مجلة الرسالة/العدد 316/جناية أحمد أمين على الأدب العربي

مجلة الرسالة/العدد 316/جناية أحمد أمين على الأدب العربي

مجلة الرسالة - العدد 316 المؤلف زكي مبارك
جناية أحمد أمين على الأدب العربي
ملاحظات: بتاريخ: 24 - 07 - 1939


للدكتور زكي مبارك

- 7 -

يشهد الأستاذ أحمد أمين على نفسه فيقول:

(أين الشعر العراقي الذي تجد فيه الشعراء يتغنون بمناظر العراق الطبيعية، ويصفون فيه أحداثهم الاجتماعية؟ وأين الشعر الشامي أو المصري أو الأندلسي الذي يشيد بذكر مناظر الطبيعة وأحوال الاجتماع للشام ومصر والأندلس؟ إنك تقرأ الشعر العربي فلا تعرف إن كان هذا الشعر لمصري أو عراقي أو شامي إلا من ترجمة حياة الشاعر. أما القالب كله فشيء واحد، والموضوع كله واحد: مديح أو رثاء أو هجاء أو نحو ذلك ما قاله الجاهليون).

ذلك كلام أحمد أمين، نقلناه بالحرف حتى لا نُتهم بالتزيد عليه فهل رأيتم أغرب من هذا الكلام؟ يعتقد أحمد أمين أن شعراء العراق لم يصفوا مناظر بلادهم الطبيعية ولم يصفوا أحداثهم الاجتماعية.

ولو أنه كان اطلع على الشعر العراقي في عهوده الماضية، وهي التي تعنيه، لعرف أن شعراء العراق لم يفرطوا في الحديث عن أنهارهم وبساتينهم، ولم يتركوا صغيرة ولا كبيرة من شؤون المجتمع إلا أفردوها بحديث خاص، وأخبار الفتن والثورات تشهد بذلك.

لو كان أحمد أمين اطلع على الشعر العراقي لعرف أن العراقيين فُتنوا بمناظر بلادهم أشد الفتون. وهل يعرف قراء العربية نهراً أسير ذكراً من الفرات؟

ألا يكفي أن يكون الشاعر الذي قال:

يا ليت ماء الفرات يخبرنا ... أين استقلت بأهلها السفنُ

وقد فُتن العراقيون بطبيعة العراق فوصفوا الحمائم السواجع وتفننوا في وصف الليل، وأجادوا في وصف الأزهار والرياحين، وأسهبوا في وصف الملاحة والصباحة والجمال، وكادوا يتفردون بالتفوق في وصف مجالس الأنس والشراب.

وكلِف شعراء العراق بوصفهم بواديهم وحواضرهم، ولهم أوصاف كثيرة في الديارات وحيوات الرهبان، وهل أقيم في أديم العراق دير غفل عن وصفه الشعراء؟ لو كان أحمد أمين من المطلعين لعرف أن العراقيين أحبوا الطبيعة أصدق الحب، فهم الذين أذاعوا في الناس معاني الشغف بالوجود، وهم أصدق من وصف الجآذر والظباء، وكانوا ولا يزالون أقدر الناس على تذوق ما في الحياة من بؤس ونعيم

هل نسي أحمد أمين أن طبيعة العراق هي التي أنطقت من يقول:

عيون المها بين الرصافة والجسر ... جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري

إن العراق الشاعر لا ينتظر حكم أحمد أمين، فقد رقم أمجاده الشعرية فوق جبين الزمان. وهنا أستشهد بقول الشاعر علي الجارم في خطاب دجلة:

نبت القريض على ضفا ... فِك بين أفنان الورودِ

وهي كلمة صدق في شاعرية العراق.

لقد وصف العراقيون كل شيء من مظاهر الطبيعة في العراق حتى الحيات والثعابين والعقارب والزنابير والبراغيث!

وأحمد أمين هو المسؤول عن إيراد الشواهد لأنه من أساتذة الأدب بالجامعة المصرية.

