه أصحابه حتى جاءهم ما لا قبل لهم به، فقتل نصر الكرمانيّ وصلبه وصلب معه سمكة. فأقبل ابنه عليّ وقد كان صار إلى أبي مسلم، فقاتله حتى أخرجه من دار الإمارة، فمال إلى بعض دور مرو، فأقبل أبو مسلم حتى دخل مرو، وأتاه عليّ بن جديع فسلّم عليه بالإمرة وأعلمه أنّه معه على ما يريد من مساعدته وقال:

« مرني بأمرك. » قال:

« أقم على ما أنت عليه حتى آمرك بأمري. »

وفي هذه السنة غلب عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب على فارس.

ذكر السبب في ذلك.

لمّا هزم عبد الله بن معاوية بالكوفة، شخص إلى المدائن فبايعه أهلها وقصده قوم من الكوفة، فخرج إلى الجبال فغلب عليها وعلى حلوان وقومس والريّ وإصبهان.

وكان محارب بن موسى مولى يشكر عظيم القدر بفارس قد تمكّنت له منزلة ورئاسة جليلة. فجاء يمشى في نعلين إلى دار الإمارة بإصطخر، فطرد العامل الذي كان بها من جهة ابن عمر، وقال لبعض الرؤساء يقال له عمارة:

« بايع الناس. » فقال أهل إصطخر:

« على ما تبايع؟ » قال:

« على ما أحببتم وكرهتم. » فبايعوه لابن معاوية. وخرج محارب إلى كرمان فأغار عليهم وأصاب في غارته إبلا لثعلبة بن حسّان المازني فاستاقها ورجع. فخرج ثعلبة في طلب إبله ومع ثعلبة مولى له. فقال له مولاه:

« هل لك أن تفتك بمحارب فإن شئت ضربته وكفيتني الناس. وإن شئت ضربته وكفيتك الناس. » قال: « ويحك، أردت أن نقتل وتذهب الإبل؟ » ولم يلق الرجل. ثم دخل على محارب، فرحّب به وقال:

« حاجك » قال: « أبلى. » قال: « نعم، لقد أخذت وما أعرفها وقد عزلتها فدونك إبلك. » فأخذها وقال لمولاه:

« هذا خير أم ما أردت؟ » قال: « هذا خير، وذاك كان أشقى. » فقال: « بمثل رأيك تزول النعم وتزول النفوس. » ثم إنّ عبد الله بن معاوية قوى بفارس وأتاه الناس، بنو هاشم وغيرهم، وجبى المال. وكان معه منصور بن جمهور، وسليمان بن هشام بن عبد الملك، وشيبان بن عبد العزيز الخارجي. وذلك قبل أن يصير إلى خراسان.

ولم يزل عبد الله بن معاوية بإصطخر حتى أتاه ابن ضبارة وقد حكينا أمره وما كان من هزيمة ابن معاوية وهرب شيبان ومنصور بن جمهور وغيرهما.

موافاة أبي حمزة الخارجي

وفي هذه السنة وافى الموسم أبو حمزة الخارجي من قبل عبد الله بن يحيى طالب الحقّ محكّما مظهرا الخلاف على مروان بن محمّد.

ذكر الخبر عن ذلك

لمّا كان تمام سنة تسع وعشرين ومائة لم يكن عند الناس خبر بعرفة حتى طلعت أعلام وعمائم سود في رؤوس الرماح وهم سبعمائة ففزع الناس منهم وقالوا لهم:

« ما لكم، ما حالكم؟ » فأخبروهم بخلافهم مروان وآل مروان والتبرّؤ منهم. فراسلهم عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك، وهو يومئذ على مكّة والمدينة، في الهدنة. فقالوا:

« نحن أضنّ بحجّنا. » وصالحهم على أنّهم جميعا آمنون بعضهم من بعض حتى ينفر الناس النفر الآخر ويصبحوا من الغد.

فوقفوا على حدة بعرفة، ودفع بالناس عبد الواحد. فلمّا كانوا بمنى ندّموا عبد الواحد وقالوا له:

« أخطأت لو حملت الحاجّ عليهم ما كانوا إلّا أكلة رأس. » ولمّا كان في النفر الأوّل نفر عبد الواحد وخلّى مكّة لأبي حمزة فدخلها بغير قتال وهجا الشعراء عبد الواحد ومضى إلى المدينة فضرب على الناس البعث وزادهم في العطاء عشرة عشرة.

ثم دخلت سنة ثلاثين ومائة

وفيها دخل أبو مسلم حائط مرو ونزل دار الإمارة

ذكر السبب في ذلك

كان السبب في ذلك مصير عليّ بن جديع الكرماني إليه وسبب مصير عليّ معه أنّ سليمان بن كثير كان يقول لعليّ بن الكرماني:

« يقول لك أبو مسلم، أما تأنف من مصالحة نصر بن سيّار وقد قتل أباك بالأمس وصلبه، وما كانت أحسبك تصلّى مع نصر في مسجد واحد؟ » فأدرك عليّا الحفيظة، فرجع عن رأيه، وانتقض صلح العرب.

فبعث نصر بن سيّار إلى أبي مسلم يلتمس منه أن يدخل مع مضر، وبعث ربيعة وقحطان إليه بمثل ذلك. فتراسلوا أيامّا. فأمرهم أبو مسلم أن يقدم عليه وفد الفريقين حتى يختار أحدهما. ففعلوا وأمر أبو مسلم الشيعة أن تختار ربيعة وقحطان، فإنّ السلطان في مضر وهم عمّال مروان وهم قتلة يحيى بن زيد، فقدم الوفدان.

فكان في وفد مضر عقيل بن معقل، وعبيد الله بن عبد ربّه، في رجال منهم.

وكان في وفد قحطان عثمان بن الكرمانيّ ومحمّد بن المثنّى في رجال منهم.

فلمّا دخلوا إلى أبي مسلم كان معه في البيت سبعون رجلا من الشيعة وكان أبو مسلم كتب كتابا يقرأ على الشيعة ليختاروا أحد الفريقين. فلمّا فرغ من قراءة الكتاب، قام سليمان بن كثير فتكلّم وكان خطيبا مفوّها فاختار عليّ بن الكرماني وأصحابه ثم قام رجل بعد رجل من وجوه الشيعة فتكلّموا نحو كلام سليمان. ثم قام مزيد بن شقيق فقال:

« مضر قتلة آل النبي وأعوان بني أمية وشيعة مروان، ودماؤنا في أعناقهم، وأموالنا في أيديهم، ونصر بن سيّار عامل مروان على خراسان ينفذ أموره ويدعو له على منبره، ويسمّيه أمير المؤمنين، ونحن من ذلك براء، وقد اخترنا عليّ بن الكرمانيّ وأصحابه من قحطان وربيعة. » فضجّ من كان في البيت بأنّ:

« القول ما قال مزيد بن شقيق. » فنهض وفد مضر عليهم الكآبة والذلّة. ووجّه معهم أبو مسلم القاسم بن مجاشع في خيل حتى بلغوا مأمنهم، ورجع وفد عليّ بن الكرمانيّ مسرورين منصورين.

وقال أبو مسلم للشيعة:

« استعدّوا للشتاء. فقد أعفاكم الله من اجتماع كلمة العرب وصيّرهم إلى افتراق، وكان ذلك من الله قدرا مقدورا.

ذكر السبب في دخوله حائط مرو

كان حائط مرو في يد نصر، لأنّه عامل خراسان. فأرسل عليّ بن الكرمانيّ إلى أبي مسلم أن:

« ادخل الحائط من قبلك وأنّا أدخل مع عشيرتي من قبلي فتغلب على الحائط. » فأرسل إليه أبو مسلم:

« إني لست آمن أن تجتمع يدك ويد نصر على محاربتى ولكن ادخل أنت فأنشب الحرب بينك وبين أصحاب نصر بن سيّار. » فدخل عليّ بن الكرماني فأنشب الحرب. وبعث أبو مسلم. أبا عليّ شبل بن طهمان النقيب في خيل، فدخلوا الحائط، وبعثوا إلى أبي مسلم. أن:

ادخل، فدخل أبو مسلم من خندق الماخوان وعلى مقدّمته أسيد بن عبد الله، وعلى ميمنته مالك بن الهيثم، وعلى ميسرته القاسم بن مجاشع. حتى دخل الحائط والفريقان يقتتلان. فأمرهما بالكفّ وهو يتلو من كتاب الله تعالى: « وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ من أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا من شِيعَتِهِ وَهذا من عَدُوِّهِ » ومضى أبو مسلم حتى نزل قصر الإمارة الذي ينزله عمّال خراسان، وهرب نصر بن سيّار وصفت مرو لأبي مسلم. فأمر أبا منصور طلحة بن زريق أن يأخذ البيعة على الناس من الهاشميّه خاصّة. وأبو منصور هذا أحد النقباء الاثني عشر الذين اختارهم محمّد بن عليّ من السبعين الذين استجابوا له سنة ثلاث ومائة.

وكان مفوّها، نبيلا، فصيحا، عالما بحجج الهاشميّة وكان أبوه حيّا، يكنّى أبا زينب، وكان شهد حرب عبد الرحمن بن الأشعث وصحب المهلّب بن أبي صفرة، فكان أبو مسلم يشاوره في الأمور، ويدعوه بالكنية:

« يا با طلحة ما تقول، وما رأيك؟ » وكانت بيعته:

« أبايعكم على كتاب الله وسنّة نبيه ، والطاعة للرضا من أهل بيت رسول الله ، عليكم بذلك عهد الله وميثاقه والطلاق والعتاق والمشي إلى بيت الله عز وجل وعلى ألّا تسألوا رزقا ولا طعما حتى يبدأكم به ولاتكم وإن كان عدوّ أحدكم تحت قدمه ألّا يهيّجوه إلّا بأمر ولاتكم. » ولمّا حبس أبو مسلم سلم بن أحوز، ويونس بن عبد ربّه، وعقيل بن معقل، وأصحابهم، وشاور أبا طلحة فيهم، فقال له:

« اجعل سوطك السيف وسجنك القبور. » فأقدم عليهم أبو مسلم فقتلهم. وكانت عدّتهم أربعة وعشرين رجلا صناديد.

ويقال: إنّ أبا مسلم لمّا دخل دار الإمارة بمرو، أرسل إلى نصر مع لاهز بن قريظ، وقريش بن شقيق، وعبد الله بن البختري، يدعوه إلى كتاب الله والطاعة للرضا من آل محمّد. فلمّا رأى نصر ما جاءه من اليمانية والربعيّة والعجم، وأنّه لا طاقة له بهم، أظهر قبول ما بعث به إليه على أن يأتيه فيبايعه.

فجعل يريّثهم لما همّ به من الغدر والهرب، إلى أن أمسى، فأمر أصحابه أن يخرجوا من ليلتهم فلم يتيسّر لهم الخروج في تلك الليلة. وقال له سلم بن أحوز « إنّه لا يتيسّر لنا الخروج الليلة ولكن [ نخرج ] القابلة. » فلمّا كان صبح تلك الليلة، عبّأ أبو مسلم كتائبه، فلم يزل في تعبئتها إلى بعد الظهر. وأرسل إلى نصر لاهز بن قريظ، وقريش بن شقيق، وعبد الله بن البختري، وعدّة من أعاجم الشيعة فدخلوا على نصر فقال لهم:

« ما أسرع ما عدتم؟ » فقال له لاهز بن قريظ: « لا بدّ من ذلك. » فقال نصر: « أمّا إذا كان لا بدّ منه، فإنى أتوضّأ وأخرج إليه، وأرسل إلى أبي مسلم، فإن كان هذا رأيه أتيته ونعمى عين وكرامة وأنا أتهيّأ إلى أن يجيء رسولي. » فقام نصر كأنّه يتوضّأ. فلمّا قام، قرأ لاهز هذه الآية: « يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ من النَّاصِحِينَ. » فدخل نصر حجرته ومعه تميم ابنه والحكم بن نميلة وحاجبه فخرج من خلف حجرته عند دخول وقت الصلاة حين أظلم الوقت وانطلقوا هرّابا. فلمّا استبطأه لاهز وأصحابه دخلوا منزله، فوجدوه قد هرب. فلمّا بلغ ذلك أبا مسلم سار إلى معسكر نصر فأخذ ثقات أصحابه وصنادير مضر الذين كانوا في عسكر نصر فكتفهم، وكان فيمن أخذ سلم بن أحوز وغيره، واستوثق منهم بالحديد ووكّل بهم حتى قتلهم كما حكينا قبيل.

ومضى نصر حتى نزل سرخس فيمن اتّبعه، وكانوا ثلاثة آلاف. ومضى أبو مسلم وعليّ بن جديع في طلبه. فركضا ليلتهما حتى أصبحا في قرية تدعى:

نصرانيّة، فوجدا نصرا قد خلّف امرأته المرزبانة فيها ونجا بنفسه. فرجع أبو مسلم وعليّ بن جديع إلى مرو، فقال أبو مسلم للقوم الذين كان وجّههم إلى نصر:

« ما الذي ارتاب به منكم؟ » قالوا: « لا ندري. » قال: « فهل تكلّم أحد منكم؟ » قالوا: « لا ندري. » قال بعضهم:

« تلا لاهز: إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج. » قال: « هذا الذي دعاه إلى الهرب. » ثم قال:

« يا لاهز، أتدغل في الدين؟ » ثم قدّمه فضرب عنقه.

وفي هذه السنة قتل شيبان الحروريّ

ذكر الخبر عن مقتله وسببه

كان عليّ بن جديع وشيبان مجتمعين على قتال نصر بن سيّار، لمخالفة شيبان نصرا. لأنّ شيبان خارجى وعليّ بن جديع يخالف نصرا، لأنّه يمان ونصر مضريّ، ولأنّ نصرا قتل أباه وصلبه. فلمّا صالح عليّ بن الكرماني أبا مسلم وفارق شيبان تنّحى شيبان عن مرو لأنّه علم أن لا طاقة له بأبي مسلم وعليّ بن جديع مع تآلفهما واجتماعهما على خلافه، وقد هرب نصر من مرو. فأرسل إليه أبو مسلم يدعوه إلى بيعته، فأرسل إليه شيبان:

« بل أنا أدعوك إلى بيعتي. » فأرسل إليه أبو مسلم:

« إن لم تدخل في أمرنا، فارتحل عن منزلك. » فأرسل شيبان إلى ابن الكرماني يستنصره فأبى. فسار شيبان إلى سرخس، واجتمع إليه جمع من بكر بن وائل. فبعث إليه أبو مسلم تسعة من الأزد فيهم المنتجع بن الزبير، يدعوه إلى المسالمة. فأرسل شيبان إلى رسل أبي مسلم فحبسهم. فكتب أبو مسلم إلى بسّام بن إبراهيم مولى بنى ليث ببيورد يأمره أن يسير إلى شيبان فيقاتله، ففعل، فهزمه بسّام واتّبعه حتى دخل المدينة، فقتل شيبان وعدّة من بكر بن وائل. فقيل لأبي مسلم:

« إنّ بسّام ثائر بأبيه وهو يقتل البريء والسقيم. » فكتب إليه أبو مسلم، فقدم واستخلف على عسكره.

ولمّا قتل شيبان مرّ رجل من بكر بن وائل يقال له: خفاف، برسل أبي مسلم الذين كان حبسهم شيبان، فأخرجهم وقتلهم.

أبو مسلم يقتل ابني جديع الكرماني

وفي هذه السنة قتل أبو مسلم عليّا وعثمان ابني جديع الكرماني.

ذكر السبب في قتله إيّاهما

كان السبب في ذلك أنّ أبا مسلم وجّه أبا داود إلى بلخ وبها زياد بن عبد الرحمن القشيري فلمّا بلغه قصد أبي داود بلخ، خرج في أهل بلخ وغيرها من كور طخارستان إلى الجوزجان، فلمّا دنا أبو داود منهم انصرفوا منهزمين إلى التّرمذ.

ودخل أبو داود مدينة بلخ بمن معه، فكتب إليه أبو مسلم يأمره بالقدوم عليه، ووجّه مكانه يحيى بن نعيم. فخرج أبو داود وكاتب زياد بن عبد الرحمن يحيى بن نعيم بما دهم العرب من أبي مسلم وسأله أن تصير أيديهم واحدة فأجابه.

فرجع زياد بن عبد الرحمن القشيري، ومسلم بن عبد الرحمن بن مسلم الباهلي، وأهل بلخ والتّرمذ، وملوك طخارستان وما خلف النهر ودونه. فنزل زياد وأصحابه على فرسخ من مدينة بلخ، وخرج إليه يحيى بن نعيم ومن معه حتى اجتمعوا، فصارت كلمتهم واحدة مضريّهم يمانيّهم وربعيّهم ومن معهم من العجم على قتال المسوّدة، وجعلوا الولاية عليهم لمقاتل بن حيّان النبطي كراهة أن تكون لواحد من الفرق الثلاث.

وكتب أبو مسلم إلى أبي داود يأمره بالانصراف. فانصرف أبو داود بمن كان معه حتى اجتمعوا على نهر السّرخيان.

وكان زياد بن عبد الرحمن وأصحابه قد وجّهوا أبا سعيد القرشيّ مسلحة فيما بين الفود وبين قرية يقال لها: بامديان، لئلا يأتيهم أصحاب أبي داود من خلفهم.

ذكر اتفاق عجيب وقع على أصحاب زياد حتى انهزموا وقتلهم أبو داود

لمّا اجتمع أبو داود وزياد وأصحابهما واصطفّوا للقتال أمن أبو سعيد القرشي أن يؤتى زياد وأصحابه من خلفهم، فرجع وكانت أعلام أبي سعيد وراياته سودا. فلمّا خرج عليهم من سك الفود من وراءهم نظروا إلى الرايات السود، فظنّوها كمينا لأبي داود، وكان القتال قد نشب بين الفريقين، فانهزم زياد وأصحابه واتبعهم أبو داود، فوقع عامّه أصحاب زياد في نهر السّرخيان، وقتل عامّة رجالهم المتخلّفين، ونزل أبو داود عسكرهم، وحوى ما فيه ولم يتبعهم.

وأقام أبو داود يومه ذلك ومن الغد، ولم يدخل بلخ واستصفى أموال من قتل بالسّرختان ومن هرب من العرب وغيرهم واستقامت بلخ لأبي داود.

ثم كتب إليه أبو مسلم يأمره بالقدوم عليه، ووجّه النضر بن صبيح المرّيّ على بلخ، وقدم أبو داود، فاجتمع رأى أبي داود ورأى أبي مسلم على أن يفرّق بين عليّ وعثمان ابني الكرماني. فبعث أبو مسلم عثمان عاملا على بلخ فلمّا توجّه إليها استخلف الفرافصة بن ظهير على مدينة بلخ. وأقبلت المضريّة من الترمذ عليهم مسلم بن عبد الرحمن الباهلي. فالتقوا مع أصحاب عثمان بن جديع، فهزموا أصحاب عثمان وغلب على بلخ المضريّة، وأخرجوا الفرافصة، وبلغ الخبر عثمان بن جديع والنضر بن صبيح وهما بمرو الرود فأقبلا نحوهم. وبلغ أصحاب زياد بن عبد الرحمن فهربوا من تحت ليلتهم، فقصّر النضر في طلبهم رجاء أن يفوتوا، وجدّ أصحاب عثمان حتى لقوهم.

فاقتتلوا قتالا شديدا، وانهزم أصحاب عثمان وأكثر فيهم القتل ومضت المضريّة إلى أصحابهم، ورجع أبو داود من مرو إلى بلخ، وسار أبو مسلم ومعه عليّ بن جديع إلى نيسابور، واتّفق رأى أبي مسلم ورأى أبي داود على أن يقتل أبو مسلم عليّا ويقتل أبو داود عثمان في يوم واحد. فلمّا قدم أبو داود بلخ، بعث عثمان إلى الختّل فيمن معه من أهل مرو ويمانية أهل بلخ وربعيّهم. فلمّا خرج من بلخ خرج أبو داود فاتبع الأثر فلحقه على شاطئ نهر بوخش من أرض الختّل فوثب أبو داود على عثمان وأصحابه، فحبسهم، ثم ضرب أعناقهم جميعا.

وقتل أبو مسلم في ذلك اليوم عليّ بن جديع، وقد كان أبو مسلم أمره أن يسمّى له خاصّته ليولّيهم ويأمر لهم بجوائز، فسمّاهم له فقتلهم جميعا.

قدوم قحطبة بن شبيب على أبي مسلم

وفي هذه السنة قدم قحطبة بن شبيب على أبي مسلم خراسان منصرفا من عند إبراهيم بن محمّد، ومعه لواء عقده له إبراهيم. فوجّهه أبو مسلم على مقدّمته، وضمّ إليه الجيوش، وجعل إليه العزل والولاية، وكتب إلى الجنود بالسمع له والطاعة.

فتوجّه قحطبة إلى نيسابور للقاء نصر. وكان أصحاب شيبان الحروريّ بعد قتله لحقوا بنصر وهو بنيسابور، وتوجّه قحطبة في قوّاده، فأخذ جهور بن مرّار وهو أحد القوّاد على ناحية بيورد، وأخذ القاسم بن مجاشع وهو أحد القوّاد على ناحية سرخس، وتوجّه قحطبة نحو طوس ومعه وجوه القوّاد كأبي عون وخالد بن برمك وخازم بن خزيمة وعثمان بن نهيك وأمثالهم. فلقى من بطوس، فانهزموا، ودفعوا إلى مضيق، فكان من مات منهم في الزحام أكثر ممّن قتل وبلغ عدّة القتلى يومئذ بضعة عشر ألفا.

وتوجّه قحطبة إلى السودقان وهو معسكر تميم بن نصر والنابى. وكان قحطبة قد وجّه على مقدّمته أسيد بن عبد الله الخزاعي في ثلاثة آلاف رجل فسار إليه وتعبّأ تميم والنابى لقتاله. وكتب أسيد إلى قحطبة يعلمه ما أجمعوا عليه من قتاله وأنّه إن لم يعجل القدوم عليه حاكمهم إلى الله، وأعلمه أنّهما في ثلاثين ألفا من صناديد أهل خراسان وفرسانهم. فوجّه قحطبة مقاتل بن حكيم العكيّ في ألف وخالد بن برمك في ألف. فقدما عليه وقوى أسيد بهما، وبلغ ذلك تميما النابى فكسرهما.

ثم قدم عليهم قحطبة بمن معه وعبّأ ميمنته وميسرته ثم زحف إليهم ودعاهم إلى كتاب الله تعالى وسنّة نبيه وإلى الرضا من آل محمّد ، فلم يجيبوه. فأمر الميمنة والميسرة أن يحملوا. فاقتتلوا قتالا شديدا، وقتل تميم بن نصر في المعركة، وقتل منهم مقتلة عظيمة، واستبيح عسكرهم وانهزم النابى فتحصّن في المدينة وأحاطت به الجنود، فنقبوا المدينة ودخلوها، فقتلوا النابى ومن كان معه، وهرب عاصم بن عمير وسالم بن راوية إلى نصر بن سيّار بنيسابور، فأخبراه بقتل تميم والنابى ومن كان معهما.

فصيّر قحطبة قبض ما في العسكر المهزوم إلى خالد بن برمك. وارتحل نصر هاربا في أهل أبرشهر حتى نزل قومس وتفرّق عنه أصحابه فسار إلى جرجان، وبها نباتة بن حنظلة من قبل يزيد بن عمر بن هبيرة.

ذكر مقتل نباتة بن حنظلة

كان يزيد بن عمر بن هبيرة بعث نباتة بن حنظلة الكلابي إلى نصر مددا له في خيل وعدّة وعتاد. فسار إلى إصبهان، ثم سار إلى الريّ، ومضى إلى جرجان، ولم ينضمّ إلى نصر. وخندق نباتة، وكان إذا وقع الخندق في دار قوم رشوه فأخّره حتى صار خندقه نحوا من فرسخ.

وأقبل قحطبة إلى جرجان في سنة ثلاثين ومائة وذلك في ذي القعدة منها. وقد تعبّأ وجعل على مقدّمته الحسن بن قحطبة. وقال قحطبة:

« يا أهل خراسان، استبصروا فإنّكم تسيرون إلى بقية قوم حرّقوا بيت الله. » وأقبل الحسن بن قحطبة حتى نزل على تخوم خراسان، وأنفذ قوما إلى مسلحة نباتة وعليها رجل يقال له: ذويب، فبيّتوهم وقتلوا ذويبا وسبعين من أصحابه. ثم رجعوا إلى عسكر الحسن. وقدم قحطبة فنزل بإزاء نباتة، وكان أهل الشام في عدّة لم ير الناس مثلها. فلمّا رآهم أهل خراسان هابوهم حتى تكلّموا بذلك، وبلغ ذلك قحطبة فقام خطيبا.

خطبة لقحطبة قوت قلوب أصحابه

قام فقال:

« يا أهل خراسان، إنّ هذه البلاد كانت لآباءكم الأوّلين، وكانوا ينصرون على أعداءهم، لعدلهم وحسن سيرتهم. فلمّا بدّلوا وظلموا سخط الله عليهم، فانتزع سلطانهم وسلّط عليهم أذلّ أمّة كانت في الأرض عندهم، فغلبوهم على بلادهم واستنكحوا نساءهم، واسترقّوا أولادهم، وقتلوا آباءهم. فكانوا على ذلك يحكمون بالعدل ويوفون بالعهد وينصرون المظلوم. ثم بدّلوا وغيّروا وجاروا في الحكم وأخافوا أهل البرّ والدين من عترة رسول الله . فسلّطكم الله عليهم لينتقم منهم بكم ليكونوا أشدّ عقوبة لأنّكم طلبتموهم بالثأر. وقد عهد إليّ الإمام أنّكم تلقونهم في مثل هذه العدّة فينصركم الله عليهم فتهزمونهم وتقتلونهم. » وكان قرئ على قحطبة كتاب من أبي مسلم:

« أمّا بعد فناهض عدوّك بجدّ، فإنّ الله ناصرك. فإذا ظهرت عليهم فأثخن في القتل. » فالتقوا في متسهل ذي الحجّة واقتتلوا وصبر بعضهم لبعض. فقتل نباتة وانهزم أهل الشام فقتل منهم أكثر من عشرة آلاف وبعث إلى أبي مسلم برأس نباتة وابنه حيّة.

وكان من عجيب ما شوهد في تلك الحرب أمر سالم بن راوية التميمي، وكان ممّن هرب من أبي مسلم وخرج مع نصر، ثم صار مع نباتة فقاتل قحطبة بجرجان في هذه الوقعة، فلمّا انهزم الناس بقي فثبت وقاتل وحده، فحمل عليه عبد الله الطائيّ وهو من الفرسان، فضربه سالم بن راوية على وجهه فأندر عينه. ثم قاتلهم حتى اضطرّ إلى مسجد، فدخله ودخلوا عليه، فكان لا يشدّ في ناحية إلّا كشفهم. فعطش فجعل ينادى « شربة، فو الله لأنقعنّ لهم شرا يومي هذا. » فلم يقدر عليه أحد، حتى حرقوا عليه سقف المسجد، ورموه بالحجارة، حتى قتلوه، وجاءوا برأسه إلى قحطبة، وليس في وجهه ولا رأسه مصحّ.

فقال قحطبة والناس:

« ما رأينا مثل هذا قطّ. »

وقعة قديد

وفي هذه السنة كانت الوقعة بقديد بين أبي حمزة الخارجي وأهل المدينة.

ذكر الخبر عن ذلك

كنّا حكينا أنّ عبد الواحد بن سليمان رجع إلى المدينة، وضرب على البعوث، واستعمل عبد العزيز بن عمرو بن عثمان على الناس، فخرجوا حتى نزلوا قديد وكانت الحياض هناك وهم قوم مغترّون ليسوا بأصحاب حرب فلم يرعهم إلّا القوم قد خرجوا عليهم فقتلوهم، وكانت المقتلة على قريش، كانوا أكثر الناس، وبهم كانت الشوكة.

ودخل أبو حمزة مدينة رسول الله ، وهرب عبد الواحد إلى الشام، فأحسن السيرة وخطب فذكر جور بنى مروان وآل أميّة، واستمال الناس حتى سمعوه يقول في خطبته:

« يا أهل المدينة، من زنا فهو كافر ومن سرق فهو كافر. » ثم إنّ مروان انتخب من عسكره أربعة آلاف واستعمل عليهم ابن عطيّة وأمره بالجدّ في المسير وأعطى كلّ رجل منهم مائة دينار، وفرسا عربيّا وبغلا لثقله، وأمرهم أن يقاتلهم فإذا ظفر مضى حتى يبلغ اليمن، ويقاتل عبد الله بن يحيى، ومن تبعه. فخرج حتى نزل بالمعلّى. ثم سار إلى وادي القرى فلقيهم حمزة فقال حمزة:

« لا تقاتلوهم حتى تختبروهم. » قال: فصاحوا بهم:

« ما تقولون في القرآن والعمل به؟ » فصاح ابن عطيّة:

« وما عليك يا فاجر؟ » قالوا: « نحن مسلمون ولا نقاتلكم إلّا ببيان، فأخبرونا عن القرآن وفرائضه. » فصاحوا: « نضعه في بيوتنا ثم نقاتلكم. » ثم سألوهم عن أشياء أجابوهم عنها بقبائح، إلى أن قالوا:

« فما تقولون في مال اليتيم؟ » فصاح صائح:

« نأكل ماله ونفجر بأمّه. » فحينئذ قاتلوهم حتى أمسوا. ثم صاحوا:

« ويحك يا ابن عطيّة، إنّ الله جعل الليل سكنا فاسكن نسكن. » فأبى. وقال لأصحابه:

« هذا وهن منهم فجدّوا. »

ففعلوا حتى قتلهم، وانهزم من انهزم منهم. فلمّا رجعوا إلى المدينة منهزمين تلقّاهم أهلها فقتلوهم.

مضي ابن عطية إلى مكة واليمن

ومضى ابن عطيّة إلى مكّة واستخلف على المدينة عروة بن الوليد بن محمّد بن عطيّة، ثم مضى من مكّة إلى اليمن واستخلف على مكّة ابن ماعز - رجل من أهل الشام - وبلغ عبد الله بن يحيى وهو بصنعاء مسيره فأقبل إليه بمن معه وقاتله فقتل عبد الله بن معاوية، وتفرّق أصحابه. ودخل ابن عطية صنعاء وبعث برأس عبد الله بن يحيى بن معاوية إلى مروان.

قتل قحطبة أهل جرجان

وفي هذه السنة قتل قحطبة من أهل جرجان زهاء ثلاثين ألف رجل وذلك أنّ أهل جرجان كان أجمع رأيهم بعد مقتل نباتة بن حنظلة على الخروج على قحطبة فبلغه ذلك. فدخل فاستعرضهم فقتل منهم من ذكرت.

رجع الحديث إلى قصة نصر مع أبي مسلم وقحطبة

ولمّا بلغ نصر بن سيّار، قتل نباتة ومن قتل من أهل جرجان وهو بقومس.

ارتحل حتى نزل خوار الريّ. وكتب أبو مسلم إلى زياد بن زرارة القشيري بعهده على نيسابور، وكتب إلى قحطبة يأمره أن يتبع نصرا فوجّه قحطبة العكّى على مقدّمته وسار حتى نزل نيسابور فأقام قحطبة بها شهر رمضان وشوّالا، ونصر نازل بقرية من قومس. فكتب نصر إلى ابن هبيرة يستمدّه ويعظّم الأمر عليه، فحبس ابن هبيرة رسله.

فكتب نصر إلى مروان:

« إني وجّهت إلى ابن هبيرة بوجوه أهل خراسان ليعلموه شدّة الأمر عندنا وسألته المدد فاحتبس رسلي ولم يمدّنى بأحد، وإنّما أنا بمنزلة من أخرج من حجرته إلى داره، ثم أخرج من داره إلى فناء داره، فإن أدركه من يعينه فعسى أن يعود إلى داره، وإن أخرج إلى الطريق فلا بقيّة له. » فكتب مروان إلى ابن هبيرة يأمره أن يمدّ نصرا، وأجاب نصرا يعلمه ذلك.

فكتب نصر إلى ابن هبيرة يسأله أن يعجّل إليه الجند، فإني قد كذبت أهل خراسان حتى ما يصدّق أحد منهم لي قولا فأمدّنى بعشرة آلاف قبل أن تمدّنى بمائة ألف ثم لا تغنى شيئا.

ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين ومائة

وارتحل نصر من قومس حتى نزل الخوار وأميرها أبو بكر العقيلي وكان قحطبة وجّه ابنه الحسن إلى قومس ثم وجّه قحطبة أبا كامل وأبا القاسم بن محرز بن إبراهيم وأبا العبّاس المروزي إلى الحسن في سبعمائة، فلمّا كانوا قريبا منه انحاز أبو كامل وترك عسكره وأتى نصرا فصار معه، وأعلمه مكان الجند الذين خلفهم، فوجّه نصر إليهم جندا، فأتوهم وهم في حائط، فحصروهم فنقّب عليهم فهرب القوم وخلّفوا متاعهم، فأخذه أصحاب نصر، فبعث به نصر إلى ابن هبيرة.

وكان ابن هبيرة قد أمدّ بغطيف في ثلاثة آلاف وقد بلغ الريّ فعرض غطيف لمّا أنفذه نصر وأخذ الكتاب من رسول نصر والمتاع وبعث به مع صاحبه إلى ابن هبيرة، فغضب نصر وقال:

« أبي يتلعّب ابن هبيرة؟ أيشغب عليّ بضغابيس قيس؟ أما والله لأدعنّه، فليعرفنّ أنّه ليس بشيء ولا ابنه الذي تربّض له الأشياء. » وسار نصر نحو الريّ وعلى الريّ حبيب بن بديل النهشلي، فلمّا بلغ غطيفا قرب نصر من الريّ خرج متوجّها إلى همذان، وفيها مالك بن أدهم بن محرز الباهلي، فلمّا رأى غطيف مالكا في همذان عدل منها إلى إصبهان، إلى عامر بن ضبارة. ولم يلتق نصر مع غطيف، ثم مرض نصر، وكان يحمل حملا وتوجّه إلى همذان فمات في الطريق.

وبلغ الحسن موت نصر، فبعث خزيمة بن خازم إلى سمنان، وأقبل قحطبة من جرجان، وقدّم أمامه زياد بن زرارة القشيري وكان زياد ندم على اتباع أبي مسلم، فانخزل عن قحطبة وأخذ طريق إصبهان يريد عامر بن ضبارة.

فوجّه قحطبة خلفه المسيّب بن زهير، فلحقه من غد العصر، فقاتله وانهزم زياد، وقتل عامّة من صحبه، ورجع المسيّب إلى قحطبة. ثم سار قحطبة إلى قومس، وبها ابنه الحسن، وقدم خزيمة بن خازم من الوجه الذي كان وجّهه فيه الحسن، وقدّم قحطبة ابنه الحسن إلى الريّ، وبلغ حبيب بن بديل النهشلي ومن معه من أهل الشام مسير الحسن فخرجوا عن الريّ، فقدمها الحسن وأقام حتى قدم أبوه، وكتب قحطبة إلى أبي مسلم بنزوله الريّ.

تحول أبي مسلم من مرو إلى نيسابور

وفي هذه السنة تحوّل أبو مسلم من مرو إلى نيسابور، وذلك لما ورد عليه كتاب قحطبة بنزوله الريّ، ووجّه قحطبة ابنه الحسن بعد نزوله الريّ بثلاث إلى همدان، فلمّا توجّه إليها خرج منها مالك بن أدهم فترك قوم من أصحاب مالك دواوينهم بعد أن بذلها لهم.

وسار مالك إلى نهاوند فيمن تبعه، وسار الحسن فنزل على أربعة فراسخ من المدينة، فأمدّه أبوه قحطبة بأبي الجهم بن عطية مولى باهلة في سبعمائة ووصّاه أن يحاصر المدينة. فذهب حتى حاصرها.

وفي هذه السنة قتل عامر بن ضبارة واستبيح عسكره.

ذكر الخبر عن ذلك وسببه

كان سبب ذلك أنّ ضبارة لمّا هزم عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر، تبعه إلى كرمان ليلحقه، وورد على يزيد بن عمر بن هبيرة مقتل نباتة بن حنظلة بجرجان فكتب إلى عامر بن ضبارة وإلى ابنه داود بن يزيد بن عمر أن يسيرا إلى قحطبة وكان بكرمان، فسار في خمسين ألفا حتى نزلوا إصبهان بمدينة جيّ، فكان يقال لعسكر ابن ضبارة: عسكر العساكر.

فبعث قحطبة مقاتلا وأبا حفص المهلّبي وموسى بن عقيل ومالك بن طريف في جماعة أمثالهم وعليهم جميعا العكّيّ، فسار حتى نزل قم.

وبلغ ابن ضبارة نزول الحسن على أهل نهاوند فأراد أن يأتيهم مغيثا لهم، وبلغ الخبر العكّى فبعث إلى قحطبة يعلمه ووجّه زهير بن محمّد إلى قاسان. وخرج العكّى من قم وخلّف بها طريف بن عجلان فكتب إليه يأمره أن يلبث بقم متلوّما حتى يقدم عليه. وأقبل قحطبة من الرّى وبلغه تلاقى طلائع العسكرين، فلمّا لحق قحطبة بمقاتل بن حكيم العكّى، ضمّه مع عسكره إلى عسكره وسار عامر بن ضبارة إليهم و [ بينه وبين ] وعسكر قحطبة فرسخ. ثم نهد إليه فالتقوا وكان قحطبة في عشرين ألفا وابن ضبارة في مائة وخمسين ألفا، فأمر قحطبة بمصحف، فنصب على رمح ثم نادى:

« يا أهل الشام، ندعوكم إلى ما في هذا المصحف. » فشتموه وأفحشوا له في القول.

فقال قحطبة:

« احملوا على اسم الله. » فحمل عليهم العكي، فلم يكن بينهم كثير قتال حتى انهزم أهل الشام وقتلوا قتلا ذريعا، وحووا عسكرهم فأصابوا شيئا لا يدرى ما عدده من السلاح والمتاع والرقيق، وبعث بالفتح إلى ابنه الحسن.

ذكر السبب في ذلك

وكان السبب في هزيمة ابن ضبارة أنّه كان في خيل لا رجّالة، معه، وكان قحطبة معه خيل ورجّالة فلمّا رمى الرجّالة الخيل بالنّشاب، انهزم أصحاب ابن ضبارة، فنزل ابن ضبارة في العسكر ونادى:

« إليّ، إليّ. » فمضى أصحابه وطووه وقحطبة في أثرهم حتى انتهوا إلى ابن ضبارة فقتله.

وكان داود بن يزيد بن عمر بن هبيرة فيمن انهزم. فسأل عامر عنه، فقيل:

انهزم. فقال:

« لعن الله شرّنا منقلبا. » فقاتل حتى قتل.

وقعة قحطبة بنهاوند

وفي هذه السنة كانت وقعة قحطبة بنهاوند بمن كان لجأ إليها من جنود مروان بن محمّد.

ذكر الخبر عن هذه الوقعة

لمّا قتل ابن ضبارة، وورد خبره على الحسن بن قحطبة، كبّر وكبّر جنده.

فقال عاصم بن عمير:

« ما صاح هولاء إلّا بقتل ابن ضبارة، فافرجوا عن الحسن بن قحطبة قبل أن يأتيه أبوه أو مدد من قبله. » فلا تقومون له.

فقال الرّجالة:

« تخرجون وأنتم فرسان على خيول فتذهبون وتخلّوننا. » فقال لهم مالك بن أدهم الباهلي:

« كتب إليّ ابن هبيرة ولا أبرح حتى يقدم عليّ. » فأقاموا وأقام قحطبة بإصبهان عشرين يوما، ثم سار حتى قدم على الحسن بنهاوند، فحصرهم ودعاهم إلى الأمان فأبوا، فوضع عليهم المجانيق. فلمّا اشتدّ عليهم الأمر، طلب مالك الأمان لنفسه ولأهل الشام، وأهل خراسان لا يعلمون.

فأعطاه الأمان فوفى لهم قحطبة ولم يقتل منهم أحدا وقتل من كان بنهاوند من أهل خراسان إلّا الحكم بن ثابت بن أبي مسعر. وقتل من أهل خراسان أبا كامل، وحاتم بن الحارث بن سريج، وابن نصر بن سيّار، وعاصم بن عمير، وعليّ بن عقيل، وبيهس بن بديل، ورجلا من ولد عمر بن الخطّاب يقال له:

البختريّ. ويقال إنّ قحطبة كان أرسل إلى أهل خراسان بنهاوند يدعوهم إلى الخروج إليه وأعطاهم الأمان. فأبوا ذلك. ثم أرسل إلى أهل الشام بمثل ذلك، فقبلوا الأمان وبعثوا إلى قحطبة أن:

« اشغل أهل المدينة حتى نفتح الباب وهم لا يشعرون. » ففعلوا ذلك. » وشغل قحطبة أهل المدينة بالقتال ففتح أهل الشام الباب الذي كانوا عليه، فلمّا رأى أهل خراسان الذين في المدينة خروج أهل الشام سألوهم عن سبب خروجهم فقالوا:

« أخذنا الأمان لنا ولكم. » فخرج رؤساء أهل خراسان، فدفع قحطبة كل رجل منهم إلى رجل من قوّاد أهل خراسان، ثم أمر مناديه أن ينادى:

« من كان في يده أسير ممّن خرج إلينا من المدينة فليضرب عنقه وليأتنا برأسه. » ففعلوا فلم يبق أحد من الذين كانوا هربوا من أبي مسلم وصاروا في ذلك الحصن إلّا قتل ما خلا أهل الشام، فإنّه خلّى سبيلهم وحلّفهم ألّا يمالئوا عليه عدوّا.

ووجّه قحطبة الحسن ابنه إلى مرج القلعة فقدّم الحسن خازم بن خزيمة إلى حلوان وعليها عبيد الله بن العلاء الكندي، فهرب من حلوان وخلّاها. ووجّه قحطبة أبا عون عبد الملك بن يزيد الخراساني، ومالك بن طواف الخراساني في أربعة آلاف إلى شهرزور وبها عثمان بن سفيان على مقدّمته عبد الله بن مروان، فقدم ابن عون وقاتل عثمان قتالا شديدا ثم هرب عثمان واستباح ابن عون عسكره.

ولمّا بلغ مروان خبر ابن عون وهو بحرّان ارتحل ومعه جنود الشام والجزيرة والموصل وحشرت معه بنو أميّة أبناءهم، وسار مقبلا حتى انتهى إلى الموصل. ثم أخذ في حفر الخنادق من خندق إلى خندق حتى نزل الزاب الأكبر. وأقام ابن عون بشهرزور وفرض بها لخمسة آلاف رجل.

مسير قحطبة نحو ابن هبيرة

وفي هذه السنة سار قحطبة نحو ابن هبيرة. ولمّا قدم على ابن هبيرة ابنه منهزما من حلوان، خرج يزيد بن عمر بن هبيرة إلى قتال قحطبة في عدد كثير لا يحصى وكان مروان أمدّ ابن هبيرة بحوثرة بن سهيل الباهلي، فسار ابن هبيرة حتى نزل جلولا الوقيعة وخندق، فيقال: إنّه احتفر [ الخندق ] الذي كانت العجم الحتفرته أيام وقعة جلولا فأقام وأقبل قحطبة فارتفع إلى عكبرا، وأجاز قحطبة دجلة ومضى حتى نزل دمّما دون الأنبار وارتحل ابن هبيرة بمن معه منصرفا يبادر قحطبة إلى الكوفة حتى نزل فم الفرات في شرقيّة وقدّم حوثرة في خمسة عشر ألفا إلى الكوفة وقطع قحطبة الفرات من دممّا حتى صار في غربيّه، ثم سار يريد الكوفة حتى انتهى إلى الموضع الذي فيه ابن هبيرة. فيقال: إنّ حوثرة بن سهيل أشار على ابن هبيرة وقال له:

« إنّ قحطبة قد مضى إلى الكوفة، فاقصد أنت لخراسان ودعه ومروان، فإنّك تكسره وبالحريّ أن يتبعك. » فأبى وقال:

« ما كنت لأدعه والكوفة بل أبادره إليها. » وقال قحطبة لأصحابه:

« هل تعلمون طريقا يخرجنا إلى الكوفة لا يمرّ بابن هبيرة؟ » فقال بعضهم:

« نعم، تعبر تامرّا من روستقباد وتلزم الجادّة إلى برزج سابور وعكبرا ثم تعبر دجلة إلى أوانا. » ويقال: إنّه لمّا بلغ الفرات سأل:

« هل هناك مخاضة؟ » فدّلوه عليها. فنزل قحطبة الجازية وقال:

« صدقنى الإمام، أخبرني أنّ النصر بهذا المكان. » وأعطى الجند أرزاقهم، فردّ عليه كاتبه ستّة عشر ألف درهم من فضل الدرهم والدرهمين وأقل وأكثر فقال:

« لا تزالون بخير ما كنتم على هذا. » ووافته مقدّمة خيول ابن هبيرة فلمّا انتهى ابن هبيرة إلى المخاضمة اقتحم في عدّة، فحملوا على أصحاب ابن هبيرة حتى انهزموا ومضى حوثرة حتى نزل قصر ابن هبيرة، وأصبح أهل خراسان وقد فقدوا أميرهم فألقوا بأيديهم، وعلى الناس الحسن بن قحطبة.

واختلف الناس في هلاك قحطبة، فزعم بعضهم أنّه غرق، وادّعى قتله غير واحد ممّن كان وتره، زعم كلّ واحد أنّه أصاب فرصته منه في الماء فقتله.

فقال الناس:

« أيّها الناس، من كان عنده عهد من قحطبة فليخبرنا به. » فقال مقاتل بن مالك العكّيّ:

« سمعت قحطبة يقول: إن حدث بي حدث فالحسن أمير الناس. » فبايع الناس حميد بن قحطبة للحسن أخيه، وأرسلوا إلى الحسن، فلحقه الرسول دون قرية شاها فرجع الحسن فأعطاه أبو الجهم خاتم أبيه، وبايعه الناس. فقال الحسن:

« إن كان قحطبة قد مات فأنا ابن قحطبة. » وكان أحد من ادّعى قتل قحطبة معن بن زائدة ويحيى بن حصين. وقال قوم: وجد قحطبة قتيلا في جدول، وحرب بن سلم بن أحوز قتيل إلى جنبه.

فظنّوا أنّ كلّ واحد منها قتل صاحبه.

وحكى عن قحطبة أنّه قال:

« إذا قدمتم الكوفة فوزير الإمام أبو سلمة، فسلّموا الأمر إليه. » ورجع ابن هبيرة إلى واسط بعد أن انهزم حوثرة. وأمر الحسن بن قحطبة بإحصاء ما وجد في عسكر ابن هبيرة، وأمر بحمل الغنائم في السفن إلى الكوفة.

وخرج محمّد بن خالد بن يزيد السرى بالكوفة وسوّد قبل أن يدخلها الحسن بن قحطبة وضبطها.

ذكر الخبر عما كان من أمره وضبطه الكوفة إلى أن وصل الحسن

ظهر محمّد بن خالد بالكوفة وسوّد وسار إلى القصر وعلى الكوفة يومئذ زياد بن صالح الحارثي. فارتحل زياد ومن معه من أهل الشام وخلّوا القصر، فدخله محمّد بن خالد فلمّا أصبح يوم الجمعة من غد يوم دخوله - وهو اليوم الثاني من مهلك قحطبة - بلغه نزول حوثرة ومن معه مدينة ابن هبيرة، وأنّه تهيّأ للمسير إليه. فتفّرق عن محمّد عامّة من معه حيث بلغهم ذلك، إلّا فرسانا من أهل الشام من اليمن كانوا هربوا من مروان ومواليه.

وراسله أبو سلمة الخلّال من غير أن يظهر له يأمره بالخروج من القصر واللحاق بأسفل الفرات وأنّه يخاف عليه لقلّة من معه وكثرة من مع حوثرة ولم يبلغ واحدا منهما هلاك قحطبة، فأبى محمّد بن خالد أن يفعل وتعالى النهار فتهيّأ حوثرة للمسير إلى محمّد بن خالد حيث بلغه قلّة من معه وخذلان العامّة إيّاه. فبينا محمّد في القصر إذ أتاه بعض طلائعه وقال:

« خيل قد جاءت من أهل الشام. » فوجّه إليهم عدّة من مواليه، فأقاموا بباب دار عمر بن سعد إذ طلعت رايات أهل الشام فتهيّأوا لقتالهم فنادى أهل الشام:

« نحن بجيلة وفينا مليح بن خلف البجلي جئنا لندخل في طاعة الأمير محمّد. »

فتركوهم ودخلوا ثم جاءت خيل أعظم من تلك فيها جهم بن الأصفح الكلبي. ثم جاءت خيل أعظم منها مع رجل من آل بحدل فلمّا رأى ذلك حوثرة من صنيع أصحابه ارتحل نحو واسط بمن معه.

وكتب محمّد بن خالد من ليلته إلى قحطبة وهو لا يعلم بهلاكه يعلمه أن قد ظفر بالكوفة، وعجّل به مع فارس، فقدم على الحسن بن قحطبة فقرأه على الناس. ثم ارتحل إلى الكوفة، وأقام محمّد بالكوفة الجمعه والسبت والأحد، وصبّحه الحسن يوم الاثنين، فأتوا أبا سلمة وهو في بنى مسلمة فاستخرجوه، فعسكر بالنخيلة يومين، ثم ارتحل إلى حمّام أعين.

ووجه الحسن بن قحطبة إلى واسط لقتال ابن هبيرة. وكان أبو سلمة يعرف بوزير آل محمّد حتى اتّهم.

حسن بن قحطبة يوجه إلى قتال ابن هبيرة

ولمّا وجّه الحسن بن قحطبة إلى قتال ابن هبيرة ضمّ إليه ستّة عشر قائدا منهم خازم بن خزيمة ومقاتل العكّى، وخفاف بن منصور، وأشباههم من الوجوه ووجّه حميد بن قحطبة إلى المدائن في قوّاد، وبعث خالد بن برمك إلى دير قنّى، وبعث شراجيل إلى عين التمر، ووجّه بسّام بن إبراهيم بن بسّام إلى الأهواز - وبها عبد الواحد بن عمر بن هبيرة - وبعث مع حفص بن سبيع إلى سفيان بن معاوية بعهده على البصرة وتقدّم إليهم بإظهار دعوة بنى العبّاس ويدعو إلى الإمام القائم منهم.

فأمّا بسّام فإنّه لمّا أتى الأهواز خرج منها عبد الواحد إلى البصرة. وأمّا سفيان فإنّه لمّا قدم عليه الكتاب والعهد قاتله سلم بن قتيبة ولم يسلّم له، وكان مبدأ قتاله إيّاه أنّ سفيان كتب إليه يأمره بالتحوّل عن دار الإمارة ويخبره بما أتاه من رأى أبي سلمة، فامتنع سلم وحشد إليه سفيان اليمانيّة وحلفاءهم من ربيعة وغيرها، وجنح إليه قائد من قوّاد ابن هبيرة كان بعثه مددا لسلم في ألفى رجل فأجمع السير إلى سلم بن قتيبة فاستعدّ سلم له وحشد من قدر عليه من قيس ومضر وموالي بني أمية وأشياعهم.

وسارت بنو أميّة الذين بالبصرة إلى نصره فقدم - سفيان في صفر، فأتى المربد سلم، فوقف منه في سوق الإبل، ووجّه الخيول في سكك البصرة للقاء من وجّه إليه سفيان. ونادى:

« من جاء برأس فله خمسمائة، ومن جاء بأسير فله ألف درهم. » ومضى ابن سفيان واسمه معاوية في ربيعة خاصّة، فلقيه خيل من تميم في سكّة فطعن رجل [ منهم ] فرس معاوية، فشبّ به وصرعه. ونزل إليه آخر فقتله وحمل رأسه إلى سلم بن قتيبة فأعطاه عشرة آلاف درهم فانكسر سفيان لقتل ابنه، فانهزم ومن معه وخرج من فوره هو وأهل بيته حتى أتوا القصر الأبيض فنزلوه، ثم ارتحلوا منه إلى كسكر. وتغلّب على البصرة سلم، ثم أتاه كتاب ابن هبيرة أن يصير إلى الأهواز، وتغلّب بالبصرة جماعة بقوا فيها أيّاما يسيرة. وقام أبو العبّاس السفّاح فولّاها سفيان بن معاوية.

[ تجارب العصر العباسي ]

خلافة أبي العباس السفاح

وفي هذه السنة بويع لأبي العبّاس عبد الله بن محمّد بن عليّ بن عبد الله بن العبّاس بن عبد المطلب، ليلة الجمعة لثلاث عشرة مضت من شهر ربيع الآخر. وقيل كان ذلك سنة اثنتين وثلاثين ومائة.

ذكر الخبر عن خلافة أبي العباس وسببها

كان بدء ذلك - فيما ذكر - أنّ رسول الله أعلم العبّاس عمّه أنّ الخلافة تؤول إلى ولده. فلم يزل ولده يتوقّعون ذلك ويتداولون أخبارا بينهم ويسمون محمّد بن علي: أبا الأملاك. ولمّا خالف ابن الأشعث وكتب الحجّاج إلى عبد الملك أرسل عبد الملك إلى خالد بن يزيد فأخبره فقال:

أمّا إذا كان الفتق من سجستان فليس عليك بأس. إنّما كنّا نتخوّف لو كان من خراسان.

وكان محمّد بن عليّ بن عبد الله بن العبّاس ينتظر أوقاتا معلومة عنده وينتظر الأمر لولده ولا يسمّى أحدا وكنّا أخبرنا خبر محمّد بن عليّ وخبر الدعاة الذين وجّههم إلى خراسان. ثم مات محمّد بن عليّ وجعل وصيّه من بعده إبراهيم بن محمّد ابنه، فبعث إبراهيم أبا سلمة حفص بن سليمان مولى السّبيع وكتب معه إلى النقباء بخراسان، فقبلوا كتبه إلى أن قام بأمرهم أبو مسلم.

ثم كان من وقوع كتاب إبراهيم إلى أبي مسلم في يد مروان ما كان، وقد ذكرناه. فوجّه إليه مروان وهو بالحميمة، فأخذه وحبسه.

فحكى أنّ عبد الحميد بن يحيى كاتب مروان قال لمروان بن محمّد:

« هل تتّهمنى؟ » قال: « لا. » قال: « أيحطّك مصاهرة إبراهيم بن محمّد بن عليّ؟ » قال: « لا. » قال: « فإني أرى أمره تبيّغ فأنكحه وأنكح إليه، فإن ظهر كنت أعلقت بينك وبينه سببا لا يريبك معه وإن كفيته لم يشنك صهره. » فقال: « ويحك لو علمته صاحب ذاك سبقت إليه ولكن ليس بصاحبه. » فذكر أنّ إبراهيم حين أخذ ليمضى به إلى مروان نعى نفسه إلى أهل بيته حين شيّعوه، وأمرهم بالمسير إلى الكوفة مع أخيه أبي العبّاس عبد الله بن محمّد بن عليّ وأوصى إلى أبي العبّاس أخيه، وجعله الخليفة من بعده، وتقدّم إلى الباقين بالسمع له والطاعة.

فشخص أبو العبّاس عند ذلك ومن معه من أهل بيته حتى قدموا الكوفة في صفر. فأنزلهم أبو سلمة دار الوليد بن سعد مولى بنى هاشم في بنى أود. وكتم أمرهم من جميع القوّاد والشيعة نحوا من أربعين ليلة.

