مجلة الرسالة/العدد 201/في التاريخ السياسي

مجلة الرسالة/العدد 201/في التاريخ السياسي

ملاحظات: بتاريخ: 10 - 05 - 1937



الدبلوماسية الأوربية في طورها الجديد

بقلم باحث دبلوماسي كبير

اجتازت الدبلوماسية الأوربية منذ نهاية الحرب الكبرى ثلاث مراحل: الأولى مرحلة التصفية وهي التي شغلت فيها الأمم الظافرة والمهزومة معا بتصفية التركة الفادحة التي خلفتها الحرب، واحتملت الدول المهزومة معظم تبعاتها وأَعبائها. والثانية يمكن تسميتها بمرحلة عصبة الأمم ولوكارنو، وهي المرحلة التي اشتد فيها ساعد العصبة بمؤازرة الدول الظافرة وانضمام ألمانيا المهزومة إليها لأول مرة بعد أن قامت بتأدية معظم الأعباء والمغارم التي فرضت في معاهدة الصلح؛ وفي أثنائها أيضا تقدمت فكرة السلامة المشتركة تقدما عظيما، فعقد ميثاق لوكارنو لتأمين سلامة حدود الرين بين ألمانيا وفرنسا وبلجيكا، وعقد مؤتمر نزع السلاح واستمر حيناً يباشر أعماله، وعقد ميثاق تحريم الحرب الذي اقترحته أمريكا على دول العالم، وقد استمرت هذه المرحلة حتى سنة 1932. والمرحلة الثالثة، مرحلة السياسة القومية العنيفة، وعود الدبلوماسية الأوربية إلى أساليبها القديمة من عقد المحالفات والمواثيق العسكرية الظاهرة والخفية، وتكوين الجبهات الخصيمة، والتسابق في التسليح، وهذه هي المرحلة التي تجتازها أوربا اليوم.

ولاشك أن هذه المرحلة هي أخطر وأدق مرحلة انتهت إليها الدبلوماسية الأوربية مذ عقدت معاهدة الصلح (معاهدة فرساي) ولاشك أيضاً أنها تسير بأوربا إلى موطن الفصل

وتنقسم أوربا اليوم إلى معسكرين واضحين هما معسكر الدول الفاشستية التي تتخذ شعارها القومية المتطرقة والعسكرية المتوثبة والتسليح الشامل، وقوام هذه الكتلة إيطاليا الفاشستية وألمانيا النازية. ومعسكر الدول الديمقراطية إذا صح التعبير، وشعارها السلام المسلح، والاستعداد لدفع الاعتداء الذي قد يقع عليها من الدول الفاشستية، وقوام هذه الكتلة إنكلترا وفرنسا تؤازرهما روسيا السوفيتية.

وهذا التطور الحاسم في سير الدبلوماسية الأوربية، وتحولها من ميدان التعاون السلمي الذي عملت فيه من قبل إلى ميدان التنابذ والخصومة المسلحة يرجع قبل كل شيء إلى عنف الفاشستية الإيطالية والألمانية والى شهواتها وأطماعها المغرقة وإلى اعتدادها بالقوة المادية الغاشمة؛ بيد أن الفاشستية تلقي التبعة في ذلك على الدول الديمقراطية وعلى ما أبدته من الأثرة في استخلاص المغانم الاستعمارية والاقتصادية لنفسها دون إيطاليا وألمانيا، ودفعهما بهذا التصرف إلى خطة العنف واليأس التي تلجأن إليها

وتستقبل الدبلوماسية الأوربية عهدها الجديد بسلسلة من الأحداث والظواهر الجديدة؛ أولها وأهمها انهيار ميثاق لوكارنو نهائياً، بعد أن نقضته ألمانيا من جانبها في العام الماضي؛ وانحلال التحالف الصغير في شرق أوربا بعقد الميثاق الإيطالي اليوجوسلافي؛ وتوثق العلائق بين السياستين الفرنسية والبريطانية؛ وفتور العلائق بين تركيا وروسيا السوفيتية، وتقدمها في الوقت نفسه بين تركيا وإيطاليا وتقوية الجبهة الإيطالية الألمانية واشتداد ضغطها في وسط أوربا وفي شرقها