ويقول هذا الرجل إن العراقيين لم يصفوا أحداثهم الاجتماعية

وأقول إن شعراء العراق يمتازون بالجرأة في وصف أحداث المجتمع، وفي العراق مات مئات من الشعراء مسمومين أو مقتولين بسبب الجهر بكلمة الحق في وصف الأحداث الاجتماعية، وما قامت في العراق دولة أو سقطت دولة بدون أن تظفر بقصيدة أو قصائد من أولئك الشعراء الذين كانت أشعارهم موازين في الحياة السياسية.

وهنا أذكر مسألة سيحتاج إليها أحمد أمين حين يؤرخ الحياة الأدبية في العراق لعهد بني العباس

يجب أن يكون مفهوماً عند كل أديب أن الدواوين التي تحفظ أشعار أهل العراق لا تمثل الحياة الشعرية لأهل العراق تمثيلاً صحيحاً، فالذي بقي من أشعار أهل العراق هو الجزء الذي سمحت له السلطات السياسية أن يعيش. وأكاد أجزم بعد أن خبرت حياة العراق أن الثروة الشعرية هناك ضاعت منها أشياء كثيرة جداً بسبب الخوف من المسيطرين على الحياة السياسية والاجتماعية.

وقد اهتديت إلى ذلك، وأنا أدرس العصر الذي عاش فيه الشريف الرضي: فقد تبينتُ أن العراق في ذلك العصر عرف لونين من الحياة: حياة السر وحياة العلانية. وتيقنت أن الشريف ضاع من حياته الشعرية نحو عشرين سنة بسبب التخوف من عواقب الجهر بكلمة الحق.

وقد صح عندي أن الشريف الرضي هو شاعر الثورة على الاستبداد

ولكن شواهد هذا الجانب من حياته الشعرية قد ضاعت

وهل بقيت أشعار بشار في الثورة على رجال السياسة وأقطاب المجتمع؟

هل بقيت أشعار ابن الرومي في الحقد على معاصريه من الحكام والوزراء؟

لقد بقي منها ما جازت روايته، وذهب شعره اللاذع إلى غير معاد؟

وكيف غاب عن أحمد أمين أن فقهاء العراق أنفسهم قد اشتهروا في آرائهم بإيثار الرموز والكنايات؟

إن كان أحمد أمين ينكر أن شعراء العراق وصفوا الأحداث الاجتماعية فليشرح لنا كيف اتفق أن يموت كثير من شعراء العراق بالقتل والاغتيال

وهل يقتل الشاعر أو يغتال إلا بسبب الحرص على الجهر بكلمة الحق؟

وهل في آداب الأمم كلها أبرع سخرية من الشاعر الذي قال:

أنفوا المؤذن من دياركم ... إن كان ينفي كل من صدقا

وهو شاعر قد تأدب بأدب أهل العراق.

إن ديوان الشريف يصور أكثر ما وقع في العراق من الأحداث السياسية والاجتماعية في الشطر الأخير من القرن الرابع، ففيه نرى ما وقع لأقطاب الكتاب من الكوارث والخطوب، وفيه نرى كيف انتهت حياة الخليفة الطائع، وفيه نرى أخبار القتال الذي دار بين السنة والشيعة، وفيه نرى عدوان بني تميم على بعض أصدقاء الشاعر من الزعماء.

وما يقال عن ديوان الشريف الرضي يقال عن ديوان المتنبي فهو سجل لأكثر الحوادث التي وقعت في الشطر الأول من القرن الرابع. وهو تصوير لأكثر ما عرف من الأقطار العربية والإسلامية. وهو تاريخ لأكثر من اتصل بهم من الوزراء والرؤساء والملوك.

وهل يمكن أن يقال إن أشعار المتنبي وهو في حلب تشابه أشعاره وهو في مصر؟

إن القول بذلك لا يقع إلا من رجل مثل أحمد أمين يستدل بوحدة القوافي والأوزان على وحدة المعاني والأغراض.