وأراد أبو سلمة فيما ذكر تحويل الأمر إلى آل أبي طالب لمّا بلغه موت إبراهيم بن محمّد. فأتى أبا سلمة أبو الجهم وقال له:

« ما فعل الإمام؟ » قال: « لم يقدم بعد. » ثم عاوده أبو الجهم وألحّ عليه في السؤال. قال:

« قد أكثرت وليس هذا زمان خروجه. » فلقى أبو حميد خادما لأبي العبّاس يقال له: سابق الخوارزمي. فسأله عن أصحابه فأخبره أنّهم بالكوفة. وإنّ أبا سلمة أمرهم أن يختفوا. فجاء به إلى أبي الجهم فأخبروه خبرهم فسّرح أبو الجهم أبا حميد مع سابق، حتى عرف منزلهم بالكوفة ثم رجع ومعه إبراهيم بن سلمة فأخبر أبا الجهم عن منزلهم ونزول الإمام في بنى أود، وشكا أنّه أرسل الإمام حين قدموا إلى أبي سلمة يسأله مائة دينار لأجرة الحمّالين، فلم يفعل. فحمل أبو الجهم وأبو حميد على يد إبراهيم مائتي دينار إلى الإمام، ثم مضوا إلى أبي سلمة وسألوه عن الإمام فقال:

« ليس هذا وقت خروجه، واسط بعد ما فتحت. » فاجتمع الشيعة على أن يلقوا الإمام وائتمروا بينهم وقالوا:

« قد شاع في العسكر أنّ مروان قد قتل إبراهيم وأنّ أخاه أبا العبّاس هو الخليفة من بعده. » ومشى القوّاد والشيعة تلك الليلة ثم تسلّلوا من الغد، فمضى جماعة منهم إلى الإمام وبلغ أبا سلمة وأتى القوم أبا العبّاس فقالوا:

« أيّكم عبد الله بن محمّد بن الحارثيّة؟

قالوا: « هذا. » فسلّموا عليه بالخلافة، ورجع أبو الجهم وموسى بن كعب وأقام الباقون عند الإمام. فأرسل أبو سلمة إلى أبي الجهم:

« أين كنت ركبت؟ » قال: « ركبت إلى إمامى. » فحينئذ ركب أبو سلمة إليهم. فأرسل أبو الجهم إلى أبي حميد: أنّ أبا سلمة قد أتاكم فلا يدخلنّ على الإمام إلّا وحده.

فلمّا انتهى إليهم أبو سلمة منعوه أن يدخل معه أحد. فدخل وحده وسلّم بالخلافة على أبي العبّاس.

وخرج أبو العبّاس على برذون أبلق يوم الجمعة، فصلّى بالناس.

فيقال: إنّ أبا سلمة لمّا سلّم على أبي العبّاس بالخلافة قال له أبو حميد:

« على رغم أنفك، يا ماصّ بظر أمّه. » فقال أبو العبّاس:

« مه. »

أبو العباس يريد أن يجعلها شورى بين ولد علي والعباس

وروى من عدّة وجوه أنّ أبا العبّاس السفّاح قدم هو وأهله سرّا على أبي سلمة الخلّال بالكوفة فستر أمرهم وعزم على أن يجعلها شورى بين ولد عليّ والعبّاس حتى يختاروا منهم من أرادوا. ثم قال:

« أخاف ألّا يتفقوا. » فعزم أن يعدل بالأمر إلى ولد الحسين أو الحسن عليهم السلام. فكتب إلى ثلاثة نفر منهم جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين وعمر بن عليّ بن الحسين بن عليّ وعبد الله بن الحسن بن الحسن بن عليّ عليهم السلام. ووجّه بكتبهم مع رجل من مواليهم من ساكني الكوفة.

فبدأ بجعفر بن محمّد فلقيه ليلا فأعلمه أنّه رسول أبي سلمة وأنّ معه كتابا إليه.

فقال:

« وما أنا وأبو سلمة؟ هو شيعة لغيري. » فقال الرسول: « تقرأ الكتاب وتجيب بما رأيت. » فقال جعفر لخادمه: « قرّب السراج مني. » فقرّبه فوضع عليه كتاب أبي سلمة فأحرقه.

قال: « ألا تجيبه؟ » قال « قد رأيت الجواب. » ثم أتى عبد الله بن الحسن، فقرأ كتابه وركب إلى جعفر بن محمّد. فقال له جعفر:

« أمر جاء بك يا با محمّد؟ لو أعلمتنى لجئتك. » قال: « وأيّ أمر؟ هو ممّا يجلّ عن الوصف. » قال: « وما هو؟ » قال: « هذا كتاب أبي سلمة يدعوني إلى الخلافة ويراني أحقّ الناس به. وقد جاء به شيعتنا من خراسان. » فقال له جعفر :

« ومتى صاروا شيعتك؟ أنت وجّهت أبا مسلم إلى خراسان وأمرته بلبس السواد. هل تعرف أحدا منهم باسمه ونسبه؟ كيف يكونون شيعتك وأنت لا تعرف أحدا منهم ولا يعرفونك؟ » فقال عبد الله:

« ما هذا الكلام منك إلّا لشيء. » فقال له جعفر:

« قد علم الله أنّى أوجب النصح على نفسي لكلّ مسلم وكيف أدّخره عنك فلا تمنّينّ نفسك إلّا الأباطيل فإنّ هذه الدولة تتمّ لهم وما هي لأحد من ولد أبي طالب. وقد جاءني ما جاءك، فلم أجبّ إلّا بما ستعرف خبره. » فانصرف غير راض بما قاله.

وأمّا عمر بن عليّ بن الحسين فإنّه ردّ الكتاب وقال:

« ما أعرف كاتبه. » وأبطأ أمر أبي سلمة على أبي العبّاس ومن معه. فخرج أصحاب له يطوفون بالكوفة فلقى حميد بن قحطبة ومحمد بن صول رجلا من مواليهم فعرفاه. إنّه كان يحمل كتب محمّد بن عليّ وإبراهيم بن محمّد إليهما. فسألاه عن الخبر وأعلمهما أنّ القوم قد قدموا منذ أيّام وأنّهم في سرداب يعرف ببني أود، فصار إلى الموضع وسلّما عليهم وقالا:

« أيّكما عبد الله؟ » فقال أبو العبّاس وأبو جعفر:

« كلانا عبد الله. » فقالا:

« أيّكما ابن الحارثية؟ » فقال أبو العبّاس: « أنا. » فقالا: « السلام عليك يا أمير المؤمنين. » ودنوا منه فبايعاه، وأخرجاهم إلى المسجد الجامع فصعد أبو العبّاس المنبر، فحصر، فصعد عمّه داود بن عليّ، وقام دونه بمرقاة، وخطب خطبته المشهورة.

أول خطبة خطبها أبو العباس السفاح

ولمّا صعد أبو العبّاس المنبر حين بويع له بالخلافة قام في أعلاه، فقال:

« الحمد الله الذي اصطفى الإسلام لنفسه فكرّمه وشرّفه واختاره لنا، وأيّدنا به، وجعلنا أهله وكهفه وحصنه، والقوّام به والذابّين عنه والناصرين له، وألزمنا كلمة التقوى، وجعلنا أحقّ بها وأهلها، خصّنا برحم رسول الله وقرابته، وأنشأنا من آباءه وأنبتنا من شجرته واشتقّنا من نبعته وجعله من أنفسنا عزيزا عليه ما عنتنا حريصا علينا بالمؤمنين رؤوفا رحيما وأنزلنا من الإسلام وأهله بالموضع الرفيع وأنزل بذلك كتابا يتلى فقال تبارك وتعالى: إِنَّما يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا. وقال: [ قُلْ ] لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ في الْقُرْبى. وقال: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ. وقال: ما أَفاءَ الله عَلى رَسُولِهِ من أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى.

فأعلمهم جلّ وعزّ فضلنّا، وأوجب عليهم حقّنا ومودّتنا، وأجزل من الفيء والغنيمة نصيبنا، تكرمة علينا وفضلا علينا، والله ذو الفضل العظيم. »

ثم ذكر جور بني أمية وظلمهم ووعد الناس من نفسه خيرا وقال في آخر كلامه:

« وقد زدتكم في أعطياتكم مائة درهم فاستعدّوا فإني أنا السفّاح المبيح والثائر المبير.

وكان موعوكا فاشتدّ به الوعك، فجلس على المنبر. وصعد داود بن عليّ، فقام دونه على مراقي وقال:

« الحمد لله شكرا شكرا، الذي أهلك عدوّنا وأصار إلينا ميراثنا من نبينا محمّد .

« أيّها الناس، الآن أقشعت حنادس الدنيا، وانكشف غطاؤها، وأشرقت أرضها وسماؤها، وطلعت الشمس من مطلعها، وبزغ القمر من مبزغه، وأخذ القوس باريها وعاد السهم إلى منزعه ورجع الحقّ في نصابه في أهل بيته أهل الرأفة والرحمة بكم والعطف عليكم.

« أيها الناس، إنّا والله ما خرجنا في هذا الأمر لنكنز لجينا ولا ذهبا ولا لنحفر نهرا أو نبنى قصرا وإنّما أخرجنا الأنفة من ابتزازهم حقّنا، والغضب لبنى عمّنا وما كرثنا من أمورنا وبهظنا من شؤونكم. » ثم وعد الناس خيرا وقال:

« أيها الناس، إنّ أمير المؤمنين - نصره الله نصرا عزيزا - إنّما قطعه عن استتمام الكلام شدّة الوعك، فادعوا الله لأمير المؤمنين بالعافية. » فعجّ له الناس بالدعاء. ثم قال:

« أيها الناس، إنّه ما صعد منبركم هذا خليفة بعد رسول الله إلّا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب وأمير المؤمنين هذا - وأشار بيده إلى أبي العبّاس - واعلموا أنّ هذا الأمر فينا ليس بخارج منّا حتى نسلّمه إلى عيسى بن مريم . » ثم نزل داود بن عليّ، ونزل أبو العباس حتى دخل القصر، وأجلس أبا جعفر أخاه يأخذ البيعة على الناس في المسجد، فلم يزل يأخذها حتى صلّى بهم العصر، ثم صلّى بهم المغرب وجهنّم الليل، فدخل.

وذكر أنّ داود بن عليّ وابنه كانا بالعراق أو بغيرها، فخرجا يريدان الشراة، فلقيهما أبو العبّاس ومعه أخوه أبو جعفر ومعهما عبد الله بن عليّ، وعيسى بن موسى، وصالح وعبد الصمد، وإسماعيل، وعبد الله بنو عليّ، ويحيى بن محمّد، وعبد الوهّاب ومحمّد ابنا إبراهيم، وموسى بن داود، ويحيى بن جعفر بن تمام بن العبّاس، ونفر من مواليهم بدومة الجندل. فقال لهم داود:

« أين تريدون وما قصّتكم؟ » فقصّ عليه أبو العبّاس فصّتهم وأنّهم يريدون الكوفة ليظهروا بها ويظهروا أمرهم.

فقال له داود:

« يا با العبّاس، تأتى الكوفة وشيخ بنى مروان بحرّان - يعنى مروان بن محمّد - وهو مظلّ على العراق في أهل الشام والجزيرة وشيخ العرب يزيد بن عمر بن هبيرة بالعراق في حلبة العرب.

فقال له أبو العباس:

« يا عمّ، من أحبّ الحياة ذلّ. » ثم تمثّل بقول الأعشى.

فما ميتة إن متّها غير عاجز ** بعار إذا ما غالت النفس غولها

فالتفت داود إلى ابنه موسى فقال:

« صدق والله ابن عمّك، ارجع بنا معه نعش أعزّاء أو نموت كراما. » فرجعوا معه. وكان عيسى بن موسى إذا ذكر خروجهم من الحميمة يريدون الكوفة يقول:

« إنّ ركبا أربعة عشر خرجوا من دارهم وأهليهم يطلبون ما طلبنا لعظيمة هممهم، كبيرة أنفسهم، شديدة قلوبهم. » وخرج أبو العبّاس بحمّام أعين في عسكر أبي سلمة فنزل معه في حجرته وحاجب أبي العبّاس عبيد الله بن بسّام واستخلف على الكوفة وأرضيها داود بن عليّ وبعث عمّه عبد الله بن عليّ إلى أبي عون وبعث ابن أخيه عيسى بن موسى إلى الحسن بن قحطبة وهو يومئذ بواسط محاصر ابن هبيرة، وبعث يحيى بن جعفر بن تمّام بن العبّاس إلى حميد بن قحطبة بالمدائن، وبعث أبا اليقظان عثمان بن عروة بن محمّد بن عمّار بن ياسر إلى بسّام بن إبراهيم بن بسّام بالأهواز، وبعث سلمة بن عمرو بن عثمان إلى مالك بن طوّاف.

وأقام أبو العبّاس في العسكر أشهرا، ثم ارتحل فنزل المدينة الهاشميّة في قصر الإمارة، وقد كان تنكّر لأبي سلمة قبل تحوّله حتى عرف بذلك.

وفي هذه السنة هزم مروان بن محمّد.

هزيمة مروان بن محمد ذكر الخبر عن هذه الوقعة وسببها

كان أبو عون وجّهه قحطبة إلى شهرزور وبها عثمان بن سعيد من قبل مروان فقتله أبو عون وأقام بناحية الموصل وبلغ ذلك مروان، فأقبل من حرّان حتى سار إلى الموصل فنزل على الزاب وحفر خندقا، فسار إليه أبو عون، فنزل الزاب، ووجّه أبو سلمة إليه مددا وعدّة من القوّاد. فلمّا ظهر أبو العبّاس، بعث إليه أيضا عدّة من القوّاد ومددا آخرين.

ثم قال أبو العبّاس:

« من يسير إلى مروان من أهل بيتي؟ » فقال عبد الله بن عليّ:

« أنا. » فقال:

« سر على بركة الله. » فسار عبد الله بن عليّ حتى قدم على أبي عون فتحوّل له أبو عون عن سرادقه وخلّاه له بما فيه. فسأل عبد الله بن عليّ عن مخاضة فدلّ عليها بالزاب، فأمر عيينة بن موسى فعبر في خمسة آلاف، وانتهى إلى عسكر مروان، فقاتلهم حتى أمسوا، ورفعت لهم النيران فتحاجزوا، فرجع عيينة إلى عسكر عبد الله بن عليّ، فأصبح مروان فعقد جسرا، وسرّح ابنه عبد الله وقال له:

« امض حتى تكون أسفل من عسكر ابن علي. » وبعث إليه من ورائه من يشغله، ففعل ذلك وبعث عبد الله بن عليّ المخارق بن عفّان في أربعة آلاف حتى نزل على خمسة أميال من عسكر عبد الله بن مروان. فبعت عبد الله بن مروان الوليد بن معاوية، وسار إليه مروان فقال مروان لمّا التقى العسكران لعبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز:

« إن زالت الشمس اليوم فلم يقاتلونا، كنّا الذين ندفعها إلى عيسى بن مريم، وإن قاتلونا قبل الزوال فإنّا لله وإنّا إليه راجعون. » وأرسل مروان إلى عبد الله بن عليّ يسأله المواعدة فقال عبد الله:

« كذب ابن زريق، لا تزول الشمس حتى أوطئه الخيل إن شاء الله. » فقال مروان لأهل الشام:

« لا تبدأوهم. » وجعل ينظر إلى الشمس. فحمل الوليد بن معاوية بن مروان وهو ختن مروان على ابنته. فغضب وشتمه وتمّم الوليد حملته، فهزم أبا عون فانحاز إلى عبد الله بن عليّ. فقال موسى بن كعب:

« مر الناس أن ينزلوا. » فنودي:

« الأرض، الأرض. » فنزل الناس وأشرعوا الرماح وجثوا على الركب فحمل أهل الشام كأنهم جبال حديد، ومالوا على أصحاب عبد الله بن عليّ كأنّهم سحابة فصبروا لهم على حالهم. فقال:

« إنّ مروان كان لا يدبّر شيئا إلّا عرض فيه خلل وفساد. » حتى قال:

« أخرجوا إلى الناس الأموال. » فأخرجت وقال للناس:

« اصبروا وقاتلوا، وهذه الأموال لكم. » فجعل ناس يصيبون من ذلك المال، فأرسل إليه:

« إنّ الناس قد مالوا إلى هذا المال، ولا نأمنهم أن يذهبوا به. » فأرسل إلى ابنه عبد الله أن:

« سر إلى مؤخّر عسكرك، فمن مرّ بك ومعه شيء من المال فاقتله وامنعهم. » فمال عبد الله برايته وتبعه أصحابه. فقال الناس:

« الهزيمة. » فانهزموا.

قتل إبراهيم محمد وما قالوه في سبب قتله

وفي هذه السنة كان قتل إبراهيم بن محمّد بن عبد الله بن عليّ بن العبّاس. وقد اختلف الناس فيه فقال بعضهم: لم يقتل ولكن مات في السجن بالطاعون. وقيل: لمّا انهزم مروان بالزاب عاد إلى حرّان، فاستعرض أهل السجن، فوجدهم قد هلكوا وقتل خليفة مروان بعضهم. فأطلق مروان من بقي منهم، وكان إبراهيم الإمام ممّن هلك. ويقال: بل هدم مروان عليه بيتا فقتله. وحكى بعض خدم إبراهيم ممّن كان يخدمه في محبسه قال: كان معه في الحبس عبد الله بن عمر بن عبد العزيز وشراحيل بن معاوية بن هشام بن عبد الملك فخصّ بين إبراهيم وشراحيل، وكانا يتزاوران، فأتاه رسول من شراحيل يوما بلبن فقال:

« يقول لك أخوك إني شربت من هذا اللبن فاستطبته، فأحببت أن تشرب منه. »

فتناوله، فشرب منه فتوصّب من ساعته وتكسّر جسده. وكان يوما يأتى فيه شراحيل، فأبطأ عليه.

فأرسل إليه: « جعلت فداك قد أبطأت فما حبسك؟ » فأرسل إليه: « إني لمّا شربت اللبن الذي أرسلت به إليّ أخلفنى. » فأتاه شراحيل مذعورا وقال:

« لا والله الذي لا اله إلّا هو، ما شربت اليوم لبنا ولا أرسلت به إليك فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، أحتيل لك والله. » قال: فما بات إلّا ليلته وأصبح من الغد ميّتا. وفي هذه السنة قتل مروان بن محمّد.

ذكر الخبر عن مقتل مروان وما عومل به في طريقه وهو هارب وما لقي من أصحابه

حكى أبو هاشم مخلّد بن محمّد قال: لمّا هزم مروان من الزاب كنت في عسكره، وكان معه مائة وعشرون ألفا، وكان عبد الله بن عليّ في عشرين ألفا، فلمّا انهزم مروان سار إلى الموصل وعليها هشام بن عمرو وبشر بن خزيمة، فقطعا الجسر ومنعاه.

فناداهم أهل الشام:

« هذا مروان. » قالوا: « كذبتم، أمير المؤمنين لا يفرّ. » فسار إلى بلد فعبر دجلة، ثم أتى دمشق وخلّف بها الوليد بن معاوية، وقال:

« قاتلهم حتى يجتمع أهل الشام. »

ومضى مروان إلى فلسطين فنزل نهر أبي فطرس وقد غلب على فلسطين الحكم بن ضبعان الجذامي وسوّد. فأرسل مروان إلى عبد الله بن يزيد بن روح بن زنباع فأجازه وكتب أبو العبّاس إلى عبد الله بن عليّ يأمره باتباع مروان.

فسار عبد الله إلى الموصل فتلقّاه هشام بن عمرو، وبشر بن خزيمة قد سوّد في أهل الموصل، وفتحوا له المدينة، وولّى الموصل ابن صول. ثم سار إلى حرّان، فهدم الدار التي حبس فيها إبراهيم بن محمد. ثم سار من حرّان إلى منبج وقد سوّدوا، فنزل مدينة منبج وقدم عليه أبو حميد المروروذى، وبعث إليه أهل قنّسرين ببيعتهم كما أتاه به عنهم أبو أميّة. وقدم عليه عبد الصمد بن عليّ أمدّه به أبو العبّاس في أربعة آلاف فأقام يومين بعد قدوم عبد الصمد. ثم سار إلى قنّسرين فأتاها وقد سوّد سار إلى بعلبك فأقام يومين ثم ارتحل فنزل مزّة قرية من قرى دمشق، وقدم عليه صالح بن عليّ مددا فنزل مرج عكبراء في ثمانية آلاف، وفرّق أصحابه على أبواب دمشق وحاصروها والبلقاء، وتعصّب الناس بالمدينة وقتل بعضهم بعضا، وقتلوا الوليد، وفتحوا المدينة سنة اثنتين وثلاثين ومائة.

وكان أوّل من صعد السور من باب الشرقي عبد الله الطائي ومن قبل باب الصغير بسّام بن إبراهيم فقتل بها ثلاث ساعات. ثم أمر بالكفّ.

وأقام عبد الله بن عليّ بدمشق ثمانية عشر يوما. ثم سار يريد فلسطين فنزل بهم الكسوة، ووجّه منها يحيى بن جعفر الهاشمي إلى المدينة ثم ارتحل إلى الأردن، فأتوه وقد سوّدوا. ثم سار إلى مرج الروم ثم أتى نهر أبي فطرس.

وقد هرب مروان فأقام بفلسطين وجاءه كتاب أبي العبّاس أن وجّه صالح بن عليّ في طلب مروان. فسار صالح بن عليّ من نهر أبي فطرس ومعه ابن قنّان وعامر بن إسماعيل وأبو عون. فقدّم أبا عون وعلى مقدّمته وسار فنزل الرملة، ثم سار فنزل ساحل البحر وجمع صالح بن عليّ السفن وتجهّز يريد مروان وهو بالفرما، فسار على الساحل والسفن حذاءه في البحر، حتى نزل العريش، وبلغ مروان، فأحرق ما كان حوله من علف وطعام، وهرب.

ومضى صالح بن عليّ، فنزل النيل، ثم سار حتى نزل الصعيد. وبلغه أن خيلا لمروان بالساحل يحرقون الأعلاف، فوجّه إليهم قوّادا فأخذوا رجالا وقدموا بهم على صالح وهو بالفسطاط، فعبر مروان النيل وقطع الجسر وحرق ما حوله. ومضى صالح يتبعه فالتقى هو وخيل لمروان على النيل، فاقتتلوا، فهزمهم صالح، ثم مضى إلى خليج فصادف عليه خيلا لمروان فأصاب منهم طرفا وهزمهم ثم ارتحل فنزل موضعا يقال له ذات الساحل. وقدّم أبا عون ومعه شعبة بن كثير المازني، فلقوا خيلا لمروان فهزموهم فأسروا منهم رجالا، فقتلوا بعضهم واستحيوا بعضا وسألوهم عن مروان، فقالوا:

« إن آمنتمونا دللناكم على مكانه. » فآمنوهم، فأخبروهم به. وساروا فوجدوه نازلا في كنيسة بوصير، ووافوه في آخر الليل، فهرب الجند وخرج إليهم مروان في نفر يسير، فأحاطوا به فقتلوه.

اتفاق عجيب

ومن عجيب الأمور التي جرت هناك أنّ أبا عون عامر بن إسماعيل تحدّث فقال: لقينا مروان ببوصير ونحن في جماعة يسيرة، فشدّوا علينا فانضوينا إلى نخيل، ولو يعلمون بقلّتنا لأهلكونا، فقلت لأصحابي:

« إن أصبحنا فرأونا ونحن نفر يسير لم ينج منّا أحد. » وذكرت قول بكير بن ماهان:

« أنت والله تقتل مروان، كأنّى أسمعك تقول: دهيذ يا جوانكان. » فكسرت جفن سيفي وكسر أصحابي جفون سيوفهم وقلت: دهيذ يا جوانكان، فكأنّها نار صبّت عليهم، فانهزموا. » وحمل رجل على مروان فضربه بسيفه فقتله.

وكتب عامر بن إسماعيل إلى صالح بن عليّ فكتب صالح بن عليّ إلى أمير المؤمنين أبي العبّاس:

« إنّا اتّبعنا عدوّ الله الجعديّ حتى ألجأناه إلى أرض عدوّ الله شبيهه فرعون، فقتله بأرضه. » وبعث صالح برأسه مع يزيد بن هانئ، وكان على شرطة أبي العبّاس يوم الأحد لثلاث بقين من ذي الحجّة سنة اثنتين وثلاثين ومائة.

ورجع صالح إلى الفسطاط ثم انصرف إلى الشام فدفع الغنائم إلى أبي عون، والسلاح والأموال والرقيق إلى أبي الفضل ابن دينار، وخلّف أبا عون على مصر.

وقتل مروان وهو ابن نيّف وستين سنة واختلف الناس في النيّف، فلذلك لم أثبته.

فكانت ولايته من حين بويع إلى أن قتل خمس سنين وعشرة أشهر وستّة عشر يوما.

وكانت أمّه أمّة لإبراهيم بن الأشتر، أصابها محمد بن مروان بن الحكم يوم قتل ابن الأشتر، فأخذها من ثقله وهي نس، فولدت مروان على فراشه. ولمّا بويع أبو العبّاس دخل عليه ابن عياش المنتوف فقال:

« الحمد لله الذي أبدلنا بحمار الجزيرة وابن أمة النخع، ابن عمّ رسول الله وابن عبد المطلب. » وفي هذه السنة خلع أبو الورد أبا العبّاس بقنّسرين، فبيض وبيّضوا معه.

ذكر الخبر في تبييض أبي الورد وانتقاض تلك النواحي كلها وما آل إليه أمرهم

كان سبب ذلك أنّ أبا الورد واسمه مجزأة بن الكوثر بن زفر بن الحارث الكلابي كان من أصحاب مروان وفرسانه وقوادّه، فلمّا هزم مروان وأبو الورد بقنّسرين قدمها عبد الله بن عليّ، فبايعه فدخل فيما دخل فيه الناس من الطاعة وكان ولد مسلمة بن عبد الملك مجاورين له ببالس والناعورة، فقدم بالس قائد من قوّاد عبد الله بن عليّ من الأزاذ مرديّة في مائة وخمسين فارسا، فتعرّض لنساء مسلمة بن عبد الملك وعبث بولد مسلمة، فشكا بعضهم ذلك إلى أبي الورد وذكّره الحقّ والحرمة فخرج من مزرعة له تعرف بخساف في عدّة من أهل بيته حتى هجم على ذلك القائد وهو نازل حصن مسلمة، فقاتله حتى قتله ومن معه، وأظهر التبييض والخلع، ودعا أهل قنّسرين إلى ذلك، فتسارعوا إليه، وبيّضوا بأجمعهم وعبد الله بن عليّ مشغول. بحرب ابن حبيب بن مرّة في أيلة بأرض البلقاء والبثنيّة وحوران.

وكان قد لقيه عبد الله بن عليّ في جموعه فقاتله، وكان بينه وبينهم وقعات وكان من قوّاد مروان وفرسانه، وكان سبب تبييضه الخوف على نفسه وقومه فبايعته قيس وغيرهم ممّن يليهم من أهل تلك الكور. فلمّا بلغ عبد الله بن عليّ تبييض أهل قنّسرين دعا حبيب بن مرّه إلى الصلح فصالحه وآمنه ومن معه، وخرج متوجّها نحو قنّسرين للقاء أبي الورد، فمّر بدمشق، فخلّف عليها أبا غانم عبد الحميد بن ربعي في أربعة آلاف رجل من جنده، وكان بدمشق يومئذ امرأة عبد الله بن عليّ أمّ البنين بنت محمّد بن عبد المطلّب النوفلية وأمّهات الأولاد لعبد الله بن عليّ وثقل له، فلمّا قدم حمص في وجهه انتقض عليه بعده أهل دمشق، فبيّضوا ونهضوا مع عثمان بن عبد الله بن سراقة الأزدي، فنهضوا إلى أبي غانم ومن معه فقاتلوه وهزموه، وقتلوا من أصحابه مقتلة عظيمة، وانتهبوا ما كان عبد الله بن عليّ خلّفه من ثقله ومتاعه ولم يعرضوا لأهله، وبيّض أهل دمشق واستجمعوا على الخلاف.

ومضى عبد الله بن عليّ وقد كان تجمّع مع أبي الورد جماعة من أهل قنّسرين وكاتبوا من يليهم من أهل حمص وتدمر، فقدم منهم ألوف وعليهم أبو محمّد بن عبد الله بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، فرأسوا عليهم أبا محمّد ودعوا إليه وقالوا:

« هو السفياني الذي كان يذكر. » وهم نحو من أربعين ألفا.

فلمّا دنا منهم عبد الله بن عليّ، وأبو محمد معسكر بجماعتهم في مرج يقال له: مرج الأخرم، وأبو الورد المتولّى لأمر العسكر وهو صاحب القتال والوقائع، وجّه عبد الله بن عليّ أخاه عبد الصمد بن عليّ في زهاء عشرة آلاف فارس، فناهضهم أبو الورد ولقيهم بين العسكرين واستحرّ القتل في الفريقين، وثبت القوم حتى انهزم عبد الصمد ومن معه. وقتل منهم يومئذ ألوف.

وأقبل عبد الله حيث أتاه عبد الصمد ومعه حميد بن قحطبة وجماعة من معه من القوّاد، فالتقوا واقتتلوا ثانية بمرج الأخرم قتالا شديدا فانكشف منهم جماعة ممّن كان مع عبد الله، ثم ثابوا، وثبت لهم عبد الله وحميد بن قحطبة فهزموهم وثبت أبو الورد في نحو من خمسمائة من أهل بيته وقومه فقتلوا جميعا، وهرب أبو محمّد ومن معه حتى لحقوا بتدمر.

وآمن عبد الله أهل قنّسرين، وسوّدوا وبايعوا. ثم انصرف راجعا إلى أهل دمشق لما كان من تبييضهم عليه وتوثّبهم على أبي غانم. فلمّا دنا من دمشق، هرب الناس وتفرّقوا ولم يكن بينهم وقعة فآمن عبد الله أهلها وبايعوه، ولم يأخذهم بما كان منهم.

وأمّا أبو محمّد فلم يزل متغيّبا، ولحق بأرض الحجاز وبلغ زياد بن عبيد الله الحارثي عامل أبي جعفر على المدينة مكانه الذي تغيّب فيه، فوجّه إليه خيلا فقاتلوه حتى قتل وأخذوا ابنين له، فبعث بهما إلى أبي جعفر، وهو يومئذ أمير المؤمنين فأمر بتخلية سبيلهما وآمنهما.

وفي هذه السنة بيّض أهل الجزيرة وخلعوا أبا العبّاس

ذكر الخبر عن ذلك

كان الناس يظنّون ببيعة المسوّدة أنّها تردّ عليهم سنّة الصدر الأوّل، فلمّا رأوا سيرتهم شبيهة بسيرة من تقدّمهم، ثم هجم عليهم عسكر غريب منهم، لهم معرّات وأطماع فيهم تبرّموا بهم، فلمّا خرج أبو الورد لما ذكرنا، غيرة وحميّة على نساء مسلمة، انتقض الناس من كل ناحية، وكان بحرّان يومئذ موسى بن كعب في ثلاثة آلاف من الجند، صاحب عبد الله بن عليّ، وسار إليه الناس مبيّضين من كل وجه، فحاصروه ومن معه، وأمرهم متشتت ليس عليهم رأس يجمعهم وقدم على بقيّة ذلك إسحاق بن مسلم من أرمينيه كان شخص عنها حين بلغته هزيمة مروان فرأسته جنود الجزيرة حتى حاصر موسى بن كعب.

فوجّه أبو العبّاس أخاه أبا جعفر بمن معه من الجنود التي كانت بواسط محاصرة ابن هبيرة، فمضى حتى مرّ بقرقيسيا وأهلها مبيّضون قد غلّقوا أبوابها دونهم، ثم قدم مدينة الرقّة وهم على مثل ذلك، وبها بكّار بن مسلم، فمضى نحو حرّان، ورحل إسحاق بن مسلم إلى الرها في سنة ثلاث وثلاثين ومائة، وخرج موسى بن كعب فيمن معه من مدينة حرّان فلقوا أبا جعفر، وقدم بكّار على أخيه [ إسحاق ] مسلم بن عقيل.

فوجّهه إلى رجل من الحروريّة يقال له: بريكة، وهو في جماعة ربيعة، فصمد له أبو جعفر، فقاتلوه قتالا شديدا وقتل بريكة، وانصرف بكّار إلى أخيه بالرّها فخلفه إسحاق بها، ومضى شميشاط، فخندق على عسكره، وأقبل أبو جعفر حتى قاتله بكّار بالرها فكانت بينهم وقعات.

وكتب أبو العبّاس إلى عبد الله بن عليّ في المسير بجنوده إلى إسحاق بشميشاط، فأقبل حتى نزل عليه وهم في ستّين ألفا من أهل الجزيرة جميعا. وبينهما الفرات وأقبل أبو جعفر من الرها، فكاتبهم إسحاق وطلب الصلح فأبوا، فطلب الأمان فأجابوه. وكتبوا إلى أبي العبّاس فأمرهم أن يؤمنوه ومن معه، فكتبوا بينهم كتابا ووثّقوا له فيه، فخرج أبو إسحاق إلى أبي جعفر وتمّ الصلح، وكان مع أبي جعفر، ينزل معه منزلة كبيرة، وآثره على جميع أصحابه.

وكان إسحاق بن مسلم العقيلي حيث حاصره أبو جعفر يقول:

« في عنقي بيعة ولست أدعها حتى أعلم أن صاحبها قد مات أو قتل. » فأرسل إليه أبو جعفر:

« إنّ مروان قد قتل. » فقال:

« حتى أتيقّن. » ثم لمّا طلب الصلح قال:

« قد أيقنت أنّ مروان قد قتل. » وولّى أبو العبّاس أبا جعفر الجزيرة وأرمينية وآذربيجان، ولم يزل عليها حتى استخلف.

وفي هذه السنة شخص أبو جعفر إلى خراسان لاستطلاع رأى أبي مسلم في قتل أبي سلمة حفص بن سليمان الذي يقال له: وزير آل محمّد.

ذكر السبب في مسير أبي جعفر وما كان من أمره وأمر أبي مسلم

قد ذكرنا تنكّر أبي العبّاس لأبي سلمة وما كان همّ به. فحكى أبو جعفر قال:

لمّا ظهر أبو العبّاس سمرنا ذات ليلة فذكرنا صنيع أبي سلمة فقال رجل منّا:

« ما يدريكم لعّل ما صنع أبو سلمة كان عن رأى أبي مسلم؟ » فلم ينطق منّا أحد. فقال أمير المؤمنين أبو العبّاس:

« لئن كان هذا عن رأى أبي مسلم إنّا بعرض بلاء، إلّا أن يدفعه الله عنّا. »

فأشار عليه داود بن عليّ بأن يكتب إلى أبي مسلم ما همّ به من الغشّ وما عامله به من القبيح وما يتخوّفه منه، ففعل فأجاب أبو مسلم:

« إن كان أمير المؤمنين قد اطلع على ذلك منه فليقتله. » « فقال داود بن عليّ لأبن العبّاس:

« لا تفعل يا أمير المؤمنين، فإنّ أبا مسلم يحتّج بها وكذلك أهل خراسان الذين معك وحاله فيهم حاله، ولكن ابعث إلى أبي مسلم من يعرف نيّته ويطّلع على سريرته، ثم تكلّفه أن يبعث هو إلى أبي سلمة من يقتله. » قال أبو جعفر: فأرسل إليّ أبو العبّاس وقال:

« ما ترى؟. » فقلت:

« الرأي رأيك. » قال:

« إنّه ليس أحد أخصّ بأبي مسلم منك. فاخرج إليه حتى تعلم ما رأيه فليس يخفى عليك لو قد لقيته، فإن كان عن رأيه صدر أبو سلمة احتلنا لأنفسنا، وإن لم يكن عن رأيه طابت أنفسنا. » فخرجت على وجل شديد، فلمّا انتهيت إلى الريّ إذا صاحب أبي سلمة قد أتاه كتاب أبي مسلم:

« إنّه بلغني أن عبد الله بن محمّد قد توجّه إليك، فإذا قدم فأشخصه ساعة يقدم عليك. » فأقرأنى كتابه وأمرنى بالرحيل. فازددت وجلا وخرجت من الريّ وأنا خائف حذر، فسرت، فلمّا كنت بنيسابور إذا عاملها قد أتانى بكتاب أبي مسلم:

« إذا قدم عليك أبو جعفر فأشخصه، ولا تدعه يقيم، فإنّ أرضك أرض خوارج ولا آمن عليه. »

فطابت نفسي وقلت: أراه يعنى بأمري، فسرت.

فلمّا كنت من مرو على فرسخين، تلقّانى أبو مسلم في الناس، فلمّا دنا مني نزل وأقبل يمشى إليّ حتى قبّل يدي فقلت:

« اركب. » فركب ودخلت مرو فنزلت دارا أفردها لي، ومكثت ثلاثة أيّام لا يسألنى عن شيء، ثم قال لي في اليوم الرابع:

« ما أقدمك؟ » فأخبرته. قال:

« فإني قد كاتبت أمير المؤمنين في ذلك. » فقلت:

« إنّ أمير المؤمنين يحبّ أن تلى منه ما ترى. » فقال:

« سمعا وطاعة. » ثم دعا مرار بن أنس الضبي فقال:

« انطلق إلى الكوفة فاقتل أبا سلمة حيث لقيته وانته في ذلك إلى رأى الإمام. » فقدم الكوفة، وكان أبو سلمة يسمر عند أبي العبّاس، فقعد له في طريقه، فلمّا خرج قتله، وقالوا: قتلته الخوارج. فقال سليمان بن المهاجر:

إنّ الوزير وزير آل محمّد ** أودى فمن يشناك كان وزيرا

وكان يقال لأبي سلمة: وزير آل محمّد، ولأبي مسلم: أمين آل محمّد.

فحكى عن سالم قال: صحبت أبا جعفر من الريّ إلى خراسان، وكنت حاجبه، فكان أبو مسلم يأتيه فينزل على الباب ويجلس في الدهليز ويقول لي:

« استأذن لي عليه. » فغضب أبو جعفر عليّ وقال:

« ويلك إذا رأيته، فافتح له الباب وقل له يدخل على دابّته. » فلمّا رأيته مقبلا قلت لأبي مسلم: إنّه قال كذا وكذا، وفتحت له الباب. قال:

« نعم وإن قال، أعلمه واستأذن لي عليه. » وفي هذه السنة وجّه أبو العبّاس أخاه أبا جعفر لحرب يزيد بن عمر بن هبيرة بواسط.

ذكر آراء أشير بها على ابن هبيرة فخالفها

لمّا انهزم ابن هبيرة وتفرّق عنه الناس، خلّف على أثقاله قوما، فذهبوا بتلك الأموال. فقال له حوثرة:

« أين تذهب وقد قتل صاحبهم - يعنى قحطبة - امض إلى الكوفة فمعك جند كثير، فقاتلهم حتى تقتل أو تظفر. » فقال: « بل آتى واسطا فأنظر وأستعدّ. » فقال له: « إنّك ما تزيد على أن تمكّنه من نفسك حتى تضعف وتقتل. » وقال له يحيى بن حسن:

« إنّك لا تأتى مروان بشيء أحبّ إليه من هذه الجنود، فالزم الفرات حتى تقدم عليه، وإيّاك وواسطا فتصير في حصار، فليس بعد الحصار إلّا القتل. » فأبى، لأنّه كان يخاف مروان وذاك أنّه كان يكتب إليه في الأمر فخالفه، فخافه، فأتى واسطا وتحصّن وسرّح إليه أبو سلمة الحسن بن قحطبة، فخندق الحسن، ونزل بين الفرات ودجلة، فكانت بينهم وقائع.

ثم وجّه أبو العبّاس أخاه أبا جعفر لحرب ابن هبيرة، وكتب إلى الحسن:

« إنّ أمر الجند إليك ولكني أحببت أن يكون أخي حاضرا. » فلمّا قدم أبو جعفر واسطا تحوّل له الحسن عن حجرته فقاتلهم أبو نصر مالك الخزاعي يوما، فخرج إليه أهل واسط وحاربوه، ثم انهزم أهل الشام وقد أكمنوا معن بن زايدة وغيره، فلمّا جازهم أهل خراسان خرجوا عليهم، فقتلوا منهم. فترجّل أبو نصر، واقتتلوا عند الخنادق ورفعت لهم النيران وابن هبيرة على برج باب الخلّالين، فبقوا يقتتلون ما شاء الله من الليل.

وسرّح ابن هبيرة إلى معن: أن انصرف، فانصرف. فلمّا طال عليهم الحصار جاءهم قتل مروان فطلبوا الصلح. وكان ابن هبيرة قد همّ أن يدعو إلى محمّد بن عبد الله بن حسن بن حسن، فكتب إليه، وأبطأ عليه الجواب.

وجرت السفراء بينه وبين أبي جعفر في الصلح حتى جعل له أمانا وكتب به كتابا مكث يشاور فيه العلماء أربعين يوما حتى رضيه، ثم أنفذه إلى أبي جعفر فأنفذه أبو جعفر إلى أبي العبّاس فأمره بإمضائه.

وكان أبو العبّاس لا يقطع أمرا دون أبي مسلم. وكان أبو الجهم عينا لأبي مسلم على أبي العبّاس يكتب إليه بأخباره. فكتب أبو مسلم إلى أبي العبّاس:

« إنّ الطريق السهل إذا ألقيت فيه الحجارة فسد، ولا والله، ما صلح ملك فيه ابن هبيرة. » وخرج ابن هبيرة إلى أبي جعفر في ألف وثلاثمائة من البخاريّة، فأراد أن يدخل الحجرة بدابّته، فقام إليه سلّام بن سليم فقال:

« مرحبا بك أبا خالد، انزل راشدا. » وقد أطاف بالحجرة نحو من عشرة آلاف من أهل خراسان.

فنزل، وأجلسه على وسادة، ثم دعا له بالقوّاد فدخلوا. ثم قال سلّام:

« ادخل أبا خالد. » فقال: « أنا ومن معي؟ » فقال: « إنّما استأذنت لك وحدك. » فقام ودخل، فوضعت له وسادة فجلس عليها وحدّثه ساعة، ثم قام. ثم مكث يقيم عنه يوما ويأتيه يوما في خمسائة فارس وثلاثمائة راجل. فقال يزيد بن حاتم:

« أيها الأمير، إنّ ابن هبيرة ليأتى فيتضعضع له العسكر، وما نقص من سلطانه شيء. » فقال أبو جعفر لسلّام:

« قل لا بن هيبرة يدع هذه الجماعة ويأتينا في حاشيته. » فقال له ذلك سلّام، فتغيّر وجهه وجاء في نحو من ثلاثين من حاشيته. فقال له سلّام:

« كأنك تأتينا مباهيا! » فقال: « إن أمرتمونا أن نمشي إليكم مشينا. » فقال: « ما أردنا بك استخفافا، ولكن نظرا لك. » فكان بعد ذلك يأتى في ثلاثة نفر.

فقال: إن ابن هبيرة كلّم يوما أبا جعفر فقال:

« يا هناه. » ثم قال:

« ايه لله أنت. » ثم رجع فقال: « أيها الأمير، إنّ عهدي بكلام الناس مثل ما خاطبتك به قريب فسبقني لساني إلى العادة ولم أرده. » « فتبسّم أبو جعفر وقال:

« صدقت. » وألحّ أبو العبّاس على أبي جعفر في قتل ابن هبيرة وهو يراجعه حتى كتب إليه:

« والله لتقتلنّه أو لأرسلنّ إليه من يخرجه من حجرك ويتولّى قتله. » فتقدّم أبو جعفر بختم بيوت الأموال، ثم بعث إلى وجوه من معه، فلمّا حضروا نزعت سيوفهم وكتفوا. ثم أرسل إلى ابن هبيرة:

« إنّا نريد حمل المال. » فقال ابن هبيرة لحاجبه:

« يا با عثمان، انطلق فدلّهم عليه. » فوكلّوا بكل بيت نفرا ثم جعلوا ينظرون في نواحي الدار ومع ابن هبيرة ابنه داود وكاتبه وحاجبه وعدّة من مواليه وبنّى له صغير في حجره، فجعل ينكر نظرهم، وقال:

« أقسم بالله، إنّ في وجوه القوم لشرّا. » فأقبلوا نحوه، فقام حاجبه في وجوههم فقال:

« وراءكم! » فضربه الهيثم بن شعبة على حبل عاتقه فصرعه وقاتل ابنه داود، فقتل وقتل مواليه، ونجّى ابن هبيرة الصبيّ من حجره وقال:

« دونكم هذا الصبيّ. »

وخرّ ساجدا، فقتل وهو ساجد.

ومضوا برؤوسهم إلى أبي جعفر، فنادى بالأمان للناس. وقال أبو عطاء السنديّ يرثيه:

ألا إنّ عينا لم تجد يوم واسط ** عليك بجاري دمعها لجمود

عشيّة قام النائحات وشقّقت ** جيوب بأيدي مأتم وخدود

فإن تمس مهجور الفناء فربّما ** أقام به بعد الوفود وفود

وإنّك لم تبعد على متعهّد ** بلى كلّ من تحت التراب بعيد

وقال منقذ بن عبد الرحمن الهلالي يرثيه:

منع العزاء حرارة الصدر ** والحزن عقد عزيمة الصبر

أفنى الحماة الغرّ أن عرضت ** دون الوفاء حبائل الغدر

مالت حمائل أمرهم بفتى ** مثل النجوم حففن بالبدر

عالى بنعيهم فقلت له ** مهلا أتيت بصيحة الحشر

من للمنابر بعد هلكهم ** أو من يشدّ مكارم الفخر

قتلى بدجلة ما يجنّهم ** إلّا عباب زواخر البحر

وفي هذه السنة وجّه أبو العبّاس عمّه عيسى بن عليّ على فارس، وكان عليها محمّد بن الأشعث من قبل أبي مسلم، فهمّ بعيسى فحذّره ثقاته وقالوا له:

« هذا لا يسوغ لك. » فقال:

« بلى، أمرنى أبو مسلم ألّا يقدم عليّ أحد يدّعى الولاية من غيره إلّا ضربت عنقه. » ثم ارتدع عن ذلك، واستدعى عيسى فاستحلفه بالأيمان المحرّجة، ألّا يعلو منبرا ولا يتقلّد سيفا إلّا في جهاد. فلم يل عيسى بعد ذلك عملا ولا تقلّد سيفا إلّا في غزوة.

ثم استعمل بعد ذلك أبو العبّاس إسماعيل بن عليّ واليا على فارس.

ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين ومائة

وفيها قتل داود بن عليّ من وجد من بني أمية بمكة والمدينة.

وفيها مات داود بن عليّ بالمدينة.

وفيها خرج شريك بن شيخ المهري على أبي مسلم بخراسان ببخارى وقال:

« ما على هذا اتبعنا آل محمّد، على أن تسفك الدماء، ويعمل بغير الحقّ. » وتبعه على رأيه أكثر من ثلاثين ألفا. فوجّه إليه أبو مسلم زياد بن صالح فقاتله وقتله.

وخرج جماعة على أبي مسلم فقتلهم. ولم يجر في حروبهم ما تستفاد منه تجربة، بل كان جميع ذلك يجرى بحسب الجدّ والإقبال فتركنا ذكرها إذ كانت أسمارا فقط.

ثم دخلت سنة أربع وثلاثين ومائة

وفيها خالف بسّام بن إبراهيم بن بسّام وخلع، وكان من فرسان أهل خراسان، فوجّه إليه أبو العبّاس خازم بن خزيمة فناجزه القتال، وانهزم بسّام، واستبيح عسكره وطلبهم خازم إلى أن قتل أكثرهم، ثم انصرف من وجهه، فمرّ في قرية فيها قوم من أخوال أبي العبّاس عدد هم خمسة وثلاثون رجلا من بنى عبد المدان، وهناك مواليهم وغيرهم، فلم يسلّم عليهم، فلمّا جاز شتموه لشيء كان في قلوبهم عليه، فكّر راجعا، فسألهم عمّا بلغه من نزول المغيرة بهم، وكان من قوّاد بسّام. فقالوا:

« مرّ بنا رجل مجتاز لا نعرفه، فأقام في قريتنا ليلة ثم خرج عنها. » فقال لهم:

« أنتم أخوال أمير المؤمنين، ويأتيكم عدوّه فيأمن في قريتكم فهلّا اجتمعتم فأخذتموه؟ » فأغلظوا له الجواب، فأمر بهم، فضربت أعناقهم جميعا، وهدمت دورهم ونهبت أموالهم. ثم انصرف إلى أبي العبّاس، وبلغ ما كان من فعل خازم اليمانية، فأعظموا ذلك واجتمعت كلمتهم. فدخل زياد بن عبد الله الحارثي على أبي العبّاس مع عبيد الله بن الربيع الحارثي وعثمان ببن نهيك وأمثالهم فقالوا:

« يا أمير المؤمنين، إنّ خازما اجترأ عليك بأمر لم يكن أقرب ولد أبيك ليجترئ عليك به من قتل أخوالك الذين قطعوا البلاد إليك معتزّين بك، طالبين معروفك، حتى إذا صاروا إلى جوارك ودارك وثب عليهم خازم، فضرب أعناقهم، وهدم دورهم، ونهب أموالهم، وأخرب ضياعهم، بلا حدث أحدثوه. » فهمّ بقتل خازم، فبلغ ذلك موسى بن كعب وأبا الجهم بن عطيّة، فدخلا عليه وفثأه عن رأيه. قالا:

« نعيذك بالله يا أمير المؤمنين من الإصغاء إلى من يحملك على قتل خازم مع طاعته وسابقته وغنائه وهو يحتمل لك ما صنع لكيت وكيت، فإن كنت لا بدّ مجمعا على قتله فلا تتولّ ذلك بنفسك، وعرّضه من المباعث لما إن قتل فيه كنت قد بلغت منه الذي أردت، وإن ظفر كان ظفره لك. » وأشاروا عليه بأن يوجّهه إلى عمان وبها الجلندى والخوارج معه وإلى الخوارج الذين بجزيرة ابن كاوان مع شيبان بن عبد العزيز اليشكريّ فأمر أبو العبّاس بتوجيهه مع سبعمائة رجل، وكتب إلى سليمان بن عليّ وهو على البصرة، بحملهم في السفن إلى جزيرة ابن كاوان وعمان. فشخص إلى هناك مع ابنه خزيمة، فأوقع بمن فيها من الخوارج وغلب على ما قرب منها من البلدان وقتل شيبان الخارجيّ.

ذكر السبب في ذلك والحيلة التي تمت له عليهم

أمّا في أوّل مقدمه، فإنّه لمّا أرسى إلى ساحل عمان لقيهم الجلندى وأصحابه، فاقتتلوا قتالا شديدا وكثر القتل في أصحاب خازم، وقتل أخ له من أمّه مع تسعين رجلا. ثم أشار عليه رجل ممّن كان وقع إلى تلك الناحية أن يجعلوا على أطراف أسنّتهم المشاقة ويروّوها النفط ويشعلوا فيها النيران، ثم يمشوا بها حتى يضرموها في بيوت أصحاب الجلندى، وكانت من خشب. فلمّا فعل ذلك، وأضرمت بيوتهم بالنيران وشغلوا بها وبمن فيها من أولادهم وأهاليهم، شدّ عليهم خازم وأصحابه، فوضعوا فيهم السيوف وهم غير ممتنعين، وقتل الجلندى فيمن قتل، وبلغ عدّة من قتل عشرة آلاف.

وبعث خازم برؤوسهم إلى البصرة، وبعث منها إلى أبي العبّاس، وأقام خازم شهرا حتى أتاه كتاب أبي العبّاس بإقفاله، فقفلوا.

وفي هذه السنة وجّه أبو العبّاس موسى بن كعب إلى الهند لقتال منصور بن جمهور وفرض له ثلاثة آلاف رجل من العرب فشخص حتى ورد السند، فلقى منصور بن جمهور في اثنى عشر ألفا، فهزمه، فمضى ومات عطشا في الرمال.

وفي هذه السنة تحوّل أبو العبّاس من الجزيرة إلى الأنبار، وفيها ضرب المنار من الكوفة إلى مكّة والأميال.

ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ومائة

ولم يجر فيها شيء يستفاد منه تجربة في جملة ما انتهى إلينا.

ثم دخلت سنة ست وثلاثين ومائة

قدوم أبي مسلم العراق من خراسان

وفيها قدم أبو مسلم العراق من خراسان. وكان استأذن أبا العبّاس في القدوم عليه وفي الحجّ بعد ذلك. فأذن له، وتوجّه إلى أبي العبّاس في جماعة عظيمة من أهل خراسان ومن معه من غيرهم، فكتب إليه أن:

« اقدم في خمسمائة من الجند. » فكتب إليه أبو مسلم:

« إني قد وترت الناس ولست آمن على نفسي. » فكتب إليه أن:

« أقبل في ألف، فإنّما أنت في سلطان أهلك ودولتك، وطريق مكّة لا يحتمل العسكر. »

وكان في ثمانية آلاف، ففرّقهم بالرّى، وقدم بالأموال والخزائن، فتركها بالريّ، وجمع أموال الجبل، وشخص منها في ألف. فلمّا قرب تلقّاه القوّاد والناس حتى دخل على أبي العبّاس، فأعظمه وأكرمه ثم استأذن في الحجّ، فقال:

« لو لا أنّ أبا جعفر يحجّ لاستعملناك على الموسم. » وكان ما بين أبي جعفر وأبي مسلم متباعدا، لإنّ أبا العبّاس لمّا صفت له الأمور، بعث أبا جعفر إلى خراسان بعهد أبي مسلم على خراسان وبالبيعة لأبي العبّاس ولأبي جعفر من بعده. فبايع له أبو مسلم وأهل خراسان، فأقام أبو جعفر إلى أن أحكم أمره، فجرى عليه من أبي مسلم استخفاف، فلمّا عاد شكاه إلى أخيه، فلمّا قدم أبو مسلم هذه القدمة للحجّ قال أبو جعفر لأبي العبّاس:

« يا أمير المؤمنين، أطعنى واقتل أبا مسلم، فو الله إنّ في رأسه لغدرة. » قال: « يا أخي، قد عرفت بلاءه وما كان منه. » فقال أبو جعفر: « يا أمير المؤمنين، إنّما كان بدولتنا، والله لو بعثت سنّورا لقام مقامه وبلغ ما بلغ. » فقال أبو العبّاس: « كيف نقتله؟ » قال: « إذا دخل عليك وحادثته وأقبل عليك، دخلت فتغفّلته فضربته من خلفه ضربة أتيت بها على نفسه. » فقال أبو العبّاس: « فكيف بأصحابه الذين يؤثرونه على دينهم ودنياهم؟ » قال: « يؤول ذلك كلّه إلى ما تريد وعليّ إصلاحه. »

قال: « عزمت عليك إلّا كففت عن هذا الحديث. » قال: « أخاف والله إن لم تتغدّه اليوم أن يتعشّاك غدا. » قال: « دونكه. » فلمّا دخل أبو مسلم على أبي العبّاس، بعث أبو العبّاس خصيا له، فقال له:

« اذهب فانظر ما يصنع أبو جعفر. » فأتاه فوجده محتبيا بسيفه.

فقال للخصيّ: « أجالس أمير المؤمنين؟ » قال: « إنّه قد تهيّأ للجلوس. » ثم رجع الخصيّ إلى أبي العبّاس فأخبره بما رأى منه فردّه إلى أبي جعفر وقال:

« قل له: الأمر الذي عزمت عليه لا تنفذه. » فكفّ أبو جعفر.

وفي هذه السنة حجّ بالناس أبو جعفر المنصور وحجّ معه أبو مسلم.

وفيها توفّى أبو العبّاس أمير المؤمنين بالأنبار لثلاث عشرة خلت من ذي الحجة، وكانت وفاته فيما قيل بالجدريّ. وكانت سنّه ثلاثا وثلاثين سنة، وكانت ولايته من لدن قتل مروان إلى أن توفّى أربع سنين، ومن لدن بويع بالخلافة إلى أن مات أربع سنين وثمانية أشهر. وكان طويلا أبيض أقنى الأنف حسن الوجه واللحية ذا شعرة جعدة وأمّه ريطة بنت عبد الله بن عبد المدان بن الحارثي وكان وزيره أبو الجهم بن عطيّة.