وقد كان عقد الميثاق الفرنسي الروسي في أوائل العام الماضي أول نذير بانهيار الأوضاع القائمة، ففي 7 مارس سنة 1936، أعلنت ألمانيا نقضها لآخر الشروط العسكرية التي فرضت عليها في معاهدة الصلح وهي الخاصة بتجريد منطقة الرين من التسليحات والتحصينات، وأعلنت في نفس الوقت نقضها لميثاق لوكارنو، بحجة أن الميثاق الفرنسي الروسي قد عقد بقصد تهديدها وتطويقها وأن عقده مخالف لما كفلته نصوص ميثاق لوكارنو من سلامة الحدود الألمانية الفرنسية على الرين؛ وكان تصرف ألمانيا ضربة قاضية لهذا الميثاق الذي علقت عليه أوربا والعالم كله يوم عقده أعظم الآمال، ولم تلبث بلجيكا وهي إحدى الدول الموقعة عليه، والتي تستمد سلامة حدودها من نصوصه، أن رأت أيضاً أن تتحرر من تبعاته، فأعلنت سياسة الاستقلال والحياد الجديدة التي انتهت أخيراً بصدور تصريح بريطاني فرنسي يحررها من تبعاتها المترتبة عليها في ميثاق لوكارنو، مع استبقاء تعهد فرنسا وبريطانيا من جانبهما بالدفاع عن البلجيك في حالة الاعتداء عليها؛ وهكذا انهارت دعائم هذا الميثاق الذي كان دعامته السلام في غرب أوربا، وحلت مكانه حالة جديدة لم يتضح مداها بعد؛ على أن هنالك حقيقة لا ريب فيها، هو أن، انهيار ميثاق لوكارنو، وما اقترن به من مضاعفة التسليح الألماني، وتقدم التفاهم بين ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشستية كان عاملاً في إذكاء استعدادات فرنسا وبريطانيا العسكرية، وفي توثق العلائق بينهما وكان للمسألة الحبشية أثرها القوي في التقرب بين إيطاليا وألمانيا، وتوجيه الأوضاع الجديدة للدبلوماسية الأوربية، فقد رأت إيطاليا بعد الذي لقيته أثناء اعتدائها على الحبشة من خصومة بريطانيا، أن تنسلخ نهائياً عن كتلة الدول الغربية، وأن تتقرب إلى ألمانيا النازية التي تؤمن بمثل مبادئها العسكرية العنيفة، والتي أيدتها وآزرتها خلال الأزمة الحبشية لأنها تجيش بمثل مطامعها الاستعمارية. وقد أثمر هذا التقرب بين الدولتين الفاشستيتين ثمرته في أوربا الوسطى وأوربا الشرقية؛ وتبدو نتائج هذا التطور واضحة في موقف إيطاليا نحو النمسا ومسألة انضمامها إلى ألمانيا (الآنشلوس)، فقبل التقرب الألماني الإيطالي، كانت إيطاليا تعارض هذا الانضمام بكل قوتها، وتعلن أنها مستعدى لتأييد الاستقلال النمسوي بالقوة المادية إذا اقتضى الأمر، ومازلنا نذكر موقفها في سنة 1934 حينما وقعت الثورة النازية في النمسا، فقد حشدت بعض قواتها على الحدود النمسوية استعداداً لمقاومة أي حركة تقوم بها ألمانيا في سبيل الاستيلاء على النمسا. أما اليوم فإن السياسة الإيطالية حسبما تبين من مباحثات الدكتور شوشنج المستشار النمسوي والسنيور موسوليني، لا تريد أن تذهب في سبيل تأييد النمسا إلى هذا الحد، خصوصاً وأنها ترى مسألة الضم إلى ألمانيا بعيدة الحدوث في الوقت الحاضر؛ وتحاول السياسة الإيطالية فوق ذلك أن تباعد بين النمسا وتشيكوسلوفاكيا التي تربطها بروسيا علائق وثيقة. ومن جهة أخرى فإن التحالف الصغير المكون من تشيكوسلوفاكيا ورومانيا ويوجوسلافيا قد تصدعت أسسه من جراء التقرب بين يوجوسلافيا وإيطاليا وارتباطهما بميثاق صداقة وتفاهم؛ وهذا الميثاق الجديد فضلاً عن كونه يلطف حدة التنافس بين الدولتين، يمهد لنفوذ إيطاليا في البلقان؛ وهنا تصطدم جهود السياسة الفاشستية والسياسة النازية، ذلك أن ألمانيا تريد أيضاً أن تمكن لنفوذها في البلقان، وأن تستأنف زحفه القديم نحو الشرق؛ ولكن إيطاليا استطاعت أن تسبقها في هذا الميدان على ما يلوح، وذلك بعقد الميثاق اليوجوسلافي، والتقرب إلى تركيا الكمالية تقرباً ربما أسفر في القريب العاجل عن عقد ميثاق بين الدولتين؛ كذلك تتودد إيطاليا إلى اليونان وتعمل على توثيق العلائق معها