وما رأي هذا الباحث المفضال في أشعار مسلم بن الوليد؟ هل خطر بباله أن عند هذا الشاعر قصائد تؤرخ بعض الوقائع الحربية؟

وهل توجّع الناس لمصرع المتوكل إلا بفضل رائية البحتري؟

وهل عرف الناس عزيمة المعتصم يوم عمورية إلا بفضل بائية أبي تمام؟

وبمناسبة هذين الشاعرين اللذين خدما الخلفاء في العراق ننتقل إلى شعراء الشام: فهم عند أحمد أمين لم يصفوا بلادهم ولم يصوروا ما وقع فيها من أحداث اجتماعية.

فهل يعرف أن شعراء الشام كانوا من أحرص الناس على وصف الطبيعة وأقدرهم على تعقب أحداث المجتمع؟

هل سمع أحمد أمين باسم شاعر يقال له الصنوبري أجاد كل الإجادة في وصف المناظر الطبيعية؟

هل يجهل أحمد أمين أن أبا فراس الحمداني سجل الصراع بين العرب والروم أروع تسجيل؟

هل ينكر أحمد أمين أن المعري وصف أحداث زمانه وصفاً نادر المثال؟

هل يعرف أحمد أمين أن شعراء الشام تغنَّوا بمحاسن بلادهم وأسرفوا حتى قيل إن الشام جنة الأرض؟

هل يعرف أحمد أمين أن اسم الغوطة شرق وغرب بفضل ما تغنَّى به أولئك الشعراء؟

هل يذكر أن الهيام بالوصف كاد يصير طبيعة شامية يشهد لها ما صنع البحتري حين وصف إيوان كسرى بالعراق؟

وهل يذكر أن قصيدة أبي تمام في وصف الربيع لا تقل روعة عن أعظم ما قال الأوربيون في الربيع؟

وهل يذكر أن مصاولة الذئاب والأسود لم توصف بأجمل مما صنع البحتري والمتنبي؟

وما رأي أحمد أمين في الصحراء؟

أليست الصحراء من الطبيعة يا حضرة الأستاذ؟

هي من الطبيعة بلا ريب. فهل تستطيع القول بأن شعراء الشام والعراق لم يصفوا الصحراء؟

وما رأي أحمد أمين في حيوان الصحراء؟

أليس من الطبيعة؟ هو من الطبيعة بلا ريب، وقد تعقبه شعراء الشام والعراق بالوصف والتحليل

إن أحمد أمين لا يرى الطبيعة إلا في الشجرة والزهرة، ولو قال هذا رجل غيره لقلنا إنه ينظر إلى الوجود نظرة عامية.

فهل يتفضل الأستاذ أحمد أمين فيدلنا عمن أخذ هذا التعريف؟

إن الطبيعة لها مظاهر كثيرة جداً، فهي تشمل الإنسان والحيوان والنبات والجماد، وهي تشمل كل ما تراه العيون، أو تحسه القلوب، أو تدركه العقول

فكيف جعلها مقصورة على الشجرة والزهرة؟

ومع ذلك هل قصر شعراء الشام والعراق في وصف الأشجار والأزهار؟

وكيف وهم الذين أذاعوا بين الناس أن النظر إلى الخضرة يزيد في نور العيون؟

هل يذكر أحمد أمين كم ألوفاً من المرات ذكرت الأشجار والأزهار والرياحين في أشعار أهل الشام والعراق؟

هل يستطيع أن يدلنا على شاعر واحد لم يوجه قلبه وشعوره إلى المظاهر الطبيعية؟

وهل يصير الرجل شاعراً إلا بعد أن ينطبع إحساسه بمظاهر الوجود؟

أترك هذه الجوانب وأنتقل إلى حكمه على الشعر المصري، فالشعراء المصريون في نظره لم يكونوا إلا مقلدين لشعراء الشام والعراق. . .

ولأحمد أمين في هذا الحكم الجائر عذر مقبول، لأنه لم يدرس الشعر المصري دراسة تمكنه من الحكم له أو عليه، فلو كان من المطلعين لعرف أن الشعراء المصريين وصفوا بلادهم وتحدثوا عنها بأقوى العواطف، وتغنوا بمحاسن بلادهم أجمل غناء.