خلافة أبي جعفر المنصور

بيعة الناس لأبي جعفر بأمر من أبي العبّاس حين حضرته الوفاة ولمّا حضرته الوفاة أمر الناس بالبيعة لعبد الله بن محمّد أبي جعفر، فبايع الناس بالأنبار، وقام بأمر الناس عيسى بن موسى وأرسل عيسى بن موسى إلى أبي جعفر وهو بمكّة رسولا بموت أبي العبّاس وبالبيعة له، فلمّا أتاه الكتاب كتب إلى أبي مسلم:

« العجل العجل فقد حدث أمر. » وكان بينه وبن أبي مسلم منزل أبدا، فجاءه أبو مسلم، فلمّا جلس إليه ألقى إليه الكتاب فبكى واسترجع، ثم نظر أبو مسلم إلى أبي جعفر وقد جزع جزعا شديدا، فقال:

« ما هذا الجزع وقد أتتك الخلافة؟ » قال:

« أتخوّف شرّ عبد الله بن عليّ وشيعته. » قال:

« لا تخفه فأنا أكفيك أمره إن شاء الله. إنّما عامّة جنده ومن معه أهل خراسان وهم لا يعصوننى. » فسرّى عن أبي جعفر، وبايع له أبو مسلم وبايع الناس. وأقبلا حتى وردا الكوفة.

وفي هذه السنة بعث عيسى بن عليّ وأبو الجهم إلى عبد الله بن عليّ ببيعته المنصور فبايع لنفسه وأبي بيعة المنصور.

ثم دخلت سنة سبع وثلاثين ومائة

عبد الله بن علي يدعو إلى نفسه

كان نفذ إلى عبد الله بن عليّ أبو غسّان واسمه يزيد بن زياد، وهو حاجب أبي العبّاس بأمر أبي العبّاس قبيل موته ليبايع أبا جعفر، وكان عبد الله قد أدرب متوجّها إلى الروم، فلمّا قدم عليه أبو غسّان جمع أصحابه ونادى مناديه:

« الصلاة جامعة. » واجتمع إليه القوّاد والجند فقرأ عليهم الكتاب بوفاة أبي العبّاس ودعا الناس إلى نفسه وأخبرهم أنّ أبا العبّاس حين أراد أن يوجّه الجنود إلى مروان بن محمّد دعا بنى أبيه وأرادهم على المسير إلى مروان وقال:

« من انتدب منكم فسار إليه فهو وليّ عهدي فلم ينتدب له غيري. » وعلى هذا خرجت من عنده وقتلت من قتلت.

فقام أبو غانم الطائيّ وخفاف المروروذى في عدّة قوّاد فشهدوا له بذلك، فبايعه أبو غانم وخفاف وأبو الأصبغ وتتابع القوّاد عليه فيهم حميد بن قحطبة وغيره من أهل خراسان والشام والجزيرة، فلمّا فرغ من البيعة ارتحل فنزل حرّان وفيها مقاتل العكّى، وكان أبو جعفر استخلفه لمّا قدم على أبي العبّاس، فلم يجبه فتحصّن منه فأقام عليه حتى استنزله من حصنه فقتله.

وسرّح أبو جعفر لقتال عبد الله بن عليّ أبا مسلم، فلمّا بلغ عبد الله إقبال أبي مسلم أقام بحرّان، وجمع إليه الجنود والسلاح، وخندق، وأعدّ الطعام والأعلاف وما يصلحه. ومضى أبو مسلم لم يتخلّف عنه أحد من القوّاد، وبعث على مقدّمته مالك بن الهيثم الخزاعي وكان معه الحسن وحميد ابنا قحطبة، وكان حميد فارق عبد الله بن عليّ لأنّه أخافه وأراد قتله.

وكان أبو مسلم استخلف على خراسان خالد بن إبراهيم أبا داود، وكان عبد الله بن عليّ خشي ألّا يناصحه أهل خراسان، فقتل منهم نحوا من سبعة عشر ألفا ضروب القتل.

وكتب لحميد بن قحطبة كتابا وجّهه إلى حلب وعليها زفر بن عاصم وفي الكتاب:

« إذا ورد عليك حميد بن قحطبة فاضرب عنقه. » فسار حميد، ثم فكّر في كتابه فلم ير من الصواب له أن يوصله ولم يقرأه، ففكّ الطومار وقرأه، فلمّا عرف ما فيه دعا قومه من خاصّته، فأفشى إليهم أمره وشاورهم وقال:

« من أراد أن ينجو ويهرب فليسر معي فإني أريد أن آخذ طريق العراق، ومن لم يحمل نفسه على السير فلا يفشينّ سرّى وليذهب حيث أحبّ. » واتّبعه قوم وفوّز بهم ونجا.

ولمّا وافى أبو مسلم مكان عبد الله بن عليّ وهو بنصيبين يخندق لم يعرض له وأخذ طريق الشام وكتب إلى عبد الله:

« إني لم أومر بقتالك ولم أوجّه له ولكن أمير المؤمنين ولّانى الشام وأنا أريدها. » فقال من كان مع عبد الله:

« كيف نقيم معك وهذا يأتى بلادنا وفيها حرمنا فيقتل من قدر عليه من رجالنا ويسبى ذراريّنا؟ ولكنّا نخرج إلى بلادنا فنمنعه ونقاتله إن قاتلنا. » فقال لهم عبد الله بن عليّ:

« إنّه والله ما يريد الشام، وما وجّه إلّا إلى قتالكم، ولئن أقمتم ليأتينّكم. »

فلم تطب أنفسهم. فأبوا إلّا المسير إلى الشام.

وكان أبو مسلم قد عسكر قريبا منه فارتحل عبد الله بن عليّ متوجّها نحو الشام. وتحوّل أبو مسلم حتى نزل في معسكر عبد الله بن عليّ في موضعه وعوّر ما كان حوله من المياه وألقى فيها الجيف، وبلغ عبد الله بن عليّ ذلك فقال لأصحابه:

« ألم أقل لكم؟ » ثم أقبل عبد الله فلم يجد غير موضع عسكر أبي مسلم الذي كان به فاقتتلوا ستّة أشهر.

فحكى من شهد مع أبي مسلم هذه الحرب: أنّه لمّا كان بعد ستّة أشهر التقينا فحمل علينا أصحاب عبد الله، فصدمونا صدمة أزالونا عن مواقفنا وانصرفوا.

وشدّ علينا عبد الصمد في خيل مجرّدة فقتلوا منّا قوما، ثم رجعوا، ثم تجمّعوا ورموا بأنفسهم علينا، فأزالوا صفّنا، وجلنا جولة، فقلت لأبي مسلم:

« لو حرّكت دابّتى حتى أشرف على هذا التلّ فأصيح بالناس، فقد انهزموا. » قال: « افعل. » قال، قلت: « وأنت أيضا، لو حرّكت دابّتك معي. » فقال: « إنّ أهل الحجى لا يعطفون دوابّهم في مثل هذه الحال. ناد: يا أهل خراسان، ارجعوا، فإنّ العاقبة للمتّقين. » ففعلت، فتراجع الناس وارتجز أبو مسلم:

من كان ينوي أهله فلا رجع ** فرّ من الموت وفي الموت وقع

وقد كان عمل لأبي مسلم عريش، فكان يجلس فيه إذا التقى الناس فينظر إلى القتال، فإن رأى خللا في الميمنة والميسرة، أرسل إلى صاحبها:

« إنّ في ناحيتك انتشارا فاتّق الله لا نؤتى من قبلك، افعل كذا، قدّم خيلك إلى موضع كذا، تأخّر إلى موضع كذا. » فإنّما رسله تختلف برأيه إليهم حتى ينصرف بعضهم عن بعض.

فلمّا كان يوم التقوا، فاقتتلوا قتالا.

فلمّا رأى ذلك أبو مسلم مكر بهم، فأرسل إلى الحسن بن قحطبة، وكان على ميمنته، أن:

« أعر ميمنتك وضمّ أكثرها إلى الميسرة، وليكن في الميمنة حماة أصحابك وأشدّاؤهم. » فلمّا رأى ذلك أهل الشام أعروا ميسرتهم وانضمّوا إلى ميمنتهم بازاء ميسرة أبي مسلم.

ثم أرسل أبو مسلم إلى الحسن أن:

« مر أهل القلب فليحملوا مع من بقي في الميمنة على ميسرة أهل الشام. » قال: فحملوا عليهم فحطّموهم. وجال أهل القلب والميمنة وركبهم أهل خراسان فكانت الهزيمة.

فحكى ابن سراقة الأزدي قال: كنت مع عبد الله بن عليّ، فقال لي:

« يا سراقة ما ترى؟ » قلت: « أرى أن تصير وتقاتل فإنّ الفرار قبيح بمثلك حتى تقتل وقد عبته على مروان. » قلت: « قبّح الله مروان، جزع من الموت ففرّ. »

فقال: « بل آتى العراق. » قلت: « فإني معك. » فانهزم مع الناس وتركوا عسكرهم فاحتواه أبو مسلم، وكتب إلى أبي جعفر بالفتح. فأرسل أبو جعفر أبا الخصيب مولاه يحصى ما أصابوا في عسكر عبد الله بن عليّ، فغضب من ذلك أبو مسلم، ولم يظهر غضبه.

فأمّا عبد الله بن عليّ فإنّه أتى سليمان بن عليّ بالبصرة، وأمّا عبد الصمد فقدم الكوفة، فاستأمن له عيسى بن موسى، فآمنه أبو جعفر وأمر أبو مسلم الناس بالكفّ، فلم يقتل أحدا بعد الهزيمة، وبقي عبد الله بن عليّ متواريا عند سليمان زمانا.

وفي هذه السنة قتل أبو مسلم

حكى مسلم بن المغيرة: أنّه كان مع الحسن بن قحطبة بأرمينية، فلمّا وجّه أبو مسلم إلى الشام، كتب أبو جعفر إلى الحسن أن يوافيه ويسير معه. فقدمنا على أبي مسلم وهو بالموصل، فأقام أيّاما، فلمّا أراد أن يسير استأذنته في المصير إلى العراق وقلت:

« أنتم تسيرون إلى القتال، وليس بك إليّ حاجة. » قال: « نعم، لكن أعلمني إذا أردت الخروج. » قلت: « نعم. » فتهيّأت، فلمّا فرغت أعلمته وقلت:

« أتيتك مودّعا. » قال: « قف بالباب حتى أخرج إليك. »

فخرجت فوقفت، فخرج وقال:

« أريد أن ألقى إليك شيئا لتبلغه أبا أيّوب، ولولا ثقتي بك لم أخبرك، فأبلغ أبا أيّوب أنّى قد ارتبت بأبي مسلم منذ قدمت عليه. إنّه يأتيه الكتاب من أمير المؤمنين فيقرأه ثم يلوى شدقه ويرمى بالكتاب إلى أبي نصر مالك بن الهيثم فيقرأه ثم يضحكان ويستهزئان به. » قلت: « نعم. » ومضيت عنه، فلمّا لقيت أبا أيّوب وأنا أرى أنّى قد أتيته بشيء أخبرته، ضحك وقال:

« نحن لأبي مسلم أشدّ تهمة منّا لعبد الله بن عليّ، إلّا أنّا نرجو واحدة: نعلم أنّ أهل خراسان لا يحبّون عبد الله وقد قتل منهم من قتل. »

ذكر مقتل أبي مسلم صاحب الدولة وسبب ذلك

لمّا ظفر أبو مسلم بعسكر عبد الله بن عليّ، بعث أبو جعفر يقطين بن موسى وأمره بإحصاء ما في العسكر، فلمّا قدم عليه، وكان يسمّيه: يك دين، قال له أبو مسلم:

« يا يك دين، أمين على الدماء خائن في الأموال. » وشتم أبا جعفر، فأبلغه يقطين ذلك.

وأقبل أبو مسلم من الجزيرة مجمعا على الخلاف، وخرج من وجهه معارضا يريد خراسان. وخرج أبو جعفر من الأنبار إلى المدائن، وكتب إلى أبي مسلم في المصير إليه.

فكتب أبو مسلم وهو على الرواح إلى طريق حلوان:

« إنّه لم يبق لأمير المؤمنين - أكرمه الله عدوّ إلّا مكّنه الله منه. وقد كنّا نروى عن ملوك آل ساسان أنّ أخوف ما يكون الوزراء إذا سكنت الدهماء، فنحن نافرون من قربك حريصون على الوفاء بعدك ما وفيت، حريّون بالسمع والطاعة لك، غير أنّها من بعيد حيث تقارنها السلامة، فإنّ أرضاك ذلك فإنّا كأخسّ عبيدك، وإن أبيت إلّا أن تعطى نفسك إرادتها، نقضت ما أبرمت من عهدك ضنّا بنفسي. » فلمّا وصل الكتاب إلى المنصور، كتب إلى أبي مسلم:

« قد فهمت كتابك، وليست صفتك صفة أولئك الوزراء الغششة ملوكهم الذين يتمنّون اضطراب حبل الدولة لكثرة جرائمهم، فإنّما راحتهم في انتشار نظام الجماعة. فلم سوّيت نفسك بهم وأنت في طاعتك ومناصحتك واضطلاعك بما حمّلت من أعباء هذا الأمر على ما أنت به، وليس مع الشريطة التي أوحشت منك سمع ولا طاعة. وقد حمّل إليك أمير المؤمنين عيسى بن موسى رسالة لتسكن إليها إن أصغيت، وأسأل الله أن يحول بين الشيطان ونزعاته وبينك، فإنّه لم يجد بابا يفسد به نيّتك أوكد عنده وأقرب من ظنّه من الباب الذي فتحه عليك. » وأمر أبو جعفر عيسى بن موسى ومن حضره:

« اكتبوا إليه تعظمون أمره وتشكرون ما كان منه وتسألونه أن يتمّ ما كان منه وعليه من الطاعة وتحذّرونه عاقبة الغدر وتأمرونه بالرجوع إلى أمير المؤمنين وأن يلتمس رضاه. » ودعا أبا حميد ثم قال له:

« كلّم أبا مسلم بالين ما تكلّم به أحدا، ومنّه، وأعلمه أنّى رافعه وصانع به ما لم يصنعه أحد بأحد إن هو راجع ما أحبّ فإن أبي أن يرجع فقل له: يقول لك أمير المؤمنين نفيت من العبّاس، وأنا بريء من محمّد إن مضيت مشاقا ولم تأتنى إن وكلت أمرك إلى أحد سواي، وإن لم أل طلبك وقتالك إلّا بنفسي، ولو خضت البحر لخضته، ولو اقتحمت النار لاقتحمتها، حتى أقتلك أو أموت قبل ذلك. ولا تقولّن هذا الكلام حتى تأيس من رجوعه، ولا تطمع منه في خير. » فسار أبو حميد في ناس من أصحابه ممّن يثق بهم حتى دخل على أبي مسلم، فدفع إليه الكتاب، ثم قال:

« إنّ الناس يبلّغونك عن أمير المؤمنين ما لم يقله، وخلاف ما عليه رأيه فيك، حسدا وبغيا. يريدون إزالة هذه النعمة وتغييرها فلا تفسد ما كان منك.

وكلّمه بأشباه هذا وقال له:

« يا أبا مسلم، إنّك لم تزل أمين آل محمّد، يعرفك بذلك الناس وما ذخر الله لك من الأجر عنده أعظم ممّا أنت فيه من دنياك، فلا تحبط أجرك ولا يستهوينّك الشيطان. » قال له أبو مسلم:

« متى كنت تكلّمنى بهذا الكلام. » وأقبل على أبي نصر مالك بن الهيثم. فقال:

« يا مالك، ألا تسمع؟ ».

ذكر آراء أشير بها على أبي مسلم فخالفها

قال: « لا تسمع قوله ولا يهولنّك هذا منه فلعمري لقد صدقت ما هذا بكلامه فامض لأمرك ولا ترجع، فو الله لقد وقع في نفسه منك شيء لا يأمنك معه أبدا. » فقال للرسل: « قوموا. » فنهضوا. فأرسل أبو مسلم إلى نيزك وقال:

« يا نيزك، إني والله ما رأيت طويلا أعقل منك، فما ترى؟ فقد جاءت هذه الكتب وقد قال القوم ما قالوا. » قال:

« لا أرى أن تأتيه وأرى أن تأتى الريّ فتقيم بها فتصير ما بين خراسان والريّ لك وهم جندك لا يخالفك أحد، فإن استقام لك استقمت وإن أبي كنت في جندك، وكانت خراسان من وراءك، فرأيت رأيك. » فدعا أبا حميد فقال:

« ارجع إلى صاحبك، فليس من رأيي أن آتيه. » قال: « قد اعتزمت على خلافه. »

قال: « نعم. » قال: « لا تفعل. » قال: « ما أريد أن ألقاه. » فلمّا آيسه من الرجوع قال له ما أمره به أبو جعفر، فوجم طويلا ثم قال:

« قم. » فكسره ذلك القول ورعّبه.

وكان أبو جعفر قد كتب إلى أبي داود وهو خليفة أبي مسلم على خراسان حين أتّهم أبا مسلم:

« إنّ لك إمرة خراسان ما بقيت. » فكتب أبو داود إلى أبي مسلم:

« إنّك لم تخرج لمعصية خلفاء الله وأهل بيت نبينا ، فلا تخالفنّ إمامك ولا ترجعنّ إلّا بإذنه. » فوافاه كتابه على تلك الحال، فزاده رعبا وهمّا. وأرسل إلى أبي حميد وأبي مالك فقال لهما:

« إني قد كنت معتزما على المضيّ إلى خراسان ثم رأيت أن أوجّه أبا إسحاق إلى أمير المؤمنين فيأتينى برأيه فإنّه ممّن أثق به » فوجّه، فلمّا قدم أبو إسحاق تلقّاه بنو هاشم بكل ما يحبّ، وقال له أبو جعفر:

« اصرفه عن وجهه، ولك ولاية خراسان. » وأجازه، فرجع أبو إسحاق إلى أبي مسلم فقال له:

« ما أنكرت شيئا، رأيتهم معظّمين لحقّك، يرون لك ما يرون لأنفسهم. »

ثم أشار عليه بأن يرجع إلى أمير المؤمنين فيعتذر إليه ممّا كان منه.

فأجمع أبو مسلم على ذلك، فقال له نيزك:

« قد أجمعت على الرجوع؟ » قال: « نعم. » وتمثّل:

ما للرجال مع القضاء محالة ** ذهب القضاء بحيلة الأقوام

وقال: « أمّا إذا عزمت على هذا، فاحفظ عني واحدة خار الله لك، إذا دخلت عليه فاقتله، ثم بايع لمن شئت، فإنّ الناس لا يخالفونك. » وكتب أبو مسلم إلى أبي جعفر يخبره أنّه ينصرف إليه.

قالوا: فقال أبو أيّوب: فدخلت على أبي جعفر وهو في خباء شعر بالروميّة جالسا على مصلّى بعد العصر، وبين يديه كتاب أبي مسلم، فرمى به إليّ، فقرأته، ثم قال:

« والله لئن ملأت عيني منه لأقتلنّه. » فقلت في نفسي: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. طلبت الكتابة حتى إذا بلغت غايتها، فصرت كاتبا للخليفة وقع هذا بين الناس، والله ما أرى أنّه إن قتل يرضى أصحابه بقتله، ولا يدعون هذا حيّا ولا أحدا ممن يتّصل بهم.

وامتنع مني النوم.

ثم قلت: لعلّ الرجل يقدم وهو آمن، فإن كان آمنا فعسى أن تناول ما تريد وإن قدم وهو حذر لم تقدر عليه. فلو التمست حيلة. »

ذكر حيلة احتال بها أبو أيوب المورياني على أبي مسلم حتى ترك التحرز

قال أبو أيوب:

فأرسلت إلى سلمة بن سعيد بن جابر وكان يأنس به أبو مسلم فقلت: « هل عندك شكر؟ » قال: « نعم. » قلت: « إن ولّيتك ولاية تصيب منها ما يصيب صاحب العراق تدخل معك أخي حاتم بن أبي سليمان؟ » قال: « نعم. » قلت - وأردت أن يطمع ولا ينكر منه شيئا -: وتجعل له النصف؟ » قال: « نعم. » قلت: « إنّ كسكر كالت عاما أوّل كذا وكذا، وفيها العام أضعاف ما كان عام أوّل، فإن دفعت إليك بقبالتها التي كانت عاما أوّل أو بالأمانة أصبت ما تضيق به ذرعا؟ » قال: « فكيف لي بهذا؟ » قلت: « تأتى أبا مسلم فتلقاه وتكلّمه وتسأله أن يجعل فيما يرفع من حوائجه أن تولّاها أنت بما كانت في العام الأوّل، فإنّ أمير المؤمنين يريد أن يولّيه إذا قدم ما وراء بابه ويريّح نفسه. » قال: « فكيف لي في لقاءه ومن لي به؟ » قلت: « أنا. » ودخلت على أبي جعفر، فحدّثته الحديث كلّه فلم أخرم منه شيئا. قال:

« فادع سلمة. » فدعوته. فقال له أبو جعفر:

« إنّ أبا أيّوب استأذن لك أفتحبّ أن تلقى أبا مسلم؟ » قال: « نعم » قال: « فقد أذنت لك فأقرئه السلام وأعلمه تشوّقنا إليه. » قال: فخرج سلمة حتى لقي أبا مسلم. فقال له:

« إنّ لي حاجة. » ثم قصّ عليه حديث كسكر، وقال له، « أمير المؤمنين أحسن الناس فيك رأيا. » فطابت نفسه وكان قبل ذلك كئيبا، فلمّا قدم عليه من سلمة ما قدم، سرّى عنه وصدّقه. فلمّا دنا أبو مسلم من المدائن أمر أمير المؤمنين الناس، فتلقّوه. فلمّا كان عشيّة قدم، دخلت على أمير المؤمنين فقلت:

« هذا الرجل يدخل العشيّة، فما تريد أن تصنع؟ » قال: « أريد أن أقتله حين أنظر إليه. » قلت:

« أنشدك الله، إنّه يدخل معه الناس، وقد علموا ما صنع، فإن دخل عليك ولم يخرج لم آمن البلاء، ولكن إذا دخل عليك، فأذن له حتى ينصرف، فإذا غدا عليك رأيت رأيك. » وما أردت إلّا دفعه بها، وما ذاك إلّا من خوفي عليه وعلينا جميعا من أصحاب أبي مسلم.

فدخل عليه من عشيّته، وسلّم وقام قائما بين يديه، فقال:

« انصرف يا عبد الرحمن، فأرح نفسك وادخل الحمّام فإنّ للسفر قشفا، ثم أغد عليّ. »

فانصرف أبو مسلم، وانصرف الناس، فافترى عليّ أمير المؤمنين حين خرج أبو مسلم وقال:

« متى أقدر على مثل هذه الحال منه التي رأيته قائما على رجليه ولا أدري ما يحدث في ليلتي. » فانصرف، فلمّا أصبحت غدوت عليه، فلمّا رآني قال:

« يا بن اللخناء، لا مرحبا بك، والله ما غمّضت الليلة. » ثم شتمني حتى خفت أن يقتلني. ثم قال:

« ادع لي عثمان بن نهيك. » فدعوته. فقال:

« يا عثمان، كيف بلاء أمير المؤمنين عندك؟ » قال: « يا أمير المؤمنين، إنّما أنا عبدك، والله لو أمرتنى أن أتّكىء على سيفي حتى يخرج من ظهري، لفعلت. » قال: « كيف أنت إن أمرتك بقتل أبي مسلم؟ » فوجم ساعة لا يتكلّم. فقلت:

« مالك لا تتكلّم؟ » فقال قولة ضعيفة: « أقتله. » قال: « انطلق، فجئنى بأربعة من وجوه الحرس جلداء. » فمضى. فلمّا كان عند الرواق ناداه:

« يا عثمان، ارجع. » فرجع.

قال: « اجلس. » فجلس.

قال: « أرسل إلى من تثق به من الحرس، فليحضر منهم أربعة. » فقال لوصيف له:

« انطلق، فادع شبيب بن واج، وادع أبا حنيفة. » حتى عدّد أربعة، فدخلوا فقال لهم أمير المؤمنين نحو ما قال لعثمان، فقالوا:

« نقتله. » قال: « كونوا خلف الرواق، فإذا صفّقت، فاخرجوا إليه، فاقتلوه. » ثم أرسل إلى أبي مسلم رسلا، بعضهم على إثر بعض، فقالوا:

« قد ركب. » وأتاه وصيف فقال له:

« إنّه أتى عيسى بن موسى. » فقلت: « يا أمير المؤمنين، ألا أخرج فأطوف العسكر فأنظر ما يقول الناس، هل ظنّ أحد ظنّا أو تكلّم أحد بشيء. » قال: « بلى. » فخرجت، وتلقّانى أبو مسلم داخلا، فتبسّم، وسلّمت عليه، ودخل، ورجعت، فإذا هو منبطح لم ينتظر به رجوعي. ودخل أبو الجهم، فلمّا راه مقتولا قال:

« إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. » فأقبلت على أبي الجهم فقلت له:

« أمرته بقتله حين خالف، حتى إذا قتل قلت هذه المقالة. » فنبّهت رجلا عاقلا فتكلّم بكلام أصلح ما كان منه.

قال: « يا أمير المؤمنين، ألا أردّ الناس؟ » قال: « بلى. » قال: « فأمر بمتاع يحوّل لك إلى رواق آخر من أرواقك هذه. » فأمر بفرش، فأخرجت كأنّه يريد أن يهيّأ له رواق آخر. فخرج أبو الجهم وقال:

« انصرفوا فإنّ الأمير يريد أن يقيل عند أمير المؤمنين. » ورأوا المتاع ينقل، فظنّوه صادقا، فانصرفوا، ولمّا دخل أبو مسلم قال له:

« أخبرني عن نصلين أصبتهما في متاع عبد الله بن عليّ. » قال: « هذا أحد هما الذي عليّ. » قال: « أرنيه. » فانتضاه، فناوله، فهزّه أبو جعفر، ثم وضعه تحت فراشه، وأقبل عليه يعاتبه ويعدّد ذنوبه. فقال:

« أخبرني عن كتابك إلى أبي العبّاس تنهاه عن الموات، أردت أن تعلّمنا الدين؟ » قال: « ظننت أنّه لا يحلّ، وكان كتب إليّ فيه، فأجبته بما عندي. » قال: « فأخبرني عن تقدمك إيّاى في طريق مكّة. » قال: « كرهت أن نجتمع على الماء، فيضرّ ذلك بالناس، فتقدّمت توطئه والتماس المرفق. » فقال: « فقولك حين أتاك الخبر بموت أبي العبّاس لمن أشار عليك أن تنصرف إلى أن نقدم فنرى رأينا فمضيت، فلا أنت أقمت حتى ألحقك، ولا أنت رجعت إليّ. » قال: « منعني من ذلك ما أخبرتك به من طلب المرفق للناس، وقلت يقدم الكوفة وليس عليه مني خلاف. » قال: « فجارية عبد الله بن عليّ، أردت أن تتّخذها؟ » قال: « لا، ولكني خفت ضياعها فحملتها في قبّة ووكلّت بها من يحفظها. » قال: « فمراغمتك إيّاى والخروج إلى خراسان. » قال: « خفت أن يكون قد دخلك شيء مني، فقلت آتى خراسان وأكتب بعذري وإلى ذاك ما قد ذهب ما في نفسك عليّ. » قال: « فلم قتلت سليمان بن كثير مع أثره في دعوتنا وهو أحد نقباءنا. » قال: « إنّما أراد الخلاف فقتلته. » قال: « تقتله وحاله عندنا حاله بتهمة لم تتحقّقها؟ » ثم قال: « ألست الكاتب إليّ تبدأ بنفسك، والكاتب إلّى تخطب أمينة بنت عليّ وتزعم أنّك ابن سليط بن عبد الله بن عبّاس؟ » فقال أبو مسلم: « يا أمير المؤمنين، لا تتحفّظ عليّ أمثال هذه بعد بلائي وما كان مني. » وكان أبو مسلم قتل في دولته وحروبه ستمائة ألف انسان صبرا. » فقال له:

« يا بن الخبيثة، والله لو كانت أمة مكانك لأجزأت، إنّما عملت ما عملت بريحنا وفي دولتنا، ولو كان ذلك إليك ما قطعت فتيلا. » ثم قال أبو جعفر:

« إنّك لتزيدني بكلامك واحتجاجك غيظا. »

وصفّق بيده، وكانت العلامة بينه وبين الحرس، فخرجوا عليه وضربوه حتى قتلوه وأدرج في بساط وأمر أبو جعفر لأصحابه بمال، ونثر دراهم لبقية جنده فاشتغلوا بها، ورمى إليهم برأسه.

ثم دعا أبو جعفر بأبي إسحاق صاحب حرس أبي مسلم، فقال:

« أقسم بالله لئن قطعوا طنبا من أطنابى لأضربنّ عنقك ثم لأجاهدنّهم. » فخرج إليهم أبو إسحاق وهم يشغّبون فقال:

« انصرفوا يا كلاب. » وكان أبو مسلم خلّف أبا نصر في ثقله وقال:

« أقم حتى يأتيك كتابي. » قال:

« فاجعل بيني وبينك علامة أعرفها وأثق بكتابك معها. » قال:

« إن أتاك كتابي مختوما بنصف خاتمي، فإنا كتبته وإن أتاك بختمى كلّه فلم أكتبه، ولم أختمه. » فلمّا دنا من المدائن، تلقّاه رجل من قوّاده، فسلّم عليه وقال:

« أطعنى وارجع، فإنّه إن قدر عليك قتلك. » قال: « أمّا وقد قربت من القوم، فإني أكره الرجوع. » وكتب أبو جعفر كتابا عن لسان أبي مسلم إلى أبي نصر يأمره بحمل ثقله وما خلّف عنده، وأن يقدم، وختم الكتاب بخاتم أبي مسلم، فلمّا رأى أبو نصر نقش الخاتم تامّا علم أنّ أبا مسلم لم يكتب به. قال: « أفعلتموها؟ »

وانحدر إلى همذان وهو يريد خراسان.

فكتب أبو جعفر بعهده على شهرزور، ووجّه إليه رسولا بالعهد، فأتاه خبره بعد نفوذ الرسول بالعهد انّه قد توجّه إلى خراسان.

وكتب إلى زهير بن التركيّ وهو على همذان:

« إن مرّ بك أبو نصر، فاحبسه. » ثم كتب إليه كتابا آخر:

« إن كنت أخذت أبا نصر فاقتله. » وقدم صاحب العهد بالكتاب فوصلت الكتب إلى زهير وأبو نصر بهمذان، فأخذه وحبسه، ثم خلّاه لهواه فيه، واحتجّ بأنّ كتاب العهد سبق إليّ فخلّيت سبيله.

وفي هذه السنة ولّى أبو جعفر أبا داود خالد بن إبراهيم خراسان، وكتب إليه بعهده.

خروج سنباذ طلبا بثأر أبي مسلم

وفيها خرج سنباذ بخراسان يطلب بدم أبي مسلم وكان هذا الرجل مجوسيّا، وأظهر غضبا لقتل أبي مسلم، فطلب بثأره، وكثر أتباعه فتسمّى:

بفيروز اصبهبذ، وغلب على نيسابور، وقومس، والريّ، وقبض خزائن أبي مسلم التي خلّفها، فوجّه إليه أبو جعفر، جهور بن مرّار العجلى في عشرة آلاف، فالتقوا بين همذان والريّ، فهزم سنباذ وقتل من أصحابه نحو من ستين.

ألفا وسبيت ذراريّهم ونساؤهم، ثم قتل سنباذ بين طبرستان وقومس.

فكان بين خروجه إلى يوم قتل سبعون ليلة.

خروج ملبد

وفي هذه السنة خرج ملبّد بن حرملة الشيبانى فحكّم بناحية الجزيرة فخرج إليه ألف رجل من روابط الجزيرة، فقتلهم ملبّد وهزمهم، ثم سار إليه روابط الموصل فهزمهم، ثم سار إليه يزيد بن حاتم المهلّبي فهزمه ملبّد بعد قتال شديد وقتل ذريع. ثم وجّه إليه أبو جعفر المهلهل بن صفوان في نخب الجند فهزمهم ملبّد، واستباح عسكرهم ثم خرج إليه نزار في عدّة من قوّاد خراسان، فقتله ملبّد وهزم أصحابه، ثم وجّه إليه زياد بن مشكان في جمع كثير فهزمهم ملبّد. ثم وجّه صالح بن صبيح في عسكر كثيف وعدّة من صناديد فهزمهم الملبّد. ثم سار إليه حميد بن قحطبة فلقيه الملبّد فهزمه، وتحصّن حميد منه وأعطاه مائة ألف درهم على أن يكفّ عنه.

ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين ومائة حوادث عدة

وفيها دخل قسطنطين ملك الروم ملطية عنوة فقهر أهلها وملك سورها وهدمه ثم عفى عمّن فيها.

وفيها غزا العبّاس بن محمّد بن عليّ بن عبد الله بن العبّاس مع صالح بن عليّ، فوصله صالح بأربعين ألف دينار وخرج معهم عيسى بن عليّ، فوصله أيضا بأربعين ألف دينار فبنى صالح بن عليّ ما كان صاحب الروم هدم من ملطية.

وفي هذه السنة خلع جهور بن مرّار العجلى المنصور وكان سبب ذلك أنّ جهورا لمّا هزم سنباذ وحوى ما في عسكره وفي جملته خزائن أبي مسلم، خاف فخلع، فأنفذ إليه المنصور محمّد بن الأشعث الخزاعيّ، فلقيه فقاتله قتالا شديدا، فهزم جهور وقتل من أصحابه خلق كثير وهرب جهور إلى آذربيجان فأخذ بعد ذلك باسفيدروا.

وفي هذه السنة قتل الملبّد الخارجي قتله خازم بن خزيمة بعد قتال شديد وحروب كثيرة لا تستفاد من ذكرها تجربة.

ثم دخلت سنة تسع وثلاثين ومائة عبد الرحمن يصير إلى الأندلس

وفي هذه السنة صار عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان إلى الأندلس فملّكه أهلها أمرهم، فولده ولاتها إلى اليوم.

وفيها عزل سليمان بن عليّ عن البصرة، وولّى سفيان بن معاوية، فتوارى عبد الله بن عليّ وأصحابه فبعث أبو جعفر إلى سليمان وعيسى ابني عليّ وكتب إليهما في إشخاص عبد الله بن عليّ وعزم عليهما أن يفعلا ذلك ولا يؤخّراه، وأعطاهما من الأمان لعبد الله ما رضياه ووثقا به، وجرى في ذلك ما سنذكره إن شاء الله.

ثم استحثّهما بالخروج بعبد الله وبعامّة قوّاده وخواصّ أصحابه فخرجا بعبد الله والجماعة التي التمسها حتى قدموا على المنصور فلمّا دخل سليمان وعيسى على المنصور سألاه في عبد الله بن عليّ وأعلماه حضوره، فأنعم لهما وشغلهما بالحديث.

وقد كان هيّأ لعبد الله محبسا في قصره، وأمر أن يصرف إليه بعد دخول سليمان وعيسى، ففعل ذلك به، ثم نهض أبو جعفر من مجلسه وقال لسليمان وعيسى:

« سارعا بعبد الله. » فلمّا خرجا، افتقدا عبد الله بن عليّ من المجلس الذي خلّفاه فيه، فعلما أن قد حبس، فانصرفا راجعين إلى أبي جعفر، فحيل بينهما وبين الوصول إليه، وأخذت عند ذلك سيوف من حضر من أصحاب عبد الله بن عليّ من عواتقهم وحبسوا.

ثم دخلت سنة أربعين ومائة هلاك أبي داود عامل خراسان

فمما جرى فيها هلاك أبي داود خالد بن إبراهيم عامل خراسان لخطيئة أخطأها على نفسه، وذلك أنّ ناسا من جنده ثاروا به ليلا وهو نازل بباب كشمهان من مدينة مرو حتى وصلوا إلى المنزل الذي هو فيه فأشرف أبو داود من الحائط، وجعل ينادى أصحابه ليعرفوا صوته، ووطئ حرف آجرّة خارجة عن الحائط، فانكسرت الآجرّة ووقع على سترة أمامها فانكسر ظهره ومات.

وقام عصام صاحب شرطة أبي داود بخلافته حتى قدم عبد الجبّار بن عبد الرحمن الأزدي.

ثم دخلت سنة إحدى وأربعين ومائة

فمّا جرى في هذه السنة أمر الرونديّة وما كان من أبي جعفر في أمرهم.

ذكر أخبار الروندية وخروجهم ومقتلهم

الرونديّة قوم كانوا من أهل خراسان على رأى أبي مسلم صاحب دعوة بنى هاشم، يقولون بتناسخ الأرواح، ويزعمون أنّ روح آدم في عثمان بن نهيك وأنّ جبريل هو الهيثم بن معاوية. وأنّ ربّهم الذي يطمعهم ويسقيهم هو أبو جعفر المنصور، ويعدّدون أرواح قوم مضوا فيدّعون أنّها الآن منتقلة في أجساد أخرين هم فلان وفلان، ولا تزال تنتقل في كلّ زمان إلى أجساد قوم فتعاقب فيها أو تثاب.

وكانوا أتوا قصر المنصور فجعلوا يطوفون به ويقولون:

« هذا قصر ربّنا. » فحكى أبو بكر الهذلي قال: إني لواقف بباب أمير المؤمنين إذ طلع فقال لي رجل إلى جانبي:

« هذا ربّ العزّة، هذا الذي يرزقنا ويطعمنا ويسقينا. » فلمّا رجع أمير المؤمنين ودخل الناس ودخلت وخلا وجهه قلت له:

« سمعت اليوم عجبا. » وحدّثته، فنكت في الأرض وقال:

« يا هذلي، يدخلهم الله عز وجل النار في طاعتنا ويقتلهم أحبّ إلينا من أن يدخلهم الجنّة بمعصيتنا. » قال: وأتوا قصر المنصور للطواف حتى شاع خبرهم فأرسل المنصور إلى رؤساء هم فحبس منهم مائتين فغضب أصحابهم وقالوا:

« علام حبسوا؟ » وأمر المنصور ألّا يجتمعوا، فأعدّوا نعشا وحملوا السرير وليس في النعش أحد. ثم مرّوا في المدينة الهاشمية بالكوفة حتى صاروا على باب السجن، فأخرجوا أصحابهم، وقصدوا نحو المنصور يريدونه وهم يومئذ ستمائة رجل، فتنادى الناس، وغلّقت أبواب المدينة، فلم يدخل أحد فخرج المنصور من القصر ماشيا ولم يكن في القصر دابّة، فجعل بعد ذلك يرتبط فرسا يكون في دار الخليفة معه في قصره.

ولمّا خرج المنصور أتى بدابّة فركبها وهو يريدهم. وجاء معن بن زايدة وانتهى إلى المنصور وقال:

« أنشدك الله يا أمير المؤمنين إلّا رجعت فانّك تكفى. » وجاء أبو نصر مالك بن الهيثم فوقف على باب القصر وقال:

« أنا اليوم بوّاب. » ونودى في السوق، فرموهم وقاتلوهم حتى أثخنوهم وفتح بابا المدينة فدخل الناس وجاء خازم بن خزيمة على فرس محذوف فقال:

« يا أمير المؤمنين، أقتلهم؟ » قال: « نعم. » فحمل عليهم حتى ألجأهم إلى حائط، ثم كرّوا على خازم، حتى كشفوه وأصحابه ثم كرّ عليهم فاضطرّوهم إلى حائط المدينة وقال للهيثم بن شعبة:

« إذا كرّوا علينا فاسبقهم إلى الحائط، وإذا رجعوا فاقتلهم. » فحملوا على خازم فاطّرد لهم وصار الهيثم بن شعبة من وراءهم فقتلوا جميعا. وجاءهم يومئذ عثمان بن نهيك وكلّمهم، فرموه، فرجع، فرموه بنشّابة وقعت بين كتفيه فمرض أيّاما ومات.

وأبلى يومئذ برزين بن المصمغان ملك دنباوند. وكان خالف أخاه وقدم على أبي جعفر، فأكرمه وأجرى عليه رزقا، فلمّا كان يومئذ أتى المنصور فكفّر له ثم قال:

« أقاتل هولاء؟ » قال له: « نعم. » فقاتلهم. فكان إذا ضرب رجلا فصرعه تأخّر عنه، فلمّا قتلوا وصلّى المنصور دعا بالعشاء وقال:

« اطلبوا معن بن زايدة. » وأمسك عن الطعام حتى جاء معن، فقال لقثم:

« تحوّل إلى هذا الموضع. » وأجلس معنا مكان قثم. » فلمّا فرغوا من العشاء قال لعيسى بن عليّ:

« يا با العبّاس، أسمعت بأسد الرجال؟ » قال: « نعم. » قال: « لو رأيت معنا علمت أنّه من تلك الآساد. » قال معن: « والله يا أمير المؤمنين، لقد أتيتك وإني لوجل القلب، فلمّا رأيت ما عندك من الاستهانة بهم وشدّة الإقدام عليهم، ورأيت أمرا لم أره من خلق في حرب، شدّ ذلك من قلبي وحملني على ما رأيت مني. » قال الفضل بن الربيع: حدّثني أبي قال: سمعت المنصور يقول:

المنصور يتحدّث عن ثلاث خطيئات « أخطأت ثلاثة خطيئات وقى الله شرّها: قتلت أبا مسلم وأنا في خرق ومن حولي يقدّم طاعته على طاعتي ويؤثرها، ولو هتكت الخرق لذهبت ضياعا، وخرجت يوم الرونديّة، ولو أصابنى سهم غرب لذهبت ضياعا، وخرجت إلى الشام ولو اختلف سيفان بالعراق ذهبت الخلاقة ضياعا. » وفي هذه السنة خلع عبد الجبّار بن عبد الرحمن عامل أبي جعفر على خراسان.

ذكر الخبر عن خلع عبد الجبار وما آل إليه أمره

بلغ المنصور أنّ عبد الجبّار يقتل رؤساء أهل خراسان وكاتبه بعض قوّاده بكتاب فيه: قد نغل الأديم. فقال لكاتبه أبي أيّوب الخوريّ:

« إنّ عبد الجبّار قد أفنى شيعتنا، وما فعل هذا إلّا وهو يريد أن يخلع. » فقال له:

« ما أيسر حيلته؟ اكتب إليه: إنّك تريد غزو الروم فيوجّه إليك الجنود من خراسان وعليهم فرسانهم ووجوههم، فإذا خرجوا منها فابعث إليه من شئت فليس به امتناع. » فكتب إليه بذلك، فأجابه:

« إنّ الترك قد جاشت، وإن فرّقت الجنود ذهبت خراسان. » فألقى الكتاب إلى أبي أيوّب وقال له:

« ما ترى؟ » قال:

« قد أمكنك من قياده، اكتب إليه: أنّ خراسان أهمّ إليّ من غيرها، وأنا موجّه إليك الجنود من قبلي. ثم وجّه إليه الجنود ليكونوا بخراسان، فإن همّ بخلع، أخذوا بعنقه. » فلمّا ورد على عبد الجبّار هذا الكتاب، كتب إليه:

« إن خراسان لم تكن قطّ أسوأ حالا منها في هذا العام، وإن دخلها الجنود هلكوا لضيق ما هم فيه من غلاء السعر. » فلمّا أتاه الكتاب ألقاه إلى أبي أيّوب فقال له:

« قد أبدى صفحته، وقد خلع، فلا تناظره. » فوجّه إليه محمّدا ابنه وقدّم لحربه خازم بن خزيمة، ثم شخص محمّد المهديّ، فنزل نيسابور وتوجّه خزيمة بن خازم إلى عبد الجبّار، وبلغ ذلك أهل مرو الروذ فقاتلوه وجاهدوا فيه حتى هرب وتوارى. ثم طلبوه حتى أخذوه أسيرا. فلمّا قدم خازم أتاه [ به ] فألبسه خازم مدرعة صوف وحمله على بعير وجعل وجهه من قبل عجز البعير حتى انتهى به إلى المنصور ومعه ولده وأصحابه، فبسط عليهم العذاب حتى استخرج منه ما قدر عليه من الأموال. ثم أمر المسيّب بقطع يدي عبد الجبّار ورجليه وضرب عنقه، ففعل المسيّب وأمر المنصور بتسيير ولده إلى دهلك وهي جزيرة بناحية اليمن.

فتح طبرستان

ولمّا وجّه المنصور محمّدا المهديّ إلى قتال عبد الجبّار بن عبد الرحمن، فكفى المهديّ أمر عبد الجبّار بمن حاربه كره المنصور أن تبطل نفقاته التي أنفقت على المهديّ وجنوده. فكتب إليه: أن يغزو طبرستان وينزل الريّ ويوجّه أبا الخصيب وخازم بن خزيمة والجنود إلى الإصبهبذ، والإصبهبذ كان يومئذ محاربا للمصمغان ملك دنباوند معسكرا بإزاءه. فبلغه أنّ الجنود دخلت بلاده وأنّ أبا الخصيب دخل سارية، فساء المصمغان ذلك، وقال للإصبهبذ:

« متى صاروا إليك، صاروا إليّ. »

فأجمعا على محاربة المسلمين. وانصرف الإصبهبذ إلى بلاده. فحارب المسلمين وطالت الحروب. فأشار برزين أخو المصمغان على المنصور بتوجيه عمر بن العلاء، وكان برزين قد عرف عمر أيّام رستقباذ وأيّام الرونديّة وقال:

« يا أمير المؤمنين، إنّ عمر أعلم الناس ببلاد طبرستان فوجّهه. » وعمر بن العلاء هو الذي يقول فيه بشّار:

فقل للخليفة إن جئته ** نصيحا ولا خير في المتّهم

إذا أيقظتك حروب العدى ** فنبّه لها عمرا ثم نم

فتى لا ينام على دمنة ** ولا يشرب الماء إلّا بدم

فوجّهه المنصور وضمّ إليه خزيمة بن خازم فدخل الرويان وفتحها وأخذ قلعة الطاق وما فيها.

وطالت الحرب وألحّ خزيمة على القتال، ففتح طبرستان وقتل منهم فأكثر.

وصار الإصبهبذ إلى قلعته وطلب الأمان على أن يسلّم القلعة بما فيها من ذخائره. فكتب بذلك المهديّ إلى أبي جعفر، فوجّه أبو جعفر بصالح صاحب المصلّى وعدّة معه، فأحصوا ما في الحصن ثم انصرفوا. وبدا للإصبهبذ، فدخل بلاد جيلان من الديلم، فمات بها، وأخذت ابنته، فهي أمّ إبراهيم بن العبّاس بن محمّد، وصمدت الجيوش للمصمغان، فظفروا به وبالبحتريّة أمّ منصور بن المهديّ وبصمير أمّ عليّ بن ريطة بنت المصمغان فهذا فتح طبرستان الأوّل.

ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين ومائة

وفيها نقض إصبهبذ طبرستان، العهد بينه وبين المسلمين، وقتل من كان ببلاده من المسلمين فبلغ ذلك المنصور، فوجّه خازم بن خزيمة وروح بن حاتم، وأبا الخصيب مولى أبي جعفر فقاتلوهم حتى طال عليهم. فاحتال أبو الخصيب في ذلك وقال لأصحابه:

« اضربونى واحلقوا رأسى ولحيتي. » ففعلوا ذلك به، ولحق بالإصبهبذ صاحب الحصن وقال:

« إنّه ركب مني ما ترى بتهمة ألحقوها بي وظنّوا أنّ هواى معك. » وأخبره أنّه اليوم معه وأنّه يدلّه على عورة العسكر. فقبل منه الإصبهبذ ذلك وجعله في خاصّته وألطفه ووكّل به من يتعرّف أخباره فصبر، ولم يزل يظهر طاعته ونصيحته حتى وثق به وتمكّن ممّا أراد. فراسل أصحابه بل كاتبهم في نشّابة وواعدهم أن يفتح لهم الباب يوما بعينه. ففعل، فدخلوا وقتلوا من فيها وسبوا الذراريّ وظفروا ببيت الإصبهبذ وبشكلة أمّ إبراهيم بن المهديّ وهي بنت كاتب المصمغان، ومصّ الإصبهبذ خاتما له فيه سمّ، فقتل نفسه.

ودخلت سنة ثلاث وأربعين ومائة

ولم يجر فيها ما تستفاد منه تجربة.

ودخلت سنة أربع وأربعين ومائة

محمد وإبراهيم يهمان المنصور

وفيها أهمّ أبا جعفر المنصور أمر محمّد وإبراهيم ابني عبد الله بن حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب عليهم السلام.

وكانا قد تخلّفا عنه عام حجّ في حياة أخيه ولم يحضرا مع من حضر من بنى هاشم.

وكان يقال: إنّ أبا جعفر كان بايع محمّد بن عبد الله ليلة تشاور بنو هاشم بمكّة فيمن يعقدون له الخلافة وذلك حين اضطرب أمر بنى مروان.

فلمّا كان بعد ذلك، واستخلف أبو جعفر لم تكن له همّة إلّا طلب محمّد، والمسألة عنه وعن أخيه فسأل عنهما بنى هاشم رجلا رجلا يخليهم، فيسألهم، فيقولون:

« يا أمير المؤمنين، قد علم أنّك عرفته يطلب هذا الشأن قبل اليوم. فهو يخافك على نفسه وهو لا يريد لك خلافا ولا يحبّ لك معصية وما أشبه هذا من الكلام، إلّا حسن بن زيد فإنّه أخبره خبره وقال: والله ما آمن وثوبه عليك، فإنّه ممّن لا يغفل عنك، فر رأيك. » فأيقظ من لا ينام، وأخذ في تتبّعه، ودعا بزياد بن عبيد الله وكان خليفة محمّد بن خالد القسريّ على المدينة، فبحث عن أمر محمّد، وسأل عنه وعن أخيه فقال زياد:

« ما يهمّك من أمرهما، أنا آتيك بهما. » فرّده وضمّنه محمّد بن إبراهيم.

وكان يحيى بن خالد بن برمك يقول: اشترى أبو جعفر رقيقا من رقيق الأعراب، ثم أعطى الرجل البعير والبعيرين، وربّما أعطى الرجل الذود وفرّقهم في طلب محمّد في ظهر المدينة، فكان الرجل منهم يرد الماء كالمارّ وكالضالّ وينقّرون عنه ويتحسسون.

وممّا احتال به أبو جعفر حتى وقف على أخبارهم

كان عمر بن حفص أوفد وفدا من السند منهم عقبة بن سلم، فدخلوا على أبي جعفر، فلمّا قضوا حوائجهم فأرادوا النهوض ونهضوا، استردّ عقبة، فأجلسه ثم قال:

« من أنت؟ » قال: « رجل من جند أمير المؤمنين وخدمه، صحبت عمر بن حفص. » قال: « ما اسمك؟ » قال: « عقبة بن سلم بن نافع. » قال: « ممّن أنت؟ » قال: « من الأزد، من بنى هناة. » قال: « إني لأرى لك هيئة وموضعا وإني لأريدك لأمر أنا به معنيّ لم أزل أرتاد له رجلا عسى أن تكونه إن كفيتنيه رفعتك. » فقال: « أرجو أن أصدّق ظنّ أمير المؤمنين فيّ. » قال: « فأخف شخصك واستر أمرك، وأتنى في يوم كذا وكذا، في وقت كذا وكذا. » فأتاه في ذلك الوقت، فقال له: « إنّ بنى عمّنا هولاء قد أبوا إلّا كيدا لملكنا واغتيالا له، ولهم شيعة بخراسان بقرية كذا، يكاتبونهم، ويرسلون إليهم بصدقات أموالهم وألطاف بلادهم، فاخرج بكتبي مع ألطاف وعين حتى تأتيهم متنكّرا بكتاب تكتبه عن أهل هذه القرية ثم تسير ناحيتهم، فإن كانوا نزعوا عن رأيهم فأحبب والله بهم وأقرب، وإن كانوا على رأيهم علمت ذلك وكنت على حذر فاشخص حتى تلقى عبد الله بن حسن متقشّفا فإن جبهك وهو فاعل فاصبر وعاوده، فإن عاد فاصبر حتى يأنس بك ويلين لك ناحيته فإذا ظهر لك ما قبله فأعجل عليّ. » فشخص. حتى قدم على عبد الله بن حسن فلقيه بالكتاب فأنكره ونهره وقال:

« ما أعرف هولاء القوم. » فلم ينصرف ويعود إليه حتى قبل كتابه وألطافه وأنس به، فسأله عقبة الجواب، فقال:

« أمّا الكتاب، فإني لا أكتب إلى أحد ولكن أنت كتابي إليهم، فأقرئهم السلام وأخبرهم أنّ ابنيّ خارجان لوقت كذا وكذا. » قال: فشخص عقبة حتى قدم على أبي جعفر فأخبره الخبر وبأشياء كان ينتظرها منه. فقال له أبو جعفر:

« إني أريد الحجّ فإذا صرت بمكان كذا وكذا لقيني بنو حسن فيهم عبد الله فأنا مبجّله ورافع مجلسه وداع بالغداء، فإذا فرغنا من طعامنا، فلحظتك فامثل بين يديه، فإنّه سيصرف بصره عنك، فدر حتى تغمز ظهره بإبهام رجلك حتى تملأ عينه منك ثم حسبك وإيّاك أن يراك ما دام يأكل. » فخرج حتى إذا ترفّع في البلاد لقيه بنو حسن فأجلس عبد الله إلى جانبه ثم دعا بالغداء فأصابوا منه ثم أمر به فرفع فأقبل على عبد الله فقال:

« يا با محمّد قد علمت ما أعطيتني من العقود والمواثيق ألّا تبغيني سوءا ولا تكيد لي سلطانا. » قال: « فأنا على ذلك يا أمير المؤمنين. » قال: فلحظ أبو جعفر عقبة، فاستدار حتى قام بين يدي عبد الله فأعرض عنه، ثم استدار حتى قام من وراء ظهره، فغمزه بإصبعه فرفع رأسه فملأ عينه منه، ثم وثب حتى جثا بين يدي أبي جعفر فقال:

« أقلنى يا أمير المؤمنين أقالك الله. » قال: « لا أقالنى الله إن أقلتك. » وأمر بحبسه.

فحكى أبو حنين قال: دخلت على عبد الله بن حسن وهو محبوس، فقال:

« هل حدث اليوم خبر؟ » قلت:

« نعم، قد أمر ببيع متاعك ورقيقك، ولا أرى أحدا يقدم على شرائه. » فقال: « ويحك يا با حنين، والله لو خرج بي وببناتى مسترقّين لاشترينا. » فشخص أبو جعفر، وبقي عبد الله بن الحسن في الحبس ثلاث سنين.

وكان أخوه محمّد وأصحابه أجمعوا على اغتيال أبي جعفر في سنة أربعين لمّا حجّ، وقال لهم الأشتر عبد الله بن محمّد بن عبد الله:

« أنّا أكفيكموه. » فقال: محمّد: « لا والله لا أقتله أبدا غيلة حتى أدعوه. » فنقض أمرهم ذلك، وما كانوا أجمعوا عليه.

وكان دخل معهم قائد من قوّاد أبي جعفر من أهل خراسان، فنمّ بهم إسماعيل بن جعفر بن محمّد الأعرج، فأرسل المنصور في طلب القائد فلم يظفر به وأفلت مع غلام له بمال فأتى محمّدا به فقسّمه بين أصحابه.