وهكذا تنشط السياسة الفاشستية للعمل السريع الحاسم في حوض الدانوب وفي شرق أوربا؛ وتعمل السياسة النازية من جانبها، في نفس الميدان، في الحدود التي خصصت لنفوذها فيما يسمونه (محور برلين رومه)، وتعمل بالأخص في المجر ورومانيا، هذا عدا محاولاتها في النمسا؛ وترمي إيطاليا بهذه الجهود الدبلوماسية المتواصلة إلى تأمين مكانتها وسلامها في شرق البحر الأبيض المتوسط لكي تتفرغ إلى العمل في هذا البحر، ضد بريطانيا العظمى وضد ما تدعيه لنفسها فيه من السيادة البحرية، ولتحقق ما تزعمه لنفسها من الأطماع الاستعمارية؛ وترمي ألمانيا النازية بالعمل في شرق أوربا وفي البلقان إلى تكوين جبهة موحدة ضد روسيا السوفيتية بيد أنه يشك كثيراً فيما إذا كانت ألمانيا تفيد من هذه الجهود ضد المارد الروسي العظيم

ويجب أخيرا ألا ننسى المشكلة الأسبانية الشائكة، وما كان لها من أثر في هذا التطور الجديد في سير الدبلوماسية الأوربية؛ وسيكون لنتائج الحرب الأهلية الأسبانية متى استقرت نهائياً أثرها العميق أيضاً في توجيه الأوضاع السياسية الجديدة في غرب أوربا

وقد أدركت الدولتان الغربيتان الكبيرتان، أعني بريطانيا العظمى وفرنسا، ما تقتضيه هذه العوامل والظروف الجديدة من تغيير عميق في سياستيهما، وخصوصاً إزاء ما تبديه الدولتان الفاشستيتان أعني إيطاليا وألمانيا من نشاط متواصل في الاستعدادات العسكرية؛ فأما فرنسا فقد اقتنعت بأن المواثيق والعهود الدولية لم تبق لها قيمة يعتمد عليها وأن ألمانيا النازية بعد أن حطمت كل ما تبقى من عهودها في معاهدة الصلح وفي لوكارنو، وأخذت تستأنف قواها العسكرية القديمة، لا يمكن ردها وكبح جماح عدوانها وأطماعها إلا بمضاعفة الاهبات العسكرية، وهذا ما تفعله اليوم هي وحليفتها روسيا السوفيتية التي تحذر من عدوان ألمانيا مثل ما تحذر فرنسا؛ وأما بريطانيا العظمى، فقد اقتنعت بعد مأساة الحبشة بانهيار فكرة السلامة المشتركة وعبث الاعتماد عليها في رد الاعتداء المدبر، وأدركت ما يهدد سلامة الإمبراطورية البريطانية من جراء ظهور الفاشستية الإيطالية بمظهر الظافر المتحفز؛ فأخذت تستدرك بسرعة مدهشة ما فاتها من الاهبات العسكرية، ووضعت برنامجاً هائلاً للتسليح يكفل لها تفوقها القديم في البحر والهواء ويمكنها من أن تعود فتملي كلمتها وإرادتها على أولئك الذين يتحرشون بها ويحاولون تحديها ومنافستها، وتزداد العلائق توثقا بين الدولتين الغربيتين الكبيرتين، يجمع بينهما الخطر المشترك، والمصالح المشتركة، وروابط الديموقراطية وهكذا تعود أوربا إلى ما كانت عليه قبل الحرب: معسكران خصيمان يعمل كل منهما لإحراز التفوق في الاهبات العسكرية، ويسيطر كل منهما بنفوذه على عدد من الدول الصغيرة؛ وهذان هما معسكر الفاشستية، تقوده ألمانيا وإيطاليا، ومعسكر الديموقراطية تقوده بريطانيا وفرنسا؛ وهكذا تعود الدبلوماسية الأوربية إلى وسائلها القديمة من عقد المحالفات العسكرية والمعاهدات السرية والاعتماد على القوة الغاشمة

(* * *)