وهل رأيتم شاعراً أحس الطبيعة كما أحسها ابن النبيه إذ يقول:

إذا نُشرتْ ذوائبهُ عليه ... حسبتَ الماَء رفَّ عليه ظلُّ

وهل في العربية شاعر صور أوهام بلده وما فيها من مختلف الأحاسيس كما صنع البها زهير؟ وهل عرفتم شاعراً شرب من كوثر الوجود كما شرب ابن الفارض؟ اسمع، يا صديقي أحمد أمين، فقد تواترت الأخبار بأنك ستدرس الأدب المصري في كلية الآداب، وليس من الكثير عليك أن تسمع النصيحة من رجل مثلي، فأنت تعرف منزلتك في قلبي، وتدرك جيداً أني أتمنى أن تكون من الموفَّقين!

إن الشعر المصري طراز خاص، وله مزايا تفرد بها بين الأشعار المعروفة في اللغة العربية؛ ولو أُلقيت قصيدة مصرية بين ألوف من القصائد، لعرف السامعون أن أزهارها تفتحت فوق شواطئ النيل. . .

وهل يستطيع - أحمد أمين - أن يقول بأن ديوان ابن نباته المصري تمكن إضافته إلى البحتري أو ابن الرومي أو مسلم ابن الوليد؟

إن أحمد أمين يصرح بأن الشعر العربي لا يدل على مواطن أصحابه إلا بعد النظر في تراجم الشعراء!

فهل يصح هذا القول في أشعار ابن نباته والبها زهير؟

وهل يصح ذلك في أشعار تميم بن المعز؟

وهل يصح ذلك في أشعار ابن النحاس وأشعار البوصيري؟

وهل يصح ذلك في أشعار عمارة اليمني، وقد عاش في مصر حيناً من الزمان؟

إن مصر قهرت من زارها من الشعراء على وصف ما فيها من طبائع وأخلاق، ولعلها كانت السبب في شهرة من زارها من الشعراء، فكيف يصح القول بأنها لم تتفرد بين الأمم العربية بخصائص شعرية؟

وهل يمكن القول بأن أغاريد صفي الدين الحلي وهو في مصر تشبه أغاريده وهو في العراق، أو أن أشعار ابن سناء الملك لا تدل دلالة صريحة على الوطن الذي عاش فيه إلا بعد الاطلاع على ترجمته؟

إن البارودي - وهو شاعر اصطنع مذاهب القدماء في الأخيلة والتعابير - تدل على مصريته لأول نظرة! فما بالك بالشعراء المصريين الذين استوحوا فطرتهم ولم يتابعوا شعراء بني أمية أو شعراء بني العباس؟

بقيت مسألة مفصلة بهذا المقال، ونحب أن نوفيها بعض ما تستحق من الشرح قبل أن نتكلم عن أحكامه على الأدب الأندلسي، وهي أحكام سيحاسَب عليها أشد الحساب! ما رأيُ حضرة الأستاذ في الأشعار العراقية والشامية والمصرية التي صورتْ ثورة أصحابها على الدنيا والناس؟

أيظن أن شعراء العصر الأموي والعباسي في تلك الأقطار تحدثوا عن زمانهم ودنياهم، كما تحدث الجاهليون؟

لقد نشأ في الشعر فنٌ يسمى (شكوى الزمان) فهل يراه من وصف المجتمع؟ أم يراه من الثورات النفسية؟

إن كان من وصف المجتمع؛ فهو ثروة عظيمة تنقض رأي أحمد أمين، وإن كان من الثورات النفسية فهو أيضاً من وصف المجتمع لأنه شرح لأسباب الثورة على الدنيا والناس

لو كان أحمد أمين كلف نفسه عناء الاطلاع على ديوان أو ديوانين قبل أن يصدر تلك الأحكام الخواطئ، لعرف أن من المستحيل أن تكون تلك الثروة الشعرية من لغو القول. فقد حفظ التاريخ الأدبي أكثر من مائة شاعر من الفحول في مصر والشام والعراق، وهؤلاء المائة - ولا نقول المئات - كانت لهم مذاهب في وصف الطبيعة، والتحدث عن المجتمع، والأنس بالحياة أو التبرم بالوجود