وكان السبب في ذلك

أنّ أبا جعفر أنفذ عينا له وكتب معه كتبا على ألسن الشيعة بعلامات لهم وقف عليها يذكرون موالاتهم وحسن طاعتهم ومعه مال، فقدم الرجل المدينة، فدخل على عبد الله بن حسن بن حسن فسأله عن محمّد وأعطاه العلامات، فذكر له أنّه في جبل جهينة وقال:

« امرر في طريقك بعليّ بن الحسن، الرجل الصالح الذي يدعى الأغرّ، فإنّه يرشدك. » فأتاه فأرشده. وكان لأبي جعفر كاتب على سرّه، وكان متشّيعا، فكتب إلى عبد الله بن الحسن بأمر ذلك العين وما بعث له. فقدم الكتاب على عبد الله بن الحسن، فارتاع وبعث أبا هيّار إلى عليّ بن الحسن وإلى محمّد يحذّرهما الرجل، فخرج أبو هيّار حتى نزل بعليّ بن الحسن، فسأله عن الرجل فأخبره:

أن قد أرشده.

قال أبو هيّار: فجئت محمّدا في موضعه الذي هو به فإذا هو جالس في كهف معه قوم، والرجل معهم أعلاهم صوتا وأشدّهم انبساطا، فلمّا رآني ظهر عليه بعض التكرّه، وجلست مع القوم، فتحدّثت مليّا، ثم أصغيت إلى محمّد فقلت:

« إنّ لي حاجة. » فنهض، ونهضت معه، فأخبرته خبر الرجل. فاسترجع وقال:

« فما الرأي؟ »

فقلت: « إحدى ثلاث أيّها شئت فافعل. » قال: « وما هي؟ » قلت: « تدعني حتى أقتل الرجل. » قال: « سبحان الله، ما أقرب دما إلّا وأنا مكره، أو ما ذا؟ » قلت: « توقّره حديدا أو تنقله حيث انتقلت. » قال: « وهل بنا فراغ له مع الخوف والإعجال؟ أو ما ذا؟ » قلت: « تشدّه وتضعه عند بعض أهل ثقتك من جهينة. » قال: « هذا إذا. » فرجعنا وقد نذر الرجل، فهرب فقلت:

« فأين الرجل؟ » قالوا: « قام بركوة فاصطبّ ماء، ثم توارى بهذا الظرب يتوضّأ. » قال: فجلنا في الجبل وما حوله، فكأنّ الأرض التأمت عليه. وكان سعى على قدميه حتى شرع على الطريق، فمّر به أعراب معهم حمول إلى المدينة، فقال لبعضهم:

« فرّغ هذه الغرارة فأدخلنيها أكن عدلا لصاحبها ولك كذا وكذا. » قال: « نعم. » ففرّغها، وحمله إلى المدينة. ثم قدم على أبي جعفر فأخبره الخبر كلّه وعمى عن اسم أبي هيّار وكنيته وعلّق وبرا. فكتب أبو جعفر في طلب وبر المزني فحمل إليه رجل يدعى وبرا فسأله عن قصّة محمّد وما حكى عنه العين، فحلف أنّه ما يعرف من ذلك شيئا فأمر به، فضرب سبعمائة سوط وحبس حتى مات.

من غريب الحكايات

فمن الحكايات الغريبة في ذلك الوقت أنّ المنصور كان عنده قوم يتكهّنون فيخبرونه بموضع محمّد. فكتب بعض أصحاب محمّد ممّن كان يتشيّع ويصحب أبا جعفر:

« لا تقيمنّ في موضعك إلّا قدر ما يسير إليك البريد من العراق.

فكان يقال لأبي جعفر: نرى محمّدا ببلاد فيها الأترج والأعناب. فيكون بالمدينة وينتقل، ثم يرونه بالبيضاء وهي من وراء الغابة على عشرين ميلا وهي لأشجع، فيكتب إليها، فيقال له: قد خرج. ثم يقال له: إنّه ببلاد الجبال والقلات، فيطلبه فيقال: خرج، ثم يقال له: هو ببلاد الحبّ والقطران، فيقول:

هذه بلاد رضوى، فيطلبه ولا يجده.

وكان الناس يقولون: عند أبي جعفر مرآة ينظر فيها فيعلم الغيب منها، ويكثرون من الأحاديث، ولا يشكّون في أنّ أبا جعفر يطّلع الغيب ويعلمون لذلك خرافات مختلفه من أخبار الجنّ والمرآة التي ذكرتها.

ولمّا طلب محمّد في شعاب رضوى من جبل جهينة بخيل ورجال، فزع محمّد وكان هناك، فأحضر شدّا فأفلت. وكان له ابن صغير ولد في خوفه ذلك وكان مع جارية له فهوى من الجبل فتقطّع. فقال محمّد:

منخرق السربال يشكو الوجى ** تنكبه أطراف مرو حداد

شرّده الخوف فأزرى به ** كذاك من يكره حرّ الجلاد

قد كان في الموت له راحة ** والموت حتم في رقاب العباد

وقال محمّد: لمّا ظهر، بينا أنّا بالحرّة مصعدا ومنحدرا، إذا أنا بخيل أبي جعفر ورجاله وعليهم رياح بن عثمان يطلبني فعدلت إلى بئر فوقفت بين قرنيها أستقى، فلقيني رياح صفحا فقال:

« قاتله الله أعرابيا، ما أحسن ذراعه. » وحكى بعضى أصحاب محمّد قال: غدوت يوما مع محمّد وعليه قميص غليظ ورداء قرقبي مفتول، فخرجنا من موضع كان فيه، وذكره، حتى إذا كان قريبا التفت فإذا رياح في جماعة أصحابه ركبان فقلت:

« إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. هذا رياح. » فقال غير مكترث:

« امضه. » فمضيت وما تقلّنى رجلاي، وتنحّى هو عن الطريق، فجلس وجعل ظهره ممّا يلي الطريق وسدل هدب رداءه على وجهه وكان جسيما، فلمّا حاذاه رياح قال لأصحابه:

« امرأة رأتنا فاستحيت. » فأعرض ومضى.

أخذ جماعة بنى حسن بن حسن

ولمّا أعيا المنصور محمّد وإبراهيم تقدّم بأخذ جماعة بنى حسن بن حسن فأخذ رياح، وكان والى المدينة، حسن بن حسن بن حسن، وإبراهيم أخاه، وحسن بن جعفر بن حسن، وسليمان بن عبد الله ابني داود بن حسن بن حسن، وعبّاس بن حسن بن حسن بن حسن، وكان صغيرا، فقالت أمّه عائشة بنت طلحة بن عمر بن عبيد الله بن معمر:

« دعوني أشمّه. » وكان أخذ من باب داره. قالوا:

« لا والله ما كنت حيّة. » وحبس معهم موسى بن عبد الله وعليّ بن محمّد بن عبد الله، وحملوا إلى أبي جعفر، وكان محمّد أتى أمّه هند وقال:

« إني قد حملّت أبي وعمومتي ما لا طاقة لهم به، وقد هممت أن أضع يديّ في أيديهم، فعسى أن يخلّى عنهم. » فتنكّرت ولبست أطمارا، ثم جاءت السجن، فعرفها بعضهم فقام إليها فأخبرته عن محمّد فقالوا:

« كلّا بل نصبر فإنّا نرجو أن يفتح الله له خيرا، قولي له ليدع إلى أمره، وليجدّ فيه فإنّ فرجنا بيد الله. » فانصرفت وتمّ محمّد على بغيته.

وكان محمّد وإبراهيم يراسلان أباهما ويستأذنانه في الخروج فيقول:

« لا تعجلا إن منعكما أبو جعفر أن تعيشا كريمين فلن يمنعكما أن تموتا كريمين. »

رأس محمد بن عبد الله يبعث إلى خراسان

ووردت على المنصور كتب عمّاله بخراسان أنّ أهل خراسان قد تقاعسوا عنّا وطال عليهم أمر محمد بن عبد الله فأمر أبو جعفر بمحمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، فضربت عنقه، وبعث برأسه إلى خراسان، وحلف أنّه رأس محمّد بن عبد الله. وكان المنصور قد ضربه بالسوط قبل ذلك وعذّبه. وكان جميلا وضيئا، فأمر المنصور أن يدخل عليه حين قدم به، وكان عليه قميص وإزار وثوب رقيق تحت قميصه، فلمّا وقف قال:

« إيّها يا ديّوث! » قال محمّد: « سبحان الله، والله لقد عرفتني بغير ذلك صغيرا وكبيرا. » قال: « فمّمن حملت ابنتك وكانت تحت إبراهيم بن عبد الله بن حسن، وقد أعطيتني الأيمان بالطلاق والعتاق ألّا تغشّنى ولا تمالئ عليّ عدوّى ثم أنت تدخل على ابنتك مختضبة متعطّرة ثم تراها حاملا يعجبك حملها، فأنت بين أن تكون حانثا أو ديّوثا، وأيم الله إني لأهمّ برجمها. » فقال محمّد:

« أمّا أيمانى فهي عليّ إن كنت دخلت لك في أمر غشّ علمته. وأمّا ما رميت به هذه الجارية فإنّ الله قد أكرمها عن ذلك بولادة رسول الله إيّاها، ولكني قد ظننت حين ظهر حملها أنّ زوجها ألمّ بها على حين غفلة منّا. » فأحفظ المنصور كلامه وأمر بشقّ ثيابه فشقّ قميصه عن إزاره فأشفّ عن عورته ثم أمر به فضرب خمسين ومائة سوط فبلغت منه كلّ مبلغ وأبو جعفر يفترى عليه ولا يكنى فأصاب سوط منها وجهه فقال:

« ويحك، اكفف عن وجهى فإنّ له حرمة برسول الله . » قال: فأغرى أبو جعفر بأن يقول للجلّاد:

« الرأس، الرأس. » فضرب على رأسه نحو من ثلاثين فكان السوط ينثني فيصيب وجهه فأصاب بعضها إحدى عينيه فندرت ثم أخرج في ساجور شدّ في عنقه وقيود في رجليه حتى ردّ إلى أصحابه.

وكان أوّل ما حصل في قلب أبي جعفر منه أنّ رياحا قال له يوما:

« يا أمير المؤمنين، أمّا أهل خراسان فشيعتك وأنصارك وأمّا أهل العراق فشيعة آل أبي طالب، وأمّا أهل الشام فو الله ما عليّ عندهم إلّا كافر وما يعتّدون بأحد من ولده ولكن أخاهم محمّد بن عبد الله بن عمرو لو دعا أهل الشام ما تخلّف عنه منهم أحد. » فوقعت في نفس أبي جعفر إلى أن حجّ، فكان من أمره ما كان.

بنى على الديباج وهو حي

وكان محمّد بن إبراهيم بن حسن بن حسن يقال له الديباج. فلمّا أدخل على أبي جعفر، نظر إليه وقال:

« أنت الديباج؟ » قال: « نعم. » قال: « أما والله لأقتلنّك قتلة ما قتلها أحد من أهل بيتك. » ثم أمر باسطوانة مبنيّة فعرقبت وأمر حتى أدخل فيها ثم بنى عليه وهو حيّ.

وكان محمّد هذا ممّن يختلف إليه الناس ينظرون إلى حسنه.

ثم إنّ أبا جعفر المنصور كان يسقى واحدا بعد واحد فماتوا جميعا إلّا ثلاثة نفر: فأمّا عبد الله بن حسن فاختلف فيه فقال قوم قتل وقال آخرون بل دسّ إليه المنصور من أخبره أنّ محمّدا ابنه قد ظهر فقتل، فانصدع قلبه فمات.

ودخلت سنة خمس وأربعين ومائة

ظهور محمد بن عبد الله من المذار

وفيها ظهر محمّد بن عبد الله من المذار في مائتين وخمسين رجلا، وجاء حتى استبطن السوق وأتى السجن فدقّه وأخرج من كان فيه. وقيل إنّ عبيد الله بن عمر، وابن أبي ذيب وعبد الحميد بن جعفر دخلوا على محمّد قبل خروجه وقالوا:

« ما تنظر بالخروج، والله ما نجد في هذه الأمّة أشأم عليها منك، ما يمنعك أن تخرج وحدك. » فلمّا خرج أقبل إلى الدار فامتنعت عليه فجعل يقول لأصحابه:

« لا تقتلوا واقصدوا باب المقصورة. » فأتوها وحرّقوا الباب، فلم يستطع أحد أن يجتاز فوضع رزام مولى القسريّ ترسه على النار، ثم تخطّى عليه، فصنع الناس ما صنع، ودخلوا فأفلت قوم وأخذ قوم وتعلّق رياح في مشرفة في دار مروان وأمر بدرجها فهدمت فصعدوا إليه فأنزلوه وحبسوه في دار مروان مع أخيه عبّاس بن عثمان. وكان محمّد بن خالد القسريّ وابن أخيه النذير بن يزيد ورزام في الحبس فأخرجهم محمّد وأمر النذير بالاستيثاق من رياح وأصحابه فقال رزام للنذير:

« دعني وإيّاه فقد رأيت عذابه له. » قال: « شأنك به. » وقام ليخرج، فتعلّق بثوبه رياح وضرع إليه وقال له:

« يا با قيس، قد كنت أفعل بكم ما أفعل وأنا بسؤددكم عالم. » فقال له النذير:

« فعلت ما كنت أهله، ونفعل ما نحن أهله. » وخرج فتناوله رزام فلم يزل رياح يطلب إليه حتى كفّ وقال:

« والله إن كنت لبطرا عند القدرة لئيما عند البليّة. » ولمّا صعد محمّد المنبر حمد الله وأثنى عليه ثم قال:

« أمّا بعد، أيها الناس، فإنّه كان من أمر هذه الطاغية عدوّ الله أبي جعفر ما لم يخف عليكم من بنائه القبّة الخضراء التي بناها معاندة لله في ملكه وتصغيرا لكعبة الله الحرام، وإنّ أحقّ الناس بالقيام في هذا الدين أبناء المهاجرين الأولين والأنصار المواسين.

« اللهم إنّهم قد أحلّوا حرامك وحرّموا حلالك وآمنوا من أخفت وأخافوا من آمنت.

« اللهم فأحصهم عددا واقتلهم بددا ولا تغادر منهم أحدا.

« أيّها الناس، إني والله ما خرجت بين أظهركم وأنتم عندي أهل قوّة ولا شدّة، ولكني اخترتكم لنفسي، والله ما جئت هذه وفي الأرض مصر يعبد الله فيه إلّا وقد أخذ لي. » ونزل ثم استعمل على المدينة عثمان بن محمّد بن خالد بن الزبير وعلى قضاءها عبد العزيز بن المطلّب المخزومي وعلى ديوان العطاء عبد الله بن جعفر بن المسور بن مخرمة وعلى الشرط أبا القلمّس عثمان بن عبيد الله بن عمر بن الخطاب. وأرسل محمّد إلى إسماعيل بن عبد الله بن جعفر، وكان قد بلغ عمرا طويلا، فدعاه إلى البيعة له، فقال:

« يا بن أخي، أنت والله مقتول، فكيف أبايعك؟ » فارتدع الناس قليلا.

وحكى عن محمد بن خالد القسريّ، قال:

« لمّا ظهر محمّد وأنا محبوس أطلقنى، ولمّا سمعت دعوته التي دعا إليها على المنبر قلت: هذه دعوة حقّ والله لأبلينّ فيها بلاء حسنا.

فقلت: يا أمير المؤمنين، إنّك قد خرجت بهذا البلد وو الله لو وقف على نقب من أنقابه مات أهله جوعا وعطشا فانهض معي فإنّما هي عشر حتى أضربه بمائة ألف سيف. » فأبى عليّ. فإني لعنده يوما إذ قال:

« ما وجدنا من حرّ المتاع أجود من شيء وجدناه عند ابن أبي فروة ختن أبي الخصيب وكان انتهبه. » قال: فقلت في نفسي: ألا أراك قد أبصرت حرّ المتاع؟ فكتبت إلى أمير المؤمنين فأخبرته بقلّة من معه، فعطف عليّ فحبسني حتى أطلقنى عيسى بن موسى بعد قتله إيّاه.

وكان محمّد آدم شديد الأدمة، أدلم جسيما عظيما، وكان يلقّب القاري من أدمته حتى كان يسميه أبو جعفر محمما.

وقال إبراهيم بن زياد بن عنبسة: كان محمّد عظيم الخلق ما رأيته رقا المنبر قطّ إلّا سمعت تقعقعه من تحته وإني لبمكانى ذلك.

وتحدّث جماعة حضروه: أنّ محمّدا خطب يوما فاعترض في حلقه بلغم.

فتنحنح، فذهب ثم عاد فتنحنح فذهب، ثم عاد فتنحنح، ونظر فلم ير موضعا فرمى بنخامته سقف المسجد فألصقها به. ولمّا خرج محمّد جزع أبو جعفر وأشفق منه فجعل الحارثيّ المنجم يقول له:

« يا أمير المؤمنين ما يجزعك منه؟ فو الله لو ملك الأرض ما لبث إلّا تسعين يوما. » ولمّا ظهر محمّد وإبراهيم ابنا عبد الله أرسل أبو جعفر إلى عمّه عبد الله بن عليّ وهو محبوس، وقال: إنّه لذو رأى، فاستشاره. وقال:

« إنّ هذا الرجل قد خرج فإن كان عندك رأى فأشربه. » فقال:

« إنّ المحبوس محبوس الرأي، فأخرجنى يخرج رأيي. » فأرسل إليه أبو جعفر:

« لو جاءني حتى يضرب بابى ما أخرجتك، فأنا خير لك منه وهو ملك أهل بيتك. » فأرسل إليه عبد الله:

« ارتحل الساعة حتى تأتى الكوفة فاجثم على أكبادهم فإنّهم شيعة هذا البيت وأنصارهم. ثم احففها بالمسالح فمن خرج منها أو أتاها فاضرب عنقه، ثم ابعث إلى سلم بن قتيبة ينحدر عليك - وكان بالرّى - واكتب إلى أهل الشام فمرهم أن يوجّهوا إليك أهل البأس والنجدة ما يحمل البريد، فأحسن جوائزهم، ووجّههم مع سلم. » ثم قال لرسل أبي جعفر وهم أخوته:

« ويحكم إنّ البخل قد قتله فمروه فليخرج الأموال وليعط الأجناد فإن غلب فما أوشك ما يعود إليه ماله، وإن غلب لم يقدم صاحبه على درهم. »

رسائل بين محمد بن عبد الله وأبي جعفر

وتحدّث محمّد بن يحيى قال: نسخت هذه الرسائل من محمّد بن بشير، وكان يصححها، وحدّثنيها غير واحد من كتّاب العراق، وكانوا يصححونها.

قالوا: وردت رسالة لمحمّد على أبي جعفر، فقال أبو أيّوب الخوزيّ كاتبه:

« دعني أجبه عنها. » فقال: « لا، إذا تقارعنا على الأحساب فدعني وإيّاه. »

رسالة أبي جعفر المنصور إلى محمد بن عبد الله

وكتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم

« من عبد الله عبد الله أمير المؤمنين، إلى محمّد بن عبد الله. إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ في الْأَرْضِ فَسادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ من خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا من الْأَرْضِ، ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ في الدُّنْيا وَلَهُمْ في الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ إِلَّا الَّذِينَ تابُوا من قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ. « ولك عليّ الله وعهده وميثاقه وذمّته وذمة رسوله ، إن تبت ورجعت من قبل أن أقدر عليك أن أومنك وجميع ولدك وإخوتك وأهل بيتك ومن اتّبعكم على دماءكم وأموالكم وأسوّغك ما أصبت من دم أو مال، وأعطيك ألف ألف، وما سألت من الحوائج، وأنزلك من البلاد حيث شئت، وأن أطلق من في حبسي من أهل بيتك وأن أؤمن كلّ من جاءك أو بايعك واتبعك، أو دخل في شيء من أمرك، ثم لا أتبع أحدا منهم بشيء كان منه أبدا فإن أردت أن توثق لنفسك فوجّه إليّ بمن أحببت يأخذ لك مني الأمان والعهد والميثاق وما تثق به. »

وكتب على العنوان من عبد الله عبد الله أمير المؤمنين، إلى محمّد بن عبد الله.

فكتب إليه محمّد بن عبد الله:

جواب محمد بن عبد الله

« من عبد الله المهدي محمّد بن عبد الله إني عبد الله بن محمّد: طسم، تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ نَتْلُوا عَلَيْكَ من نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ - إلى قوله - وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ وأنا أعرض عليك من الأمان مثل ما عرضت عليّ، فإنّ الحقّ حقّنا، وإنّما ادّعيتم هذا بنا وخرجتم له بشيعتنا وحظيتم بفضلنا، وإنّ أبانا عليّا كان الوصيّ وكان الإمام وكيف ورثتم ولايته وولده أحياء.

« ثم قد علمت أنّه لم يطلب هذا الأمر أحد له مثل نسبنا وشرفنا وحالنا وشرف آباءنا. لسنا من أبناء اللعناء ولا الطرداء ولا الطلقاء وليس يمتّ أحد من بنى هاشم بمثل الذي نمت به من القرابة والسابقة والفضل، فإنّا بنو أمّ رسول الله فاطمة بنت عمرو في الجاهلية وبنو ابنته فاطمة في الإسلام دونكم. إنّ الله اختارنا واختار لنا، فوالدنا من النبيين محمّد أفضلهم ومن السلف أوّلهم إسلاما عليّ ومن الأزواج أفضلهن خديجة الطاهرة وأوّل من صلّى القبلة ومن البنات خيرهن فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة ومن المولودين في الإسلام حسن وحسين سيّدا شباب أهل الجنّة وإنّ هاشما ولد عليّا مرّتين، وإنّ عبد المطلب ولد حسنا مرتين وإنّ رسول الله ولدني مرتين من قبل حسن وحسين، فانّى أوسط بنى هاشم نسبا، وأصرحهم أبا، لم تعرق فيّ العجم، ولم تنازع فيّ أمّهات الأولاد، فما زال الله يختار لي الآباء والأمّهات في الجاهلية والإسلام، حتى اختار لي في النار. فأنا ابن أرفع الناس درجة في الجنّة، وابن أهونهم عذابا في النار، وأنا ابن خير الأخيار، وابن خير الأشرار، وابن خير أهل الجنّة وابن خير أهل النار.

« ولك الله، إن دخلت في طاعتي وأجبت دعوتي، أن أومنك على نفسك ومالك وعلى كلّ أمر أحدثته إلّا حدا من حدود الله أو حقا لمسلم أو معاهد، فقد علمت ما يلزمك من ذلك وأنا أولى بالأمر منك وأوفى بالعهد لأنّك أعطيتني من العهد والأمان ما أعطيته رجالا قبلي، فأيّ الأمانات تعطيني أمان ابن هبيرة، أم أمان عمّك عبد الله بن عليّ، أم أمان أبي مسلم! »

فكتب إليه أبو جعفر

« بسم الله الرحمن الرحيم أمّا بعد، فقد بلغني كلامك، وقرأت كتابك، فإذا جلّ فخرك بقرابة النساء لتضلّ به الجفاة والغوغاء، ولم يجعل الله النساء كالعمومة والآباء، ولا كالعصبية والأولياء لأنّ الله جعل العمّ أبا وبدأ به في كتابه على الوالدة الدنيا ولو كان اختيار الله لهن على قدر قرابتهن كانت آمنة أقربهنّ رحما وأعظمهنّ حقّا أوّل من يدخل الجنّة غدا، ولكن اختيار الله لخلقه على علمه الماضي فيهم واصطفائه لهم.

« وأمّا ما ذكرت من فاطمة أمّ أبي طالب وولادتها، فإنّ الله لم يرزق أحدا من ولدها الإسلام لا ابنة ولا ابنا، ولو أنّ أحدا من ولدها رزق الإسلام بالقرابة رزقه عبد الله بن عبد المطلب أولاهم بكلّ خير في الدنيا والآخرة، ولكنّ الأمر إلى الله يختار لدينه من يشاء وهو أعلم بالمهتدين ولقد بعث الله محمّدا وله عمومة أربعة، فأنزل الله: وأنذر عشيرتك الأقربين، فدعاهم وأنذرهم، فأجاب اثنان أحدهما أبي، وأبي اثنان أحدهما أبوك فقطع الله ولايتهما منه ولم يجعل بينه وبينهما إلّا ولا ذمّة ولا ميراثا.

« وزعمت أنّك ابن خير أهل النار، وأنّك ابن خير الأشرار، وابن أخفّ أهل النار عذابا وليس في الكفر بالله صغير ولا في عذاب الله خفيف ولا يسير، وليس في الشرّ خيار ولا ينبغي لمؤمن يؤمن بالله أن يفخر بالنار. وسترد فتعلم وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون.

« وأمّا ما فخرت به من فاطمة أمّ عليّ، فإنّ هاشما ولده مرتين ومن فاطمة أمّ حسن وأنّ عبد المطلب ولده مرتين، وأنّ النّبى ولدك مرتين، فخير الأوّلين والآخرين رسول الله، ، لم يلده هاشم إلّا مرة واحدة ولا عبد المطلب إلّا مرّة.

« وزعمت أنّك أوسط بنى هاشم نسبا وأصرحهم أبا وأنّه لم تلدك العجم، ولا تعرق فيك أمّهات الأولاد فقد رأيتك فخرت على بنى هاشم طرّا، فانظر ويحك أين أنت من الله غدا، فإنّك قد تعدّيت طورك وفخرت على من هو خير منك نفسا وأبا وأولا وآخرا إبراهيم بن رسول الله و على والده، وما خيار بنى أبيك خاصّة وأهل الفضل منهم إلّا بنو أمّهات الأولاد ما ولد فيكم بعد وفاة رسول الله أفضل من عليّ بن الحسين وهو لأمّ ولد، ولهو خير من جدّك حسن بن حسن وما كان فيكم بعده مثل ابنه محمّد بن عليّ وجدّته أمّ ولد، ولهو خير من أبيك، ولا مثل ابنه جعفر، وجدّته أم ولد، ولهو خير منك.

« وأمّا قولك إنّكم بنو رسول الله فإنّ الله عز وجل قال في كتابه: ما كان محمّد أبا أحد من رجالكم ولكنّكم بنو ابنته وإنّها لقرابة قريبة ولكنّها لا تحوز الميراث ولا ترث الولاية ولا تجوز لها الإمامة وكيف تورث بها ولقد طلبها أبوك بكل وجه فأخرجها جهارا ومرّضها سرّا ودفنها ليلا، فأبى الناس إلا الشيخين وتفضيلهما. ولقد جاءت السنّة التي لا خلاف فيها بين المسلمين أنّ الجدّ أبا الأمّ والخال والخالة لا يرثون ولا يورثون.

« وأمّا ما فخرت به من عليّ وسابقته، فقد حضرت رسول الله، صلّى الله، عليه الوفاة فأمر غيره بالصلاة، ثم أخذ الناس رجلا بعد رجل ولم يأخذوه، وكان في الستّة، فتركوه كلّهم دفعا له عنها، ولم يروا له حقّا.

« أمّا عبد الرحمن فقدّم عليه عثمان، وقتل عثمان وهوله متّهم، وقاتله طلحة والزبير، وأبي سعد بيعته، وأغلق دونه بابه.

ثم بايع معاوية بعده، ثم طلبها بكلّ وجه فقاتل عليها وتفرّق عنه أصحابه وشكّ فيه شيعته قبل الحكومة. ثم حكّم حكمين رضى بهما، وأعطاهما عهده وميثاقه، فاجتمعا على خلعه.

« ثم كان حسن فباعها من معاوية بخرق ودراهم، ولحق بالحجاز، وأسلم شيعته بيد معاوية، ودفع الأمر إلى غير أهله، وأخذ مالا من غير ولاته ولا حلّه، فإن كان لكم فيه شيء فقد بعتموه، وأخذتم ثمنه.

« ثم خرج عمّك حسين بن عليّ على ابن مرجانة فكان الناس معه عليه حتى قتلوه، وأتوا برأسه. ثم خرجتم على بني أمية فقتلوكم وصلبوكم على جذوع النخل، وأحرقوكم بالنيران، ونفوكم من البلدان، حتى قتل يحيى بن زيد بخراسان، ثم قتلوا رجالكم وأسروا الصبية والنساء، وحملوهم بلا وطاء في المحامل، كالسبي المجلوب إلى الشام، حتى خرجنا عليهم وطلبنا ثاركم، وأدركنا بدمائكم فأورثناكم أرضهم وديارهم، فاتخذت ذلك علينا حجّة، وظننت أنّا إنّما ذكرنا أباك وفضّلناه للتقدمة منّا له على حمزه والعبّاس وجعفر، وليس ذلك كما ظننت، ولكن خرج هؤلاء من الدنيا سالمين متسلّما منهم مجتمعا عليهم بالفضل وابتلى أبوك بالقتال والحرب فكانت بنو أميّة تلعنه كما يلعن الكفرة في الصلاة المكتوبة، فاحتججنا له وذكّرناهم فضله، وعنّفناهم، وظلّمناهم فيما نالوا منه.

« ولقد علمت أنّ مكرمتنا في الجاهليّة سقاية الحجيج الأعظم وولاية بئر زمزم، فصارت للعبّاس من بين أخوته فنازعنا فيها أبوك، فقضى لنا عليه عمر، فلم نزل نليها في الجاهلية والإسلام. ولقد قحط أهل المدينة فلم يتوسّل عمر إلى ربّه ولم يتقرّب إليه إلّا بأبينا حتى نعشهم الله وسقاهم الغيث به، وأبوك حاضر لم يتوسل به. ولقد علمت أنّه لم يبق أحد من بنى عبد المطلب بعد النبي غيره وكان وارثه من عمومته، ثم طلب هذا الأمر غير واحد من بنى هاشم فلم ينله إلّا ولده فالسقاية سقايته، وميراث النبي ، له والخلافة في ولده فلم يبق شرف ولا فضل في جاهليّة ولا إسلام في دنيا ولا آخرة إلّا والعبّاس وارثه ومورثه.

« وأمّا ما ذكرت من بدر، فإنّ الإسلام جاء والعبّاس يمون آل أبي طالب وعياله وينفق عليهم للأزمة الّتى أصابته ولو لا أنّ العبّاس أخرج إلى بدر كارها لمات طالب وعقيل جوعا وللحسا جفان عتبة وشيبة، ولكنّه كان من المطعمين، فأذهب الله عنهم العار والسبّة، وكفاكم المؤونة والنفقة. ثم فدى عقيلا يوم بدر، فكيف تفخر علينا وقد علناكم في الكفر، وفديناكم من الأسر، وحزنا عليكم مكارم الآباء، وورثنا دونكم خاتم الأنبياء، وطلبنا بثأركم، وأدركنا منه ما عجزتم عنه، ولم تدركوه لأنفسكم، والسلام عليك ورحمة الله. »

عيس بن موسى يندب لقتال محمد

وندب أبو جعفر عيسى بن موسى لقتال محمّد وقال:

« لا أبالى أيّهما قتل صاحبه. » وضمّ إليه أربعة آلاف من الجند. وكان أبو جعفر دعا جعفر بن حنظلة البهرائى وكان أبرص طوالا أعلم الناس بالحروب، وقد شهد مع مروان حروبه. فقال له:

« يا جعفر، قد ظهر محمّد فما عندك؟ » قال: « وأين ظهر؟ » قال: « بالمدينة. » قال: « فاحمد الله، ظهر حيث لا مال ولا رجال ولا سلاح ولا كراع. ابعث مولى لك تثق به حتى ينزل بوادي القرى فيمنعه ميرة الشام فيموت مكانه جوعا. » ففعل ولمّا دنا عيسى بن موسى حفر محمد خندق النبي الذي كان حفره للأحزاب، وركب إليه وعليه قباء أبيض ومنطقة وركب معه الناس، فلمّا أتى الموضع نزل فيه، فبدأ هو فحفر بيده فأخرج لبنة من خندق رسول الله فكبّر وكبّر الناس معه وقالوا:

« أبشروا بالنصر، هذا خندق جدك رسول الله . » ويقال: إنّه اجتمع مع محمّد جمع لم ير أكثر منه، حتى قال عثمان بن محمّد الزبيري:

« إني لأحسبنا كنّا مائة ألف. » فلمّا قرب عيسى خطبنا فقال:

« أيّها الناس، إنّ هذا الرجل قد قرب منكم في عدد وعدّة، وقد حللتكم من بيعتي، فمن أحبّ المقام فليقم ومن أحبّ الانصراف فلينصرف. » فتسلّلوا حتى بقي في شرذمة ليست بالكثيرة.

وحكى أنّ محمدا دعا الغاضريّ فقال له:

« أنا أعطيك سلاحا فهل تقاتل معي به؟ » قال: « نعم، إن أعطيتني رمحا أطعنهم به وهم بالأعوص. » قال الغاضري: ثم قال لي:

« ما تنتظر؟ » قلت: « ما أهون عليك، أبقاك الله، أن أقتل ويمروّا بي فيقال والله كان لبادنا. » قال: « ويحك، قد بيّض أهل الشام وأهل العراق وأهل خراسان. » قلت: « اجعل الدنيا زبدة وأنا في مثل صوفة الدواة ما ينفعني، هذا عيسى بن موسى بالأعوص. » وكان وجّه أبو جعفر مع عيسى بن موسى بابن الأصمّ ينزّله المنازل، فلمّا قدموا نزلوا على ميل من مسجد رسول الله فقال ابن الأصمّ:

« إنّ الخيل لا عمل لها مع الرجّالة، وإني أخاف إن كشفوكم أن يدخلوا عسكركم. » فرفعهم إلى سقاية سليمان بن عبد الملك بالجرف وهي على أربعة أميال من المدينة وقال:

« لا يهرول الرجل أكثر من ميلين أو ثلاثة حتى تأخذه الخيل. » فتحدّث محمّد بن أبي الكرام بن عبد الله بن عليّ بن عبد الله بن جعفر قال:

أرسلنى عيسى لمّا قرب من المدينة بأمانه إلى محمّد. فقال محمّد:

« علام تقاتلوننى وتستحلّون دمى؟ وإنّما أنا رجل فرّ من أن يقتل. » قال: فقلت:

« القوم يدعونكم إلى الأمان، فإن أبيت إلّا قتالهم قاتلوك على ما قاتل عليه خير آباءك عليّ طلحة والزبير على نكث بيعتهم وكيد ملكهم والسعى عليهم. » فبلغ ذلك أبا جعفر، فقال لي:

« بعد والله ما سرّنى أنّك قلت له غير ذلك وأنّ لي ملك كذا. » وبقي عيسى ثلاثة أيّام يبرز بنفسه ويدعو أهل المدينة إلى الأمان ويقول:

« نحن إخوانكم مسلمون فلا تهريقوا بيننا الدماء، ادخلوا في الأمان واخرجوا من المدينة وأنتم آمنون، وخلّوا بيننا وبين صاحبنا. » فيشتمونه الشتيمة القبيحة حتى حارب اليوم الثالث.

فلقى أبو القلمّس محمّد بن عثمان أخا أسد بن المرزبان بسوق الحطّابين، فاجتلدا بسيفيهما حتى تقطّعا، ثم تراجعا إلى مواقفهما وأخذ أخو أسد سيفا وأخذ أبو القلمّس أثفيّة، فوضعها على قربوس سرجه وسترها بدروعه، ثم تعاودا، فلمّا تدانيا قام أبو القلمّس في ركابيه، ثم ضرب بها صدره وصرعه ونزل فاحتزّ رأسه.

وبدر رجل من أهل المدينة مولى لآل الزبير يدعى القاسم بن وائل، فدعا للبراز فبرز له رجل لم أر أكمل عدّة منه، فلمّا رآه ابن وائل انصرف عنه. قال:

فوجد أصحاب محمّد من ذلك وجدا شديدا. فإنّا لعلى ذلك إذ سمعت حفيف رجل ورائي، فالتفتّ فإذا أبو القلمّس، فسمعته يقول:

« لعن الله أمّ السفهاء إن ترك هذا اجترأ علينا وإن خرج رجل خرج إلى أمر عسى ألّا يكون من شأنه. » ثم برز له فقتله وكان الرجل هزار مرد، وضربه أبو القلمّس على حبل عاتقه وقال:

« خذها وأنا ابن الفاروق. » فسمعت رجلا من أصحاب عيسى يصيح به:

« قتلت خيرا من ألف فاروق. » ثم قال عيسى لحميد بن قحطبة:

« تقدّم. » فتقدّم في مائة كلّهم راجل غيره معهم القسّى والنشّاب والترسة، فلم يلبثوا أن زحفوا إلى جدار دون الخندق عليه أناس من أصحاب محمّد، فكشفوهم ووقفوا عند الجدار، وأرسل حميد إلى عيسى أن يهدم الجدار. قال:

« فأرسل إليّ فعلة. » فأرسلهم فهدموه وانتهوا إلى الخندق، فأرسل إلى عيسى:

« إنّا قد انتهينا إلى الخندق. » فأرسل إليه عيسى أن:

« اطرح حقائب الإبل في الخندق. » وأمر ببابي دار سعد بن مسعود التي في الثنيّة فطرحا على الخندق فجازت الخيل، فالتقوا عند منابح خشرم واقتتلوا إلى العصر، وانصرف محمّد يومئذ قبل الظهر حتى جاء إلى دار مروان فاغتسل وتحنّط ثم خرج، فدنا منه عبد الله بن جعفر فقال له:

« بأبي أنت، إنّه والله ما لك بما رأيت طاقة، وما معك أحد يصدق القتال، فاخرج الساعة حتى تلحق بمكّة فإنّ بها الحسن بن معاوية ومعه جلد أصحابك. » فقال:

« يا أبا جعفر، والله لو خرجت لقتل أهل المدينة حتى لا يبقى بها صافر، ولست أرجع حتى أقتل أو أغلب، وأنت في حلّ مني وسعة، فاذهب حيث شئت. » قال: فخرجت معه حتى جاء إلى دار ابن مسعود في سوق الظهر، وركضت فأخذت على الزياتين، ومضى إلى الثنيّة وقتل أصحابه بالنّشاب، وجاءت العصر فصلّى.

قال: فرأيت محمّدا راكبا وإلى جانبه ابن حضير يناشده الله إلّا مضى إلى البصرة أو غيرها ومحمّد يقول:

« والله لا يبتلون بي مرّتين، ولكن اذهب حيث شئت فأنت في حلّ. » قال ابن حضير:

« وأين المذهب عنك؟ » ثم مضى، فأحرق الديوان وقتل رياحا ثم لحقه بالثنيّة وقاتل بين يديه حتى قتل. وكان ابن حضير ذبح رياحا ولم يجهز عليه، فجعل يضرب برأسه الجدار حتى مات أقبح ميتة.

ثم صلّى محمّد العصر، ونزل عن دابّته وكسر غمد سيفه، ولم يبق معه أحد إلّا وكسروا أغماد سيوفهم، ثم أقبل على ابن حضير فقال:

« أحرقت الديوان؟ »

قلت: « نعم. خفت أن يؤخذ الناس عليه. » قال: « أصبت. » ثم حمل.

قال أزهر: فحدّثني أخواى قالا: هزمنا يومئذ أصحاب عيسى مرّتين أو ثلاثا، ولكنّا لم نكن نعرف الهزيمة. ولقد سمعنا يزيد بن معاوية بن عبد الله بن جعفر يقول:

« وقد هزمناهم، ويل أمّه فتحا لو كان له رجال. » فبينا هم كذلك، إذ صعد رجل إلى ظهر سلع ومعه رمح قد نصب عليه رأس رجل متّصلا بحلقومه وكبده وأعفاج بطنه، فرأيت منظرا هائلا وذعر منه الناس والأعاريب فأجفلت هاربة حتى أسهلت وعلا الرجل الجبل، ونادى أصحابه رطانة لهم بالفارسيّة: كوهبان، فصعد إليه أصحابه حتى علوا سلعا فنصبوا عليه راية سوداء، ثم انصبّوا إلى المدينة فدخلوها.

وأمرت أسماء بنت حسن بن عبد الله بن عبيد الله بن عبّاس بن عبد المطلّب، وكانت تحت عبيد الله بن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العبّاس بخمار أسود فنصب على منارة مسجد رسول الله فلمّا رأى ذلك أصحاب محمّد تنادوا:

« دخلت المدينة، دخلت المدينة. » وهربوا. وبلغ الناس الذين تنادوا دخول الناس من ناحية سلع. فقال.

الناس الذين مع محمّد:

« لكلّ قوم جبل يعصمهم ولنا جبل لا نؤتى إلّا منه. »

وكان ابن حضير يحمل راجلا، ويخالط العدوّ، فكانت الخراسانية إذا نظروا إلى ابن حضير تنادوا بينهم:

« خضير آمذ، خضير آمذ. » فيتضعضعون إلى أن خالد الناس مرّة فضرب ضارب على أليته فحلّها، فرجع إلى أصحابه فشقّ ثوبا، ثم عصبها بظره، ورجع فضارب حتى ضرب على حجاج عينه وخرّ، فابتدره القوم فحزّوا رأسه. وأقبل محمّد راجلا فجعل يقاتل على جيفته فضربه رجل على أذنه اليمنى فبرك لركبته وتعاودا عليه وصاح حميد بن قحطبة:

« لا تقتلوه. » فكفّوا.

وجاء حميد فاحتزّ رأسه.

وحكى أخو الفضل بن سليمان النميري قال: كنّا مع محمّد قد أطفنا به وكان قد أطاف بنا أربعون ألفا أو أكثر، وكانوا حولنا كالحرّة السوداء، فقلنا له:

« لو حملت لانفرجوا عنك. » فقال: « إنّ أمير القوم لا يحمل، إنّه إن حمل لم تكن بقيّة. » حتى أصاب ابن حضير ما أصابه فحمل والتقوا عليه فقتلوه.

قال أبو الحجّاج الحمّال: كنت يوما قائما على رأس أبي جعفر وهو يسائلني عن مخرج محمّد إذ أتاه الخبر أنّ عيسى هزم، وكان متّكئا، فجلس فضرب بقضيب معه مصلّاه وقال:

« كلّا، فأين لعب صبياننا بها على المنابر ومشورة النساء ما أنى لذلك بعد. »

ولمّا قتل محمّد هجم الناس على دور المدينة فقتل خلق كثير إلى أن قتل أبو الشدائد وجيء برأسه فاستعظم من كان عند عيسى ذلك واسترجعوا، ثم قالوا:

« ما بقي بالمدينة أحد بعد قتل هذا. » فأمر عيسى بألوية ففرّقها على باب باب من أبواب العبّاسيين وأهل الفقه ممّن عرفهم وقال: ليناد المنادى:

« من دخل تحت لواء منها أو دخل دارا من هذه الدور فهو آمن. » « من جاءنا برأس ضربنا رأسه. » فتحدّث عيسى قال: حدّثتنى أمّ حسين بنت عبد الله بن محمّد بن عليّ بن الحسين قالت: قلت لعمّى جعفر بن محمّد:

« أبي فديتك ما أمر محمّد هذا؟ » قال: « فتنة يقتل محمّد بن عبد الله عند بيت روميّ ويقتل أخوه إبراهيم بالعراق وحوافر فرسه في ماء. » وحمل رأس محمّد إلى أبي جعفر وهو بالكوفة، فأمر فطيف به في طبق أبيض.

وتحدّث الحسن بن زيد قال: غدوت يوما على أبي جعفر فإذا هو قد أمر بعمل دكّان ثم أقام عليه جلّادا وأتى بعلي بن المطّلب بن عبد الله بن حنطب فأمر به فضرب خمسمائة سوط، ثم أتى بعبد العزيز بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع، فأمر به فجلد خمسمائة سوط، فما تحرّك واحد منهما فأقبل علّى وقال لي:

« هل رأيت أصبر من هذين قطّ؟ والله إنّا لنؤتى بالذين قاسوا غلظ المعيشة وكدّها فما يصبرون هذا الصبر وهولاء أهل الخفض والكنّ والنعمة. » قال: فقلت:

« يا أمير المؤمنين، هولاء قومك أهل الشرف والقدر. » فأعرض عني وقال:

« أبيت إلّا العصبيّة. » فلمّا كان بعد أيّام أعاد عبد العزيز بن إبراهيم ليضربه، فقال:

« يا أمير المؤمنين، الله، الله، فينا، فو الله إني لمكبّ على وجهى منذ أربعين ليلة، ما صلّيت لله صلاة. » « أنتم صنعتم ذلك بأنفسكم. » قال:

« فأين العفو يا أمير المؤمنين؟ » قال:

« فالعفو إذا. » ثم خلّى سبيله.

وفي هذه السنة ثارت السودان بالمدينة وكان وإليها عبد الله بن الربيع.

ذكر خبر وثوب السودان بالمدينة والسبب الذي هيج ذلك

وكان رياح بن عثمان استعمل أبا بكر بن أبي سبرة على صدقة قوم، فلمّا خرج محمّد صار إليه أبو بكر بما كان جبى وشمّر معه، فلمّا قدم عيسى وهزم محمّدا استخلف كثير بن حصين على المدينة، فأخذ كثير أبا بكر بن أبي سبرة، فضربه سبعين سوطا وقيّده وحبسه، ثم قدم عبد الله بن الربيع واليا من قبل أبي جعفر المنصور، فكان الجند ينازعون التّجار ويتعدّون عليهم، فاجتمعوا إلى أميرهم ابن الربيع، فشكوا ذلك إليه، فنهرهم وشتمهم، فطمع فيهم الجند إلى أن صاروا يأخذون من بين أيديهم الشيء فلا يعطونهم الثمن، ولا ينكر عبد الله بن الربيع ذلك، فجاء يوما رجل من الجند، فاشترى من جزّار لحما يوم جمعة ثم أبي أن يعطيه ثمنه وشهر عليه السيف، فخرج عليه الجزّار من تحت الوضم بشفرة فطعن بها خاصرته فخّر عن دابّته واعتوره الجزّارون فقتلوه. وتنادى السودان على الجند وهم يروحون إلى الجمعة فقتلوهم بالعمد في كل ناحية، ولم يزالوا على ذلك حتى أمسوا، فلمّا كان الغد هرب ابن الربيع، ونفخ السودان في بوق لهم. فذكر أهل المدينة أنّه كان الأسود في بعض عمله يسمع نفخ البوق، فيصغى له حتى يتيقّنه، ثم يوحش بما في يده ويؤمّ نحو الصوت حتى يأتيه، فلمّا اجتمعوا غدوا على ابن الربيع، فخرج إليهم والناس في الجمعة فأعجلوه عن الصلاة واستطردوا له حتى أتى السوق، فمرّ بخمسة من المساكين يسألون في الطريق، فحمل عليهم بمن معه حتى قتلوهم، ثم مرّ بأصيبية على سطح فاستنزلهم وآمنهم، فلمّا نزلوا ضرب أعنا قهم، ثم وقف عند الحنّاطين وحمل عليه السودان فأجلى هاربا واتبعوه حتى صاروا إلى البقيع ورهقوه، فنثر لهم دراهم فشغلوا بها، ومضى على وجهه حتى نزل ببطن نخل على ليلتين من المدينة ورؤساء السودان ويتوا وحذيا وعنقود، ولمّا هزموا ابن الربيع وقع السودان في طعام وأمتعة لأبي جعفر المنصور، فانتهبوه وأغاروا على دار مروان وفيها طعام وأشياء للجند، فانتهبوه وباعوا الحمل من الدقيق بدرهمين وراوية الزيت بأربعة دراهم، وقتلوا الجند فهابوهم حتى إن كان الفارس ليلقى الأسود وما على الأسود إلّا خرقتان على عورته فيولّى الفارس دبره احتقارا له، ثم ما يلبث أن يعود بعمود من عمد السوق التي بقرب منه فيقتله به. فكانوا يقولون:

« ما هولاء إلّا شياطين. » يعنون السودان.

ثم مضى السودان حتى أخرجوا أبا بكر بن أبي سبرة، فخطب الناس ودعاهم إلى الطاعة وصلّى بالناس، ثم أرسل إلى محمّد بن عمران ومحمّد بن عبد العزيز فاجتمعوا عنده فقال:

« أنشدكم الله وهذه البليّة التي وقعت، فو الله لئن ثبتت علينا عند أمير المؤمنين بعد الفعلة الأولى إنّه لاصطلام البلد وأهله، وهولاء العبيد في السوق بأجمعهم، فأنشدكم الله إلّا ذهبتم إليهم وكلّمتوهم في الرجعة والفيئة إلى طاعتكم، فإنّهم لا نظام لهم ولم يقوموا بدعوة وإنّما هم قوم أخرجتهم الحميّة. » فذهبوا إلى العبيد وكلّموهم فقالوا:

« مرحبا بكم يا موالينا، والله ما قمنا إلّا أنفا لكم ممّا عمل بكم، فأيدينا في أيديكم وأمرنا إليكم. » فأقبلوا بهم إلى المسجد، فقالوا:

« أيها الناس، إنّه قد وقع الأمر بما ترون، ونعلم أنّهم لا يبقون علينا، فدعونا نشفيكم وأنفسنا. » فأبينا. ولم نزل بهم حتى تفرّقوا، وقيل لويتوا وخليفته يعقل الجزّار:

« إلى من تعهدنا ويتوا؟

قال: « إلى أربعة من بنى هاشم وأربعة من قريش وأربعة من الأنصار وأربعة من الموالي. ثم الأمر شورى. »

فقال ابن عمران:

« اسأل الذي ولّاك أمرنا أن يرزقنا عدلك ويعطف بقلبك علينا. » قال: « فقد ولّانيه الله. » فلمّا حضرت العشاء الآخرة، وقد ثاب الناس واجتمع القرشيّون في المقصورة، وأقام الصلاة المؤذّن. قال المؤذّن للقرشيّين:

« من يصلّى منكم بالناس؟ » فلم يجبه أحد، فقال:

« ألا تسمعون؟ » فلم يجيبوه، فقال:

« يا بن عمران، ويا فلان. » فلم يجبه أحد، فقام الأصبغ بن سفيان بن عاصم بن عبد العزيز بن مروان، فقال:

« أنا أصلّى. » فقام في المقام، فقال للناس:

« استووا. » فلمّا استوت الصفوف، أقبل عليهم بوجهه ونادى بأعلى صوته:

« ألا تسمعون، أنا أصبغ بن سفيان بن عاصم بن عبد العزيز بن مروان، أصلّى بالناس على طاعة أبي جعفر. » فردّد ذلك مرّتين أو ثلاثا، ثم كبّر فصلّى، ثم اجتمع القرشيّون، فركبوا إلى ابن الربيع، وهو بنخل، فناشدوه الله إلّا رجع إلى عمله فيأبى، فخلا به عبد العزيز ولم يزل به حتى سكن ورجع فهدأ الناس.

وفي هذه السنة أسّست مدينة بغداد وهي التي تدعى مدينة المنصور.

ذكر السبب في بناء أبي جعفر بغداذ

لمّا ثارت الرونديّة بأبي جعفر في مدينته التي تسمّى الهاشميّة التي بناها إلى جنب الكوفة والمدينة التي سمّاها الرّصافة، كره سكانها ولم يأمن أهلها، فأراد أن يبعد، فتردّد بين الموصل وجرجرايا، واختار موضع بغداذ، وقال: هذا موضع معسكر صالح، هذه دجلة، ليس بيننا وبين الصين شيء يأتينا فيها كلّ ما في البحر وتأتينا الميرة من الجزيرة وأرمينية وما حول ذلك، فنزل وضرب عسكره على الصراة وخطّ المدينة، ووكّل بكلّ ربع قائدا.

وكان الناس أشاروا عليه بموضع قريب من بارمّا، وذكروا له عنه غذاء وطيبا فخرج إليه بنفسه حتى نظر إليه وبات فيه فرآه موضعا طيبا. فدعا جماعة من أصحابه وقال لهم:

« ما رأيكم في هذا الموضع؟ » فقالوا: « ما رأينا مثله، وهو طيب صالح موافق. » فقال: « صدقتم، هو كذا ولكنّه لا يحمل الجند والناس والجماعات، وإنّما أريد موضعا يرتفق به الناس ويوافقهم مع موافقته لي، ولا تغلو عليهم الأسعار، فإني إن أقمت في موضع لا يجلب إليه في البرّ والبحر غلت الأسعار وقلّت المادّة، فاشتدّت المؤونة وشقّ ذلك على الناس. » ثم عاد إلى موضع بغداذ، وأحضر جماعة من سكان القرى التي حواليها وصاحب بغداذ فيهم فسألهم عن مواضعهم وكيف هي في الحرّ والبرد والأمطار والوحول والبقّ والهوامّ فأخبره كلّ واحد بما عنده. فوجّه من قبله رجالا حصفاء فبات كلّ رجل منهم في قرية منها، ثم تنحّر أخبارهم واختيارهم فاجتمعوا على صاحب بغداذ.

فيحكى أنّ الراهب الذي كان قريبا من بغداذ قال لأبي جعفر:

« إنّ الذي يبنى هاهنا مدينة اسمه مقلاص. » فقال أبو جعفر:

« فأنا والله كنت أدعى في حداثتي مقلاصا ثم انقطعت عني. » ووجّه المنصور في حشر الصنّاع والفعلة من الشام والموصل وأهل الجبل ومن الكوفة والبصرة وسائر المدن وأمر باختيار قوم من أهل الأمانة والعدالة والفقه والمعرفة، فكان ممّن أحضر الحجّاج بن أرطاة وأبو حنيفة النعمان بن ثابت، وأمر بخطّ المدينة وحفر الأساسات، وضرب اللبن وطبخ الآجر، فبدئ بذلك سنة خمس وأربعين ومائة ثم خطّت له بالرماد، فدار عليها وعلى سورها وسككها وخنادقها، فلمّا فعل ذلك مرارا، أمر أن يجعل على تلك الخطوط من الرماد حبّ القطن ويصب عليه النفط، فنظر إليها والنار تشتعل فيها، ففهمها وعرف رسمها وأمر بحفر أساسها وبناءها وإحكام الأساس. وأمر أن يجعل عرض السور من أسفله خمسين ذراعا وقدّر أعلاه عشرين ذراعا، وجعل في البناء حوائر قصب مكان الخشب في كلّ طوفة فلمّا بلغ الحائط مقدار قامة أتاه خروج محمّد فقطع البناء.

وكان المنصور قد أرضى أصحاب القرى والمزارع، أمّا مدينته وهي بغداذ فكانت لستين رجلا، فأعطاهم العوض عنها وأرضاهم. وأمّا ما كانت حواليها، فكانت قرى متّصلة فأقطعها قوّاده واشتروها، ثم اشترى الناس.

وقال المنصور: يكتب إلى مصر بقطع المادّة عن الحرمين ما دام بها محمّد، فإنّما هم في مثل حرجة إذا انقطعت عنهم المير، وأمر بالكتاب إلى الجزيرة وغيرها أن يمدّ الكوفة بالرجال، وكتب إلى العبّاس بن محمّد، وكان على الجزيرة، أن يمدّه في كلّ يوم بما قدر عليه من الرجال، وكذلك كتب إلى أمراء الشام وقال:

« لو ورد عليّ في كلّ يوم رجل واحد من كل واحد منكم لكثّرت به من معي وإن بلغ الخبر الكذّاب كسره ذلك. »

وفي هذه السنة ظهر إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن أخو محمّد بالبصرة فحارب المنصور.

ذكر الخبر عن مخرجه وسبب ذلك وعن مقتله

لمّا قبض أبو جعفر على عبد الله بن حسن أشفق محمّد وإبراهيم فافترقا وتواريا وتقلّب إبراهيم في البلدان.

فحكى إبراهيم لبعض أصحابه قال:

« اشتدّ الطلب لي وأنا بالموصل، فاضطرّنى الزمان حتى دخلت وجلست على موائد أبي جعفر وذاك أنّه كان قدمها وطلبنى فتحيّرت ولفظتني الأرض وجعلت لا أجد مساغا، ودعى الناس إلى غدائه، ودخلت فيمن دخل، والطرق مشحونة بمن تطلبنى، فجلست وأكلت، ثم خرجت وقد كفّ الطلب.

وتحدّث عبد الله بن محمّد البوّاب قال: أمر أبو جعفر ببناء، قنطرة الصراة العتيقة ثم خرج ينظر إليها، فوقعت عينه على إبراهيم وخنس إبراهيم فذهب في الناس، فأتى فاميا فلجأ إليه، فأصعده غرفة له، وجدّ أبو جعفر في طلبه، ووضع المراصد، فنشب إبراهيم بمكانه وطلبه أبو جعفر أشدّ ما يكون من الطلب، وكان مع إبراهيم رجل من بنى العمّ، فتحدّث العّمّى هذا قال: قلت لإبراهيم:

« قد نزل ما ترى ولا بدّ من التغرير والدخول تحت المخاطرة. » قال: « فأنت وذلك. » قال: فأقبلت إلى الربيع فسألته الإذن، قال:

« ومن أنت » قال: « سفيان العمّى. » فأدخله على أبي جعفر، وكان أبو جعفر يعرفه بصحبة إبراهيم، فلمّا راه شتمه فقال:

« يا أمير المؤمنين، أنا أهل لما تقول، غير أنّى أتيتك نازعا تائبا ولك عندي كلّ ما تحبّ إن أعطيتني ما أسألك. » قال: « وما لي عندك؟ » قال: « آتيك بإبراهيم، إني قد بلوته وأهل بيته فلم أجد فيهم خيرا، فما لي عندك إن فعلت؟ » قال: « كلّ ما تشاء، فأين إبراهيم؟ » قال: « دخل بغداذ أو هو داخلها عن قريب، فإني تركته بعبدسيّ فاكتب لي جوازا ولغلام لي وقرانق واحملنى على البريد. » فكتب له جوازا وضمّ إليه جندا وقال:

« هذا ألف دينار فاستعن به. » قال: « لا حاجة لي فيه كلّه. » فأخذ ثلاثمائة دينار. وأقبل حتى أتى إبراهيم وهو في غرفة عليه مدرعة صوف زيّ العبيد، فصاح به:

« قم يا فلان. » فوثب كالفزع، وجعل يأمره وينهاه حتى قدم المدائن، فمنعه صاحب القنطرة فدفع إليه جوازه.

قال: « فأين غلامك؟ » قال: « هذا. » فلمّا نظر في وجهه قال:

« والله ما هذا بغلام وإنّه لإبراهيم، ولكن اذهب راشدا. » فأطلقهما وهرب وركبا سفينة حتى قدما البصرة فجعل يأتى بهم الدار لها بابان فيقعد العشرة منهم على أحد البابين ويقول:

« لا تبرحوا حتى آتيكم. » ثم يدخل الدار فيخرج من الباب الآخر ويتركهم، حتى فرّق الجند عن نفسه وبقي وحده واختفى حتى بلغ سفيان بن معاوية، وهو على البصرة، خبر الجند، فأرسل إليهم فجمعهم فطلب العمّى فأعجزه.

وحكى الحسن بن حبيب الديلي قال: كان إبراهيم مختفيا عندي على شاطئ دجيل في ناحية مدينة الأهواز وكان محمّد بن حصين يطلبه فقال يوما:

إنّ أمير المؤمنين كتب إليّ يخبرني أنّ المنجمين يخبرونه أنّ إبراهيم نازل في جزيرة بين نهرين وقد اعتزمت أن أطلبه غدا في المدينة لعلّ أمير المؤمنين يعنى بين دجيل والمسرقان.

قال: فأتيت إبراهيم وقلت:

« أنت غدا مطلوب في هذه الناحية. » قال: فأقمت معه يومي، فلمّا غشيني الليل خرجت به حتى أنزلته في دشت أربك دون الكثّ ورجعت من ليلتي، فأقمت أنتظر محمّدا أن يغدو في طلبه فلم يفعل، فتصرّم النهار كلّه وطفّلت الشمس فخرجت حتى جئت إبراهيم فأقبلت به فوافينا المدينة مع العشاء الآخرة، ونحن على حمارين، فلمّا دخلنا المدينة فصرنا عند الجبل المقطوع لقينا أوائل خيل ابن حصين، فرمى إبراهيم بنفسه عن حماره وتباعد وجلس يبول، وطوتنى الخيل فلم يعرّج عليّ أحد منهم حتى صرت إلى ابن حصين، فقال لي:

« أبا محمّد، من أين في هذا الوقت؟ » قلت: « إني تمسّيت عند بعض أهلى. » فقال: « ألا أرسل معك من يبلّغك؟ » قلت: « لا، قد قربت من أهلى. » فمضى يطلب، وتوجّهت على سنني حتى انقطع آخر أصحابه، ثم كررت راجعا إلى إبراهيم، والتمست حماره حتى وجدته فركب وانطلقنا فبتنا في أهلنا فقال إبراهيم:

« تعلم والله لقد بلت البارحة دما، فأرسل من ينظر. » فأتيت الموضع فوجدته قد بال دما.

وقال أبو جعفر: ما زال يظهر أمر إبراهيم لي حتى اشتملت عليه طفوف البصرة.

وحصل إبراهيم بالبصرة، فدعا الناس، واستجاب له خلق، واستتر في بنى راسب. وكان سفيان بن معاوية عامل المنصور يومئذ على البصرة قد مالأ إبراهيم بن عبد الله على أمره فلا ينصح لصاحبه. فتحدّث جماعة من أشياخ البصرة أنّهم شهدوا دفيف بن أسد مولى يزيد بن حاتم أتى سفيان بن معاوية قبل خروج إبراهيم بليلة فقال:

« ادفع إليّ فوارس، آتك بإبراهيم وبرأسه. » قال: « أو ما لك عمل؟ اذهب إلى عملك. » فخرج دفيف من ليلته، فلحق بيزيد بن حاتم بمصر.

وقال عدّة من الأزد: إنّ جابر بن حمّاد كان على شرطة سفيان، فأتاه قبل خروج سفيان بيوم وقال:

« إني مررت في مقبرة بنى يشكر، فصيّحوا بي ورموني بالحجارة. » فقال له:

« أما كان لك طريق آخر؟ » فمرّ سفيان بعد قتل إبراهيم وانقضاء تلك الأيّام بأبي جعفر المنصور في سفينة له وأبو جعفر مشرف من قصره، فقال:

« إنّ هذا سفيان؟ » قالوا: « نعم. » قال: « والله للعجب كيف يفلتنى هذا ابن الفاعلة؟ » وكان المنصور أنفذ قائدين كبيرين مع أصحابهما إلى سفيان مددا له، فلمّا قدما عليه صيّرهما بالقرب منه، فلمّا واعده إبراهيم الخروج أرسل إليهما فاحتبسهما عنده تلك الليلة حتى خرج، فأحاط به وبهما فأخذهم وقيّد سفيان وحبسه في القصر يرى أبا جعفر أنّه بريء من التهم.

وكان أبو جعفر المنصور يبعث إلى سفيان كلّ يوم قوما إلى البصرة فجعلوا يتزيدون ويردون، فأشفق إبراهيم أن يكثروا بها، فظهر وبلغ جعفرا ومحمّدا ابني سليمان بن عليّ، وكانا يومئذ بالبصرة، مصير إبراهيم إلى دار الإمارة وحبسه سفيان، فأقبلا فيما قال غير واحد في ستمائة من الرّجالة والفرسان يريدانه فوجّه إليهما المضاء بن القاسم في ثمانية عشر فارسا وثلاثين راجلا، فهزمهم المضاء ولحق محمّدا رجل من أصحاب المضاء فطعنه في فخذه ونادى منادى إبراهيم:

« لا تتبعوا مدبرا. » وأصاب إبراهيم في بيت المال ألفي ألف درهم، فقوى بذلك وفرض لكلّ رجل خمسين خمسين ووجّه إبراهيم بن المغيرة إلى الأهواز في نحو مائتي رجل، وعامل الأهواز يومئذ من قبل أبي جعفر محمّد بن الحصين، فلمّا بلغه دنّو المغيرة خرج إليه في أربعة آلاف، فالتقوا على ميل من قصبة الأهواز بموضع يقال له: دشت أربك، فانكشف ابن حصين وأصحابه، ودخل المغيرة الأهواز. ويقال إنّ أصحاب ابن حصين قد كانوا واطأوا إبراهيم. ووجّه إبراهيم إلى فارس عمرو بن شدّاد عاملا عليها.

فلمّا قرب من فارس بلغ إسماعيل بن عليّ، وكان عاملا عليها من قبل أبي جعفر ومعه أخوه عبد الصمد بن عليّ إقبال عمرو بن شدّاد فبادرا إلى دارا بجرد فتحصّنا بها وكانا بإصطخر وصارت فارس والأهواز والبصرة في سلطان إبراهيم.

ولمّا ظهر محمّد بالمدينة، أرسل أبو جعفر إلى جعفر بن حنظلة، وكان ذا رأى، فقال:

« هات رأيك. » قال: « وجّه الأجناد إلى البصرة. » فقال: « انصرف حتى أرسل إليك. » وقال أبو جعفر:

« اختبل والله جعفر، أسأله عن المدينة فيجيبني عن البصرة. » فلمّا صار إبراهيم إلى البصرة قال:

« إيّاها خفت، بادره بالجنود. » قال:

« وكيف خفت البصرة؟ » قال: « لأنّ محمّدا ظهر بالمدينة، وليسوا بأهل حرب، بحسبهم أن يقيموا شأن أنفسهم، وأهل الكوفة تحت قدمك، وأهل الشام أعداء آل أبي طالب، فلم يبق إلّا البصرة. » ولمّا شخص جعفر ومحمّد ابنا سليمان من البصرة، أرسلا إلى أبي جعفر وأخبراه خبرهما فقال أبو جعفر:

« والله ما أدري كيف أصنع، والله ما في عسكري إلّا ألفا رجل، فرّقت جندي، فمع المهدي بالريّ ثلاثون ألفا، ومع محمّد بن الأشعث بإفريقية أربعون ألفا، والباقون مع عيسى بن موسى، والله لئن سلمت من هذه لا يفارق عسكري ثلاثون ألفا.

وقال عبد الله بن راشد: ما كان في عسكر أبي جعفر كبير أحد، ما هم إلّا سودان وناس يسير. وكان يأمر بالحطب فيحزم، ثم يوقد بالليل فيراه الرائي فيحسب هناك ناسا، وما هي إلّا نار تضرم، وليس عندها أحد.

وكتب أبو جعفر إلى عيسى بن موسى وهو بالمدينة:

« إذا قرأت كتابي فأقبل ودع ما أنت فيه. » فلم ينشب أن قدم، فوجّهه على الناس، وكتب إلى سلم بن قتيبة، فقدم عليه من الريّ، فضمّه إلى جعفر بن سليمان.

فحكى سلم بن قتيبة قال: لمّا دخلت على أبي جعفر قال لي:

« خرج ابنا عبد الله بن حسن، فاعمد لإبراهيم ولا يروعنّك جمعه، فو الله إنّهما لجملا بنى هاشم المقتولان جميعا، فابسط يدك، وثق بما أعلمتك، وستذكر مقالتي لك. » قال: فو الله ما هو إلّا أن قتل إبراهيم، فجعلت أتذكّر مقالته فأعجب.

وكتب المنصور إلى المهدي وهو يومئذ بالريّ يأمره بتوجيه خازم بن خزيمة إلى الأهواز، فوجّهه المهدي في أربعة آلاف من الجند، فصار إليها وحارب بها المغيرة بن الفزر، فهزم المغيرة وانصرف المغيرة إلى البصرة ودخل خازم الأهواز فأباحها ثلاثا.

وحكى السنديّ قال: كنت وصيفا أيّام حرب محمّد، فكنت أقوم على رأس المنصور بالمدينة، فرأيته لمّا كثف أمر إبراهيم وغلظ، أقام على مصلّى نيّفا وخمسين ليلة، ينام عليه، ويجلس عليه، وعليه جبّة ملوّنة قد اتّسخ جيبها وما تحت لحيته منها ما غيّر الجبّة ولا هجر المصلّى حتى فتح الله عليه، إلّا أنّه كان إذا ظهر للناس عليّ الجبّة بالسواد وقعد على فراشه، فإذا بطن عاد إلى هيئته.

قال: فأتته ريسانة في تلك الأيّام وقد أهديت إليه امرأتان من المدينة، إحداهما فاطمة بنت محمّد بن عيسى بن طلحة بن عبيد الله، والأخرى أمة الكريم بنت عبد الله من ولد خالد بن أسيد بن أبي العيص فلم ينظر إليهما، فقالت:

« يا أمير المؤمنين، إنّ هاتين المرأتين قد خبثت أنفسهما وساءت ظنونهما لما ظهر من جفائك بهما. » فانتهرها وقال:

« ليست هذه الأيّام من أيّام النساء، لا سبيل إليهما حتى أعلم: رأس إبراهيم لي، أو رأسى لإبراهيم. » فهذه كانت عزيمة أبي جعفر.

فأمّا إبراهيم فذكر أبو عبيدة أنّ يونس الحرمي كان يقول: قدم هذا يريد إبراهيم وهو يقصد إزالة ملك، فألهته بنت عمرو بن سلمة عمّا جاء له، وكان إبراهيم تزوّج بعد مقدمه البصرة بهكنة بنت عمر بن سلمة. وكانت تأتيه في مصبّغاتها وألوان ثيابها.

وورد كتاب من جعفر ومحمّد ابني سليمان يعلمانه خروجهما عن البصرة، وكان كتابهما في قطعة جراب، ولم يقدرا على شيء يكتبان فيه غير ذلك، فلمّا وصل الكتاب إليه، فرأى قطعة جراب بيد الرسول قال:

« خلع والله أهل البصرة مع إبراهيم. » ثم قرأ الكتاب ودعا بعبد الرحمن الختليّ وبأبي يعقوب ختن مالك بن الهيثم، فوجّههما في خيل كثيفة إليهما وأمرهما أن يحبساهما حيث لقياهما، وأن يعسكرا معهما، ويسمعا ويطيعا لهما. وكتب إليهما يعجزّهما ويضعفهما ويوبّخهما على طمع إبراهيم في الخروج إلى مصرهما فيه واستتار خبره عنهما حتى ظهر. وكتب في آخر كتابه:

أبلغ بنى هاشم عني مغلغلة ** فاستيقظوا إنّ هذا فعل نوّام

تعدو الذئاب على من لا كلاب له ** وتتّقى مربض المستنفر الحامى

قال جعفر بن ربيعة: قال الحجّاج: لقد دخلت على المنصور في ذلك اليوم مسلّما، وما أظنّه يقدر على ردّ السلام لتتابع الفتوق والخروق عليه، وللعساكر المحيطة به، ولمائة ألف سيف كامنة له بالكوفة بإزاء عسكره ينتظرون به صيحة واحدة فيثبون، فوجدته صقرا أحوزيّا مشمّرا قد قام إلى ما نزل به من النوائب يعركها ويمرسها، فقام بها ولم تقعد به نفسه.

ذكر آراء أشير بها على إبراهيم بن عبد الله

لمّا وجّه أبو جعفر عيسى بن موسى إلى إبراهيم، كان معه خمسة عشر ألفا، وجعل على مقدّمته حميد بن قحطبة في ثلاثة آلاف. فأراد إبراهيم الشخوص نحو أبي جعفر، فدخل إليه جماعة من قوّاده، فقالوا له:

« إنّك قد ظهرت على أهل البصرة والأهواز وفارس وواسط، فأقم بمكانك ووجّه الأجناد، فإن هزم لك جند أمددتهم بجند، فخيف مكانك واتّقاك عدوّك وجبيت الأموال وثبتت، ثم رأيك بعد. »

فقال له المشائيم الكوفيّون:

« أصلحك الله، إنّ بالكوفة رجالا لو قد رأوك ماتوا دونك، وإن لم يروك قعدت بهم أسباب شتّى، والرأي أن تخرج. » فقال له آخر:

« إنّ هذه بلادي وبلاد قومي وأنا أعلم بها، فلا تقصد عيسى بن موسى ومعه هذه العساكر التي ضمّت إليه، ولكن دعني أسلك بك طريقا لا يشعر بك أبو جعفر إلّا وأنت معه بالكوفة. » فأبى عليه. قال:

« فإنّا معشر ربيعة أصحاب بيات، فدعني أبيّت أصحاب عيسى. » قال:

« إني أكره البيات. » فقال له هريم:

« أصلحك الله، إنّك غير ظاهر على هذا الرجل حتى تأخذ الكوفة، وإن صارت لك مع تحصّنه بها لم تقم له بعدها قائمة، ولى بعد بها أهيل، فدعني أسر إليها مختفيا فأدعو إليك في السرّ، ثم أجهر، فإنّ القوم إن سمعوا داعيا أجابوه، وإن سمع أبو جعفر الهيعة بأرجاء الكوفة وليس معه رجال، لم يردّ وجهه شيء دون حلوان. » فأقبل على بشير الرحّال. فقال:

« ما ترى يا با محمّد؟ » فقال: « إنّا لو وثقنا بالذي يصف لكان رأيا، ولكنّا لا نأمن أن يجيبك طائفة منهم فيرسل إليهم أبو جعفر خيلا فتطأ البريء والنّطف والصغير والكبير، فتكون قد تعرّضت لمأثم، ولم تبلغ منه ما أمّلت. » قال هريم: فقلت لبشير:

« أفخرجت حين خرجت لقتال أبي جعفر وأصحابه وأنت تتوقّى قتل الصغير والضعيف والمرأة والرجل، أو ليس قد كان رسول الله يوجّه السريّة فيقاتل فيكون في ذلك نحو ما كرهت؟ » فقال: « إنّ أولئك كانوا مشركين، وإنّ هولاء أهل ملّتنا ودعوتنا وقبلتنا، حكمهم غير حكم أولئك. » فاتّبع إبراهيم رأيه، وسار حتى نزل باخمرى فلمّا نزلها أرسل إليه سلم بن قتيبة حكيم بن عبد الكريم:

« انّك قد أصحرت ومثلك أنفس به على الموت، فخندق على نفسك حتى لا تؤتى إلّا من مأتى واحد، فإن أنت لم تفعل فقد أعرى أبو جعفر عسكره فتخفف في طائفة حتى تأتيه فتأخذ بقفاه. » فدعا إبراهيم أصحابه، فعرض ذلك عليهم فقالوا:

« نخندق على أنفسنا ونحن ظاهرون عليهم؟ لا والله لا نفعل. » قال: « فنأتيه. » قالوا: « ولم، وهو في أيدنا متى ما أردناه؟ » فقال لي إبراهيم:

« قد سمعت. » قال حكيم: فانصرفت وقد تحقّقت ضعفه باستسلامه لأصحابه.

وحكى إبراهيم بن سلم عن أخيه قال: حدّثني أبي قال: التقينا مع عيسى بن موسى، فخرجت من بين صفّهم وقلت لإبراهيم:

« إن الصفّ إذا انهزم بعضه تداعى فلم يكن له نظام، فاجعلهم كراديس، فإن انهزم كردوس ثبت كردوس. »

فتنادوا:

« لا، إلّا قتال أهل الإسلام، يريد قوله: إنّ الله يحبّ الذين يقاتلون في سبيله صفّا. » وقال المضاء: لمّا نزلنا باخمرى أتيت إبراهيم فقلت:

« إنّ هولاء مصبّحوك بما يسدّ عليك مغرب الشمس من السلاح والكراع، وإنّما معك رجال عراة من أهل البصرة، فدعني أبيّته فو الله لأشتّتنّ جموعه. » فقال، « إني أكره القتل. » فقلت: « تريد الملك وتكره القتل! » فالتقوا بباخمرى وهي على ستّة عشر فرسخا من الكوفة، فاقتتلوا بها قتالا شديدا، وانهزم حميد بن قحطبة، وكان على مقدّمة عيسى، وانهزم الناس معه، فعرض لهم عيسى يناشدهم الله والطاعة، فلا يلوون ويمرّون منهزمين.

وأقبل حميد بن قحطبة منهزما، فقال له عيسى بن موسى:

« يا حميد، الله، الله والطاعة. » قال: « لا طاعة في الهزيمة. » ومرّ الناس كلّهم، فلم يبق مع عيسى أحد، وثبت عيسى فلم ينهزم، وكان يحفظ وصيّة لأبي جعفر، وهو أنّه لمّا أراد توجيهه، قال عيسى: قال لي المنصور: إنّ هولاء الخبثاء يعنى المنجّمين يزعمون أنّك لاقى الرجل، وأنّ لك جولة حين تلقاه، ثم يفيء إليك أصحابك وتكون العاقبة لك.

فكان كما قال لم يبق معي إلّا ثلاثة.

فأقبل عليّ مولى لي وقال:

« جعلت فداءك علام تقيم وقد ذهب أصحابك؟ » فقلت: « لا والله، لا ينظر أهل بيتي إلى وجهى أبدا وقد انهزمت عن عدوّهم، فو الله ما كان عندي أكثر من أن أقول لمن مرّبى ممّن أعرف من المنهزمة:

اقرأوا أهل بيتي مني السلام وقولوا لهم: إني لم أجد فداء لكم أفديكم به أعزّ عليّ من نفسي وقد بذلتها دونكم. » قال: فو الله إنّا لعلى ذلك منهزمون ما يلوى أحد على أحد. » وكان إبراهيم قد مخر ماء ليكون قتاله من وجه واحد وقيل بل كان مخره آل طلحة.

ذكر اتفاق غريب سيء اتفق على إبراهيم بعد أن ظفر حتى هزم وقتل

حكى إسحاق بن عيسى بن عليّ قال: سمعت عيسى بن موسى يومئذ يقول لأبي: والله يا با العبّاس لو لا ابنا سليمان يومئذ لافتضحنا، وذاك أنّ من صنع الله كان لنا أنّ أصحابنا لمّا انهزموا اعترض لهم نهر ذو ثنيّتين مرتفعتين، فحالتا بينهم وبين الوثوب ولم يجدوا مخاضة، فكرّوا راجعين بأجمعهم على عرض النهر، فظنّ القوم أنّها كرّة فانهزموا وتبعهم ابنا سليمان ومعها مواليه.

ونظر إليه أصحابنا ورأوا هزيمة الأعداء بين يديه، فكرّوا بأجمعهم.

وأقبل حميد بن قحطبة نحو إبراهيم لا يعرّج على شيء، حتى خالط القوم وجعل يرسل بالرؤوس إلى عيسى حتى كثرت الرؤوس إلى أن أتى برأس معه جماعة كثيرة وضجّة وصياح فقالوا:

« رأس إبراهيم. » فدعا عيسى بن موسى ابن أبي الكرام الجعفري فأراه إيّاه، فقال:

« ليس به. » وجعلوا يقتتلون يومهم ذلك. فذكر عبد الحميد: أنّه سأل أبا صلاية:

« كيف قتل إبراهيم؟ » فقال: أسمعه ممّن نظر إليه، وعاينه. كان واقفا على دابّته ينظر إلى أصحاب عيسى قد ولّوا وانهزموا بأجمعهم، ونكص عيسى دابّته القهقرّى وأصحابه يقتلونهم ولم يبق لهم بقيّة، حتى رأيت قوما ينصرفون ويكرّون ليسوا بشيء. وكان على إبراهيم قباء زرد فأذاه الحرّ، فحلّ أزرار قبائه، فسال الزرد حتى حسر لبّته، وأتته نشّابة عائرة فأصابت لبّته فرأيته اعتنق فرسه وكرّ راجعا فأطافت به الزيديّة وأصحابه يحمونه، فرأى حميد بن قحطبة اجتماعهم، فأنكره وقال لأصحابه:

« شدّوا على تلك الجماعة حتى تزيلوهم عن موضعهم وتعلموا ما اجتمعوا عليه. » فشدّوا عليهم وقاتلوهم أشدّ قتال حتى أفرجوهم عن إبراهيم، فحزّوا رأسه وأتوا به عيسى، فأراه ابن أبي الكرام الجعفري فقال:

« نعم، هذا رأسه. » فنزل عيسى إلى الأرض فسجد وبعث به إلى أبي جعفر.

وذكر أنّ أوائل المنهزمين من أصحاب عيسى دخلوا الكوفة وتأخّر أبو جعفر فقال لحاجبه:

« لا تكشفّن ذلك وأعدد على كلّ باب من أبواب المدينة إبلا ودوابّ، فإن أتينا من ناحية، صرنا إلى الناحية الأخرى. »

فسئل سلم بن فرقد حاجبه:

« إلى أين أراد أبو جعفر يذهب لو دهمه أمر؟ » قال: « كان عزم على إتيان الريّ. » فبلغني أنّ نيبخت المنجّم دخل على أبي جعفر، فقال له:

« يا أمير المؤمنين، الظفر لك، وستقتل إبراهيم. » فلم يقبل ذلك منه. فقال له:

« احبسنى عندك، فإن لم يكن الأمر كما قلت فاقتلني. » فبينا هو كذلك إذ جاءه الخبر بهزيمة إبراهيم، فتمثّل ببيت معمر البارقيّ:

فألقت عصاها واستقرّ بها النّوى ** كما قرّ عينا بالإياب المسافر

وأقطع نيبخت ألفى جريب بنهر جوبر.

رأس إبراهيم بين يدي أبي جعفر وما جرى إذ ذاك

ويقال: إنّ أبا جعفر لمّا أتى برأس إبراهيم فوضع بين يديه، بكى، ثم قال:

« أما والله لقد كنت كارها لهذا، ولكني ابتليت بك، وابتليت بي. » وحكى صالح، مولى المنصور: أنّ المنصور لمّا أتى برأس إبراهيم بن عبد الله وضعه بين يديه، وجلس مجلسا عامّا، وأذن للناس، وكان الداخل يدخل فيسلّم ويتناول إبراهيم فيسيء فيه القول، ويذكر منه القبيح التماس رضى أبي جعفر، وأبو جعفر ممسك متغيّر لونه، حتى دخل جعفر بن حنظلة البهرائى، فوقف فسلّم ثم قال:

« عظّم الله أجرك يا أمير المؤمنين في ابن عمّك، وغفر له ما فرّط فيه من حقّك. » فأسفر لون أبي جعفر فأقبل عليه وقال:

« أبا خالد، ها هنا، مرحبا وأهلا. » فعلم الناس أنّ ذلك وقع منه، فدخلوا فقالوا مثل ما قال جعفر.

ثم دخلت سنة ست وأربعين ومائة معاودة بناء بغداد

لمّا فرغ المنصور من أمر إبراهيم ومحمّد، عاود بناء بغداد وإتمامه. وكان خالد بن برمك خطّ المدينة وأشار بها. واحتاج المنصور إلى الآلات والأنقاض لأنّ ما كان جمعه قبل ذلك من ساج وغيره أحرقه مولى له يقال له أسلم، وذلك حين بلغه أنّ إبراهيم هزم أبا جعفر.

فقال أبو جعفر لخالد:

« ما ترى في نقض بناء كسرى بالمدائن وحمل نقضه إلى مدينتي هذه؟ » فقال له خالد:

« ما أرى ذلك يا أمير المؤمنين. » قال: « ولم؟ » قال: « لأنّه علم من أعلام الإسلام يستدلّ به الناظر على أنّه لم يكن ليزال مثل أصحابه عنه بأمر دنيا، وإنّما هو أمر دين، ومع هذا، يا أمير المؤمنين، فإنّ فيه مصلّى عليّ بن أبي طالب . » قال: « هيهات يا خالد، أبيت إلّا الميل إلى أصحابك العجم. » وأمر أن ينقض القصر الأبيض. فنقض ناحية منه ونظر في مقدار ما يلزمهم من النفقة للنقض والحمل، فوجدوا ذلك أكثر من الجديد لو عمل، فرفع ذلك إلى المنصور، فدعا بخالد، فأعلمه ذلك وقال:

« ما ترى؟ » قال: « يا أمير المؤمنين، قد كنت أرى قبل ألّا تفعل، فأمّا إذ بدأت، فأرى أن تتمّم وتهدمه حتى تلحق بقواعده لئلا يقال: عجزت عن هدم ما بناه غيرك. » فأعرض المنصور عنه، وأمر ألّا يهدم.

وكان اللبن الذي لبنه المنصور اللبنة منها ذراع في ذراع، وقد وزنت لبنة منها بعد ما تهدّم السور وكانت لبنة مكتوب عليها بمغرة: وزنها مائة وسبعة عشر رطلا، فلمّا وزنت وجدت على ما كان مكتوبا عليها من الوزن.

ولمّا استتمّ المنصور بناءها قدم عليه بطريق من البطارقة وافدا، فأمر الربيع أن يطوّف به في المدينة وما حولها ليرى العمران والبناء، فطاف به الربيع، فلمّا انصرف قال:

« كيف رأيت؟ » وقد كان أصعد إلى السور وقباب الأبواب، فقال: « رأيت بناء حسنا، إلّا أنّى رأيت أعداءك معك في مدينتك. » قال: « فمن هم؟ » قال: « السوقة. » فأضبّ عليها أبو جعفر، فلمّا انصرف البطريق أمر بإخراج السوق من المدينة. ويقال: إنّ السبب كان في إخراج التّجار من المدينة إلى الكرخ وما قرب منها أنّه قيل لأبي جعفر: إنّ الغرباء وغيرهم يبيتون فيها ولا يؤمن أن تكون فيهم جواسيس أو تفتح أبواب المدينة ليلا لموضع السوق، فأمر بإخراج السوق من المدينة وجعلها للشرط والحرس. وبنى للتجّار باب الكرخ، وباب الشام، وطاق الحرّانى، وباب الشعير، وباب المحوّل. ولمّا طاف أبو جعفر مدينته وأبنيتها استحسن الجميع واستنظفه، غير أنّه استكثر النفقة، وكان مبلغ ذلك على ما وجد في خزائن المنصور ودواوينه أنّه أنفق على مدينة السلام ومسجد جامعها وقصر الذهب والأسواق والفصلان والخنادق وقبابها وأبوابها أربعة ألف درهم وثمانمائة درهم وثلاثة وثلاثون درهما، ومبلغها من الفلوس مائة ألف فلس وثلاثة وعشرون ألف فلس، وذلك أنّ الأستاذين البنّائين كان الرجل منهم يعمل يومه بقيراط فضّة، والروز جارين بحبّتين إلى الثلاث حبّات، وذلك لرخص الأسعار وعوز الفضّة، لأنّ المنصور حصّل الأموال في خزائنه.

ثم دخلت سنة سبع وأربعين ومائة

وفي هذه السنة، كان مهلك عبد الله بن عليّ عمّ أبي جعفر.

ذكر السبب في ذلك

حجّ أبو جعفر سنة سبع، بعد تقدمته المهديّ على عيسى بن موسى وسنذكر ذلك فيما بعد، وكان عزل عيسى بن موسى عن الكوفة وأرضها، وولّى مكانه محمّد بن سليمان بن عليّ، واستدعاه ودفع إليه عبد الله بن عليّ سرّا في جوف الليل ثم قال له:

« يا عيسى، إنّ هذا أراد أن يزيل النعمة عني وعنك، وأنت وليّ عهدي بعد المهديّ والخلافة صائرة إليك، فخذه إليك واقتله، وإيّاك أن تخور أو تضعف فتنقض عليّ أمري الذي دبّرت. » ثم مضى لوجهه من الحجّ، وكتب إليه من طريقه ثلاث مرات يسأله ما فعل في الأمر الذي أوعز إليه، فكان يكتب إليه: قد أنفذت ما أمرت به. فلم يشكّ أبو جعفر في أنّه قتل عبد الله بن عليّ.

وكان عيسى حين دفعه إليه، ستره، ودعا كاتبه يونس بن فروة، فقال له:

« إنّ هذا الرجل دفع إليّ عمّه، وأمرنى فيه بكذا. » فقال له:

« أراد أن يقتلك ويقتله، إنّه أمرك بقتله سرّا، ثم يدّعيه عليك علانية، ثم يقيدك به. » قال: « فما الرأي؟ » قال: « أن تستره في منزلك ولا تطلع على أمره أحدا فإن طلبه منك علانية دفعته إليه علانية ولا تدفعه إليه سرّا أبدا. » ففعل ذلك عيسى، وقدم المنصور ودسّ على عمومته من يحرّكهم على مسألته هبة عبد الله بن عليّ لهم، وأطمعهم في أنّه سيفعل. فجاؤوا إليه وكلّموه ورفقوا وذكروا له الرحم، فقال:

« نعم، عليّ بعيسى بن موسى. » فأتاه، فقال:

« يا عيسى، قد علمت أنّى دفعت إليك عمّى وعمّك عبد الله بن عليّ قبل خروجي إلى الحجّ وأمرتك أن يكون في منزلك. » قال: « قد فعلت ذلك. » قال: « فقد كلّمنى فيه عمومتك، فرأيت الصفح عنه وتخلية سبيله، فأتنا به. » قال: « يا أمير المؤمنين، ألم تأمرنى بقتله؟ فقتلته. » قال: « لا، ما أمرتك بقتله، إنّما أمرتك بحبسه عندك. » قال: « قد أمرتنى بقتله. » فقال له المنصور:

« كذبت. » ثم قال لعمومته:

« إنّ هذا قد أقرّ لكم بقتل أخيكم، وادّعى أنّى أمرته بذلك وقد كذب. » قالوا: « فادفعه إلينا فإنّا نقيده به. » قال: « شأنكم به. » فأخرجوه إلى الرحبة. فاجتمع الناس، وشهر الأمر، فقام أحدهم فشهر سيفه وتقدّم إلى عيسى ليضربه، فقال له عيسى:

« أفاعل أنت؟ » قال: « إى والله. » قال: « فلا تعجلوا، فإنّ عمّى حيّ، ردّونى إلى أمير المؤمنين. » فردّوه إليه. فقال:

« إنّما أردت بقتله أن تقتلني، هذا عمّك حيّ سويّ، إن أمرتنى بدفعه إليك دفعته. » قال: « ائتنا به. » فأتاه به، فجعله في بيت، وكان من أمره ما كان من سقوط البيت عليه، فمات وهو ابن اثنتين وخمسين سنة.

حوار بين المنصور وابن عياش

فحكى أنّ المنصور ركب يوما بعد موت عبد الله بن عليّ، ومعه ابن عيّاش المنتوف، فقال له وهو يحادثه:

« هل تعرف ثلاثة خلفاء مبدأ أسمائهم العين قتلوا ثلاثة ادّعوا الخلافة مبدأ أسمائهم العين؟ » قال:

« لا أعرف إلّا ما تقول العامّة أنّ عليّا قتل عثمان وكذبوا، وعبد الملك بن مروان قتل عبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن الأشعث، وسقط البيت على عبد الله بن عليّ. » فقال له المنصور:

« فسقط البيت على عبد الله بن عليّ، فأنا ما ذنبي؟ » قال: « ما قلت إنّ لك ذنبا. »

وفي هذه السنة خلع المنصور عيسى بن موسى وبايع لابنه المهديّ وجعله وليّ عهده بعد المهديّ

ذكر الخبر عن ذلك والحيلة فيه

كان أبو جعفر أقرّ عيسى على ما كان أبو العبّاس ولّاه، وكان له مكرما مبجّلا إلى أن عزم على تقديم المهديّ في الخلافة عليه فلمّا عزم المنصور على ذلك كلّم عيسى بن موسى في تقديم ابنه المهديّ عليه برقيق الكلام ولطيفه فقال عيسى:

« يا أمير المؤمنين، فكيف بالأيمان والمواثيق التي عليّ وعلى المسلمين لي من الطلاق والعتق وغير ذلك من مؤكّد الأيمان، ليس إلى ذلك سبيل يا أمير المؤمنين. » فلمّا رأى أبو جعفر ذلك باعده بعض المباعدة، وقصّر به في منزلته، فكان يؤذن لعيسى بعد جماعة، ويجلس دون منزلته، وكان مرتبته عن يمين أبي جعفر. ثم يخلّط عليه في أمثال هذه الأشياء، وعيسى صامت لا يتشكّى ولا يستغيث. ثم صار إلى أغلظ من ذلك فكان يكون في المجلس ومعه بعض ولده فيسمع الحفر في أصل الحائط ويخاف أن يخرّ عليه، وينتثر عليه التراب وربّما نظر إلى الخشبة من سقف المجلس الذي يجلس فيه قد حفر عن أحد طرفيها فيسقط التراب على قلنسوته وثيابه، فيأمر من معه من ولده بالتحوّل ويقوم هو إلى الصلاة، ثم يأتيه الإذن فيقوم بهيئته والتراب عليه لا ينفضه، فإذا رآه المنصور قال له:

« يا عيسى، ما يدخل عليّ أحد بمثل هيأتك من كثرة الغبار والتراب عليك، أفكلّ هذا من الشارع؟ » فيقول:

« أحسب ذاك يا أمير المؤمنين. » وإنّما يكلّمه بذلك يستطمعه أن يشكو إليه شيئا، فلا يشكو.

وكان المنصور قد أرسل إليه في بعض أحواله بعض ما يتلفه من السموم، أو دسّه إليه بحضرته، فنهض من المجلس، فقال له المنصور:

« إلى أين؟ » قال: « أجد غمزا. » قال: « ففي الدار إذا. » قال: « الذي أجده أشدّ من أن أقيم معه في الدار. » ونهض فصار إلى حرّاقته، ونهض المنصور في أثره متفزّعا إلى الحرّاقة، فاستأذنه عيسى في المصير إلى الكوفة، فقال:

« بل تقيم، فتعالج ها هنا. » فأبى وألحّ حتى أذن له وكان الذي حداه على ذلك طبيبه بختيشوع فإنّه قال له:

« أنت مسموم، وو الله ما أجترئ على معالجتك بالحضرة. » فاستأذنه، فأذن له، وبلغت العلّة بعيسى كلّ مبلغ حتى تمعّط شعره، ثم أفاق. ويقال إنّ عيسى إنّما كان يمتنع على أبي جعفر لأنّه كان يريّض الأمر لابنه موسى، فبعث أبو جعفر إلى موسى من يخوّفه على نفسه وعلى أبيه، فقال موسى:

« إني قد أرى ما يسام أبي من إخراج هذا الأمر من عنقه وتصييره للمهديّ، وقد نصبت عليه وجوه الحتوف من السمّ مرّة، وبهدم الحيطان مرّة، وبضروب الإهانات، وليس يعطى على هذا شيئا، ولكن ها هنا وجه واحد لعلّه يعطى عليه إن أعطى، وإلّا فلا. » قال له الواسطة بينه وبين أبي جعفر:

« وما هو؟ » قال: « إنّما أقوله إذا أمنت على نفسي، وإنّما هو روحي اجعله في يده، ولا بدّ لي ممّا أثق به وأطمئنّ إليه. » فأعطاه كلّ ما أحبّ من ذلك، فقال:

« يقبل عليه أمير المؤمنين وأنا شاهده، فيقول له: يا عيسى، إني قد علمت أنّك لست تضنّ بهذا الأمر عن المهديّ لنفسك لتعالى سنّك، وإنّما تضنّ به لمكان ابنك، أفترى أنّى أدع ابنك يبقى بعدك؟ كلّا والله، ولآتينّ عليه وأنت تنظر إليه حتى تيأس منه ثم يأمر بي، فإمّا خنقت، وإمّا شهر عليّ سيف، فإن أجاب إلى شيء فعسى أن يفعل في ذلك الوقت، وإلّا فلا. » فقال له:

« جزاك الله خيرا، فديت أباك بنفسك، نعم الرأي رأيت، ونعم المسلك سلكت. » ثم أتى أبا جعفر فأخبره، فجزّى موسى خيرا وقال:

« قد والله أحسن وأجمل، وسأفعل ما أشار به، ويسّره الله بعاقبة ذلك إن شاء الله. » فلمّا اجتمعوا أقبل المنصور على عيسى بن موسى وقال:

« يا عيسى إني لا أجهل مذهبك الذي تضمره ولا مداك الذي تجرى إليه في الأمر الذي سألتك، إنّما تريد هذا الأمر لا بنك هذا المشؤوم عليك وعلى نفسه، أما والله لأعجلّن لك فيه ما يسوءك. يا ربيع، اخنق موسى بحمائله حتى تأتى على نفسه. » وقد كان واطأ الربيع على الرفق به. فضمّ الربيع حمائله على عنقه فجعل يخنقه خنقا رويدا وموسى يصيح:

« الله، الله فيّ يا أمير المؤمنين وفي دمى، فو الله إني لبعيد ممّا تظنّ بي، وما يبالى عيسى أن تقتلني وله بضعة عشر ذكرا كلّهم عنده مثلي أو يتقدمني. » وهو يقول:

« اشدد يا ربيع ائت على نفسه. » والربيع يوهم أنّه يريد تلفه وهو يراخى خناقه وموسى يصيح صياح من بلغت نفسه التراقي.

فلمّا رأى عيسى ذلك قال:

« يا أمير المؤمنين، والله ما ظننت الأمر يبلغ منك هذا كلّه، فمر بالكفّ عنه، فإني لم أكن لأرجع إلى أهلى وقد قتل بسبب هذا الأمر عبد من عبيدي، فكيف بولدي، فها أنا ذا أشهدك أنّ نسائي طوالق ومماليكي أحرار، وما أملك في سبيل الله، يصرف ذلك فيمن رأيته يا أمير المؤمنين وهذه يدي بالبيعة للمهديّ. » فأخذ بيعته على ما أحبّ ثم قال له:

« يا با موسى، إنّك قد قضيت حاجتي هذه كارها، ولى حاجة أحبّ أن تقضيها فتغسل بها ما في نفسي من الحاجة الأولى. » قال: « وما هي يا أمير المؤمنين؟ » قال: « تجعل الأمر من بعد المهديّ لنفسك. » قال: « ما كنت لأدخل فيها بعد إذ خرجت منها. » فلم يدعه هو ومن حضره من أهل بيته حتى قال:

« وأمير المؤمنين أعلم. » فقال بعض أهل الكوفة وقد مرّ به عيسى في مواكبه:

« هذا الذي كان غدا فصار بعد غد. »

قول آخر في وجه خلع المنصور عيسى

وقد قيل في وجه خلع المنصور عيسى قول آخر. وذلك أنّهم ذكروا أنّ عيسى لمّا امتنع أن يجيب المنصور إلى ما أراد وأعياه الأمر، بعث إلى خالد بن برمك فقال له:

« كلّمه يا خالد، فقد اشتدّ امتناعه وإن كانت عندك حيلة فيه فاذكرها، فقد ضلّ عنّا وجه الرأي فيه. » قال: « نعم، يا أمير المؤمنين، تضمّ إليّ ثلاثين رجلا من كبار الشيعة ممّن تختاره. » فركب خالد وركبوا معه، فصاروا إلى عيسى، فأبلغوه رسالة أبي جعفر، فقال:

« ما كنت لأخلع نفسي وقد جعل الله لي الأمر. » فأداره خالد بكلّ وجه من وجوه الطمع والحذر، فأبى عليه، فخرج خالد عنه وخرج الشيعة بعده، فقال [ لهم ] خالد:

« ما عندكم في أمره؟ » قالوا: « نبلغ أمير المؤمنين رسالته ونخبره ما كان منك ومنه. » قال: « لا، ولكنّا نخبر أمير المؤمنين أنّه أجاب ونشهد عليه إن أنكره. » فقالوا: « نفعل. » فقال لهم:

« ذا هو الصواب، وأبلغ لأمير المؤمنين فيما حاول وأراد. » قال: فصاروا إلى أبي جعفر وخالد معهم، فأعلموه أنّه قد أجاب فأخرج التوقيع بالبيعة للمهديّ. وكتب بذلك إلى الآفاق.

قال: وأتى عيسى بن موسى لمّا بلغه الخبر أبا جعفر منكرا لما ادّعى عليه من الإجابة إلى تقديم المهديّ على نفسه وذكّره الله فيما همّ به، فدعاهم أبو جعفر، فسألهم، فقالوا:

« نشهد عليه أنّه قد أجاب وليس له أن يراجع. » فأمضى أبو جعفر الأمر وشكر لخالد ما كان منه.

وكان المهديّ يعرف ذلك ويصف جزالة الرأي منه فيه.

ولمّا رأى عيسى الأمر يتمّ، راسل المنصور وقال:

« يا أمير المؤمنين، أما وقد أبيت، فاجعل لرضاي فيه نصيبا. » فوجّه إليه خالد بن برمك فقرّر أمره على عشرة آلاف ألف درهم له، وثلاثمائة ألف درهم بين أولاده، وسبعمائة ألف لنسائه.

وحضر عيسى مجلس المنصور، وحضر معه جماعة الوجوه والأشراف والجند فتكلّم عيسى وقال:

« اشهدوا أنّى خلعت نفسي ممّا كان إليّ من ولاية العهد، وسلّمته للمهديّ محمّد بن أمير المؤمنين، وقدّمته على نفسي. » فقال له أبو عبد الله كاتب المهديّ:

« ليس هكذا أعزّ الله الأمير، ولكن قل ذلك بحقّه وصدقه وأخبر بما رغبت فيه وأعطيته. » قال: « نعم، بعت نصيبي من ولاية العهد من عبد الله أمير المؤمنين، لابنه محمّد المهديّ بن أمير المؤمنين، بعشرة آلاف ألف وثلاثمائة ألف لولدي وسبعمائة ألف لنسائي - وسمّاهم واحدا واحدا - بطيب من نفسي وحبّ لتصييرها إليه، لأنّه أولى بها وليس لي يحقّ التقدمة قليل ولا كثير فما ادّعيته بعد يومي هذا منها فإني مبطل لا حقّ لي فيه، ولا دعوى ولا طلبة. » وكان ربما ترك الشيء بعد الشيء فيوقفه عليه أبو عبيد الله حتى كتب الكتاب وختم وشهد عليه الشهود.

ودخلت سنة ثمان وأربعين ومائة

ولم يجر فيها شيء ممّا بلغنا تستفاد منه تجربة.

ودخلت سنة تسع وأربعين ومائة

ولم يجر فيها شيء يكتب وتستفاد منه تجربة.

ودخلت سنة خمسين ومائة

فممّا جرى فيها خروج اشتادسيس في أهل هرات وبادغيس وسجستان وغيرها من الكور بخراسان. فكان فيما ذكر، في زهاء ثلاثمائة ألف مقاتل، فغلبوا على عامّة خراسان. وخرج إليهم جماعة أهل بلدان وأمراء فهزمهم وقتلهم. فوجّه المنصور خازم بن خزيمة إلى المهديّ، فولّاه المهديّ محاربة اشتادسيس وضمّ إليه القّواد.

وكان المهديّ يومئذ بنيسابور وكان كاتب المهديّ أبو عبيد الله ووزيره يوهن أمر خازم، ويخرج الكتب إلى خازم وغيره من القوّاد بالأمر والنهى.

حيلة خازم في ذلك

فاعتلّ خازم وهو في عسكره يشرب الدواء، ثم ركب البريد حتى قدم على المهديّ، وأبو عبيد الله يظنّه في المعسكر ولا يعرف خبره. فلمّا قدم خازم نيسابور ودخل على المهديّ، استخلاه، فدخل أبو عبيد الله، فأمسك خازم فقال المهديّ:

« لا عيق عليك من معاوية، فقل ما بدا لك. » فأبى خازم أن يخبره أو يكلّمه، حتى قام أبو عبيد الله. فلمّا خلا به شكا إليه أبا عبيد الله معاوية وأخبره بعصبيته وتحامله وما كانت ترد من كتبه عليه وعلى من قبله من القوّاد، وما صاروا إليه بذلك من الفساد والتأمّر بأنفسهم والاستبداد بآرائهم وقلّة السمع والطاعة، وأنّ أمر الحرب لا يستقيم إلّا برأس ولا يكون في عسكره لواء يخفق على رأس أحد إلّا لواؤه أو لواء هو عقده. وأعلمه أنّه غير راجع إلى قتال استادسيس إلّا بتفويض الأمر إليه وإعفائه من معاوية أبي عبيد الله، وأن يسمع منه أو يداخله فيما يدبّره، وأن يكتب إليهم بالسمع والطاعة له.

فأجابه المهديّ إلى كلّ ما سأل، فانصرف خازم إلى عسكره، فعمل برأيه وحلّ لواء من رأى حلّ لوائه من القوّاد، وعقد لمن أراد، وضمّ إليه من كان انهزم من الجند وجعلهم حشوا يكثّر بهم من معه في أخريات الناس، ولم يقدّ مهم لما في قلوبهم من روعة الهزيمة.

وكان من ضمّ إليه من هذه الطبقة اثنين وعشرين ألفا، ثم انتخب ستّة آلاف من الجند فضمّهم إلى اثنى عشر ألفا كانوا معه متخيّرين، وكان بكّار بن مسلم العقيلي فيمن انتخب ثم تعبّأ للقتال وخندق وجعل بكّارا على مقدّمته، وسمّى لميمنته وميسرته وساقته من ارتضاهم. ثم سار إلى موضع اختاره، فنزله وخندق عليه، وأدخل خندقه جميع ما أراد، وأدخل إليه جميع أصحابه، وجعل له أربعة أبواب وجعل على كلّ باب منها من أصحابه الذين انتخب وهم أربعة آلاف وجعل مع صاحب مقدّمته، وهو بكّار، ألفين تكملة لثمانية عشر ألفا.

فأقبل الأعداء معهم المرور والزبل والفؤوس يريدون دفن الخندق ثم الهجوم عليهم. فأتوا الخندق من قبل بكّار بن مسلم، فشدّوا عليه شدّة لم تكن لأصحاب بكّار نهاية دون أن انهزموا، حتى دخلوا عليهم الخندق، فلمّا رأى ذلك بكّار رمى بنفسه، فترجّل على باب الخندق، ثم نادى أصحابه:

« يا بنى الفواجر، أمن قبلي يؤتى المسلمون؟ » فترجّل معه من عشيرته وأهله نحو من خمسين رجلا، فمنعوا بابهم حتى أجلوا الناس عنه، وأقبل إلى الباب الذي كان عليه خازم رجل كان مع استاد سيس من أهل سجستان يقال له الحريش وهو الذي كان يدبّر أمرهم.

حيلة لخازم حتى هزم عدوه

فلمّا رآه خازم مقبلا بعث إلى الهيثم بن شعبة وهو في الميمنة أن: « اخرج من بابك الذي أنت عليه، فخذ غير الطريق الذي يوصلك إلى الباب الذي عليه بكّار، فإنّ القوم قد شغلوا بالقتال وبالإقبال علينا، فإذا علوت فجزت مبلغ أبصارهم فأتهم من خلفهم. » وقد كانوا في تلك الأيّام يتوقّعون قدوم أبي عون وعمر بن سلم بن قتيبة من طخارستان.

وبعث خازم إلى بكّار بن مسلم:

« إذا رأيت رايات الهيثم بن شعبة قد جاءتك من خلف فكبّروا وقولوا: قد جاء أهل طخارستان. » ففعل ذلك الهيثم وخرج خازم في القلب على الحريش السجستاني فاجتلدوا بالسيوف جلادا شديدا وصبر بعضهم لبعض فبينا هم على تلك الحال إذ نظروا إلى أعلام الهيثم وأصحابه فتنادوا فيما بينهم:

« جاء أهل طخارستان. » فلمّا نظر أصحاب الحريش إلى تلك الأعلام ونظر من كان بإزاء بكّار بن مسلم إليها شدّ عليهم أصحاب خازم فكشفوهم ولقيهم أصحاب الهيثم فطعنوهم بالرماح ورموهم بالنشّاب وخرج عليهم أصحاب الميسرة وبكّار بن مسلم وأصحابه من ناحيتهم، فهزموهم ووضعوا فيهم السيوف فقتلهم المسلمون وأكثروا. فكان من قتل منهم في تلك المعركة نحوا من سبعين ألفا، وأسروا أربعة عشر ألفا ولجأ اشتادسيس إلى جبل في عدّة من أصحابه يسيرة.

فقدّم خازم الأربعة عشر الألف فضرب أعناقهم.

وسار إلى المكان الذي لجأ إليه اشتادسيس من الجبل فحصره حتى نزلوا على حكم أبي عون. وكان أبو عون قدم بعد الوقعة، وقالوا:

« لا نرضى إلّا بأبي عون. » فرضي خازم وأعطاهم النزول على حكم أبي عون، فلمّا نزلوا أمر أبو عون أن يوثق اشتادسيس وبنوه وأهل بيته بالحديد وأن يعتق الباقون وهم ثلاثون ألفا، فأنفذ ذلك خازم من حكم أبي عون.

وكتب خازم بالفتح إلى المهديّ، وكتب به المهديّ إلى المنصور.

ثم دخلت سنة إحدى وخمسين ومائة وفيها بنى المنصور الرّصافة في الجانب الشرقيّ من بغداذ لابنه المهديّ.

ذكر السبب في ذلك

انصرف المهديّ من خراسان إلى بغداد وشغّبت الروندية وحاربوه على باب الذهب، فدخل قثم بن العبّاس بن عبيد الله بن العبّاس، على المنصور وهو يومئذ شيخ كبير مقدّم عند القوم، فقال له أبو جعفر:

« أما ترى ما نحن فيه من التياث الجند علينا قد خفت أن تجتمع كلمتهم فيخرج هذا الأمر عنّا، فما ترى؟ » قال:

« يا أمير المؤمنين، عندي في هذا رأى إن أنا أظهرته لك فسد، وإن تركتني أمضيه صلحت لك خلافتك وهابك جندك. » قال له: « أفتمضي في خلافتي أمرا لا تعلمني ما هو؟ » فقال: « إن كنت عندك متّهما على دولتك فلا تشاورنى، وإن كنت مأمونا عليها فدعني أمضى رأيي. »

قال له: « فأمضه. » قال: فانصرف قثم إلى منزله، فدعا غلاما له فقال:

« إذا كان غدا فتقدمني فاجلس في دار أمير المؤمنين، فإذا رأيتنى قد دخلت وتوسّطت أصحاب المراتب، فخذ بعنان بغلتي، واستوقفنى واستحلفني بحقّ رسول الله وحقّ العبّاس وحقّ أمير المؤمنين، لمّا وقفت لك، وسمعت مسألتك، وأجبت عنها، فإني أنتهرك وأغلّظ لك القول، فلا يهولنّك ذلك مني، وعاودني بالمسألة، فإني سأشتمك فلا يهولنّك، وعاودني القول والمسألة، فإني سأضربك بالسوط فلا يشقّنّ ذلك عليك، وقل لي:

« أيّ الحيّين أشرف، اليمن أم مضر؟ » فإذا أجبتك فخلّ عنان بغلتي وأنت حرّ. » قال: فغدا الغلام، فجلس حيث أمره به مولاه من دار الخليفة، فلمّا جاء الشيخ فعل الغلام ما أمره به، وفعل المولى ما كان قال له وقال:

« أيّ الحيّين أشرف، اليمن أم مضر؟ » فقال له قثم:

« مضر، منها رسول الله وفيها كتاب الله، وفيها بيت الله، ومنها خليفة الله. » قال: فامتعضت اليمن إذ لم يذكر لها شيئا من شرفها. فقال قائد من قوّاد أهل اليمن لغلامه:

« قم، فخذ بعنان بغلة الشيخ فاكبحها كبحا عنيفا تطامن منه. » ففعل الغلام ما أمر به مولاه حتى كاد يقعيها على عراقيبها فامتعضت من ذلك مضر فقالت:

« أيفعل هذا بشيخنا؟ » فأمر رجل منهم غلامه فقال:

« اقطع يد العبد. » فقام إلى غلام اليمانيّ فقطع يده فنفر الحيّان وضرب قثم بغلته، فدخل على أبي جعفر، وافترق الجند، وصارت مضر فرقة واليمن فرقة وربيعة فرقة والخراسانية فرقة. فقال قثم:

« قد فرّقت بين جندك وجعلتهم أحزابا كلّ حزب منهم يخاف أن يحدث حدثا عليك فتضربه بالحزب الآخر، وقد بقي عليك في التدبير بقيّة. » قال: « وما هي؟ » قال: « اعبر بابنك، فابن له في ذلك الجانب قصرا، وحوّل معه من جيشك قوما، فيصير ذلك بلدا، وهذا بلدا، فإن فسد عليك أهل هذا الجانب، ضربتهم بأهل ذلك الجانب، وإن فسدت عليك مضر، ضربتها بمن أطاعك من اليمن وربيعة والخراسانية، وإن فسدت عليك اليمن، ضربتها بمن أطاعك من مضر وغيرها. » فقبل رأيه ومشورته، فاستوى له ملكه، وكان [ ذلك ] السبب في بناء الجانب الشرقيّ وهي الرصافة أوّلا وإقطاع القوّاد هناك.

ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين [ ومائة ]

ولم يجر فيها ما تستفاد منه تجربة.

ودخلت سنتا ثلاث وأربع [ وخمسين ومائة ]

ولم يجر فيها أيضا شيء تستفاد منه تجربة.

ثم دخلت سنة خمس وخمسين ومائة

وفيها بنى المنصور مدينة الرافقة، ووجّه ابنه المهديّ لبنائها، فبناها على [ بناء ] مدينة بغداد في أبوابها وفصولها ورحابها وشوارعها وخندق أبو جعفر على الكوفة والبصرة. وجعل ما أنفق على ذلك من أموال أهلها.

فيحكى: أنّه لمّا أراد بناء سور الكوفة وحفر الخندق لها، أمر بقسمة خمسة دراهم خمسة دراهم على أهل الكوفة، وأراد بذلك علم عددهم، فلمّا عرف عددهم أمر بجبايتهم أربعين درهما من كلّ إنسان، فجبوا. ثم أمر بإنفاق ذلك على سور الكوفة وحفر الخندق لها، فقال شاعرهم:

يا لقوم ما لقينا ** من أمير المؤمنينا

قسم الخمسة فينا ** وجبانا الأربعينا

عزل أسيد عن الجزيرة

وفيها عزل المنصور يزيد بن أسيد عن الجزيرة وولّاها أخاه العبّاس بن محمّد، فشكا يزيد إلى أبي العبّاس فقال:

« يا أمير المؤمنين، إنّ أخاك أساء عزلى وشتم عرضي. » فقال له المنصور:

« اجمع بين إحسانى إليك وإساءة أخي يعتدلا. » فقال يزيد:

« يا أمير المؤمنين، إذا كان إحسانكم جزاء بإساءتكم، كانت طاعتنا لكم تفّضلا منّا عليكم. »

ودخلت سنتا ست وسبع وخمسين ومائة

ولم يجر فيهما ما تستفاد منه تجربة.

ثم دخلت سنة ثمان وخمسين ومائة

وفيها غضب المنصور على محمّد بن إبراهيم بن محمّد بن عليّ وكان أمير مكّة.

غضب المنصور على محمد بن إبراهيم

وكان السبب في ذلك أنّ المنصور كتب إليه يأمره بحبس رجل من آل أبي طالب وبحبس الثوري وابن جريح وعبّاد بن كثير، فحبسهم وكان له سمّار بالليل فلمّا كان وقت سمره أبلس وأكبّ على الأرض ينظر إليها ولم ينطق بحرف، حتى تفرّقوا. قال: فدنوت منه فقلت: « قد رأيت ما بك، فما لك؟ » قال: « عمدت إلى ذي رحم برسول الله فحبسته، وإلى عيون من عيون المسلمين فحبستهم ويقدم أمير المؤمنين السنة، فلا أدري ما يكون، ولعلّه أن يأمر بقتلهم فيقوى سلطانه وأهلك ديني. » قال: فقلت: « فتصنع ما ذا؟ » قال: « أوثر الله، وأطلق القوم، اذهب إلى إبلى فخذ راحلة منها، وخذ خمسين دينارا، فأت بها الطالبي، فأقرئه السلام وقل له: ابن عمّك يسألك أن تحلّه من ترويعه إيّاك، وتركب هذه الراحلة وتأخذ هذه النفقة. » قال: فلمّا أحسّ بي، جعل يتعوّذ بالله من شرّى، فلمّا أبلغته الرسالة قال:

« هو في حلّ ولا حاجة بي إلى النفقة ولا إلى الراحلة. » قال: فقلت له:

« إنّ أطيب لنفسه أن تأخذ. » ففعل.

ثم جئت إلى ابن جريح وإلى سفيان وعبّاد فأبلغتهم ما قال، قالوا:

« هو في حلّ. » قال: قلت لهم:

« لا يظهرنّ أحد منكم ما دام المنصور مقيما. » فلمّا قرب المنصور، وجّهنى محمّد بن إبراهيم بألطاف، فلمّا أخبر المنصور أنّ رسول محمّد بن إبراهيم قدم، أمر بالإبل فضربت وجوهها. فلمّا صار إلى بئر ميمون لقيه محمّد بن إبراهيم فلمّا أخبر بذلك أمر بدوابّه فضربت وجوهها، فعدل محمّد فكان يسير في ناحية، وعدل بأبي جعفر عن الطريق في الشقّ الأيسر فأنيخ به، ومحمّد واقف قبالته ومعه طبيب له، فلمّا ركب أبو جعفر وسار، أمر محمّد الطبيب، فمضى إلى مناخ أبي جعفر فرأى نجوه، فقال لمحمّد:

« رأيت نجو رجل لا تطول به الحياة. »

فلمّا دخل مكّة لم يلبث أن مات، وسلم محمّد.

ولمّا مات المنصور، وكان ذلك لستّ خلون من ذي الحجّة، كتمه الربيع، وأحضر أهل بيته وذوي الأسنان منهم، ثم أحضر عامّتهم، وأخذ بيعتهم للمهديّ، ثم لعيسى بن موسى من بعده. فلمّا فرغ من بيعتهم، دعا بالقوّاد حتى بايعوا. ولم يتكلّم أحد إلّا عليّ بن عيسى بن ماهان، فإنّه أبي عند ذكر عيسى بن موسى أن يبايع، فلطمه محمّد بن سليمان وأمصّه وقال:

« من هذا العلج؟ » وهمّ بضرب عنقه، فبايع، ثم تتابع الناس بالبيعة.

وتوفّى وله نيّف وستون سنة، واختلف في النيّف، وكانت ولايته اثنتين وعشرين سنة.

ذكر بعض سير المنصور

ذكر الفضل بن الربيع حكاية عن أبيه قال: بينا أنا قائم بين يدي المنصور إذ أتى بخارجى قد هزم له جيوشا، فأقامه ليضرب عنقه، ثم اقتحمته عينه فقال:

« يا بن الفاعلة، مثلك يهزم الجيوش؟ » فقال له الخارجي:

« ويلك، سوءة لك، بيني وبينك أمس السيف والقتل، واليوم القذف والسبّ، ما كان يؤمنك أن أردّ عليك وقد يئست من الحياة فلا تستقيلها أبدا. » قال: فاستحيى منه المنصور فأطلقه، وما رأى أحد وجهه حولا.

وحكى سلّام الأبرش قال: كنت وأنا وصيف وغلام آخر نخدم المنصور، وكان من أحسن الناس خلقا ما لم يخرج للناس وأشدّهم احتمالا لما يكون من عبث الصبيان، فإذا لبس ثيابه تغيّر لونه وترّبد وجهه واحمرّت عيناه، فيخرج ويكون منه ما يكون، فإذا رجع، عاد لمثل ذلك فنستقبله في ممشاه، فربّما عاتبنا، وقال لي يوما:

« يا بنيّ، إذا رأيتمونى قد لبست ثيابي أو رجعت من مجلسي فلا يدنونّ أحد منكم مني لا أعرّه بشرّ. » وقال المنصور يوما:

« ما كان أحوجنى أن يكون على بابى أربعة نفر لا يكون أعفّ منهم. » قيل له:

« ومن هم يا أمير المؤمنين؟ » قال: « هم أركان الملك، ولا يصلح الملك إلّا بهم، كما أنّ السرير لا يصلح إلّا بأربع قوائم إن نقصت قائمة واحدة لم تستقم، أمّا أحدهم فقاض لا تأخذه في الله لومة لائم، والآخر صاحب شرطة يأخذ للضعيف من القويّ، والثالث، صاحب خراج يستقصى لي ولا يظلم الرعيّة، فإني غنّى عن ظلمهم. » ثم عضّ على إصبعه السبّابة وقال:

« آه، آه. » قيل له: « يا أمير المؤمنين، ومن هو؟ » قال: « صاحب بريد يكتب إليّ بخبر هولاء على الصّحة. » وقدّم إلى المنصور رجلان أحدهما شاميّ والآخر عراقيّ وقد ولّاهما خراج ناحيتهما، فقال للشاميّ بعد ما وصّاه وتقدّم إليه بما أراد:

« ما أعرفنى بما في نفسك، كأنّى بك وقد خرجت من عندي فقلت الزم الصحّة يلزمك العمل. » وقال للعراقيّ بعد ما وصّاه:

« ما أعرفنى بما في نفسك كأنّى بك وقد خرجت من عندي فقلت: من عال بعدها فلا انجبر اخرج عني وامض إلى عملك، وو الله لئن تعرّضت لذلك لأبلغنّ من عقوبتك ما تستحقّه. » قال: فولّيا جميعا وناصحا.

وذكر إسحاق بن عيسى بن موسى أنّ المنصور ولّى رجلا من العرب حضرموت، فكتب إليه صاحب البريد:

إنّه يكثر الخروج في طلب الصيد وقد أعدّ بزاة وكلابا كثيرة.

فكتب إليه:

« ثكلتك أمّك وعدمتك عشيرتك ما هذه العدّة التي جمعتها، للنكاية في الوحش؟ إنّما استكفيناك أمور المسلمين ولم نستكفك أمور الوحش، سلّم ما كنت تلى من عملنا إلى فلان، والحق بأهلك ملوما مدحورا. » وذكر الهيثم بن عديّ أنّ ابن عيّاش حدّثه أنّ ابن هبيرة أرسل إلى المنصور وهو محصور بواسط والمنصور بإزائه:

« إني خارج يوم كذا وكذا وداعيك إلى المبارزة، فقد بلغني تجبينك إيّاى. » فكتب إليه:

« يا بن هبيرة، إنّك متعدّ طورك، جار في عنان غيّك، يعدك الشيطان ما الله مكذّبه، ويقرّب لك ما الله مباعده، فرويدا تتمّ الكلمة، ويبلغ الكتاب أجله، وقد ضربت لك مثلي ومثلك: بلغني أنّ أسدا لقي خنزيرا، فقال له الخنزير: قاتلني. فقال له الأسد: إنّما أنت خنزير، ولست لي بكفؤ ولا نظير، ومتى فعلت الذي دعوتني إليه فقتلتك، قيل: قتل الأسد خنزيرا، فلم أعتقد بذلك فخرا ولا ذكرا، وإن نالني منك شيء كان سبّة عليّ. فقال: إن أنت لم تفعل رجعت إلى السباع، فأعلمتها أنّك نكلت عني، وجبنت عن قتالي. فقال الأسد:

احتمالي عار كذبك أيسر من لطخ شاربي بدمك. » وذكر لأبي جعفر تدبير هشام بن عبد الملك في حرب كانت له، فبعث إلى رجل يصحبه قديما ينزل رصافة هشام، يسأله عن تلك الحرب، فقدم عليه فقال:

« أنت صاحب هشام؟ » قال: « نعم يا أمير المؤمنين. » قال: « فأخبرني كيف صنع في حرب دبّرها في سنة كذا؟ » فقال:

« إنّه عمل فيها، رحمة الله عليه، كذا وكذا، ثم أتبع بأن فعل، رضي الله عنه، كذا وكذا. » فأحفظ ذلك المنصور فقال:

« قم، غضب الله عليك، تطأ بساطي وتترحّم على عدوّى. » فقام الشيخ وهو يقول:

« إنّ لعدوّك قلادة في عنقي ومنّة في رقبتي لا ينزعها عني إلّا غاسلى. » فأمر بردّه وقال:

« اقعد، هيه، كيف قلت وما صنع بك؟ » فقال:

« إنّه كفاني الطلب، وصان وجهى عن السؤال، فلم أقف على باب عربيّ ولا عجميّ منذ رأيته، أفلا يجب عليّ أن أذكره بخير وأتبعه بثنائى؟ » قال: « بلى والله، لله أمّ نهضت عنك وليلة أدّتك، أشهد أنّك نهيض حرّة وغراس كريم. » ثم استمع منه، وأمر له ببرّ. فقال:

« يا أمير المؤمنين، ما آخذه لحاجة، وما هو إلّا تشرّف بحبائك وتبّجح بصلتك. » وأخذ الصلة وخرج. فقال المنصور:

« لمثل هذا تحسن الصنيعة، ويوضع المعروف. ويجاد بالمصون، وأين في عسكرنا مثله! » وأبطأ المنصور عن الخروج إلى الناس والركوب، فقال الناس: هو عليل وكثّرا. قال: فدخل الربيع عليه، فقال:

« يا أمير المؤمنين، لأمير المؤمنين طول البقاء والناس يقولون... » قال: « ما يقولون؟ » قال:

« يقولون: عليل. » قال: فأطرق قليلا وقال:

« يا ربيع، مالنا وللعامّة، إنّما تحتاج العامّة إلى ثلاث خلال، فإذا فعل بهم فما حاجتهم إذا أقيم لهم من ينظر في أحكامهم، وينصف بعضهم من بعض، ويؤمن سبلهم حتى لا يخافوا ليلهم ونهارهم، ويسدّ ثغورهم وأطرافهم حتى لا يجيئهم عدوّهم، وقد فعلنا ذلك بهم. »

ثم مكث أيّاما وقال:

« يا ربيع، اضرب الطبل. » فركب حتى رأته العامّة.

وظفر المنصور برجل من كبراء بني أمية فقال:

« إني أسألك عن أشياء فاصدقني ولك الأمان. » قال: « نعم. » فقال له المنصور:

« من أين أتى بنو أميّة حتى انتشر أمرهم؟ » قال: « من تضييع الأخبار. » وكان المنصور يقول: ليس بإنسان من أسدى إليه معروف فنسيه قبل الموت.

وكان يقول: العرب تقول: العرى القادح خير من الزّى الفاضح.

ودخل على المنصور رجل من أهل العلم فازدراه واقتحمته عينه فجعل لا يسأله عن شيء إلّا وجده عنده. فقال له:

« أنّى لك هذا العلم. » قال: « لم أبخل بعلم علمته، ولم أستحى من علم أتعلّمه. » قال: « فمن هناك. » وكان المنصور كثيرا ما يقول: من فعل بغير تدبير، وقال في غير تقدير، لم يعدم من الناس هازئا أو لاحيا.

وكان المنصور يقول: الملوك تحتمل كلّ شيء من أصحابها إلّا ثلاثا: إفشاء السرّ، والتعرّض للحرمة، والقدح في الملك.

ولمّا حمل عبد الجبّار بن عبد الرّحمن الأزدي إلى المنصور بعد خروجه عليه، قال له:

« يا أمير المؤمنين، قتلة كريمة. » قال:

« تركتها وراءك يا بن الخناء ».

وخطب يوما بمدينة السلام سنة اثنتين وخمسين ومائة، فقال:

« لا تظالموا، فإنّها ظلمة يوم القيامة. والله لو لا يد خاطئة، وظلم ظالم، لمشيت بين أظهركم وأسواقكم، ولو علمت مكان من هو أحقّ مني بهذا الأمر، لأتيته حتى أدفعها إليه. » وقال يوما: « من علم أنّه إنّما صنع إلى نفسه، لم يستبطئ الناس في شكرهم ولم يستزدهم في مودّتهم، فلا تلتمس من غيرك شكر ما أتيته إلى نفسك ووقيت به عرضك، واعلم أنّ طالب الحاجة إليك لم يكرم وجهه عن مسألتك، فأكرم وجهك عن ردّه.

وخطب يوما فقال:

« الحمد لله أحمده واستعين به وأتوكلّ عليه، وأشهد أن لا إله إلّا الله، وحده لا شريك له... » فاعترض معترض عن يمينه فقال:

« أيها الإنسان، أذكّرك من ذكّرت به. » فقطع الخطبة وقال:

« سمعا، سمعا لمن حفظ عن الله، وذكّر به، وأعوذ بالله أن أكون جبّارا عنيدا، وأن تأخذنى العزّة بالإثم، لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين.

« وأنت أيّها القائل، فو الله ما أردت بهذا صلاحا، ولكنّك حاولت أن يقال:

قام، فقال، فعوقب فصبر، وأهون بها. ويلك لو هممت فاهتبلها إذ غفرت. وإيّاك وإيّاكم أيّها الناس وأختها، فإنّ الحكمة علينا نزلت ومن عندنا فصلت فردّوا الأمر إلى أهله يوردوه موارده ويصدروه مصادره. » ثم عاد في خطبته كأنّما يقرأها من راحته:

« و... أشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله... » وخطب المنصور بالمدائن عند قتل أبي مسلم فقال:

« أيّها الناس، لا تخرجوا من أنس الطاعة إلى وحشة المعصية، ولا تسرّوا غشّ الأئمّة، فإنّه لم يسرّ أحد منكم قطّ منكرة إلّا ظهرت في آثار يده أو فلتات لسانه، وأبداها الله لإمامه بإعزاز دينه وإعلاء حقّه. إنّا لم نبخسكم حقوقكم ولم نبخس الدين حقّه عليكم، إنّه من نازعنا عروة هذا القميص أجزرناه خبئ هذا الغمد، وإنّ أبا مسلم بايعنا وبايع لنا على أنّه من نكث بنا فقد أباح دمه. ثم نكث بنا، فحكمنا عليه حكمه على غيره لنا ولم نمنعنا رعاية الحقّ له من إقامة الحقّ عليه. » وكتب صاحب أرمينية إلى المنصور، إنّ الجند شغبوا عليه وكسروا أقفال بيت المال، فأخذوا ما فيه. » فوقّع في كتابه:

« اعتزل عملنا مذموما، فلو عقلت لم يشغّبوا، ولو قويت لم ينتهبوا. »

خلافة المهدي

وفي هذه السنة بويع للمهديّ واسمه محمّد بن عبد الله بن محمّد بن عليّ بن عبد الله بن العبّاس.

ودخلت سنة تسع وخمسين ومائة

وفيها أمر المهديّ بإطلاق من كان في سجن المنصور، إلّا من كان قبله تباعة في دم أو قتل، أو من كان معروفا بالسعي في الأرض بالفساد وكان لأحد قبله مظلمة أو حقّ، فأطلقوا.

وكان ممّن أطلق من المطبق يعقوب بن داود مولى بنى سليم، وكان معه في ذلك الحبس محبوسا الحسن بن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليهم السلام فلم يطلق.

وارتفع يعقوب بن داود واختصّ بالمهديّ حتى سمّاه أخا في الله.

ذكر السبب في ذلك

لمّا أطلق يعقوب بن داود ولم يطلق الحسن بن إبراهيم ساء ظنّ الحسن وخاف على نفسه فالتمس مخرجا لنفسه وخلاصا، فبعث إلى بعض ثقاته فحفر له سربا من موضع مسامت للموضع الذي هو فيه محبوس.

وكان يعقوب بن داود بعد أن أطلق يطيف با بن علّاثة وهو قاضى المهديّ بمدينة السلام ويلزمه حتى أنس به، وعرف يعقوب ما عزم عليه الحسن بن إبراهيم من الهرب، فأتى ابن علّاثة فأخبره أنّ عنده نصيحة للمهديّ، وسأله إيصاله إلى أبي عبيد الله، فسأله عن تلك النصيحة، فأبى أن يخبره وحذّره فوتها، فانطلق ابن علّاثة إلى أبي عبيد الله، فأخبره خبر يعقوب وما جاءه به، فأمر بإدخاله عليه.

فلمّا دخل سأله إيصاله إلى المهدي ليورد عليه النصيحة التي له عنده، فأدخله عليه، فلمّا دخل على المهديّ، شكر له بلاءه عنده في إطلاقه إيّاه، ثم أخبره أنّ له عنده نصيحة، فسأله عنها بمحضر من أبي عبيد الله وابن علّاثة، فاستخلاه منهما، فأعلمه المهديّ ثقته بهما، فأبى أن يبوح له بشيء حتى يقوما، فأقامهما، فأخلاه، فأخبره خبر الحسن بن إبراهيم وما أجمع به، وإنّ ذلك كائن من ليلته المستقبلة. فوجّه المهديّ من وثق به ليأتيه بخبره فأتاه بتحقيق ما أخبره به يعقوب، فأمر بتحويله إلى نصير، فلم يزل في حبسه إلى أن احتال أو أحتيل له، فخرج هاربا وافتقد فشاع هربه، فطلب فلم يظفر به، وتذكّر المهديّ دلالة يعقوب إيّاه كانت عليه، فرجا عنده من الدلالة عليه مثل الذي كان منه في أمره، فسأل أبا عبيد الله عنه، فأخبره أنّه حاضر. وقد كان لزم أبا عبيد الله فدعا به المهديّ خاليا فذكر له ما كان من فعله في أمر الحسن بن إبراهيم أولّا، ونصحه له فيه، وأخبره بما حدث من أمره، فأخبره يعقوب أنّه لا علم له بمكانه، وأنّه إن أعطاه أمانا يثق به، ضمن له أن يأتيه به، على أن يتمّ له على أمانه ويصله ويحسن إليه. فأعطاه المهديّ ذلك في مجلسه وضمنه له.

فقال له يعقوب:

« فاله يا أمير المؤمنين عن ذكره، ودع طلبه، فإنّ ذلك يوحشه، ودعني وإيّاه حتى أحتال له فآتيك به. » قال يعقوب:

« يا أمير المؤمنين، قد بسطت عدلك لرعيّتك وأنصفتهم وعممتهم بخيرك وفضلك، فعظم رجاؤهم، وانفسحت آمالهم، وقد بقيت أشياء لو ذكرتها لم تدع النظر فيها بمثل ما فعلت في غيرها، وأشياء مع ذلك وخلف بابك يعمل بها لا تعلمها، فإن جعلت لي السبيل إلى الدخول عليك، وأذنت لي في رفعها إليك، فعلت. » فأعطاه المهديّ ذلك وجعله إليه وصيّر سليما الخادم الأسود خادم المنصور سببه [ فى ] إعلام المهديّ بمكانه كلّما أراد الدخول. فكان يعقوب يدخل على المهديّ ليلا ويرفع إليه النصائح في الأمور الحسنة الجميلة من أمر الثغور وبناء الحصون وتقوية الغزاة وتزويج العزّاب وفكاك الأسارى والمحبّسين والقضاء على الغارمين والصدقة على المتعفّفين. فحظى بذلك عنده وربما رجا أن ينال به من الظفر بالحسن بن إبراهيم، واتخذه أخا في الله وأخرج بذلك توقيعا ثبت في الدواوين ووصله بمائة ألف، وكانت أوّل صلة وصله بها، فلم تزل منزلته تنمى وتعلو صعدا إلى أن صيّر الحسن بن إبراهيم في يد المهديّ.

تحرك الشيعة ووجوه أهل خراسان

وفي هذه السنة تحرّك قوم من الشيعة ووجوه أهل خراسان، وسعوا في خلع عيسى بن موسى وتصيير ولاية العهد لموسى بن المهديّ. فكتب المهديّ إلى عيسى بن موسى وهو بالكوفة، في القدوم عليه. فأحسّ عيسى بما يراد منه، فامتنع حتى خشي من انتقاضه وألحّ المهديّ عليه حتى كتب إليه:

« إنّك إن امتنعت من المجيء استحللت منك لمعصيتك ما يستحلّ من العاصي، وإن أجبتنى وخلعت نفسك حتى أبايع لموسى وهارون عوّضتك ما هو أجدى عليك وأعجل نفعا. » فأجابه فبايع لهما، وأمر له بعشرة آلاف ألف، ويقال بعشرين ألف ألف وقطائع كثيرة.

فامتنع وراوغ، فوجّه إليه محمّد بن فرّوخ وهو أبو هريرة القائد في ألف رجل من أصحابه ذوي البصائر في التشيّع، وجعل مع كلّ رجل منهم طبلا، وأمرهم أن يضربوا جميعا بطبولهم عند قدومهم الكوفة، فدخلها ليلا في وجه الصبح، فضرب أصحابه بطبولهم، فراع ذلك عيسى بن موسى روعا شديدا. ثم دخل عليه أبو هريرة فأمره بالشخوص، فاعتلّ بالشكوى، فلم يقبل ذلك منه وأشخصه من ساعته إلى مدينة السلام.

ودخلت سنة ستين ومائة

قدوم عيسى بن موسى

وفيها قدم عيسى بن موسى مع أبي هريرة لستّ خلون من المحرّم، وأقام أيّاما يختلف إلى المهديّ على رسمه لا يكلّم ولا يرى جفوة ولا مكروها حتى أنس بعض الأنس. ثم حضر الدار يوما قبل جلوس المهديّ، فدخل مجلسا كان يكون للربيع في مقصورة صغيرة عليها باب، وقد اجتمع رؤساء الشيعة في ذلك اليوم على خلعه والوثوب به، ففعلوا ذلك وضربوا الباب بجرزهم وعمدهم، فهشموا الباب وكادوا يكسرونه، وشتموه أقبح شتم، وأظهر المهديّ إنكارا لذلك فلم يزعهم ذلك، بل زادوا إلى أن كاشفه ذوو الأسنان من قومه وأهل بيته بحضرة المهديّ وأبوا إلّا خلعه وشتموه في وجهه وكان أشدّهم عليه محمّد بن سليمان.

فلمّا رأى المهديّ ذلك من رأيهم، أمر عيسى بموافقتهم، ودعاه إلى الخروج ممّا له من العهد في أعناق المسلمين وتحليلهم منه، فأبى، وذكر أنّ عليه أيمانا محرّجة في ماله وأهله فأحضر له من الفقهاء والقضاة، منهم محمّد بن عبد الله بن علاثة وغيره من أفتاه بأن يبتاع أمير المؤمنين ما له في أعناق الناس بما له فيه رضاه ممّا يخرج منه من ما له لما يلزمه من الحنث في يمينه، وهو عشرة آلاف ألف درهم، وضياع بالزاب الأعلى وكسكر، فقبل ذلك عيسى وخلع نفسه على المنبر، وبويع لموسى بعد المهديّ.

وكتب عليه بذلك كتاب قرئ عليه بحضرة الأشراف والقضاة والعدول، فاعترف به، وبذل خطّه فيه وشهد فيه أربعمائة وثلاثون رجلا من بنى هاشم والصحابة من قريش والموالي والوزراء والكتّاب والقضاة.

حج المهدي وما كان منه في مكة والمدينة

وفي هذه السنة حجّ المهديّ بالناس وحجّ معه ابنه هارون وجماعة من أهل بيته. وكان ممّن شخص معه يعقوب بن داود على منزلته الرفيعة التي كانت عنده، فأتاه حين وافى مكّة بالحسن بن إبراهيم بن عبد الله الذي كان استأمن له، فأحسن المهديّ صلته وجائزته وأقطعه مالا من الصوافي بالحجاز.

وفيها نزع المهديّ كسوة الكعبة التي كانت عليها، وكساها كسوة جديدة، وذلك أنّ حجبة الكعبة رفعوا إليه أنّهم يخافون أن تنهدم لكثرة ما عليها من الكسوة، فأمر بتنحية ما عليها حتى بقيت مجرّدة ثم طلى البيت بالخلوق وكسى.

وحكى أنّهم لمّا بلغوا إلى كسوة هشام وجدوها ديباجا ثخينا جدا، ووجدوا كسوة من كان قبله عامّتها من متاع اليمن.

وقسّم المهديّ في هذه السنة مالا عظيما في أهل مكّة والمدينة. فذكر أنّه قسّم في تلك السفرة ثلاثين ألف ألف درهم حملت معه ووصل إليه من مصر ثلاثمائة ألف دينار، ومن اليمن مائتا ألف دينار، فوهب ذلك كلّه وفرّق من الثياب مائة ألف وخمسين ألف ثوب، ووسّع مسجد رسول الله وأمر بنزع المقصورة التي في المسجد فنزعت وأراد أن ينقض منبر رسول الله فيعيده إلى ما كان عليه ويلقى منه ما كان معاوية زاد فيه، فشاور في ذلك مالك بن أنس، فقيل له:

« إنّ المسامير قد سلكت في الخشب الذي أحدثه معاوية في الخشب الأوّل وهو عتيق ولا نأمن إن خرجت المسامير التي فيه وزعزعت أن ينكسر، فتركه المهديّ على ذلك.

ثم دخلت سنة إحدى وستين ومائة

خروج المقنع بخراسان

وفيها خرج حكيم المقنّع بخراسان، وكان يقول بتناسخ الأرواح، فاستغوى بشرا كثيرا، وقوى وسار إلى ما وراء النهر، فوجّه المهديّ لقتاله عدّة من قوّاده فيهم معاذ بن مسلم، وهو يومئذ على خراسان، ثم أفرد المهديّ لمحاربته سعيدا الحرشيّ، وضمّ إليه هولاء القوّاد. وابتدأ المقنّع بجمع الطعام في قلعة بكسّ عدّة للحصار.

ظفر بشر بعبد الله بن مروان

وفيها ظفر بشر بن محمّد بن الأشعث الخزاعي بعبد الله بن مروان بالشام فقدم به على المهديّ فجلس المهديّ مجلسا عامّا في الرصافة وقال:

« من يعرف هذا؟ » فقام عبد العزيز بن مسلم العقيلي فصار معه قائما ثم قال له:

« أبا الحكم؟ » قال: « نعم. » قال: « كيف كنت بعدي؟ » ثم التفت إلى المهديّ فقال:

« نعم يا أمير المؤمنين، هذا عبد الله بن مروان. » فعجب الناس من جرأته ولم يعرض له المهديّ بشيء. ثم جاء بعد ذلك بأيّام عمرو بن سهلة الأشعري فادّعى أنّ عبد الله بن مروان قتل أباه وكثرت الحيل على عبد الله بن مروان. فقدّم عمرو بن سهلة عبد الله بن مروان إلى عافية القاضي وادّعى عليه، فتوجّه الحكم أن يقاد به، وأقام عليه البيّنة. فلمّا كاد الحكم يبرم، جاء عبد العزيز بن مسلم العقيلي إلى عافية القاضي يتخطّى رقاب الناس حتى صار إليه فقال:

« يزعم عمرو بن سهلة أنّ عبد الله بن مروان قتل أباه. كذب والله، ما قتل أباه غيري أنا، قتلته بأمر مروان، وعبد الله بن مروان من دمه بريء. » فزالت عن عبد الله بن مروان ولم يعرض المهديّ لعبد العزيز بن مسلم، لأنّه قتله بأمر مروان. وفيها أمر المهديّ يعقوب بن داود بتوجيه الأمناء من قبله إلى جميع الآفاق، ففعل. وكان لا ينفذ للمهديّ كتاب إلى عامل فيجوز حتى يكتب يعقوب إلى ثقته وأمينه بإنفاذ ذلك.

واتّضعت منزلة أبي عبيد الله وزير المهديّ

ذكر السبب في ذلك

كان الربيع يخلف أبا عبيد الله عند المنصور بجميل أيّام مقامه بالريّ مع المهديّ وكان الموالي يسعون أبا عبيد الله عند المهديّ، فكان أبو عبيد الله يخاف تغيّر رأى المهديّ له، فيكتب إلى الربيع دائما ولا ينقطع رسله عنه، فلا يزال الربيع يذكره بجميل عند المنصور ويعلمه ثقته وكفايته ويتنجّز له الكتب من المنصور إلى المهديّ بالوصاة به وترك قبول قول الموالي فيه.

قال الفضل بن الربيع: فلمّا حجّ أبي مع المنصور في السنة التي مات فيها، وقام أبي بما فام به من أمر البيعة وتلافيه بنفسه تلك الأمور وتجديده البيعة للمهديّ على أهل بيت أمير المؤمنين والقوّاد والموالي وقدم، تلقّيته بعد المغرب، فلم أزل معه حتى تجاوز منزله وترك دار أمير المؤمنين ومضى إلى أبي عبيد الله فقلت له:

« تترك أمير المؤمنين وتأتى أبا عبيد الله؟ » فقال: « يا بنيّ هو وزير الرجل، وليس ينبغي أن نعامله بما كنّا نعامله به ولا نحاسبه بما كان منّا في أمره ونصرتنا له. » قال: فمضينا حتى أتينا باب أبي عبيد الله. فما زال واقفا حتى صلّيت العتمة فخرج الحاجب فقال:

« ادخل. » فثنى رجله وثنيت رجلي فقال:

« إنّما استأذنت لك وحدك يا با الفضل. » قال: « فاذهب وأخبره أنّ الفضل معي ثم اقبل عليّ. » فقال: « وهذا أيضا من ذاك. » فخرج الحاجب فأذن لنا جميعا، فدخلنا وإذا أبو عبيد الله في صدر مجلسه متكئ.

فقلت: يقوم إلى أبي ويتلقّاه فلم يقم. فقلت: يستوى جالسا إذا دنا، فلم يفعل فقلت: يدعو له بمصلّى فلم يفعل.

قال: فقعد أبي بين يديه على البساط وهو متكئ، فجعل يسائله عن مسيره وسفره وحاله، وجعل أبي يتوقّع أن يسأله عمّا كان منه في أمر المهديّ وتجديده بيعته، فأعرض عن ذلك، فذهب أبي يبتدئ بذكره فقال:

« قد بلغنا نبأكم. » قال: فذهب أبي لينهض، فقال له:

« لا أرى الدروب إلّا وقد غلّقت فلو أقمت. » فقال أبي: « إنّ الدروب لا تغلق دوني. »

فقال: « بلى، قد أغلقت. » قال: فظنّ أبي أنّه يريد أن يحتبسه ليسكن من مسيره، ثم يسائله، فقال:

« يا غلام، اذهب، فهيّئ لأبي الفضل في منزل محمّد بن أبي عبيد الله مبيتا. » فلمّا رأى أنّه يريد أن يخرج من الدار، قال:

« فليس تغلق الدروب دوني. » ثم قام، فلمّا خرجنا من الدار أقبل عليّ فقال:

« يا بنيّ، أنت أحمق. » قلت: « وما حمقى؟ » قال: « تقول في نفسك كان ينبغي ألّا تجيء وكان ينبغي إذ جئت فحجبنا ألّا تقيم حتى صلّيت العتمة، وأن ترجع فتنصرف ولا تدخل، وكان ينبغي إذ دخلت فلم يقم لك، أن ترجع ولا تقيم عليه ولا تجلس بين يديه، ولم يكن الصواب إلّا ما عملته كلّه ولكن والله الذي لا إله إلّا هو - واستغلق في اليمين - لأخلقنّ جاهي ولأنفقنّ مالي حتى أبلغ مكروه أبي عبيد الله. » قال: ثم جعل يضطرب بجهده فلا يجد مساغا إلى مكروهه ويحتال الحيل، حتى ذكر القشيري الذي كان أبو عبيد الله حجبه، وكان هذا الرجل في مسامرى المهديّ بنيسابور وبالريّ وفيمن يأنس به، فعارض أبا عبيد الله يوما بين يدي المهديّ في أمر، فتقدّم أبو عبيد الله بأن يحجب عن المهديّ، وأسقط اسمه، فأرسل إليه أبي فجاءه فقال:

« إنّك قد علمت ما ركبك به أبو عبيد الله، وقد بلغ مني كلّ غاية من المكروه وقد أرغت أمره بجهدى فما وجدت عليه طريقا فعندك حيلة في أمره؟ » فقال: « إنّما يؤتى أبو عبيد الله من أحد وجوه أذكرها لك. يقال: هو جاهل بصناعته، فأبو عبيد الله أحذق الناس. أو يقال: هو ظنين فيما يتقلّده، فأبو عبيد الله أعفّ الناس لو أنّ بنات المهديّ في حجره كان لهنّ موضعا. أو يقال: هو يميل إلى أن يخالف السلطان فليس يؤتى أبو عبيد الله من ذلك الّا أنّه يميل إلى القدر. أو يقال: هو متّهم في الله. فأبو عبيد الله ذو عقد وثيق ولكن هذا كلّه مجتمع لك في ابنه. » قال: فتناوله الربيع، فقبّل بين عينيه، ثم دبّ لابن أبي عبيد الله. فو الله ما زال يحتال ويدّس إلى المهديّ ويتّهمه ببعض حرم المهديّ، ويحقّق عليه الزندقة حتى استحكم عند المهديّ الظنّة بمحمّد بن أبي عبيد الله، فأمر فأحضر وأخرج أبو عبيد الله فقال:

« يا محمّد، اقرأ القرآن. » فذهب ليقرأ، فاستعجم عليه، فقال:

« يا معاوية، ألم تعلمني أنّ ابنك جامع للقرآن؟ » قال: « قد أخبرتك يا أمير المؤمنين، ولكنّه فارقني منذ سنين، وفي هذا المدّة نسى القرآن. » قال: « قم، فتقرّب إلى الله تعالى بدمه. » قال: فذهب يقوم فوقع، فقال العبّاس بن محمّد:

« إن رأيت يا أمير المؤمنين أن تعفى الشيخ، فإنّه يضعف عن ذلك. » قال: ففعل، وأمر به فأخرج وضربت عنقه. قال: واتهمه المهديّ في نفسه.

فقال له الربيع:

« قتلت ابنه، وليس ينبغي أن يكون معك ولا أن تثق به. » قال: فأوحش المهديّ منه، وكان من أمره ما كان. وبلغ الربيع ما أراد واشتفى وزاد.

ودخلت سنة اثنين وستين ومائة

وتتابعت السنون إلى سنة ستّ وستين ومائة لم يجر فيها ما يكتب ويستفاد به شيء.

غضب المهدي على يعقوب بن داود

ولمّا كانت سنه ستّ وستّين ومائة، غضب المهديّ على يعقوب بن داود.

ذكر السبب في ذلك

كان يعقوب بن داود محبوسا في المطبق حتى من عليه المهديّ. وسبب حبسه أنّ أباه داود بن طهمان وإخوته كانوا كتّابا لنصر بن سيّار، ولمّا كانت أيّام يحيى بن زيد، كان يدسّ إليه وإلى أصحابه ما يسمع من نصر ويحذّرهم.

فلمّا خرج أبو مسلم يطلب بدم يحيى بن زيد ويقتل قتلته والمعينين عليه، أتاه داود بن طهمان مطمئنّا إليه لما كان يعلم ممّا جرى بينهما فأمنه أبو مسلم ولم يعرض له في نفسه، لكنّه أخذ أمواله التي استفادها أيّام نصر، وترك له ضيعة كانت له قديمة.

فلمّا مات داود خرج ولده أهل أدب وعلم بأيّام الناس وسيرهم وأشعارهم، ونظروا فإذا ليس لهم عند بنى العبّاس منزلة، فلم يطمعوا في خدمتهم لحال أبيهم من كتابة نصر. فأظهروا مقالة الزيدية ودنوا من آل الحسن طمعا في أن تكون لهم دولة فيعيشوا فيها.

فكان يعقوب منفردا يجول البلاد، وكان مع إبراهيم بن عبد الله أحيانا في طلب البيعة لمحمّد بن عبد الله. فلمّا ظهر إبراهيم بالبصرة كان معه، فلمّا قتل محمّد وإبراهيم تواروا، فأمر المنصور بطلبهم، فأخذ يعقوب وأخوه عليّ فحبسهما في المطبق، فبقوا أيّام حياة المنصور إلى أن من المهديّ عليهما وأطلقهما.

ثم لم تزل منزلته ترتفع عند المهديّ حتى استوزره وتجاوز مرتبة الوزارة، حتى فوّض إليه أمر الخلافة، فأرسل إلى الزيديّة، فأتى بهم من كلّ أوب وولّاهم من أمور الخلافة في الشرق والغرب كلّ عمل جليل نفيس والدنيا كلّها في يده، فكثر حسّاده وسعى عليه الموالي حتى قيل للمهديّ:

« إنّ الشرق والغرب في يد يعقوب وأصحابه، وقد كاتبهم وإنّما يكفيه أن يكتب إليهم فيثوروا في يوم واحد على ميعاد فيأخذوا الدنيا كلّها لمن شاء. » فكان ذلك ملأ قلب المهديّ.

وكان يعقوب بن داود قد عرف من المهديّ خلقا واستهتارا بذكر النساء والجماع. وكان يعقوب يصف له من نفسه شيئا كثيرا، وكذلك كان المهديّ، فيقول خدم المهديّ:

« هو على أن يصبح فيثور بيعقوب. » فإذا أصبح غدا عليه يعقوب وقد بلغه الخبر، فإذا نظر إليه تبسّم فيقول:

« اقعد بحياتى فحدّثني. » فيقول:

« خلوت بجاريتي فلانة، فكان فكان، وقالت وقلت. » فيضع لذلك حديثا، فيحدّث المهديّ بمثل ذلك ويفترقان على الرضا، فيبلغ ذلك من يسعى على يعقوب فيتعجّب منه.

ذكر السبب في تمكن السعاة على يعقوب مع حظوته

خرج ليلة يعقوب من عند المهديّ وقد ذهب من الليل أكثره، وعليه طيلسان يتقعقع، فصادف غلاما آخذا بعنان دابّة معه أشهب وقد نام الغلام، فذهب يعقوب يسوّى طيلسانه، فتقعقع، فنفر البرذون وسقط يعقوب ودنا منه يعقوب فاستدبره وضربه ضربة على ساقه فكسرها. وسمع المهديّ الوجبة، فخرج حافيا فلمّا رأى ما به أظهر الجزع والتفزّع، ثم أمر به فحمل في محفّة إلى منزله، ثم غدا عليه المهديّ مع الفجر، وبلغ ذلك الناس، فغدوا عليه فعادوه ثلاثة متتابعة مع أمير المؤمنين ثم قعد عن عيادته وأقبل يرسل إليه يسأله عن حاله، فلمّا فقد وجهه تمكّن السعادة من المهديّ فلم يأت عاشره حتى أظهر سخطه.

وأمّا السبب الذي يحدّث به يعقوب نفسه بعد موت المهديّ فهو ما حكاه ابنه عليّ بن يعقوب عن أبيه قال: بعث المهديّ إليّ يوما، فدخلت عليه، فإذا هو في مجلس مفروش بفرش مورّد متناه في السرو على بستان فيه شجر رؤوس الشجر من صحن المجلس، وقد اكتسى ذلك الشجر بالأوراد والأزهار من الخوخ والتفّاح وكلّ ذلك مورّد يشبه فرش المجلس الذي كان فيه، فما رأيت شيئا أحسن منه، وإذا عنده جارية ما رأيت أحسن منها ولا أسد قواما ولا أحسن اعتدالا، عليها نحو تلك الثياب، فما رأيت أحسن من جملة ذلك المجلس فقال لي:

« يا يعقوب، كيف ترى مجلسنا هذا؟ » فقلت: « على غاية الحسن، فمتّع الله أمير المؤمنين به وهنّأه إيّاه. » قال: « هو لك، أحمله بما فيه، وهذه الجارية ليتمّ سرورك. » قال: فدعوت له بما يحبّ.

قال: ثم قال لي:

« يا يعقوب، ولى إليك حاجة. » قال: فوثبت قائما، ثم قلت:

« يا أمير المؤمنين، ما هذه إلّا لموجدة، وأنا أستعيذ بالله من سخط أمير المؤمنين. » قال: « لا ولكن أحبّ أن تضمن لي قضاءها، فإني لم أسلكها من حيث تتوهّم، وإنّما قلت ذلك على الحقيقة، فأحبّ أن تضمن لي هذه الحاجة أن تقضيها لي. » قلت: « الأمر لأمير المؤمنين، وعليّ السمع والطاعة. » قال: « والله؟ » قلت: « والله ثلاثا ».

قال: « وحياة رأسك. » قال: « فضع يدك عليه واحلف به. » قال: فوضعت يدي عليه وحلفت به لأعملنّ بما قال ولأقضيّن حاجته. فلمّا استوثق مني في نفسه قال:

« هذا فلان بن فلان من ولد عليّ أحبّ أن تكفيني مؤونته وتريحني منه وتعجّل ذلك. » فقلت: « أفعل. » قال: « فخذه إليك. » قال: فحوّلته إليّ وحوّلت الجارية وجميع ما كان في البيت والمجلس من فرش وآلة وأمر لي بمائة ألف درهم. قال: فحملت ذلك جملة ومضيت به، فلشدّة سروري بالجارية صيّرتها في مجلس بيني وبينها ستر، وبعثت إلى العلويّ فأدخلته إليّ وسألته عن حاله، فأخبرني بها وإذا ألبّ الناس وأحسنهم إبانة.

قال: وقال لي في بعض ما يقول:

« ويحك يا يعقوب، تلقى الله بدمى وأنا رجل من ولد فاطمة بنت محمّد ؟ » قال: قلت: لا والله، فهل فيك أنت خير » قال: « إن فعلت خيرا شكرت ولك عندي دعاء واستغفار. » قال: قلت له:

« فإني أطلقك، فأيّ الطرق أحبّ إليك؟ » قال: « طريق كذا. » قلت: « فمن هاهنا ممّن تأنس به وتثق بموضعه. » قال: « فلان وفلان. » قلت: « فابعث إليهما، وخذ هذا المال وامض معهما مصاحبا في ستر الله، وموعدك وموعد هما للخروج من دارى إلى موضع كذا وكذا الذي اتفقنا عليه في وقت كذا وكذا من الليل. » فإذا الجارية قد حفظت عليّ قولي، فبعثت به مع خادم لها إلى المهديّ وقالت:

« هذا جزاؤك من الذي آثرته على نفسك، صنع وفعل. » حتى ساقت الحديث كلّه.

قال: وبعث المهديّ من وقته فشحن تلك الطرق والمواضع التي وصفها يعقوب والعلويّ برجال، فلم يلبث أن جاءوه بالعلويّ بعينه وصاحبيه والمال على النسخة التي حكتها الجارية.

قال: وأصبحت من غد ذلك اليوم، فإذا رسول المهديّ يستحضرني. قال: وكنت خالي الذرع غير ملق إلى أمر العلويّ بالا حتى أدخل على المهديّ وأجده على كرسيّ في يده مخصرة.

فقال: « يا يعقوب ما حال الرجل؟ » قلت: « يا أمير المؤمنين، قد أراحك الله منه. » قال: « مات؟ » قلت: « نعم. » قال: « والله؟ » قلت: « والله؟ » قال: « فقم وضع يدك على رأسى. » قال: فوضعت يدي على رأسه وحلفت له به.

قال: فقال:

« يا غلام، أخرج إلينا ما في هذا البيت. » قال: ففتح بابه عن العلوي وصاحبيه والمال بعينه.

قال: فبقيت متحيّرا وسقط في يدي، وامتنع مني الكلام، فما أدري ما أقول.

قال: فقال المهديّ:

« لقد حلّ لي دمك لو آثرت إراقته، لكن احبسوه في المطبق. »

فأتّخذ لي فيه بئر، فدلّيت فيها فكنت كذاك طول مدّة لا أعرف عددها، وأصبت ببصرى وطال شعري واسترسل كهيئة شعور البهائم. قال: فإني لكذلك إذ دعى بي، فمضيت وحملت إلى حيث لا أعلم أين هو، فلم أعد أن قيل لي:

« سلّم على أمير المؤمنين. » فسلّمت. قال:

« أيّ أمير المؤمنين أنا؟ » قلت: « المهديّ. » قال: « رحم الله المهديّ » قلت: « الهادي. » قال: « رحم الله الهادي. » قلت: « الرشيد. » قال: « نعم. » قلت: « ما أشكّ في وقوف أمير المؤمنين على خبري وعلّتى وما تناهت إليه حالي. » قال: « أجل، كلّ هذا قد عرف أمير المؤمنين، فسل حاجتك. » قال: قلت: « المقام بمكّة. » قال: « نفعل ذاك، فهل غير ذاك؟ » قال: قلت:

« ما بقي فيّ مستمتع لشيء ولا بلاغ. » قال: « فراشدا. »

قال: فخرجت، فكان وجهى إلى مكّة.

قال ابنه ولم يزل بمكّة ولم تطل أيّامه بها حتى مات.

ثم دخلت سنة سبع وستين ومائة

ولم يجر فيها على ما بلغنا شيء يستفاد منه تجربة.

ثم دخلت سنة ثمان وستين ومائة

وتلك سبيلها

ثم دخلت سنة تسع وستين ومائة

وفيها كانت وفاة المهديّ سبب وفاة المهديّ

وكان سبب ذلك أنّه كان عزم على تقديم ابنه هارون على ابنه موسى، فبعث إليه وهو بجرجان يحارب ونداذهرمز وشروين صاحبي طبرستان. وكان وجّهه المهديّ في جيش كثيف لم ير مثله وهيئة لم ير أحسن منها، فلمّا استدعاه علم ما يريد منه، فأبى عليه، فبعث إليه رسولا من الموالي، فضربه موسى، فخرج المهديّ بسبب موسى فتوفّى في طريقه.

واختلف في سبب وفاته، فذكر عن واضح قهرمانه أنّه قال:

خرج المهديّ يتصيّد بماسبذان بقرية يقال لها: الرّذّ، فطردت الكلاب صيدا وأظنّه قال ظبيا، فلم يزل يتبعها، فاقتحم الظبي باب خربة واقتمحت الكلاب واقتحم الفرس خلف الكلاب فدقّ ظهره في باب الخربة فمات من ساعته.

وذكر غيره: أنّ المهديّ كان جالسا في علية قصر بما سبذان يشرف من منظرة فيها على سفله، وكانت جاريته حسنة قد عمدت إلى كمثّرى كبير فجعلته في صينية وسمّت واحدة منها وهي أحسنها وأنضجها بأن نزعت فمعها الذي في أسفلها وأدخلت فيه سمّا، ثم ردّت القمع فيه ووضعتها على أعلى الصينية.

وكان المهديّ يعجبه كمّثرى وأرسلت بذلك مع وصيفة لها إلى جارية للمهديّ كان يتحظّاها، تريد بذلك قتلها، فلمّا مرّت الوصيفة بالصينيّة التي أرسلتها حسنة رآها المهديّ من المنظرة فدعاها ومدّ يده إلى الكّمثراة التي في أعلى الصينيّة وهي المسمومة، فأكلها فلمّا وصلت إلى الجوف صرخ: « جوفي! » وسمعت حسنة الصوت وأخبرت الخبر، فجاءت تلطم وجهها وتبكى وتقول:

« أردت أن أتفرّد بك، فقتلتك يا سيّدي. » فمات من يومه.

وكانت خلافته عشر سنين وكسرا، ومات وهو ابن ثلاث وأربعين سنة ولم يوجد له جنازة يحمل عليها، فحمل على باب ودفن تحت جوزة.

ذكر بعض سيره

كان المهديّ إذا جلس للمظالم قال:

« أدخلوا عليّ القضاة، فلو لم يكن ردّى المظالم إلّا للحياء منهم [ لكفى ]. » وجلس المهديّ يوما يعطى جوائز تقسم بحضرته في خاصّه من أهل بيته وقوّاده، فكان تقرأ عليه الأسماء فيأمر بزيادة عشرة آلاف وعشرين ألفا وما أشبه ذلك. فعرض عليه بعض القوّاد فقال:

« هذا يحطّ خمسمائة درهم. » قال: « لم حططتنى يا أمير المؤمنين؟ » قال: « لأنّى وجّهتك إلى عدّو لنا فانهزمت. » قال: « كان يسرّك أن أقتل ولا ينفعك؟ » قال: « لا. » قال: « فو الله الذي أكرمك بالخلافة لو ثبتّ لقتلت. » فاستحى منه المهديّ وقال:

« زده خمسمائة آلاف درهم. »

مسور والمهدي بين يدي القاضي

وتحدّث مسور بن مساور قال: ظلمني وكيل للمهديّ وغصبني ضيعة لي فأتيت سلّاما صاحب المظالم فتظلّمت، فأوصل لي رقعة إلى المهديّ وعنده عمّه العبّاس بن محمّد، وابن علاثة القاضي وعافية القاضي. قال: فقال لي المهديّ:

« ادن. » فدنوت.

فقال: « ما تقول؟ » قلت: « ظلمتني. » قال: « فترضى بأحد هذين. »

قال: قلت: « نعم. » قال: « فادن مني. » فدنوت منه حتى التزقت بالفراش.

قال: « تكلّم. » قلت: « أصلح الله القاضي، إنّه ظلمني في ضيعتي. » فقال القاضي: « ما تقول يا أمير المؤمنين؟ » قال: « ضيعتي وفي يدي. » قال: قلت: « أصلح الله القاضي، سله، صارت الضيعة إليه قبل الخلافة أو بعدها؟ » قال: فسأله « ما تقول يا أمير المؤمنين؟ » قال: « صارت إليّ بعد الخلاقة. » قال: « فأطلقها له. » قال: « قد فعلت. » فقال العبّاس: « والله يا أمير المؤمنين، لهذا المجلس أحبّ إليّ من عشرين ألف ألف درهم. »

وصية عجيبة تعرض على المهدي

وقال أبو الخطّاب: لمّا حضرت القاسم بن مجاشع التميميّ من أهل مرو الوفاة، أوصى إلى المهديّ، فكتب: « شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ الله الْإِسْلامُ... » ثم كتب:

« والقاسم بن مجاشع يشهد بذلك، ويشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله وأنّ عليّ بن أبي طالب، ، وصيّه ووارث الإمامة بعده. » قال: فعرضت الوصيّة على المهديّ، فلمّا بلغ هذا الموضع رمى بها ولم ينظر فيها.

قال: فلم يزل ذلك في قلب أبي عبيد الله. فلمّا حضرته الوفاة كتب في وصيّته هذه الآية. وقال المهديّ يوما: ما توسّل إليّ أحد بوسيلة ولا تذرّع بذريعة هي أقرب من تذكيره إيّاى يدا سلفت مني إليه أتبعها أختها فأحسن ربّها لأنّ منع الأواخر يقطع شكر الأوائل.

خلافة موسى الهادي

وفي هذه السنة بويع لموسى الهادي بما سبذان.

ذكر رأي سديد رآه خالد بن يحيى في تلك الحال

اجتمع القوّاد ووجوه الموالي إلى هرون يوم توفى المهديّ، فقالوا له:

« إن علم الجند بوفاة المهديّ لم نأمن الشغب، والرأي أن تتحرّك وتنادى في الجند وبالقفل، حتى تواريه ببغداد. » فقال هرون:

« ادعوا إليّ أبي يحيى بن خالد. » وكان المهديّ ولّى هارون المغرب كلّه من الأنبار إلى افريقية، وأمر يحيى بن خالد أن يتولّى ذلك، فكانت إليه أعماله ودواوينه إلى أن توفّى. فصار يحيى بن خالد إلى هارون فقال له:

« يا أبه، ما تقول فيما يقول عمر بن بزيع ونصير والمفضّل؟.

قال: « وما قالوا؟ » فأخبره. قال:

« ما أرى ذلك. » قال: « ولم؟ » قال: « لأنّ هذا لا يخفى، ولا آمن إذا علم الجند أن يتعلّقوا بمحمله ويقولوا لا نخلّيه حتى نعطى لثلاث سنين ويتحكّموا ويشتطّوا، ولكن أرى أن يوارى، رضي الله عنه، هاهنا ويوجّه نصير إلى أمير المؤمنين الهادي بالخاتم والقضيب والتهنئة والتعزية، فإنّ البريد إلى نصير، فلا ينكر خروجه أحد إذا كان على بريد الناحية، وأن تأمر لمن معك من الجند بجوائز مائتين مائتين وتنادى فيهم بالقفول، فإنّهم إذا قبضوا الدراهم لم يكن لهم همّة سوى أهاليهم وأوطانهم ولا عرجة على شيء دون بغداد. » قال: ففعل ذلك. وصاح الجند لمّا قبضوا الدراهم:

« بغداذ، بغداذ. » ينادون إليها ويبعثون على الخروج من ماسبذان. فلمّا وافوا بغداد وعلموا خبر الخليفة، صاروا إلى باب الربيع فأحرقوه، وطالبوا بالأرزاق وضجّوا.

قدوم هارون بغداد

وقدم هارون بغداذ. فبعثت الخيزران إلى الربيع وإلى يحيى بن خالد تشاورهما في ذلك، فأمّا الربيع، فدخل عليها، وأمّا يحيى فلم يفعل ذلك لعلمه بشدّة غيرة موسى.

قال: وجمعت الأموال حتى أعطى الجند لسنتين فسكنوا. وبلغ الخبر الهادي، فكتب إلى الربيع كتابا يتوعّده فيه، وكتب إلى يحيى يجزّيه الخير ويأمره أن يقوم من أمر هارون بما لم يزل يقوم به وأن يتولّى أموره وأعماله على ما لم يزل يتولّاه.

قال: فبعث الربيع إلى يحيى بن خالد، وكان يودّه ويثق به ويعتمد على رأيه:

« يا با عليّ، ما ترى، فإنّه لا صبر لي على جرّ الحديد. » قال:

« أرى ألّا تبرح موضعك وأن توجّه الفضل ابنك ليستقبله ومعه من الهدايا والطرف ما أمكنك، فإني لأرجو ألّا يرجع إلّا وقد كفيت ما تخاف إن شاء الله. » ولمّا قدم هارون كان الجند قد شغبوا على الربيع، وأخرجوا من كان في حبسه. وكان العبّاس بن محمّد، وعبد الملك بن صالح، ومحرز بن إبراهيم، حضروا ورأوا أن يرضوا ويطيّب بأنفسهم وتفرّق جماعتهم بإعطاءهم أرزاقهم، فبذل ذلك لهم، فلم يرضوا ولم يثقوا بما ضمن لهم من ذلك حتى ضمنه محرز بن إبراهيم، فقنعوا بضمانه فتفرّقوا. فوفى لهم وأعطوا رزق ثمانية عشر شهرا.

وأخذ هارون البيعة لموسى الهادي وله بولاية العهد من بعده وضبط أمر بغداذ.

ثم قدم الهادي وكان في نفسه على الربيع ما ذكرناه ومن إعطائه الجنود قبل قدومه. ولمّا وجّه الربيع ابنه الفضل فتلقّاه بما أعدّ له من الهدايا بهمذان، أدناه وقرّبه وقال:

« كيف خلّفت مولاي؟ » فكتب بذلك إلى أبيه، فاستقبله الربيع، فعاتبه الهادي، فاعتذر إليه وأعلمه السبب الذي دعاه إلى ذلك، وولّاه الوزارة مكان عبد الله بن زياد بن أبي ليلى، وضمّ إليه ما كان عمر بن بزيع يتولّاه من الزمام.

وهلك الربيع في هذه السنة.

ثم دخلت سنة سبعين ومائة

وفيها كانت وفاة موسى الهادي وكانت وفاته من قبل جوار لأمّه الخيزران كانت أمر تهنّ بقتله.

ذكر السبب في ذلك وما حملها على قتل ابنها

لمّا صارت الخلافة إلى الهادي، كانت الخيزران تفتات عليه في أموره وتسلك به مسلك أبيه من قبله في الاستبداد بالأمر والنهى فأرسل إليها:

« لا تخرجي من خفر الكفاية إلى بذاذة التبذّل، فإنّه ليس من قدر النساء الاعتراض في أمر الملك، وعليك بصلاتك وسبحتك، ولك بعد هذا طاعة مثلك فيما يجب لك. » وكانت كثيرا ما تكلّمه في أمر الحوائج، فكان يجيبها إلى كلّ ما تسأل، حتى مضى لذلك أربعة أشهر من خلافته، وانثال الناس عليها وطمعوا فيها، فكانت المواكب تغدو إلى بابها. فكلّمته يوما في أمر لم يجد إلى إجابتها فيه سبيلا، فاعتلّ بعلّة.

فقالت: « لا بدّ من إجابتى. » قال: « لا أفعل. » قالت: « فإني قد تضمّنت هذه الحاجة لعبد الله بن مالك. » قال: فغضب موسى وقال:

« ويلي على ابن الفاعلة، قد علمت أنّه صاحبها، والله لا قضيتها لك. »

قالت: « إذا والله لا أسألك حاجة أبدا. » قال: « إذا والله لا أبالى. » وحمى وغضب فقامت مغضبة، فقال:

« مكانك تستوعبى كلامي والله وإلّا فإني نفيّ من قرابتي من رسول الله لئن بلغني أنّه وقف ببابك أحد من قوّادى أو أحد من خاصّتى وخدمي لأضربنّ عنقه ولأقبضنّ ماله، فمن شاء فليرم ذلك. ما هذه المواكب التي تغدو وتروح إلى بابك في كلّ يوم؟ أما لك مغزل يشغلك، أو مصحف يذكّرك، أو بيت يصونك؟ إيّاك، ثم إيّاك، ما فتحت بابك لملّيّ أو ذمّيّ. » فانصرفت وهي لا تعقل ما تطأ، فلم تنطق عنده بحلوة ولا مرّة بعدها.

فحكت خالصة: أنّه لمّا صارت الخلافة إلى الهادي، صرت إليه وقلت له:

« إنّ أمّك تستكسيك. » فأمر لها بخزانة مملوّة كسوة. قالت: ووجد للخيزران في منزلها من قراقر الوشي ثمانية عشر ألف قرقرة.

وحكى بعضهم: أنّه سمع خالصة تقول للعبّاس بن الفضل بن الربيع: بعث موسى إلى أمّه الخيزران بأرزّة وقال:

« استطبتها. » وذلك بعد سخطه عليها، وذكر أنّه أكل منها فتنغّص لها.

قالت خالصة: فقلت لها:

« أمسكى حتى تنظرى، فإني أخاف أن يكون فيها شيء تكرهينه. » فجاؤوا بكلب، فأكل منها فتساقط لحمه. فأرسل إليها بعد ذلك:

« كيف رأيت الأرزّة؟ » قالت: « وجدتها طيّبة. » فقال: « لم تأكلى، ولو أكلت كنت استرحت منك، متى أفلح خليفة له أمّ! » ثم إنّ الهادي جمع قوّاده يوما وذلك أعياه أمر الأمّ فقال لهم:

« أيّما خير: أنا أم أنتم؟ » قالوا: « بل أنت يا أمير المؤمنين. » قال: « فأيمّا خير: أمي أم أمّهاتكم؟ » قالوا: « بل أمّك يا أمير المؤمنين. » قال: « فأيّكم يحبّ أن يتحدّث الرجال بخبر أمّه فيقولوا فعلت أمّ فلان، وصنعت أمّ فلان، وقالت أمّ فلان؟ » فقالوا: « ما أحد منّا يحبّ ذلك. » قال: « فما بال رجال يأتون أمي فيتحدّثون إليها ثم ينقلون حديثها؟ » فلمّا سمعوا ذلك انقطعوا عنها البتّة. فشقّ ذلك عليها، فاعتزلته وحلفت ألّا تكلّمه، فما دخلت إليه حتى حضرته الوفاة.

موسى يهم بخلع أخيه هارون

وهمّ موسى بخلع أخيه هارون، ثم جدّ فيه. وكان يحيى بن خالد بن برمك يلي لهارون أعمال المغرب، فلمّا جدّ موسى الهادي في البيعة لابنه جعفر بن موسى وتابعه القوّاد مثل يزيد بن مزيد، وعبد الله بن مالك، وعلي بن عيسى، ومن أشبههم، وخلعوا هارون ودسّوا إلى الشيعة، فتكلّموا في أمره وتنقّصوه، وقالوا: لا نرضى به، وظهر ذلك، أمر الهادي ألّا يسار قدام الرشيد بحربة. فاجتنبه الناس وتركوه، فلم يكن يجترئ أحد أن يسلّم عليه ولا يقربه.

وكان يحيى بن خالد يقوم بأنزال الرشيد وينزل منه منزلة الوالد ويسّميه أبي. فكان يشير عليه بأن يدافع ولا يستجيب للخلع. فسعى بيحيى إلى الهادي، وقيل له: إنّه ليس عليك من هارون خلاف، وإنّما يفسده يحيى، فابعث إليه وتهدّده بالقتل وارمه بالكفر. فبعث الهادي إلى يحيى ليلا، فيئس من نفسه، وودّع أهله وتحنّط وجدّد ثيابه ولم يشكّ أنّه يقتله. فلمّا أدخل عليه قال:

« يا يحيى ما لي ولك؟ » قال: « أنا عبدك يا أمير المؤمنين، فما يكون من العبد إلى مولاه إلّا طاعته! » قال: « لم تدخل بيني وبين أخي وتفسده عليّ؟ » قال: « يا أمير المؤمنين، من أنا حتى أدخل بينكما، إنّما صيّرنى المهديّ معه وأمرنى بالقيام بأمره، ثم أمرتنى بذلك، فانتهيت إلى أمرك. » قال: « فما الذي صنع هارون؟ » قال: « ما صنع شيئا ولا عنده شيء. » فسكن غضبه.

وقد كان هارون طاب نفسا بالخلع. فقال له يحيى:

« لا تفعل. » قال هارون: « أليس تترك لي الهنيئة والمريئة فهما يسعاننى وأعيش. فقال يحيى:

« وأين الهنيئة والمريئة من الخلافة، ولعلّك الا يترك هذا في يدك. » وكان يحيى ينادم الهادي بعد ذلك، فكلّمه الهادي في أمر الرشيد وخلعه، فقال:

« يا أمير المؤمنين، إنّك إن حملت الناس على نكث الأيمان هانت عليهم أيمانهم، وإن تركتهم على بيعة أخيك ثم بايعت لجعفر من بعده كان ذلك أوكد لبيعته. » قال: « لقد صدقت ونصحت، ولى في هذا الأمر تدبير. » وكان محمّد بن يحيى بن خالد يقول: كان أبي يقول: ما كلّمت أحدا من الخلفاء أعقل من موسى. وقال: كان حبسني موسى الهادي على ما أراده من خلع الرشيد، فرفعت إليه رقعة: إنّ عندي نصيحة. فدعاني، فقال لي:

« هات ما عندك. » فقلت: « أخلنى. » فأخلاني، فقلت:

« يا أمير المؤمنين، أرأيت إن كان الأمر الذي أسأل الله أن لا نبلغه وأن يقدّمنا قبله، أتظنّ أنّ الناس يسلّمون لجعفر وهو لم يبلغ الحنث أو يرضون به لصلاتهم وحجّهم وغزوهم؟ » قال: « والله ما أظنّ ذلك. » قلت:

« فتأمن يا أمير المؤمنين أن يسمو إليها أكابر أهلك وجلّتهم مثل فلان وفلان، ثم يطمع فيها غيرهم فيخرج من ولد أبيك؟ » فأطرق ثم قال:

« نبّهتنى يا يحيى على أمر لم أكن أنتبه له. » قال: فقلت:

« لو أنّ هذا الأمر لم يعقد لأخيك، أما كان ينبغي أن تعقده له؟ فكيف بأن تحلّه وقد عقده المهديّ، ولكن تقرّ الأمر يا أمير المؤمنين على حاله، فإذا بلّغ جعفر وبلغ الله به أتيته بالرشيد، فخلع نفسه له، وكان أوّل من يبايعه ويعطيه صفقة يده. » فقبل الهادي قوله وأطلقه.

فلمّا كان بعد أيّام، خرج موسى الهادي إلى الحديثة حديثة الموصل فمرض بها، فانصرف بعد ما كتب إلى جميع عمّاله شرقا وغربا بالقدوم عليه، فلمّا ثقل اجتمع القوم الذين كانوا بايعوا لجعفر ابنه فقالوا:

« إن صار الأمر إلى يحيى قتلنا ولم يستبقنا. » وتآمروا على أن يذهب بعضهم إلى يحيى بأمر الهادي فيضرب عنقه. ثم قال بعضهم:

« فإنّ أمير المؤمنين ما بلغ حدّ اليأس منه، فلعلّه يفيق من مرضه، فما عذرنا عنده؟ » فأمسكوا.

ثم بعثت الخيزران إلى جواريها بالجلوس على وجهه وغمّه حتى يموت، لأنّها أشفقت أن يفيق فيخلع هارون، ففعلن ذلك. وبعثت إلى يحيى تعلمه أنّ الرجل لما به فجدّ في أمرك ولا تقصّر. فأمر يحيى بإحضار الكتّاب، فحضروا وجمعوا في منزل الفضل بن يحيى، فكتبوا ليلتهم كتبا من الرشيد إلى العمّال بوفاة الهادي وأنّه قد ولّاهم الرشيد ما كانوا يلون. ولمّا أصبحوا أنفذوها على البرد.

رواية أخرى في سبب قتل موسى الهادي

وقد روى عن هرثمة بن أعين في موت الهادي ما رواه عليّ بن هشام المعروف بأبي قيراط عن محمّد بن أحمد بن الفضل الجرجرائي المعروف بقلنسوة، وكان وزير المتوكّل، قال: حدّثني خالي الحسن بن رجاء بن أبي الضحّاك. قال: حدّثني الحسن بن سهل قال: حدّثني أبو خاتم هرثمة بن أعين بمرو قال: كنت اختصصت بموسى الهادي، وكنت مع ذلك شديد الحذر منه لإقدامه على الدماء، فاستدعاني في نصف نهار يوم شديد الحرّ قبل أكلى، فارتعت وبادرت إليه فأدخلت من دار إلى دار حتى قرّبت من دار حرمه. ثم نحّى عنّا جميع من كان بحضرته وقال لي:

« اخرج، فأغلق باب هذه الحجرة وعد إليّ. » فازددت جزعا وفعلت وعدت، فقال:

« قد تأذيّت بهذا الكلب الملحد يحيى بن خالد، ليس له شغل إلّا تضريب الرجال عليّ واجتذابهم إلى صاحبه هارون. يريد أن يقتلني ويسوق الخلافة إليه، وأريد منك أن تمضى الليلة إلى هارون فتقبض عليه وتجيئني برأسه، إمّا أن تحتاط في التدبير حتى لا يفوتك وتفعل ذلك به في دارك أو تخرجه من داره برسالة مني تستدعيه فيها إلى حضرتى، ثم تعدل به إلى حيث تقتله فيه وتجيئني برأسه. » فورد عليّ أمر عظيم وقلت:

« يأذن أمير المؤمنين في الكلام؟ » قال: « قل. »

قلت: « يا أمير المؤمنين، أخوك وابن أمّك وأبيك وله عهد بعدك، فكيف يكون صورتنا عند الله أوّلا، ثم عند الناس؟ » قال: « عليك أن تسمع لي وتطيع، وإلّا ضربت عنقك. » فقلت: « السمع والطاعة. » قال: « وإذا فرغت من هذا أخرجت جميع الطالبيين من الحبس فضربت أعناقهم وغرّقت من يبقى إن كثر عددهم. » فقلت: « السمع والطاعة. » قال: « ثم ترحل إلى الكوفة بجميع من معك من الجيش وتضمّ إليهم من ترى من الجند المقيمين بالباب فتخرج من تجد فيها من العباسيّين وشيعتهم والعمّال المتصرفين معهم، ثم تنهب ما فيها من الأموال، وتضربها بالنار حتى تحترق هي وجميع من فيها وتخرّبها حتى لا يبقى لها أثر. » فقلت: « يا مولاي، هذا أمر عظيم، ففكّر فيه. » فقال: « لا بدّ من ذلك، فإنّ كلّ آفة ترد على ملكنا إنّما هي من هذه الجهة. » ثم قال: « لا تبرح من مكانك حتى إذا انتصف الليل بدأت بهارون. » فقلت: « سمعا وطاعة. » ونهض من موضعه ودخل إلى دار النساء، وجلست مكاني ولم أشك أنّه قد قبض عليّ وأنّه سيقتلني ويدبّر هذا الأمر على يد غيري لما ظهر له من جزعى في كلّ باب والردّ عليه والتخطئة لرأيه، ثم إجابتى إيّاه كارها، وكنت - يعلم الله - قد عملت على أن أركب فرسي من حضرته وألحق بطرف من الأرض وأخرج من نعمتي وأكون بحيث لا يصل إليّ، حتى يموت أحدنا. فلمّا دخل دار النساء، عرض لي أنّه قبض عليّ ليقتلني لئلا يفشو السرّ، فورد عليّ غمّ شديد وذهب عليّ أمري، فلمّا انتصف الليل جاءني خادم وقال:

« أجب أمير المؤمنين. » فقمت وأنا أتشهّد، ومشيت مع الخادم إلى ممرّ سمعت فيه كلام النساء فقلت: عزم على قتلى بحجّة فهو يدخلني دور الحرم ثم يقول: من أذن لك في الدخول على حرمي. فوقفت، فقال الخادم:

« ادخل. » فقلت: « لا أفعل. » فقال: « ويحك، ادخل. » فصحت وقلت:

« لا والله، ما أدخل حتى أسمع كلام مولاي أمير المؤمنين بالإذن لي في الدخول. » فإذا بامرأة تصيح وتقول:

« ويلك يا هرثمة، أنا الخيزران، وقد حدث أمر عظيم استدعيتك له، فادخل. » فورد عليّ ما لم يكن في حسابي، وتحيّرت ثم دخلت، فإذا بستارة ممدودة، فقالت لي من وراءها:

« إنّ موسى قد مات، وقد أراحك الله والمسلمين منه، فقم فانظر إليه. » فإذا هو مسجّى، فمست مجسّه وقلبه ومناخره فإذا هو ميت.

ثم قالت الخيزران:

« إني كنت بحيث أسمع خطابه لك في أمر ابني هارون وغيره، فلمّا دخل استعطفته، ثم سألته ألّا يفعل ما همّ به، فصاح عليّ، فكشفت له رأسى وبكيت وأقسمت عليه ألّا يفعل، فانتهرنى وقال:

« إن أمسكت، وإلّا ضربت عنقك. » فخفته وقمت وصلّيت وضرعت إلى الله في قبضه إليه، فما كان بأسرع ممّا شرق، فتداركناه بكوز ماء فازداد شرقه حتى تلف. فقم إلى يحيى بن خالد وعرّفه ما كان خاطبك به والخبر كلّه، وعجّل بهارون قبل أن ينتشر الخبر وجدّدا له البيعة. » قال: فقمت، ففعلت ذلك. وما أصبحنا حتى فرغنا من البيعة واستقام أمره وكفاني الله والناس شرّ موسى.

ولمّا أتى الخيزران الخبر بوفاة موسى وجاءها به الرسول قالت:

« وما أصنع به؟ » فقالت لها خالصة:

« قومي أملى، ستّى، إلى ابنك، فليس هذا وقب تعتّب. » فقالت:

« أعطونى ماء أتوضّأ للصلاة. » ثم قالت:

« أما إنّا كنّا نتحدّث أنّه يموت في هذه الليلة خليفة ويملك فيها خليفة ويولد فيها خليفة، فمات موسى وملك هارون وولد المأمون. » فكانت ولايته أربعة عشر شهرا، ومات وهو ابن ستّ وعشرين سنة.

ذكر بعض سيره ما كان من أمر عبد الله بن مالك مع الهادي

ذكر عن عبد الله بن مالك، أنّه قال: كنت على شرطة المهديّ، وكان المهديّ يبعث إليّ في ندماء الهادي ومغنّيه في ضربهم وحبسهم صيانة له عنهم، فبعث إليّ الهادي يسألنى الرفق بهم والترفيه لهم، فلا ألتفت إلى ذلك وأمضى لما يأمرنى به المهديّ. قال: فلمّا ولى الهادي الخلافة أيقنت بالتلف، فبعث إليّ يوما، فدخلت إليه متكفّنا متحنّطا وإذا هو على كرسيّ والسيف والنطع بين يديه، فسلّمت، فقال:

« لا سلّم الله على الآخر، تذكر يوم بعثت إليك في أمر الحرّانى وما أمر به أمير المؤمنين رضي الله عنه، من ضربه وحبسه فلم تجبني، وفي فلان وفي فلان - فجعل يعدّد ندماءه - فلم تلتفت إلى قولي وأمري؟ » قلت: « نعم يا أمير المؤمنين، أفتأذن في استيفاء الحجّة؟ » قال: « نعم. » قلت: « نشدتك الله يا أمير المؤمنين، أيسرّك أنّك ولّيتني ما ولّانى أبوك فأمرتنى بأمر فبعث إليّ بعض بنيك بأمر مخالف به أمرك، فاتبعت أمره وعصيت أمرك؟ » قال: « لا. » قلت: « فكذلك أنا لك، وكذلك كنت لأبيك. » فاستدنانى، فقبّلت يده، فأمر بخلع، فصبّت عليّ، وقال:

« قد ولّيتك ما كنت تتولّاه، فامض راشدا. » فخرجت من عنده، فصرت إلى منزلي مفكّرا في أمري وأمره وقلت:

حدث يشرب والقوم الذين عصيته في أمرهم ندماؤه ووزراؤه وكتّابه وكأنّى بهم حين يغلب عليه الشراب قد أزالوا رأيه فيّ وحملوه في أمري على ما كنت أتّخوفه.

قال: فإني لجالس وبين يديّ بنيّة لي في وقتى ذلك والكانون بين يديّ ورقاق أشطره بكامخ وأسخّنه وأطعمه الصبيّة حتى توهمت أنّ الدنيا قد اقتلعت وزلزلت لوقع الحوافر وكثرة الضوضاء فقلت: هاه، كان والله ما ظننت، ووافاني من أمره ما تخوّفت. فإذا الباب قد فتح، وإذا الخدم قد دخلوا، وإذا أمير المؤمنين الهادي على حمار في وسطهم، فلمّا رأيتهم وثبت من مجلسي مبادرا، فقبّلت يده ورجله وحافر حماره فقال لي:

« يا عبد الله، إني فكّرت في أمرك، فقلت: يسبق إلى قلبك أنّى إذا شربت وحولي أعداؤك، أزالوا ما حسن من رأيي فيك، فأقلقك وأوحشك، فصرت إلى منزلك لأونسك وأعلمك أنّ السخيمة قد زالت عن قلبي لك، فهات فأطعمنى ما كنت تأكل، وافعل فيه ما كنت تفعل، لتعلم أنّى قد تحرّمت بطعامك وأنست بمنزلك، فيزول خوفك ووحشتك. » فأدنيت إليه ذلك الرقاق والسّكرّجة التي فيها الكامخ فأكل منها، ثم قال:

« هاتوا الزّلّة التي أزللتها لعبد الله من مجلسي. » فأدخل إليّ أربعمائة بغل موقرة دراهم وقال:

« هذه زلّتك، فاستعن بها على أمرك واحفظ لي هذه البغال عندك لعلّى أحتاج إليها لبعض أسفاري. » ثم قال: « أظلّك الله بخير. » ثم انصرف راجعا.

فذكر موسى بن عبد الله بن مالك: أنّ أباه أعطاه بستانه الذي كان وسط داره ثم بنى حوله معالف لتلك البغال وكان هو يتولّى النظر إليها والقيام عليها أيّام حياة الهادي كلّها.

وأتى موسى برجل، فجعل يقرّره بذنوبه ويتهدّده، فقال الرجل:

« يا أمير المؤمنين، اعتذاري ممّا تقرّعنى به ردّ عليك وإقراري يوجب عليّ ذنبا ولكني أقول:

إذا كنت ترجو في العقوبة رحمة ** فلا تزهدن عند المعافاة في الأجر

فأمر بإطلاقه.

حقده على الربيع وسمه

وقد كنّا حكينا عن موسى الهادي ما حقده على الربيع من دخوله على أمّه.

فلمّا تجاوز عنه وجد أعداء الربيع طريقا إليه من طريق غيرة الهادي.

وكان الربيع أهدى إلى المهدي جارية حسناء فائقة الجمال، حسنة القدّ والشعر ناهدة الثدي. فلمّا رآها المهدي قال:

« هذه تصلح لموسى. » فوهبها له فشعف بها الهادي واستولدها، فهي أمّ أكابر أولاده. فقال حسّاد الربيع:

« يا أمير المؤمنين، إنّ الربيع يتفوّه في خلوته بما هو أعظم ممّا أنكرته. » قال: « وما هو؟ »

قالوا: « إنّه يقول: ما وضعت بيني وبين الأرض أطيب من فلانة - يعنى أمّ أولاد الهادي. » فالتهب الهادي وتركه حتى إذا كان يوم أنسه دعا الربيع إلى مجالسته وسقاه بيده كأسا مسموما، فأحسّ الربيع بذلك وبما رقّى إليه من كلامه، فلم يقدر على الامتناع وخاف أن يمتنع فيضرب عنقه، فشرب الكأس، فتوصّب من ساعته وقام فأظهر الهادي شفقة عليه وعرض عليه المقام، فأبى وقال:

« ما أجده يا أمير المؤمنين أكبر من أن أقيم معه. » ثم بادر إلى منزله، فأوصى ومات من ليلته.

خلافة هارون الرشيد

وفي هذه السنة استخلف هارون بن محمّد بن عبد الله بن محمّد بن عليّ بن عبد الله بن العبّاس بن عبد المطلّب الرشيد فبويع له ليلة الجمعة وهي الليلة التي توفّى فيها الهادي وكانت سنّه يوم ولى اثنتين وعشرين سنة، وأمّه أمّ ولد يمانية ثم جرشيّة يقال لها خيزران، وولد بالرّى سنة تسع وأربعين ومائة.

وكان هرثمة بن أعين هو الذي أخرج هارون الرشيد ليلا فأقعده للخلافة.

ويقال: إنّ هارون لمّا جلس للخلافة حلف ألّا يصلّى الظهر إلّا ببغداذ وأنّه لا يصلّى بعيساباذ إلّا على المهدي، وأنّه لا يصلّى ببغداذ إلّا ورأس أبي عصمة بين يديه. ثم لبس ثيابه وخرج، فصلّى على أبيه، وقدّم أبا عصمة فضربت عنقه وشدّ جمّته في رأس قناة ودخل بها بغداذ وذاك أنّه كان مضى هو وجعفر بن موسى الهادي راكبين، فبلغا إلى قنطرة من قناطر عيساباذ فالتفت أبو عصمة إلى هارون فقال له:

« مكانك حتى يجوز وليّ العهد. »

فقال هارون:

« السمع والطاعة للأمير. » فوقف حتى جاز جعفر، فكان هذا سبب قتل أبي عصمة.

ويقال: إنّه لمّا توفّى موسى، هجم خزيمة بن خازم في تلك الليلة فأخذ جعفرا من قرابته، وكان خزيمة في خمسة آلاف من مواليه معهم السلاح.

فقال: « والله لأضربنّ عنقك أو تخلعها. » وذاك أنّ موسى قد كان أمر جماعة فبايعوه، فلمّا كان الصبح ركب الناس إلى باب جعفر، فأتى به خزيمة فأقامه على باب الدار في العلو والأبواب مغلّقة فأقبل جعفر ينادى:

« يا معشر الناس، من كانت لي في عنقه بيعة فقد أحللته منها والخلافة لعمّى هارون ولا حقّ لي فيها. » فكانت سبب مشى عبد الله بن مالك الخزاعي إلى مكّة على اللبود، وحظى خزيمة بذلك عند الرشيد.

هارون يقلد خالدا الوزارة

وقلّد هارون يحيى بن خالد الوزارة وقال له:

« قد قلّدتك أمر الرعيّة وأخرجته من عنقي إليك، فاحكم في ذلك بما ترى من الصواب واستعمل من رأيت، واعزل من رأيت وأمض الأمور على ما ترى. » ودفع إليه خاتمه، وكانت خيزران هي الناظرة في الأمور، وكان يحيى يعرض عليها ويصور عن رأيها.

ثم دخلت سنتا إحدى واثنتين وسبعين ومائة

ولم يجر فيهما ما يستفاد منه تجربة.

ودخلت سنة ثلاث وسبعين ومائة

وفيها كانت وفاة محمّد بن سليمان بالبصرة

فوجّه الرشيد إلى كلّ ما خلّفه رجلا أمره باصطفائه، فأرسل إلى ما خلّف من الصامت من قبل صاحب بيت ماله رجلا، وإلى الكسوة بمثل ذلك، وإلى الفرش والرقيق والدوابّ والخيل والإبل وإلى الطيب والجواهر وكلّ آلة برجل من قبل الذي يتولّى كلّ صنف من الأصناف، فأخذوا جميع ما كان لمحمّد ممّا يصلح للخلافة ولم يتركوا شيئا إلّا الخرثيّ الذي لا يصلح للخلفاء وأصابوا له في خزانة لباسه أصناف الثياب منذ كان صبيّا في الكتّاب إلى أن مات على مقادير السنين وكان من ذلك ما عليه آثار النقس وأصابوا له ستين ألف ألف، فحملوها مع ما حمل، فلمّا صارت في السفن، أخبر الرشيد بمكان السفن التي حملت ذلك، فأمر أن يدخل جميع ذلك خزائنه إلّا المال، فإنّه أمر بصكاك فكتبت للندماء وكتبت للمغنين صكاك صغار لم تدوّن في الديوان ثم دفع إلى كلّ رجل صكّ بما رأى أن يهب له، فأرسلوا وكلاءهم إلى السفن فأخذوا المال على ما أمر لهم به في الصكاك أجمع لم يدخل بيت ماله منه درهم واحد واصطفى ضياعه.

موت الخيزران

وفيها ماتت الخيزران فخرج الرشيد وعليه جبّة سعيديّة وطيلسان خرق أزرق قد شدّ به وسطه وهو آخذ بقائمة السرير حافيا يمشى في الطين حتى أتى مقابر قريش، فغسل رجليه ودعا بخفّ وصلّى عليها ودخل قبرها، فلمّا خرج دعا الفضل بن الربيع وقال له:

« وحقّ المهديّ - وكان لا يحلف به إلّا إذا اجتهد - إني لأهمّ لك من الليل بشيء من التولية وغيرها، فتمنعني هذه، رحمها الله، وأطيع أمرها. » وولّاه نفقات العامّة والخاصّة وبادوريا والكوفة ولم تزل حاله تنمى إلى سنة سبع وثمانين.

ودخلت سنة أربع وسبعين [ ومائة ]

ولم يجر فيها على ما بلغنا شيء يليق بهذا الكتاب إثباته.

ودخلت سنة خمس وسبعين ومائة محمد الأمين يصبح وليّا للعهد

وفيها عقد الرشيد لابنه محمّد ولاية العهد من بعده وأخذ له بذلك بيعة القوّاد والجند وسمّاه الأمين، وله يومئذ خمس سنين. وكان جماعة من بنى العبّاس قد مدّوا أعناقهم للخلافة بعد الرشيد لأنّه لم يكن له وليّ عهد، فلمّا بايع له، أنكروا بيعته لصغر سنّه.

ولمّا صار الفضل بن يحيى إلى خراسان فرّق هناك أموالا عظيمة وأعطى الجند أعطيات متتابعة، ثم أظهر البيعة لمحمّد بن الرشيد، فبايع له الناس وسمّاه الأمين، فلمّا تناهى إلى الرشيد خبره وأنّ أهل المشرق بايعوا لمحمّد، كتب إلى الآفاق فبويع له في جميع الأمصار.

ثم دخلت سنة ست وسبعين ومائة

ظهور يحيى بن عبد الله

وفيها ظهر يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب، فنزع إليه الناس من الأمصار، واشتدّت شوكته وقوى أمره، فاغتمّ لذلك الرشيد فندب إليه الفضل بن يحيى في خمسين ألف رجل ومعه صنادد القوّاد وولّاه كور الري، والجبل، وجرجان، وطبرستان، وقومس، ودنباوند، والرويان، وحملت معه الأموال، فشخص الفضل واستخلف منصور بن زياد بباب أمير المؤمنين تجرى كتبه على يده وتنفذ الجوابات عنها إليه.

وكانوا يثقون بمنصور وابنه في جميع أمورهم لقديم صحبته لهم وحرمته بهم. ثم مضى من معسكره ولم تزل كتب الرشيد تتابع إليه بالبرّ واللطف والجوائز والخلع، فكاتب يحيى ورفق به واستماله وناشده وحذّره وأشار عليه وبسط أمله، وكاتب صاحب الديلم وجعل له ألف ألف درهم على أن يسهّل خروج يحيى إلى ما قبله، وحملت إليه، فأجاب يحيى إلى الصلح والخروج على يديه على أن يكتب له الرشيد أمانا بخطّه على نسخة يبعث بها إليه، فكتب الفضل بذلك إلى الرشيد، فسره وعظم موقعه، وكتب يحيى أمانا وأشهد عليه الفقهاء والقضاة وجلّة بنى هاشم ومشايخهم منهم: عبد الصمد بن عليّ، والعبّاس بن محمّد، وموسى بن عيسى، ومحمّد بن إبراهيم، ومن أشبههم، ووجّه معه جوائز وكرامات وهدايا. فوجّه الفضل بذلك إليه، فقدم يحيى بن عبد الله عليه وورد به الفضل بغداذ: فلقيه الرشيد بكلّ ما أحبّ، وأمر له بمال كثير وأجرى له أرزاقا سنيّة، وأنزله منزلا سريّا، بعد أن أقام في منزل يحيى بن خالد أيّاما، وكان يتولّى أمره بنفسه ولا يكل ذلك إلى غيره.

وبلغ الرشيد الغاية في إكرام الفضل، ومدحه الشعراء فأكثروا. فمنها ما قاله مروان بن أبي حفصة:

ظفرت فلا شلّت يد برمكيّة ** رتقت بها الفتق الذي بين هاشم

على حين أعيا الراتقين التئامه ** فكفّوا وقالوا ليس بالمتلائم

فأصبحت قد فازت يداك بخطّة ** من المجد باق ذكرها في المواسم

وما زال قدح الملك يخرج فائزا ** لكم كلّما ضمّت قداح المساهم

وتركت ذكر غيره من المدائح لأنّها كثيرة ولا طائل فيها من جهة الاختيار.

فحكى أحمد بن محمّد بن جعفر بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن حسن بن حسن، قال: لمّا قدم بيحيى من الديلم أتيته وهو في دار عليّ بن أبي طالب فقلت له:

« يا عمّ، ما بعدك مخبر، ولا بعدي مخبر، فأعلمني خبرك. » فقال: « يا ابن أخي، والله إن كنت إلّا كما قال حييّ بن أخطب:

لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه ** ولكنّه من يخذل الله يخذل

لجاهد حتى أبلغ النّفس عذرها ** وقلقل يبغى العزّ كلّ مقلقل

ذكر عقوبة سريعة بعقب إقدام على يمين كاذبة

وحكى بعض المشايخ من النوفليين قال: وشى قوم بيحيى بن عبد الله، فحبسه الرشيد، قال: فدخلنا على عيسى بن جعفر وقد وضعت له وسائد بعضها فوق بعض وهو قائم متّكئ عليها، وإذا هو يضحك من شيء في نفسه متعجّبا منه فقلنا:

« ما الذي يضحك الأمير، أدام الله سروره؟ » قال: « لقد دخلني اليوم سرور ما دخلني مثله قطّ. » فقلنا: « تمّم الله للأمير سروره. » فقال:

« والله لا أحدّثكم به إلّا قائما. » واتّكأ على فرش كانت هناك قائما، وهو قائم، فقال:

كنت اليوم عند أمير المؤمنين الرشيد، فدعا بيحيى بن عبد الله فأخرج من السجن مكبّلا بالحديد وعنده بكّار بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير - وكان بكّار هذا شديد البغض لآل أبي طالب، وكان يبلّغ هارون الرشيد عنهم ويشى بهم، وكان الرشيد ولّاه المدينة وأمره بالتضييق عليهم - فلمّا دعى بيحيى قال له الرشيد:

« هيه هيه - متضاحكا - وهذا أيضا يزعم أنّا سممناه. »

فقال يحيى: « ما معنى يزعم، ها هو ذا لساني. » وأخرج لسانه أخضر مثل السلق.

قال: فتربّد هارون، واشتدّ غضبه، فقال يحيى:

« يا أمير المؤمنين، إنّ لنا قرابة ورحما ولسنا بترك ولا ديلم، يا أمير المؤمنين، إنّا وأنتم أهل بيت واحد، فأذكّرك الله والقرابة والرحم برسول الله علام تعذّبنى وتحبسني؟ » قال: فرقّ له هارون الرشيد، وأقبل بكّار الزبيري على الرشيد، فقال:

« يا أمير المؤمنين، لا يغرّك كلامه، فإنّه شاقّ عاص، وهذا منه مكر وخبث، إنّ هذا أفسد علينا مدينتنا وأظهر فيها العصيان. » قال: فأقبل يحيى عليه، فو الله ما استأذن أمير المؤمنين في الكلام حتى قال:

« أفسدوا عليكم مدينتكم؟ ومن أنتم عافاكم الله؟ » قال الزبيري: هذا كلامه قدّامك، فكيف إذا غاب عنك؟ يقول: ومن أنتم عافاكم الله، واستخفافا بنا. » قال: فأقبل يحيى عليه، فقال:

« نعم، ومن أنتم عافاكم الله، المدينة كانت مهاجر عبد الله بن الزبير، أم مهاجر رسول الله ، ومن أنت حتى تقول: أفسدوا علينا مدينتنا، وإنّما بآبائى وأباء هذا هاجر أبوك إلى المدينة. » ثم قال:

« يا أمير المؤمنين، إنّما الناس نحن وأنتم، فإن خرجنا عليكم قلنا أكلتم وأجعتمونا، ولبستم وأعريتمونا، وركبتم وأرجلتمونا فوجدنا بذلك مقالا فيكم، ووجدتم بخروجنا عليكم مقالا فينا، فتكافأ فيه القول، ويعود أمير المؤمنين على أهله فيه بالفضل يا أمير المؤمنين، فلم يجترئ هذا وضرباؤه على أهل بيتك يسعى بهم عندك. إنّه، والله، ما يسعى بنا إليك نصيحة منه لك وإنّه ليأتينا فيسعى بك عندنا عن غير نصيحة منه لنا يريد أن يباعد بيننا ويشتفى من بعض ببعض والله يا أمير المؤمنين، لقد جاء إليّ هذا حيث قتل أخي محمّد بن عبد الله، - فقال: لعن الله قاتله - وأنشدنى فيه مرثية قالها نحوا من عشرين بيتا وقال: إن تحرّكت في هذا الأمر فأنا أول من يبايعك وما يمنعك أن تلحق بالبصرة فأيدينا مع يدك. » قال: فتغيّر وجه الزبيري واسودّ. وأقبل عليه هارون فقال:

« أيّ شيء يقول هذا؟ » قال: كاذب يا أمير المؤمنين، ما كان ممّا قال حرف. » قال: فأقبل على يحيى بن عبد الله، فقال:

« تروى القصيدة التي رثاه بها؟ » قال: نعم يا أمير المؤمنين، أصلحك الله.

فأنشدها إيّاه.

فقال الزبيري:

« والله يا أمير المؤمنين، الذي لا إله إلّا هو - حتى أتى على اليمين الغموس - ما كان ممّا قال شيء، ولقد تقوّل عليّ ما لم أقل. » قال: « فأقبل الرشيد على يحيى بن عبد الله فقال:

« قد حلف، فهل من بيّنة سمعوا هذه المرثية منه؟ » قال: « لا يا أمير المؤمنين، ولكني استحلفه بما أريد. » قال: فاستحلفه. فقال:

« قل أنا بريء من حول الله وقوّته موكّل إلى حولي وقوّتى إن كنت قلته. »

قال الزبيري:

« يا أمير المؤمنين، أيّ شيء هذا من الحلف؟ احلف بالله الذي لا إله إلّا هو، وتستحلفنى بشيء لا أدري ما هو. » قال يحيى بن عبد الله:

« يا أمير المؤمنين، إن كان صادقا فما عليه أن يحلف بما استحلفه به، فقال هارون:

« احلف له ويلك. » قال: فقال: « أنا بريء من حول الله وقوّته موكّل إلى حولي وقوّتى. » قال: فاضطرب منها وأرعد، فقال:

« يا أمير المؤمنين، ما أدري أيّ شيء هذا اليمين التي يستحلفني بها، وقد حلفت بالله أعظم الأشياء. » قال: فقال هارون:

« لتحلفنّ له أو لأصدّقنّ قوله عليك ولأعاقبنّك. » قال: فقال: « أنا بريء من حول الله وقوّته موكّل إلى حولي وقوّتى إن كنت قلته. » قال: فخرج من عند هارون، فضربه الله بالفالج فمات من ساعته. » قال: فقال عيسى بن جعفر:

« وما يسرّنى أنّ يحيى [ ما ] نقصه حرفا ممّا كان جرى بينهما ولا قصّر في شيء من مخاطبته إيّاه. »

وذكر أبو يونس قال: سمعت عبد الله بن العبّاس بن عليّ الذي يعرف بالخطيب قال: كنت يوما على باب الرشيد أنا وأبي، وحضر ذلك اليوم الجند والقوّاد ما لم أر مثلهم على باب خليفة قطّ لا قبله ولا بعده، فخرج الفضل بن الربيع إلى أبي، فقال له: « ادخل. » ومكث ساعة، ثم خرج إلّى فقال:

« ادخل. » فدخلت فإذا أنا بالرشيد معه امرأة يكلّمها، فأومأ إلى أبي أنّه لا يريد اليوم أن يدخل أحدا وإنّما استأذنت لك لكثرة من رأيت حضر الباب، فإذا دخلت هذا المدخل زادك ذلك نبلا عند الناس. فما مكثنا إلّا قليلا حتى جاء الفضل بن الربيع فقال:

« إنّ عبد الله بن مصعب الزبيري يستأذن في الدخول. » فقال: « إني لا أريد أن أدخل اليوم أحدا إليّ. » فقال: إنّه يقول: « إنّ عندي شيئا أذكره. » فقال: « قل له يقله لك. » قال: « قد قلت له ذاك، فزعم أنّه لا يقوله إلّا لك. » قال: « أدخله. » وخرج ليدخله، وعادت المرأة، وشغل بكلامها وأقبل عليّ أبي فقال:

« إنّه ليس عنده شيء يذكره وإنّما أراد الفضل بهذا أن يوهم من على الباب أنّ أمير المؤمنين لم يدخلنا لخاصيّة خصصنا بها وإنّما أدخلنا لأمر نسأل عنه كما دخل هذا الزبيري. » وطلع الزبيري فقال:

« يا أمير المؤمنين، ها هنا شيء أذكره. » فقال: « قل. » فقال له: « إنّه سرّ. » فقال: « ما من العبّاس سرّ. » فنهضت. فقال:

« ولا منك يا حبيبي. » فجلست. فقال:

« قل. » قال: « إني والله قد خفت على أمير المؤمنين زوجته وابنته وجاريته التي تلى فراشه وخادمه الذي يلي ثيابه وأخصّ خلق الله به من قوّاده وأبعدهم منه. » قال: فرأيته قد تغيّر لونه وقال له:

« من ما ذا. » قال: « جاءتني دعوة يحيى بن عبد الله بن الحسن فعلمت أنّه لم يبلغني مع العداوة بيننا وبينهم حتى لم يبق على بابك أحد إلّا وقد أدخله في الخلاف عليك. » فقال: « أتقول هذا في وجهه؟ » قال: « نعم. » قال الرشيد: « عليّ بيحيى. » فدخل فأعاد القول بحضرته. فقال يحيى:

« والله يا أمير المؤمنين، قد جاء بشيء لو قبل لمن هو دونك فيمن هو أكبر مني وهو قادر عليه لما أفلت منه أبدا، ولكن لي رحم وقرابة فلو أخّرت هذا الأمر ولم تعجل لكفيت مؤونتي بغير يدك ولسانك، وعسى بك أن تقطع رحمك وإني أباهله بين يديك وتصبر قليلا. »

فقال: « يا عبد الله، قم فصلّ إن رأيت ذاك. » وقام يحيى فاستقبل القبلة وصلّى ركعتين خفيفتين، وصلّى عبد الله ركعتين. ثم برك يحيى وقال:

« ابرك. » ثم شبّك يمينه في يمينه، ثم قال:

« اللهمّ إن كنت تعلم أنّى دعوت عبد الله بن مصعب إلى الخلاف على هذا - ووضع يده عليه وأشار إليه - فأسحتنى بعذاب من عندك ولكنى إلى حولي وقوّتى، وإلّا فكله إلى حوله وقوّته وأسحته بعذاب من عندك، آمين ربّ العالمين.

فقال: « آمين ربّ العالمين. » فقال يحيى بن عبد الله لعبد الله بن مصعب: « قل كما قلت. » فقال عبد الله:

« اللهم إن كنت تعلم أنّ يحيى بن عبد الله لم يدعني إلى الخلاف على هذا، فكلنى إلى حولي وقوّتى وأسحتنى بعذاب من عندك، وإلّا فكله إلى حوله وقوّته وأسحته بعذاب من عندك، آمين ربّ العالمين. » وتفرّقا.

فأمر الرشيد بيحيى بن عبد الله فحبس في ناحية من الدار. فلمّا خرج وخرج عبد الله بن مصعب أقبل الرشيد على أبي فعدّد عليه مننه على يحيى وأياديه عليه فكلّمه أبي بما لا يدفع به عن عصفور خوفا على نفسه، فأمرنا بالانصراف، فانصرفنا، فدخلت مع أبي أنزع عنه سواده، وكان ذلك من عادتي، فبينا أنا أحلّ منطقته إذ دخل عليه الغلام، فقال:

« رسول عبد الله بن مصعب. » فقال: « أدخله. » فدخل. وقال:

« يقول لك مولاي: أنشدك الله إلّا بلغت إليّ. » فقال أبي: « قل له أجد مسّ تعب، وقد وجّهت إليك بعبد الله، فما أردت أن تلقيه إلى فألقه إليه. » فخرج الغلام. وقال لي:

« إنّما دعاني ليستعين بي على الإفك، فإن أعنته قطعت رحم رسول الله ، وإن خالفته سعى بن، فاذهب إليه فكلّ ما قال لك فليكن جوابك له: أخبر أبي. » وخرجت في إثر الرسول. فلمّا صرت في بعض الطريق وأنا مغموم بما أقدم عليه، قلت للرسول:

« ويحك، ما أمره وما أزعجه بالإرسال إلى أبي الفضل في مثل هذا الوقت؟ » فقال: « إنّه جاء من الدار فما هو إلّا أن نزل عن الدابّة، حتى صاح: بطني، بطني. » قال: فما حفلت بقول الغلام. فلمّا صرنا على باب الدار، وكان في درب لا منفذ له، فتح البابين، وإذا النساء خرجن منشورات الشعور متحزّمات بالحبال يلطمن وجوههنّ وينادين بالويل، وقد مات الرجل، فعجبت من ذلك، وعطفت راجعا أركض ركضا لم أركض قبله مثله، والغلمان والحشم ينتظروننى لتعلّق قلب الشيخ بي. فلمّا رأونى دخلوا يتعادون، فاستقبلني مرعوبا في قميص ومنديل ينادى:

« ما وراءك يا بنّى؟ » قلت: « إنّه مات. » قال: « الحمد لله الذي قتله وأراحك وإيّانا منه. » فما قطع كلامه حتى ورد خادم للرشيد يأمر أبي بالركوب وإيّاى معه، فقال أبي ونحن نسير:

« لو جاز أن يدّعى ليحيى نبوّة لادّعاها أهله له رحمه الله، وعند الله نحتسبه ولا والله ما نشكّ أنّه قتل. » فمضينا حتى دخلنا على الرشيد، فلمّا نظر إلينا قال:

« يا عبّاس، أما عندك الخبر؟ » فقال أبي:

« بلى يا أمير المؤمنين، فالحمد لله الذي صرعه بلسانه ووقاك يا أمير المؤمنين قطع أرحامك. » فقال الرشيد:

« الرجل والله سليم على ما تحبّ. » ورفع الستر فدخل يحيى وأنا والله أتبيّن الارتباع في الشيخ، فلمّا نظر إليه الرشيد صاح به:

« يا أبا محمّد، إنّ الله قد قتل عدوّك الجبّار. » قال:

« الحمد لله الذي أبان لأمير المؤمنين كذب عدوّه عليّ وأعفاه من قطع رحمه، والله يا أمير المؤمنين لو كان هذا الأمر ممّا أطلبه وأصلح له وأريده، ولم يكن الظفر به إلّا بالاستعانة به، ثم لم يبق في الدنيا غيري وغيرك وغيره ما تقويّت به عليك أبدا، فكيف وأنا لا أطلب هذا الأمر ولا أريده ولا أصلح له. » ثم قال:

« وهذا والله من أحد آفاتك - وأشار إلى الفضل بن الربيع - والله لو وهبت له عشرة آلاف درهم ثم طمع في زيادة تمرة لباعك بها. » فقال:

« أمّا العبّاسيّ، فلا تقل فيه إلّا خيرا. » وأمر له في هذا اليوم بمائة ألف دينار وكان حبسه بعض يوم.

هياج العصبية في الشام بين النزارية واليمانية

وفي هذه السنة هاجت العصبيّة بالشام بين النزاريّة واليمانيّة، فقتل بينهما بشر كثير. فولّى الرشيد موسى بن يحيى بن خالد الشام، وضمّ إليه، من القوّاد والأجناد ومشايخ الكتّاب جماعة فلمّا ورد الشام أصلح بين أهلها وسكنت الفتنة، فردّ الرشيد الحكم فيهم إلى يحيى، فعفا عنهم وصفح عن جناياتهم، فمدحه الشعراء وأكثروا.

عزل موسى بن عيسى عن مصر

وفيها عزل الرشيد موسى بن عيسى عن مصر، وولّى جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك مصر، فولّاها جعفر عمر بن مهران.

ذكر السبب في ولايته وما كان منه

كان قد بلغ الرشيد أنّ موسى بن عيسى بن موسى قد تجبّر بمصر وعزم على الخلع، فقال:

« والله لا أعزله إلّا بأخسّ من على بابى، انظروا لي رجلا. » فذكر عمر بن مهران، وكان إذ ذاك يكتب للخيزران ولم يكتب قطّ لغيرها، وكان رجلا أحول مشنوء الوجه، وكان لباسه خسيسا أرقع ثيابه طيلسانه، وكانت قيمته ثلاثين درهما وكان يشمّر ثيابه ويقصّر كمامه ويركب بغلا وعليه رسن ولجام حديديّ ويردف غلامه خلفه. فدعا به وولّاه مصر حربها وخراجها وضياعها. فقال:

« يا أمير المؤمنين، أتولّاها على شريطة. » قال: « وما هي؟ » قال: « يكون إذنى إليّ إذا أصلحت البلاد انصرفت. » فجعل له ذلك، فمضى إلى مصر، واتصلت ولاية عمر بموسى بن عيسى، فكان يتوقّع قدومه. فدخل عمر بن مهران مصر على بغل وغلامه أبو درّة على بغل، فقصد دار موسى والناس عنده. فدخل وجلس في أخريات الناس، فلمّا تفرّق الناس قال موسى بن عيسى: « ألك حاجة يا شيخ؟ » قال: « نعم. » وأخرج الكتب، فدفعها إليه، قال: « يقدم أبو حفص أبقاه الله. » قال: « فأنا أبو حفص. » قال: « أنت عمر بن مهران؟ » قال: « نعم. » فقال: « لعن الله فرعون حين قال: أليس لي ملك مصر؟ » ثم سلّم إليه العمل ورحل، فتقدّم عمر بن مهران إلى أبي درّة غلامه فقال:

« لا تقبل من الهدايا إلّا ما يدخل في الجراب، لا تقبل دابّة ولا جارية ولا غلاما. » وجعل الناس يبعثون بضروب الهدايا والألطاف فلا يقبل إلّا المال والثياب ويأتى بها عمر فيوقّع عليها أسماء من بعث بها. ثم وضع الجباية وكان بمصر قوم قد اعتادوا المطل وكسر الخراج، فبدأ برجل منهم فلواه فقال:

« والله لا أدّيت ما عليك من الخراج إلّا في بيت المال بمدينة السلام إن سلمت. » قال: « فإني أؤدّى. » وتحمّل عليه، فقال:

« قد حلفت ولا أحنث. » فأشخصه مع ثلاثة من الجند، وكتب معهم إلى الرشيد. وكان العمّال يكاتبون إذ ذاك الخليفة:

« أنّى دعوت بفلان بن فلان، وطالبته بما عليه من الخراج فلوانى واستنظرني فأنظرته، ثم دعوته، فدافع ولوانى، فعل ذلك مرارا، فآليت إلّا يؤدّيه إلّا في بيت المال بمدينة السلام، وجملة ما عليه من المال كذا وكذا وقد أنفذته مع فلان وفلان، فإن رأى أمير المؤمنين أن يكتب إليّ بوصوله فعل إن شاء الله. » فلم يلوه أحد بشيء من الخراج، واستأدى النجم الأوّل والنجم الثاني، فلمّا كان النجم الثالث وقعت المطاولة والمطل. فأمر بإحضار الهدايا التي بعث بها إليه، فنظر في الأكياس وأحضر الجهبذ، فوزن ما فيها وأجراها عن أهلها، ثم دعا بالأسفاط فنادى على ما فيها فباعها وأجرى أثمانها عن أهلها.

ثم قال:

« يا قوم، حفظت هداياكم إلى وقت حاجتكم إليها فأدّوا إلينا مالنا. » فأدّوا إليه حتى أغلق مال مصر، فانصرف ولا يعلم أنّه أغلق مال مصر غيره. وانصرف فخرج على بغل وأبو درّة على بغل وكان إذنه إليه.

ودخلت سنة سبع وسبعين ومائة

ولم يجر فيها على ما بلغنا شيء يكتب في هذا الكتاب.

ودخلت سنة ثمان وسبعين ومائة الفضل بن يحيى يولّى خراسان أيضا

وفيها ولّى الفضل بن يحيى بن خالد خراسان مضافا إلى ما كان إليه من ولاية الجبل وجرجان وطبرستان. فشخص إليها، فأحسن بها السيرة وبنى المساجد والرباطات وغزا ما وراء النهر، فخرج إليه خاراخرّة ملك اسروشنة وكان ممتنعا.

واتخذ الفضل بن يحيى جندا من عجم خراسان سمّاهم العبّاسيّة، وجعل ولاءهم له، وبلغت عدّتهم خمسمائة ألف رجل، وقدم بغداذ منهم عشرون ألف رجل فسمّوا ببغداذ الكرنبية، وخلّف الباقي بخراسان على على أسمائهم ودفاترهم.

وفرّق الفضل من الأموال ما هو بالسرف أليق منه بالجود. وقد ذكرنا من ذلك طرفا. فمّما جرى له من هذا النمط أنّ إبراهيم بن جبريل كان خرج مع الفضل مكرها، فأحفظ الفضل ذلك عليه. قال إبراهيم: فدعاني يوما بعد ما أغفلنى حينا، فلمّا صرت بين يديه سلّمت، فما ردّ عليّ، فقلت في نفسي: شرّ والله، وكان مضطجعا فاستوى جالسا ثم قال:

« ليفرخ روعك يا إبراهيم فإنّ قدرتي عليك تمنعني منك. » قال: ثم عقد لي على سجستان فلمّا حملت خراجها وهبه لي وزادني خمسمائة ألف درهم.

وكان معه عمّه إبراهيم فوجّهه إلى كابل فافتتحها وغنم غنائم كبيرة ووصل إليه في ذلك الوجه سبعة آلاف ألف درهم، وكان عنده من مال الخراج أربعة آلاف درهم. فلمّا قدم بغداد وبنى داره واستزار الفضل ليريه نعمته عليه وأعدّ له الهدايا والطرف وآنية الذهب والفضّة، وأمر بوضع الأربعة آلاف ألف في ناحية من الدار. فلمّا قال الفضل بن يحيى، قدّم اليه الهدايا والطرف فأبى أن يقبل منها شيئا وقال:

« لم آتك لأسلبك. » قال: « إنّها نعمتك أيّها الأمير. » قال: « ولك عندنا مزيد. » فلم يأخذ من جميع ذلك إلّا سوطا سجزيّا. وقال:

« هذا من آلة الفرسان. » فقال له: « هذا المال من مال الخراج. » قال: « هو لك. » فأعاد عليه، فقال: « أما لك بيت يسعه؟ » وانصرف.

ولمّا قدم الفضل بن يحيى من خراسان خرج الرشيد إلى بستان أمّ جعفر يستقبله وتلقّاه بنو هاشم والناس على مراتهم، فجعل يصل الرجل بألف ألف وبخمسمائة آلاف درهم. وأعطى الشعراء فأكثر. فحكى مروان بن أبي حفصة وكان قد زاره: أنّه وصل إليه في مدّة مقامه عليه سبعمائة ألف درهم.

ودخلت سنة تسع وسبعين ومائة

قتل ابن طريق

وفيها رجع الوليد بن طريف الشاري إلى الجزيرة واشتدّت شوكته، وكثر تبعه، فوجّه الرشيد إليه يزيد بن مزيد الشيبانى فراوغه يزيد إلى أن ظنّ أنّه كرهه، ثم التمس غرّته حتى وجدها فقتله وجماعة كانوا معه وتفرّق الباقون.

وقالت الفارعة أخت الوليد بن طريف:

أيا شجر الخابور ما لك مورقا ** كأنّك لم تحزن على ابن طريف

فتى لا يحبّ الزّاد إلّا من التّقى ** ولا المال إلّا من قنا وسيوف

واعتمر الرشيد في هذه السنة في شهر رمضان شكرا لله عز وجل على ما أبلاه في الوليد بن طريف. ثم انصرف إلى المدينة فأقام بها إلى وقت الحجّ، ثم حجّ بالناس فمشى من مكّة إلى منى، ثم إلى عرفات، وشهد المشاهد كلّها، والمشاعر ماشيا.

ثم دخلت سنة ثمانين ومائة هياج العصبية بين أهل الشام

وفيها هاجت العصبيّة بالشام بين أهلها، وتفاقم أمرها فقلق الرشيد واغتمّ لذلك، وقال لجعفر بن يحيى:

« إمّا أن تخرج أنت، أو أخرج أنا. » فقال له جعفر: « بل أقيك بنفسي. » فشخص في جلّة القوّاد والكراع والسلاح وعقد له على الشام. فلمّا أتاهم أصلح بينهم وقتل زواقيلهم والمتلصّصة منهم، ولم يدع به رمحًا ولا فرسا، فعادوا إلى الأمن والطمأنينة، وأطفأ النائرة، وعاد إلى جعفر، واستخلف على الشام عيسى بن العكّى فزاد الرشيد في إكرامه ومدحه الشعراء.

ويقال: إنّه لمّا عاد ومثل بين يدي الرشيد، قبّل يديه ورجليه ثم مثل بين يديه فقال:

« الحمد لله الذي آنس وحشتي بأمير المؤمنين، وأجاب دعوتي، ورحم تضرّعى ونسأ في أجلى، حتى أرانى وجه سيّدي، وأكرمنى بقربه وأمتنّ عليّ بتقبيلى يده، وردّني إلى خدمته، فو الله إن كنت لأذكر غيبتي عنه ومخرجي والمقادير التي أزعجتنى فأعلم أنّها كانت بمعاص لحقتني وخطايا قد أحاطت بي، ولو طال مقامي عنك يا أمير المؤمنين لخفت أن يذهب عقلي إشفاقا على قربك، وأسفا على فراقك، وأن يعجل بي عن إذنك الاشتياق إلى رؤيتك.

فالحمد لله الذي عصمنى في حال الغيبة، وأمتعنى بالعافية، ومسكنى بالطاعة وحال بيني وبين استعمال المعصية، ولم أشخص إلّا عن رأيك ولم أقدم إلّا عن إذنك ولم يخترمنى أجلى دونك، والله يا أمير المؤمنين، فلا أعظم من اليمين بالله، لقد عاينت ما لو تعرض لي الدنيا كلها، لاخترت قربك ولما رأيتها عوضا من المقام معك. » ثم أثنى عليه ثناء طويلا.

ثم ولّى الرشيد جعفرا خراسان وسجستان، فاستعمل جعفر عليها محمّد بن الحسن بن قحطبة.

ودخلت سنة إحدى وسنة اثنتين وثمانين ومائة

ولم يجر فيهما على ما بلغنا ما يليق ذكره بهذا الكتاب.

ودخلت سنة ثلاث وثمانين ومائة

خروج خاقان الخزر

وفيها كان خروج ملك الخزر من باب الأبواب وإيقاعهم بالمسلمين هنالك وأهل الذمّة وسبيهم أكثر من مائة ألف فانتهكوا أمرا عظيما لم يسمع في الأرض بمثله.

ذكر السبب في ذلك

وكان سبب ذلك أنّ الفضل بن يحيى خطب بنت خاقان الخزر، فحملت إليه، فماتت ببرذعة. وكان على أرمينية يومئذ سعيد بن سلم بن قتيبة فرجع من كان معها من الطراخنة إلى أبيها فأخبروه أنّ ابنته قتلت غيلة، فحنق لذلك وعمل ما عمل.

فولّى الرشيد أرمينية يزيد بن مزيد مع آذربيجان، وضمّ إليه قوّاد الجند ووجّهه، وأنزل خزيمة بن خازم نصيبين ردءا لأهل أرمينية.

وقيل أيضا: أنّ سبب دخول الخزر أرمينية في زمن هارون كان أنّ سعيد بن سلم ضرب عنق المنجّم السلميّ بفاس، فدخل ابنه بلاد الخزر فاستجاشهم، فدخلوا أرمينية من الثلمة، فانهزم سعيد، ونكحوا المسلمات وأقاموا سبعين يوما، فلمّا صار يزيد بن مزيد إلى أرمينية، خرج الخزر وسدّت الثلمة.

استقدام الرشيد علي بن عيسى من خراسان

وفيها استقدم الرشيد عليّ بن عيسى بن هامان من خراسان وكان سبب ذلك أنّه أبلغ عنه أمور عظام. وقيل: إنّه أجمع على الخلاف، فاستخلف عليّ بن عيسى ابنه يحيى ووافى حضرة الرشيد بأموال عظيمة، فردّه الرشيد إلى خراسان من قبل ابنه المأمون لحرب أبي الخصيب، فرجع.

ودخلت سنة أربع وثمانين ومائة

ولم يجر فيها ما يكتب.

وكذلك سنة خمس وثمانين ومائة

ودخلت سنة ستّ وثمانين ومائة حوادث عدّة

وفيها خرج عليّ بن عيسى بن ماهان من مرو لحرب أبي الخصيب إلى نسّا، فقتله بها وسبى نساء وذراريّه، واستقامت خراسان.

وحجّ هارون الرشيد وأخرج معه ابنيه محمّدا الأمين، وعبد الله المأمون، وليّى عهده.

فبدأ بالمدينة وأعطى أهلها ثلاثة أعطية، كانوا يقدمون إليه فيعطيهم عطاء، ثم إلى محمّد فيعطيهم عطاء ثانيا، ثم إلى المأمون فيعطيهم عطاء ثالثا.

ثم صار إلى مكّة، فأعطى أهلها عطاء. فبلغ ذلك ألف ألف دينار وخمسين ألف دينار.

وكان الرشيد عقد لابنه محمّد بن زبيدة وسمّاه الأمين وضمّ إليه الشام والعراق في سنة خمس وسبعين، ثم بايع لعبد الله المأمون بالرّقة في سنة ثلاث وثمانين ومائة، وولّاه من حدّ همذان إلى آخر المشرق.

وكان القاسم بن الرشيد في حجر عبد الملك بن صالح، فلمّا بايع الرشيد لمحمّد وعبد الله، كتب إليه عبد الملك بن صالح يسأله في أبيات شعر أن يجعل القاسم ثالثا في ولاية العهد، فبايع له وسمّاه المؤتمن، وولّاه الجزيرة والثغور والعواصم.

ولمّا قسم الأرض بين أولاده الثلاثة قال بعض الناس: قد أحكم أمر الملك، وقال بعضهم: بل ألقى بأسهم بينهم وسيختلفون، فقال بعضهم:

رأى الملك الرّشيد أضلّ رأى ** بقسمته الخلافة والبلادا

أراد به ليقطع عن بنيه ** خلافهم ويبتذلوا الودادا

فقد غرس العداوة غير آل ** وأورث شمل ألفتهم بدادا

فويل للرّعيّة عن قليل ** لقد أهدى لها الكرب الشدادا

ستجرى من دمائهم بحور ** زواخر لا يرون لها نفادا

ولمّا قضى هارون الرشيد مناسكه، تقدّم إلى الفقهاء والقضاة وأهل العلم أن يجهدوا آراءهم في كتابين، أحدهما على محمّد الأمين يشترط عليه الوفاء لعبد الله المأمون بما إليه من الأعمال وما صيّر له من الضياع والجواهر والأموال، والآخر نسخة البيعة التي أخذها على الخاصّة والعامّة والشروط على محمّد وعبد الله من الأحكام والسياسات، وأشهد أهل بيته ووزراءه وقوّاده ومواليه وكتّابه ومن كان في الكعبة معه، وكان جميع ذلك في البيت الحرام. ثم رأى أن يعلّق الكتاب في الكعبة، فلمّا رفع ليعلّق، سقط، فقال الناس:

« هذا أمر سريع الانتقاض لا يتمّ. » ونسخة هذين الكتابين فيهما طول وهي موجودة في كتب التواريخ وغيرها فلم أشتغل بنسخهما، وكتب كتبا بذلك إلى سائر العمّال في الأمصار.

ودخلت سنة سبع وثمانين ومائة

وفيها قتل الرشيد جعفر بن يحيى، وأوقع بالبرامكة

ذكر السبب في ذلك

كانت أسباب تغيّره لهم كثيرة.

فمن ذلك أنّ الرشيد سلّم يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن إلى جعفر، فحبسه عنده ثم دعا به ليلة، فسأله عن شيء من أمره. فأجابه إلى أن قال:

« اتّق الله في أمري ولا تتعرّض أن يكون خصمك غدا محمّد فو الله ما أحدثت حدثا، ولا آويت محدثا. » فرق له وقال:

« اذهب حيث شئت من بلاد الله. » فقال:

« كيف أذهب ولا آمن أن أؤخذ فأردّ إليك أو إلى غيرك؟ » فوجّه معه من يؤدّيه إلى مأمنه، وبلغ الخبر الرشيد من عيون كانت له عليه، فدعاه ودعا بالغداء، فأكلا وجعل يلقّمه ويحادثه إلى أن كان آخر ما دار بينهما أن قال:

« ما فعل يحيى بن عبد الله؟ » قال:

« بحاله يا أمير المؤمنين في الحبس والضيق والأكبال الثقيلة. » قال: « بحياتى؟ » فأحجم جعفر، وكان من أرّق الناس ذهنا وأصحّهم فكرا. فهجس في نفسه أنّه قد علم بما جرى في أمره. فقال:

« لا وحياتك يا سيّدي، ولكن أطلقته لمّا علمت أنّه لا حياة به ولا مكروه عنده. »

قال: « نعمّا فعلت ما عدوت ما كان في نفسي. » فلمّا خرج أتبعه بصره حتى كاد يتوارى عن عينه وقال:

« قتلني الله إن لم أقتلك. » ومن أسباب ذلك أنّ الرشيد قلب جارية ارتضى عقلها وأدبها، وكانت حسنة الغناء، جزلة الشعر، مليحة الكتابة، بارعة الجمال، فلمّا رأى كمالها استام صاحبها فيها واستام بها مائة ألف دينار وقال:

« يا أمير المؤمنين، عليّ يمين بعتقها ألّا أنقصها من ذلك شيئا. » فتقدّم بإطلاق ذلك لمولاها.

فقال جعفر لأبيه وأخيه:

« إنّ هذا إن أقدم على مثل هذه الأشياء أفنى بيوت الأموال. وقد رأيت أن أتقدّم بحمل قيمة هذه الدنانير دراهم فتوضع في طريقه مبدّدة فإنّه الآن لا يعلم ما قيمة ما أطلق، وإذا رآها حلّت في عينه ولعلّه أن ينصرف عن هذا الرأي. » ففعل ذلك وأمر بالمال ووضع في ممرّ له، فلمّا نظر إليه الرشيد قال:

« من أين هذا الحمل؟ » قال له الخازن:

« إنّه ليس بحمل، ولكنّه أخرج من الخزانة وهو ثمن الجارية وقد أحلّ مكانه ببيت المال. » فأمر بعض خدمه أن يرفعه عنده وأودعه بيتا وسمّاه بيت مال العروس، وبحث عن الأموال، فوجد البرامكة قد استهلكوها فتغيّر لهم حتى أوقع بهم.

وكان أيضا من أسباب ذلك ما تحدّث به إبراهيم بن المهديّ قال: أتيت جعفر بن يحيى يوما فقال:

« أما تعجب من منصور بن زياد؟ » قلت: « في ما ذا؟ » قال: « سألته: هل ترى في دارى عيبا؟ قال: نعم، ليس فيها لبنة ولا صنوبرة. » قال إبراهيم: فقلت:

« الذي يعيبها عندي أنّك أنفقت عليها عشرين ألف ألف، وهي شيء لا آمنه عليك غدا عند أمير المؤمنين. » قال: « هو يعلم أنّه قد وصلني بأضعاف ذلك سوى ما عرّضنى له. » قال: قلت:

« إنّ العدوّ إنّما يأتيه في هذا من جهة أن يقول: يا أمير المؤمنين، إذا أنفق على دار عشرين ألف ألف فأين نفقاته. وأين صلاته، وأين النوائب التي تنوبه، وما ظنّك يا أمير المؤمنين بما وراء ذلك وهذه جملة سريعة إلى القلب والتوقّف على الحاصل منها صعب. » فقال جعفر: « إن سمع مني. » قلت: « إنّ لأمير المؤمنين نعما على قوم قد كفروها بالستر لها أو بإظهار القليل من كثيرها وأنا رجل نظرت إلى نعمته عندي فوضعتها في رأس جبل ثم قلت للناس: تعالوا فانظروا. » قلت: « نعم إنّ ناظرك قلت. » وكان من أسباب ذلك أيضا أنّ الرشيد كان لا يصبر على الجدّ ويحبّ الأنس. وكان قد أنس بجعفر وكان لا يصبر عن أخته العبّاسه بنت المهديّ، وكان يحضرهما إذا جلس للشرب، وذلك بعد أن أعلم جعفرا قلّة صبره عنه وعنها، وقال لجعفر:

« أزوّجكها ليحلّ لك النظر إليها إذا أحضرتها مجلسي. » وتقدّم إليه إلّا يمسّها ولا يكون منه شيء ممّا يكون من الرجل إلى زوجته، فزوّجها منه على ذلك، فكان يحضرهما مجلسه إذا جلس للشرب، ثم يقوم عن مجلسه ويخلّيهما فيثملان من الشراب وهما شابّان، فيقوم إليها جعفر فيجامعها، حتى حملت منه وولدت ولدا ذكرا، فخافت على نفسها من الرشيد إن علم بذلك، فوجّهت بالولد مع حواضن من مماليكها إلى مكّة فلم يزل الأمر مستترا عن هارون إلى أن وقع بين عبّاسة وبين بعض جواريها شرّ، فأنهت أمرها وأمر الصبيّ [ إلى الرشيد ] وأخبرته بمكانه ومع من هو من جواريها وما معه من الحلي الذي زينّته به أمّه. فأمسك هارون حتى حجّ هذه الحجّة التي ذكرناها فأرسل إلى الموضع الذي كانت الجارية أخبرته به، واستدعاه ومن معه من الحواضن، فلمّا أحضروا سأل اللواتي مع الصبيّ، فأخبرنه بمثل القصّة التي أخبرته به الرافعة على عبّاسة فأراد قتل الصبى، ثم تحوّب من ذلك.

وكان جعفر يتّخذ للرشيد طعاما كلما حجّ بعسفان، فلمّا كان في هذه السنة اتّخذ الطعام على الرسم، واستزار الرشيد، فاعتلّ عليه ولم يحضر طعامه. ولم يزل معه حتى جرى عليه ما جرى، وسنذكر ذلك فيما بعد إن شاء الله.

وقد كان الرشيد قبل إقدامه بالقتل على جعفر بن يحيى وحبسه ليحيى وأولاده تنكّر لهم حتى عرف ذلك أكثر من يليه، وعرفه البرامكة أيضا.

فمن ذلك ما ذكر بختيشوع بن جبريل عن أبيه أنّه قال: إني لقاعد يوما في مجلس الرشيد إذ طلع يحيى بن خالد، وكان فيما مضى يدخل بلا إذن، فلمّا دخل فصار بالقرب من الرشيد وسلّم، ردّ عليه ردّا ضعيفا. فعلم يحيى أنّ أمرهم قد تغيّر، ثم أقبل عليّ الرشيد، فقال: « يا جبريل، أيدخل عليك وأنت في منزلك أحد بلا أذنك؟ » فقلت: « لا والله، ولا يطمع في ذلك. » قال: « فما بالنا، يدخل إلينا بلا إذن. » فقام يحيى فقال: « يا أمير المؤمنين، قدّمنى الله قبلك، والله ما ابتدأت ذلك الساعة وما هو إلّا شيء كان خصّنى به أمير المؤمنين ورفع به ذكرى حتى إني كنت لأدخل وهو في فراشه مجرّدا حينا وحينا في بعض إزاره، وما علمت أنّ أمير المؤمنين كره ما كان يحبّ، وإذ قد علمت فإني أكون في الطبقة الثانية من أهل الإذن، أو الثالثة، إن أمرنى سيّدي بذلك. » فاستحيى، وكان من أرّق الخلفاء وجها وعيناه في الأرض ما يرفع طرفه إليه، ثم قال:

« ما أردت ما تكره، ولكنّ الناس يقولون. » قال جبريل: فظننت أنّه لم يسنح له جواب يرتضيه. فأجاب بهذا القول، ثم أمسك عنه وخرج يحيى.

ومن ذلك أنّ الرشيد رأى يحيى بن خالد يوما وقد دخل الدار، فقام الغلمان له، فقال الرشيد لمسرور الخادم:

« مر الغلمان إلّا يقوموا ليحيى إذا دخل الدار. » فلمّا دخل بعد ذلك، لم يقم له أحد، فاربدّ لونه فكان الغلمان والحجّاب بعد إذا رأوه أعرضوا عنه. وكان ربّما استسقى الشربة من الماء أو غيره، فلا يسقونه، وبالحريّ إن سقوه أن يكون ذاك بعد أن يدعو بها مرارا.

ومن ذلك ما تحدّث به إبراهيم بن المهديّ وكان مختصّا به لأنّ جعفرا هو الذي قدّمه وقرّبه من الرشيد، وكان صاحبه ووليّ نعمته.

قال إبراهيم: قال لي جعفر يوما:

« إني قد استربت بأمر هذا الرجل - يعنى الرشيد - وقد ظننت أنّ ذلك شيء سبق إلى نفسي منه، فأردت أن أعتبر ذلك بغيري، فكنت أنت، فارمق ذلك في يومك هذا وأعلمني ما ترى منه. » قال: ففعلت ذلك في يومي، فلمّا نهض الرشيد من مجلسه كنت أوّل أصحابه نهض عنه حتى صرت إلى شجر في طريقي، فدخلتها ومن معي، فأمرتهم بإطفاء الشمع، وأقبل الندماء يمرّون بي واحدا واحدا فأراهم ولا يرونني، حتى إذا لم يبق منهم أحد إذا أنا بجعفر قد طلع، فلمّا حاذى الشجر قال:

« اخرج يا حبيبي. » فخرجت، فقال:

« ما عندك؟ » فقلت: « حتى تعلمني كيف علمت أنّى هاهنا. » قال: « عرفت عنايتك بي وبما أعنى به، وإنّك لم تكن لتنصرف أو تعلمني ما رأيت منه، وعلمت أنّك تكره أن ترى واقفا في هذا الوقت وليس في طريقك موضع أستر منه فقضيت بأنّك فيه. » قلت: « نعم. » قال: « فهات ما عندك. »

قلت: « رأيت الرجل يهزل إذا جددت، ويجدّ إذا هزلت. » قال: « كذا هو، فانصرف يا حبيبي. » فانصرفت.

ذكر الخبر عن مقتله

لمّا انصرف الرشيد من مكّة فوافى الحيرة في المحرّم سنة سبع وثمانين، أقام في قصر عون العباديّ أيّاما، ثم شخص في السفن حتى نزل العمر الذي بناحية الأنبار، فلمّا كانت ليلة السبت لانسلاخ المحرّم أرسل مسرورا الخادم في جماعة من خواصّه وقال:

« اذهب فأتنى بجعفر وانظر ألّا يحسّ حتى تقيّده أولا ثم تأتينى برأسه. » قال مسرور: فأتيته وعنده أبو زكّار الأعمى المغنّى وهو في لهوه ويغنّيه أبو زكّار:

فلا تبعد فكلّ فتى سيأتي ** عليه الموت يطرق أو يغادى

قال: فقلت له:

« يا با الفضل، الذي جئت له من ذلك قد والله طرقك فأجب أمير المؤمنين. » قال: فرفع يديه، ثم وقع على رجليّ فقبّلهما وقال:

« حتى أدخل فأوصى. » قلت:

« أمّا الدخول فلا سبيل إليه، ولكن أوص بما شئت. » فتقدّم في وصيّته بما أراد، وأعتق مماليكه. ثم أتتنى رسل أمير المؤمنين يستحثّنى به. قال: فمضيت به إليه فأعلمته فقال لي وهو في فراشه:

« ائتني برأسه. » قال: فمضيت به إليه. فلمّا عرف أنّه مقتول، قال:

« الله الله يا با هاشم، والله ما أمرك بما أمرك به إلّا وهو سكران فدافع بالأمر حتى أصبح، فإنّه سيندم ويؤاخذك بي. » فقلت: « لا أجسر على ذلك. » قال: « فوامره فيّ ثانية. » فعدت لأوامره، فلمّا سمع حسّى قال:

« يا ماصّ بظر أمّه، ائتني برأس جعفر. » فعدت إلى جعفر، فقال:

« عاوده ثالثة. » فعدت فحذفنى بعمود ثم قال:

« نفيت من المهديّ، لئن لم تأتنى برأسه لأرسلنّ إليك من يأتينى برأسك أولا. » قال: فخرجت، فأتيته برأسه.

الإحاطة بيحيى بن خالد وسائر البرامكة

وأمر الرشيد في تلك الليلة بتوجيه من أحاط بيحيى بن خالد وجميع ولده ومواليه ومن كان منه بسبيل، فلم يفلت منهم أحد، وأخذ ما وجد لهم من مال وضياع ومتاع وغير ذلك، ومنع أهل العسكر أن يخرج منهم خارج إلى مدينة السلام أو إلى غيرها. ووجّه من ليلته قوما إلى الرقّه في قبض أموالهم. وكتب إلى جميع البلدان وإلى العمّال بها في قبض أموالهم وأخذ وكلائهم.

فتحدّث السنديّ بن شاهك قال: إني لجالس يوما فإذا أنا بخادم قد قدم على البريد ودفع إليّ كتابا صغيرا ففضضته فإذا كتاب الرشيد بخطّه فيه:

« بسم الله الرحمن الرحيم، يا سنديّ، إذا نظرت في كتابي فإن كنت قاعدا فقم، وإن كنت قائما فلا تقعد حتى تصير إليّ. » قال السنديّ: فدعوت بدوابّى ومضيت وكان الرشيد بالعمر، فحدّثني العبّاس بن الفضل بن الربيع قال: جلس الرشيد في الزوّ بالفرات ينتظرك حتى ارتفعت غبرة، فقال لي:

« يا عبّاسيّ، ينبغي أن يكون هذا السنديّ وأصحابه. » فقلت: « ما أشبهه أن يكون يا أمير المؤمنين. » قال: « فطلعت. » فقال السنديّ: فنزلت ووقفت، فأرسل إليّ الرشيد:

« ادن. » فصرت إليه، ووقفت ساعة بين يديه، فقال لمن كان عنده من الخدم:

« قوموا. » فقاموا، فلم يبق إلّا العبّاس بن الفضل وأنا. فمكث ساعة ثم قال للعبّاس: « اخرج ومر برفع التخاتج المطروحة على الزوّ. » ففعل ذلك. فقال لي: « ادن مني. » فدنوت منه، فقال: « تدرى فيم أرسلت إليك؟ » قلت: « لا والله يا أمير المؤمنين. » قال: « في أمر لو علم به زرّ قميصي رميت به في الفرات، يا سنديّ، من أوثق قوّادى عندي؟ » قلت: « هرثمة. » قال: « صدقت، فمن أوثق خدمي عندي؟ » قلت: « مسرور الخادم الكبير. » قال: « صدقت، امض من ساعتك هذه، وجدّ في سيرك حتى توافى مدينة السلام، فاجمع ثقات أصحابك وأرباعك، ومرهم أن يكونوا على أهبة، فإذا انقطعت الرجل فصر إلى دور البرامكة فوكّل بكلّ باب من أبوابهم صاحب ربع ومره أن يمنع من يدخل ويخرج إلّا باب محمّد بن خالد حتى يأتيك رأيي. » قال: ولم يكن قد حرّك البرامكة في ذلك الوقت.

قال السنديّ: فجئت أركض حتى أتيت مدينة السلام، فجمعت أصحابي وفعلت ما أمرنى به، فلم ألبث أن قدم عليّ هرثمة بن أعين ومعه جعفر بن يحيى على بغل أكّاف مضروب العنق، وإذا كتاب أمير المؤمنين يأمرنى أن أشطره باثنين وأن أصلبه على ثلاثة جسور. ففعلت ذلك ولم يزل مصلوبا حتى أراد الرشيد الخروج إلى خراسان، فمضيت فنظرت إليه، فلمّا مرّبه الرشيد التفت إليّ فقال: « ينبغي أن تحرق هذا - يعنى جعفرا. » فلمّا مضى الرشيد أحرقه.

فمن غريب ما سمع من أمره

إنّ بعض الكتّاب قال: كنت أنظر في ديوان النفقات وما يخرج من الخزائن، فانتهيت يوما إلى ورقة، فيها:

« وفي هذا اليوم أخرج إلى الأمير أبي الفضل جعفر بن يحيى أدام الله كرامته ما أمر أمير المؤمنين، بإخراجه إليه من الورق كذا، ومن العين كذا، ومن الفرش كذا، ومن الكسوة والطيب كذا، حتى بلغ ما مقداره ثلاثون ألف ألف درهم. » ثم تصفّحت الأوراق، فانتهيت إلى ورقة فيها:

« وفي هذا اليوم أخرج في ثمن البواري والنفط الذي أحرق به جعفر بن يحيى أربعة دراهم ونصف وربع. » وقال سلّام: لمّا دخلت على يحيى في ذلك الوقت وقد هتكت الستور وجمع المتاع قال لي:

« يا با سلمة، هكذا تقوم القيامة. » قال سلّام: فحدّثت بذلك الرشيد بعد ما انصرفت إليه، فأطرق وبقي مفكّرا.

ووجدت في بعض الكتب: أنّ البرامكة قصدت عبد الله بن مالك الخزاعي بالعداوة، وكان الرشيد حسن الرأي فيه، وكانوا يغرونه به حتى قالوا:

« لا بدّ من نكبته. » فقال: « ما كنت لأنكبه ولكني أبعده عنكم. » فقالوا: « ينفى؟ » قال: « لا، ولكني أوّليه ولاية دون قدره عندي وأخرجه إليها. » فرضوا بذلك، وكتبوا له على حرّان والرها فقط، وأمروه عن الخليفة بالخروج، قال عبد الله: فودّعتهم واحدا واحدا حتى إذا صرت إلى جعفر لأودّعه قال:

« ما على الأرض عربيّ أنبل منك يا با العبّاس، يغضب عليك الخليفة فيولّيك. » قلت: « فما ذنبي حتى غضب، وأيّ شيء جزاء ذنبي الذي ترضى أن يعمل بي؟ » فاستشاط من قولي ثم قال:

« ينبغي أن يضرب وسطك وتصلب نصفا في جانب ونصفا في جانب آخر. » فنهضت من عنده مغضبا، وأقبلت أتردد في أمري، إلّا أنّى لم أجد بدّا من الخروج، فقطعت طريقي بالهمّ والغمّ لأنّى كنت لا آمنهم مع غيبتي عليّ بالسعاية بي. فبينا أنا عشية على باب الدار التي كنت نزلتها، جالسا على كرسيّ، إذ أقبل إليّ مولى لي، فقال لي سرّا:

« قد قتل جعفر بن يحيى البرمكيّ. » فتوهّمت أنّه قد دسّه إليّ جعفر ليجد عليّ حجّة بكلام ينكبنى بها، فبطحته وضربته ثلاثمائة مقرعة، وحبسته بليلة طويلة على سطح دارى. فلمّا كان في السحر، إذا صوت حلق الحديد، فارتعت ونزلت عن السطح وقلت في نفسي:

إن هجم عليّ صاحب البريد فهي نكبة عظيمة وإن ترجّل واستأذن ففرح. فلمّا بصر بي صاحب البريد، ترجّل فطابت نفسي، ودفع إليّ كتابا من الرشيد يخبرني فيه بقتله البرامكة وقبضه عليهم، ويأمرنى بالشخوص إليه. فشخصت، فلمّا وصلت عاملني من الإنعام والإكرام ما زاد على أمنيّتى.

وخرجت، فأتيت الجسر، فوجدت جعفرا قد ضرب وسطه، نصفه من جانب والنصف الآخر من جانب آخر، فأكثرت حمد الله وعجبت من الصنع اللطيف ورجوع الكيد عليه.

قال أيّوب بن هارون بن سليمان: كنت أميل إلى يحيى وأنزل معه، فكنت معه تلك العشيّة، فلمّا كان في السحر وافانا خبر مقتل جعفر وزوال أمرهم، قال: فكتبت إلى يحيى أعزّيه، فكتب إليّ:

« أنا بقضاء الله راض، وبالخيار منه عالم، ولا يؤاخذ الله العباد إلّا بذنوبهم وما ربّك بظلّام للعبيد. » وأكثرت الشعراء في مراثيهم وأطالت.

وفي هذه السنة غضب الرشيد على عبد الملك بن صالح وحبسه

ذكر السبب في ذلك

كان لعبد الملك بن صالح ابن يقال له عبد الرحمن من رجال البأس له لسان على فأفأة فيه وكان كاتبه قمامة يصادقه فجرت بينهما وبين أبيه وحشة، فواطأ الكاتب قمامة، فسعيا به إلى الرشيد وقالا له:

« إنّه يطلب الخلافة ويطمع فيها. » فذكر أنّه دخل على الرشيد فقال له:

« أكفرا للنعمة وجحودا لجليل المنّة والتكرمة؟ » فقال: « يا أمير المؤمنين، لقد بؤت إذا بالندم، وتعرّضت لاستحلال النقم، وما ذاك إلّا بغى حاسد نافسني فيك مودّة القرابة وتقديم الولاية. إنّك يا أمير المؤمنين خليفة رسول الله ، في أمّته، وأمينه على عترته لك عليها فرض الطاعة وأداء النصيحة، ولها عليك العدل في حكمها والتثبّت في حادثها والغفران لذنوبها. » فقال له الرشيد:

« أتضع لي من لسانك وترفع لي من جناحك؟ هذا كاتبك قمامة يخبر عنك بغلّك وفساد نيّتك، فاسمع كلامه. » فقال عبد الملك:

« أعطاك ما ليس في عقده، ولعلّه لا يقدر أن يعضهنى ولا يبهتني بما لا يعرفه مني » فأحضر قمامة، فقال له الرشيد:

« تكلّم غير هائب ولا خائف. » قال: « نعم يا أمير المؤمنين، إنّه عازم على الغدر بك والخلاف عليك. » فقال عبد الملك:

« أهو كذلك يا قمامة؟ » قال قمامة: « نعم، لقد أردت ختل أمير المؤمنين. »

فقال عبد الملك:

« كيف لا يكذب عليّ من خلفي وهو يبهتني في وجهى؟ » فقال له الرشيد:

« وهذا ابنك عبد الرحمن يخبرني بعتوّك وفساد نيّتك ولو أردت أن أحتجّ عليك بحجّة لم أجد أعدل من هذين لك فبم تدفعهما عنك؟ » فقال عبد الملك:

« هو مأمور أو عاقّ مجبور. فإن كان مأمورا فمعذور، وإن كان عاقّا ففاجر كفور. أخبر الله بعداوته وحذّر منه بقوله: إنّ من أزواجكم وأولادكم عدوّا لكم فاحذروهم. » قال: فنهض الرشيد وهو يقول:

« أمّا أمرك فقد وضح، ولكني لا أعجل حتى أعلم الذي يرضى الله فيك، فإنّه الحكم بيني وبينك. » فقال عبد الملك:

« رضيت بالله حكما وبأمير المؤمنين حاكما، فإني أعلم أنّه يؤثر كتاب الله على هواه وأمر الله على رضاه. » فلمّا كان بعد ذلك جلس مجلسا آخر، فسلّم لمّا دخل فلم يردد عليه، فقال عبد الملك:

« ليس هذا يوما أحتجّ فيه، ولا أجاذب منازعا وخصما. » قال: « ولم؟ » قال: « لأنّ أوّله جرى على غير السنّة، فأنا أخاف آخره. » قال: « وما ذاك؟ »

قال: « لم تردّ عليّ السلام، أنصف نصفة العوامّ. » قال: « السلام عليكم اقتداء بالسنّة وإيثارا للعدل واستعمالا للتحيّة. » ثم التفت نحو سليمان بن أبي جعفر فقال وهو يخاطب بكلامه عبد الملك:

أريد حباءه ويريد قتلى ** عذيرك من خليلك من مراد

ثم قال: « أمّا والله لكأنّى أنظر إلى شؤبوبها وقد همع، وعارضها وقد لمع، وكأنّى بالوعيد قد أورى نارا تستطع، فأقلع عن براجم بلا معاصم، ورؤوس بلا غلاصم، فمهلا مهلا فبي سهل لكم الوعر، وصفا لكم الكدر، وألقت إليكم الأمور أثناء أزمّتها، ونذار لكم نذار قبل حلول داهية خبوط باليد، لبوط بالرّجل. » فقال عبد الملك:

« اتّق الله يا أمير المؤمنين فيما ولّاك، وفي رعيّته التي استرعاك، ولا تجعل الكفر مكان الشكر، ولا العقاب موضع الثواب، فقد نخلت لك النصيحة، ومحضت لك الطاعة، وسددت أواخى ملكك بأثقل من ركني يلملم، وتركت عدوّك مشغولا بنفسه. فالله الله في ذي رحمك أن تقطعه بعد أن بللته بظنّ أفصح الكتاب لي بغضه أو ببغى باغ ينهس اللحم، ويالغ الدمّ فقد والله سهّلت لك الوعور، وذلّلت لك الأمور، وجمعت على طاعتك القلوب في الصدور. فكم من ليل تمام فيك كابدته، ومقام ضيّق لك قمته، كنت فيه كما قال أخو بنى جعفر بن كلاب:

ومقام ضيّق فرّجته ** بلساني وبيانى وجدل

لو يقوم الفيل أو فيّاله ** زلّ عن مثل مقامي وزحل

ما ذكره زيد بن علي بن الحسين العلوي في الرشيد وحبسه ابن صالح

وذكر زيد بن عليّ بن الحسين العلويّ قال: لمّا حبس الرشيد عبد الملك بن صالح، دخل عليه عبد الله بن مالك وهو يومئذ على شرطه قال:

« أفي أذن أنا فأتكلّم؟ » قال: « تكلّم. » قال: « لا والله العظيم الرحمن الرحيم يا أمير المؤمنين، ما علمت عبد الملك إلّا ناصحا فعلام حبسته؟ » قال: « ويحك، أوحشنى حتى لم آمنه أن يضرّب بين ابنيّ هذين - يعنى الأمين والمأمون، فإن كنت ترى أن نطلقه من الحبس، أطلقناه. » قال: « أمّا إذا حبسته يا أمير المؤمنين فإني لست أرى في قرب المدّة أن تطلقه. ولكن تحبسه محبسا كريما يشبه محبس مثلك. »

قال: « فإني أفعل. » قال: فدعا الرشيد الفضل بن الربيع، فقال:

« امض إلى عبد الملك بن صالح إلى محبسه وقل له: انظر ما تحتاج إليه في محبسك. فآمر به أن يقام لك. » فذكر ما يحتاج إليه فأقيم له.

كلام بين الرشيد وابن صالح

وقال الرشيد يوما لعبد الملك بن صالح في بعض ما كلّمه:

« ما أنت لصالح. » قال: « فلمن أنا؟ » قال: « لمروان الجعديّ. » قال: « ما أبالى أيّ الفحلين غلب عليّ. » ولم يزل محبوسا حتى توفّى الرشيد فأطلقه محمّد وعقد له على الشام.

فكان مقيما بالرقّه وجعل لمحمّد عهد الله وميثاقه لئن قتل وهو حيّ لا يعطى المأمون طاعة أبدا. فمات قبل محمّد، فدفن في دار من دور الإمارة. فلمّا صار الأمر إلى المأمون أرسل إلى ابن له:

« حوّل أباك من دارى. » فنبش وحوّل.

استعلام الرشيد يحيى بن خالد في عبد الملك بن صالح

وكان الرشيد بعث في بعض أيّامه إلى يحيى بن خالد:

« أنّ عبد الملك بن صالح أراد الخروج عليّ ومنازعتي في الملك، وقد صحّ عندي ذلك، فأعلمني ما عندك فيه، فإنّك إن صدقتني أعدتك إلى حالك. » فقال:

« والله يا أمير المؤمنين، ما اطّلعت من عبد الملك على شيء من هذا، ولو اطّلعت عليه لكنت صاحبه دونك لأنّ ملك كان ملكي، وسلطانك كان سلطاني والخير والشرّ كان فيه عليّ، فكيف يجوز لعبد الملك أن يطمع في ذلك مني، وهل كنت إذا فعلت ذلك به يفعل بي أكثر من فعلك بي أعيذك بالله أن تظنّ بي هذا الظنّ. ولكنّه كان رجلا محتملا يسرّنى أن يكون في أهلك مثله فولّيته لما أحمدت من مهذبه، وملت إليه لأدبه واحتماله. » قال: فلمّا أتاه الرسول بهذا، أعاده إليه، فقال:

« إن أنت لم تقرّ عليه قتلت الفضل ابنك. » فقال له: « أنت مسلّط علينا فافعل ما أردت على أنّه إن كان من هذا الأمر شيء فالذنب فيه لي، فما يدخل الفضل في هذا. » فقال الرسول للفضل:

« قم، فإنّه لا بدّ لي من إنفاذ أمر أمير المؤمنين فيك. » فلم يشكّ أنّه قاتله، فودّع أباه وقال:

« ألست راضيا؟ » قال: « بلى، فرضي الله عنك. » ففرّق بينهما ثلاثة أيّام فلمّا لم يجد عنده في ذلك شيئا، جمعهما كما كانا.

وكان يأتيهم منه أغلظ رسائل لما كان أعداؤهم يقرفونهم به.

أسئلة وأجوبة بين الرشيد وعبد الملك بن صالح

وكان عبد الملك حاضر الجواب، جيّد الرويّة، وهو الذي قال للرشيد وقد مرّ به بمنبج مستقر عبد الملك. فسأله:

« أهذا منزلك؟ » قال: « هو لك يا أمير المؤمنين ولى بك. » قال: « كيف هو؟ » قال: « دون بناء أهلى، وفوق منازل منبج. » قال: « كيف ليلها. » قال: « سحر كلّه. »

انتقاض الصلح بين المسلمين والروم

وفي هذه السنة انتقض الصلح بين المسلمين وبين الروم لأنّ ملك الروم الذي كان صالح المسلمين على الجزية وحمل مال للصلح قتل وملك الروم نقفور.

وكان نقفور هذا من أولاد جفنة من غسّان، فلمّا ملك واستوسقت له الأمور، كتب إلى الرشيد:

« من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب أمّا بعد، فإنّ الملك الذي كان قبلي كان يحمل إليك من أمواله ما كنت حقيقا بحمل أمثاله إليه، فإذا قرأت كتابي فاردد ما حصل قبلك من أمواله وافتد نفسك بما تقع به المصادرة لك وإلّا فالسيف بيننا وبينك. » فلمّا قرأ الرشيد الكتاب، استفزّه الغضب حتى لم يمكن أحدا أن ينظر إليه دون أن يخاطبه، وتفرّق جلساؤه خوفا من زيادة قول يكون منهم، واستعجم الرأي على الوزير أن يشير عليه أو يتركه برأيه.

فدعا هارون بدواة وكتب على ظهر الكتاب:

« بسم الله الرحمن الرحيم، من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة، والجواب ما تراه دون ما تسمعه والسلام. » ثم شخص من يومه وسار حتى أناخ بباب هرقلة، ففتح وغنم واصطفى وأفاد واصطلم وخرّب وأحرق. فطلب نقفور الموادعة على خراج يؤدّيه كل سنة فأجابه إلى ذلك. فلمّا رجع من غزوته وصار بالرقّة نقض نقفور العهد وخان الميثاق، وكان البرد شديدا، فيئس نقفور من رجعته إليه، وجاء الخبر بارتداده عمّا أخذ عليه، فما تهيّأ لأحد إخباره بذلك إشفاقا عليه وعلى أنفسهم من الكرّة في مثل تلك الأيّام، فاحتيل له بشاعر فقال:

نقض الّذى أعطيته نقفور ** وعليه دائرة البوار تدور

في أبيات كثيرة. فلمّا فرغ من إنشاده، قال:

« أو قد فعل نقفور؟ » وعلم أنّ الوزراء قد احتالوا له في ذلك. فكّر راجعا في أشدّ محنة وأعظم كلفة حتى أناخ بفنائه فلم يبرح حتى رضى وبلغ ما أراد.

قتل عثمان بن نمهيك

وفي هذه السنة قتل إبراهيم بن عثمان بن نهيك.

ذكر السبب في ذلك

كان إبراهيم بن عثمان كثيرا ما يذكر جعفر بن يحيى والبرامكة، فيبكي جزعا عليهم وحبّا لهم إلى أن خرج من حدّ البكاء ودخل في باب طالبي الثأر والإحن، فكان إذا خلا بجواريه وشرب وقوى عليه النبيذ قال:

« يا غلام سيفي ذو المنيّة. » فيجيئه غلامه بالسيف، ثم يقول:

« وا جعفراه، وا سيّداه، والله لأقتلنّ قاتلك ولأثأرنّ برمك. » فلمّا كثر هذا من فعله جاء ابنه عثمان إلى الفضل بن الربيع، فأخبره بقوله.

فدخل الفضل، فأخبر الرشيد فقال:

« هاته. » فدخل، فقال:

« ما الذي قال الفضل عنك؟ » فأخبره بقول أبيه وفعله. » فقال له الرشيد:

« فهل سمع هذا أحد معك؟ » قال: « نعم، خادمه نوال. » فدعا خادمه سرّا، فسأله، فقال:

« قد قال غير مرّه. » فقال الرشيد:

« ما يحلّ لي أن أقتل وليّا من أوليائى بقول غلام وخصيّ لعلّهما تواطئا على ذلك بمنافسة الابن علي المرتبة، ومعاداة الخادم، وملله طول الصحبة. » فترك ذاك أيّاما، ثم أراد أن يمتحن إبراهيم بن عثمان بمحنة تزيل الشكّ عن قلبه، والخاطر عن وهمه. فدعا الفضل بن الربيع فقال:

« إني أريد محنة إبراهيم بن عثمان فيما رفع ابنه عليه، فإذا رفع الطعام فادع بالشراب وقل له: أحبّ أمير المؤمنين أن ينادمك إذ كنت منه بالمحلّ الذي أنت به، فإذا شرب، فانصرف وخلّنى وإيّاه. » ففعل ذلك الفضل بن الربيع، وقعد إبراهيم للشرب، ثم وثب حين وثب الفضل للقيام، فقال له الرشيد:

« مكانك يا إبراهيم. » فقعد، فلمّا طابت نفسه، أومأ الرشيد إلى الغلمان، فتنحّوا عنه، ثم قال:

« يا إبراهيم، كيف أنت وموضع السرّ منك؟ » قال: « يا سيّدي، إنّما أنا أدون عبيدك وأطوع خدمك. » قال: « إنّ في نفسي أمرا من الأمور أريد أن أودعكه، وقد ضاق صدري به وأسهرت له ليلى. » قال: « يا سيّدي، إذا لا يرجع عني إليك أبدا، أخفيه عن جيبي ونفسي. » قال: « ويحك، إني قد ندمت على قتل جعفر بن يحيى ندامة ما أحسن أن أصفها، فوددت أنّى خرجت من ملكي وأنّه كان بقي لي، فما وجدت طعم النوم منذ فارقته ولا لذّة العيش منذ قتلته. » قال: فلمّا سمعها إبراهيم أسبل دموعه وأذرى عبرته ولم يملك نفسه وقال:

« رحم الله أبا الفضل وتجاوز عنه، والله يا سيّدي، لقد أخطأت في قتله وأوطئت العشوة في أمره ولن يوجد في الدنيا مثله، وقد كان منقطع القرين زينا في الناس أجمعين. » فقال الرشيد:

« قم عليك لعنة الله يا بن الفاجرة. فقام ما يعقل ما يطأ، فانصرف إلى أمّه وقال:

« يا أمّ، ذهبت والله نفسي. » قالت: « كلّا إن شاء الله، وما ذاك يا بنيّ؟ » قال: « إنّ الرشيد امتحنني محنة. والله ولو كانت لي ألف نفس لم أنج بواحدة منها. » فما كان بين هذا وبين أن أدخل عليه فضرب بالسيف إلّا ليال وقتله.

ثم دخلت سنة ثمان وثمانين ومائة

ولم يجر فيها ما يثبت.

ودخلت سنة تسع وثمانين ومائة. شخوص الرشيد إلى الري وسببه

وفي هذه السنة شخص الرشيد إلى الريّ، وكان سبب ذلك أنّ الرشيد كان استشار يحيى في تولية عليّ بن عيسى بن ماهان، فأشار عليه ألّا يفعل، فإنّه غشوم، فخالفه الرشيد وولّاه إيّاها. فلمّا شخص عليّ بن عيسى إليها، ظلم الناس وعسف عليهم وجمع مالا جليلا، ووجّه إلى هارون منها هدايا لم ير مثلها قطّ من الخيل والرقيق والثياب والمسك والأموال. فقعد هارون بالشماسيّة على دكّان مرتفع حين وصل إليه ما بعث به عليّ إليه، وأحضرت تلك الهدايا فعرضت عليه فعظمت في عينه وجلّ قدرها عنده وإلى جانبه يحيى بن خالد، فقال له:

« يا با عليّ، هذا الذي كنت تشير علينا إلّا نولّيه هذا الثغر، فقد خالفناك فيه، فكان في خلافك البركة - وهو كالمازح معه وكان إذ ذاك على مرتبته الجليلة وموضعه اللطيف - فقد ترى الآن ما صحّ من رأينا فيه وفال من رأيك. » فقال يحيى:

« يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداءك أنا وإن كنت أحبّ أن أصيب في رأيي وأوّفق في مشورتي، فأنا أحبّ مع ذلك أن يكون رأى أمير المؤمنين أعلى، وفراسته أثقب، وعلمه أكثر من علمي، ومعرفته فوق معرفتي، وما أحسن هذا وأكثره إن لم يكن وراءه ما يكره أمير المؤمنين، وما أسأل الله أن يعيذه من سوء عاقبته وتباع مكروهه. » قال: « وما ذاك؟ » قال: « ذاك أنّى أحسب هذه الهدايا ما اجتمعت له حتى ظلم فيها الأشراف وأخذ أكثرها ظلما وتعدّيا، ولو أمرنى أمير المؤمنين لأتيته بأضعافها الساعة من بعض تجّار الكرخ. » قال: « وكيف ذاك؟ » قال: « قد ساومنا عونا على السفط الذي جاءنا به من الجوهر، فأعطيناه به سبعة آلاف ألف فأبى أن يبيعه. فابعث إليه الساعة بحاجبى، فأمر أن يردّه إلينا لنعيد فيه نظرنا فإذا جاء به جحدناه وربحنا سبعة آلاف ألف، ثم نفعل هذا بتاجرين من كبار التّجار، وعلى أنّ هذا أسلم عاقبة وأستر أمرا من فعل عليّ بن عيسى في هذه الهدايا بأصحابها، فأجمع لأمير المؤمنين في ثلاث ساعات أكثر من قيمة هذه الهدايا بأهون سعى وأيسر أمر وأجمل جباية كما جمع عليّ في ثلاث سنين. » فوقرّت في نفس الرشيد، وأمسك عن ذكر عليّ بن عيسى، فلمّا عاث عليّ بن عيسى بخراسان ووتر أشرافها فأخذ أموالهم واستخفّ برجالهم، خفّت رجال من كبرائها إلى الرشيد، وكتبت جماعة من كورها إلى أصحابها وقراباتها ببغداد، تشكو سوء سيرته وخبث طعمته ورداءة مذهبه وتسأل أمير المؤمنين أن يبدلها به من أحبّ من كفاته وأنصاره وأبناء دولته وقوّاده.

فدعا يحيى بن خالد، وشاوره في أمر عليّ بن عيسى وفي صرفه وقال:

« أشرّ عليّ برجل ترضاه لذلك الثغر يصلح ما أفسد الفاسق، ويرتق ما فتق. » فأشار عليه بيزيد بن مزيد، فلم يقبل مشورته.

ثم دخلت سنة تسعين ومائة

ظهور رافع بن الليث بسمرقند مخالفا هارون

وفي هذه السنة ظهر رافع بن الليث بن نصر بن سيّار بسمرقند مخالفا هارون وخالعا له، ونزع يده من طاعته.

ذكر السبب في ذلك

كان يحيى بن الأشعث بن يحيى الطائي تزوّج بخراسان بنتا لعمّه، وكانت ذات يسار، فأقام بمدينة السلام وتركها بسمرقند وبلغها أنّه قد اتّخذ أمّهات أولاد، وطال عليها أمره، فالتمست شيئا للتخلّص منه، فعيّ عليها وبلغ رافعا خبرها، فطمع فيها وفي مالها، فدسّ إليها من قال لها: إنّه لا سبيل لها إلى التخلّص من صاحبها إلّا أن تشرك بالله وتحضر لذلك قوما عدولا وتكشف شعرها بين أيديهم، ثم تتوب فتحلّ للأزواج، ففعلت ذلك وتزوّجها رافع، وبلغ الخبر يحيى بن الأشعث فرفع ذلك إلى الرشيد، فكتب إلى عليّ بن عيسى يأمره أن يفرّق بينهما وأن يعاقب رافعا بجلد الحدّ ويقيّده، ثم يطوف به مدينة سمرقند مقيّدا على حمار حتى يكون عظة لغيره.

فدرأ سليمان بن حميد الأزدي عنه الحدّ وحمله على حمار مقيّدا حتى طلّقها، ثم حبسه في حبس سمرقند، فهرب من الحبس ليلا من عند حميد بن المسيح وهو يومئذ على شرطة سمرقند، فلحقّ بعليّ بن عيسى ببلخ فطلب الأمان فلم يجبه عليّ إليه وهمّ بضرب عنقه، فكلّمه فيه ابنه عيسى بن عليّ، وجدّد طلاق المرأة، وإذن له في الانصراف إلى سمرقند، فانصرف إليها.

ووثب بسليمان بن حميد عامل عليّ بن عيسى فقتله. فوجّه إليه عليّ بن عيسى ابنه، فمال الناس إلى سباع بن مسعدة، فوثب على رافع فقيّده، واجتمع الناس عليه فقيّدوه ورأسوا رافعا وبايعوه، وطابقه من كان بوراء النهر، ووافاه عيسى بن عليّ بن عيسى، فلقيه رافع، فهزمه ثم قتله، فأخذ عليّ بن عيسى في فرض الرجال والتأهّب للحرب.

فتح الرشيد هرقلة بأرض الروم

وفي هذه السنة فتح الرشيد هرقلة بأرض الروم وكان دخلها في مائة ألف وخمسة وثلاثين ألف مرتزق سوى الأتباع وسوى المطوّعة ومن لا ديوان له. ووجّه داود بن عيسى بن موسى سائحا في أرض الروم في سبعين ألفا، وأخرب هارون الرشيد هرقلة وسبى أهلها بعد مقام ثلاثين يوما عليها، وولّى حميد بن معيوف سواحل بحر الشام إلى مصر فبلغ حميد قبرس، فهدم وحرّق وسبى من أهلها ستّة عشر ألفا فأقدمهم الرافقة فتولّى بيعهم أبو البختري القاضي، فبلغ أسقف قبرس ألفى دينار، وبعث نقفور إلى الرشيد بالخراج والجزية عن رأسه ووليّ عهده وبطارقته وأهل بلده خمسين ألف دينار، منها عن رأسه أربعة دنانير، وعن رأس ابنه دينارين، وعن الباقين على حسب مراتبهم.

كتاب نقفور لهارون في جارية من سبى هرقلة

وكتب نقفور مع بطريق من بطارقته في جارية من سبى هرقلة كتابا نسخته:

« لعبد الله هارون أمير المؤمنين من نقفور ملك الروم، سلام عليك، أمّا بعد، أيّها الملك، إنّ لي إليك حاجة لا تضرّك في دينك ولا دنياك، هيّنة يسيرة أن تهب لابني جارية من بنات أهل هرقلة قد كنت خطبتها على ابني، فإن رأيت أن تسعفنى بحاجتي فعلت، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. » واستهداه طيبا وسرادقا من سرادقاته.

فأمر الرشيد بطلب الجارية فأحضرت وزيّنت وأجلست على فراش في مضربه الذي كان نازلا فيه، وسلّمت الجارية والمضرب بما فيه من الآنية والمتاع إلى رسول نقفور وبعث إليه أيضا بما سأل من العطر، وبعث إليه من التمور والزبيب والأخبصة والترياق. فسلّم ذلك إليه رسول الرشيد فأعطاه نقفور وقر دراهم إسلاميّة وحمله على بزدون كميت، فكان مبلغ المال خمسين ألف درهم، ومائة ثوب ديباج، ومائتي ثوب بزيون، واثنى عشر بازيّا، وأربعة أكلب من كلاب الصيد، وثلاثة براذين.

وكان نقفور اشترط ألّا يخرّب ذا الكلاع، ولا صملّة، ولا حصن سنان، واشترط الرشيد عليه إلّا يعمر هرقلة، وعلى أن يحمل نقفور ثلاثمائة ألف دينار.


 
*
تمّت المجلّدة الثالثة والحمد لله ربّ العالمين وصلواته على محمّد النبي وآله الطاهرين أجمعين.
ويتلوه في المجلدة الرابعة: « ثم دخلت سنة إحدى وتسعين ومائة. » فرغ من انتساخ هذه المجلّدة محمّد بن عليّ بن محمّد أبو طاهرين البلخي في جمادى الآخرة سنة خمس وخمسمائة.
فرغ من انتساخه الحسن بن منصور في جمادى الآخرة سنة سبع وثلاثين.
فرغ من انتساخه ابنه محمّد بن الحسن بن منصور ثامن عشر من جميدى (كذا) الآخرة سنة إحدى وخمسين وخمسمائة.


تجارب الأمم لمسكويه
المجلد الأول | المجلد الثاني | المجلد الثالث | المجلد الرابع | المجلد الخامس | المجلد السادس | ذيل تجارب الأمم للروذراوري | الملحق بذيل الروذراوري لهلال الصابئ