وكانت لهم بجانب الشعر فقرات نثرية صوروا فيها آرائهم في حياة المجتمع. وهل كانت رسائل الخوارزمي وبديع الزمان وابن وشمكير إلا صوراً للأحداث الاجتماعية والسياسية؟

وهل يحتاج الباحث إلى النص على أن الشعراء والكتاب كانت تراجمهم فرصة لدرس مشكلات السياسة والمجتمع؟

من الذي يقول بأن شعراء مصر والشام والعراق لم يشتركوا في توجيه بلادهم إلى الأغراض السياسية والاجتماعية؟ وهل كان الشعراء في تلك العهود إلا ألسنة السياسة والمجتمع؟

قد يقال: وأين تقع الأشياء التي تجافت عن السياسة والمجتمع؟

وأجيب بأنه ليس من المحتم أن تكون الأشياء كلها في السياسيات والاجتماعيات، إن صح أن وصف الدقائق الذوقية والوجدانية لا يمس المجتمع

ومن الذي يوجب أن تكون صورة المجتمع مقصورة على الصلات بين الفقراء والأغنياء، والحاكمين والمحكومين؟

إن الأمر في الشعر يرجع إلى عنصر واحد هو الصدق، وإذا صح أن الشاعر صادق الحس والعاطفة فمن حقه أن يتكلم كيف شاء وأن يصف من الأغراض ما يريد.

لقد اتفق لعمر بن أبي ربيعة أن يقف أشعاره على أهوائه الذاتية فهل يمكن القول بأن أشعار ابن ربيعة لا تمثل جوانب من المجتمع الذي عاش فيه؟

وكيف وهي تصويرٌ لثورة العواطف في موسم الحج، وتسجيل لبعض أهواء الناس في ذلك الحين؟

واتفق لأبي نواس أن يقصر أكثر شعره على الخمر والمجون، فهل كان ذلك إلا تمثيلاً لبعض أحوال المجتمع العراقي في ذلك العهد؟

واتفق لأبي العتاهية أن تكون أكثر أشعاره في الزهديات، فهل كان ذلك إلا تخليداً لمظاهر النزعات الروحية في ذلك الزمان؟

وما رأي الأستاذ أحمد أمين في أشعار الزهاد والنساك، وأشعار الماجنين والخلعاء؟ وما رأيه في أشعار الزنادقة والمرتابين؟

أليس ذلك كله تصويراً لأحوال المجتمع؟

وما رأيه في الأشعار التي قيلت في وصف الإخوان والأبناء والأزواج؟

أيراها أجنبية عن المجتمع؟

الحق أني أجاهد في غير ميدان، وأعارك في غير معترك، لأني أشرح البديهيات، وأقيم الأدلة على أن الجزء أصغر من الكل وأن الواحد نصف الاثنين!

ولكن هل كنت أملك أن أصنع غير الذي صنعت؟

إن جمهرة القراء لم تكن تعرف أن الأستاذ أحمد أمين يخطئ ثم يصرّ على الخطأ؛ ولم تكن تنتظر أن أهجم عليه وأنا الذي دافعت عنه في مجلة الرسالة يوم تجنى عليه بعض أدباء لبنان

وقد تفضل بعض أدباء العراق فدعاني إلى أن أنبه الأستاذ أحمد أمين إلى اهتمامه في الأيام الأخيرة بالدعوة إلى تعزيز اللغة العامية

فهل يظنون أني موكَّل بتقويم الأستاذ أحمد أمين؟ إن المهم هو تذكيره بعواقب ما يصنع في التجني على الأدب العربي وتخويفه من غضبة من وثقوا فيه يوم رأوه مشغولاً بالدراسات الإسلامية، وكان يستحق الثقة قبل أن يصنع بنفسه وبماضيه ما صنع

وتفضل فريق من الباحثين فقدموا إليَّ شواهد من أغلاط أحمد أمين في مؤلفاته ودعوني إلى عرضها في هذه البحوث النقدية

فليعرفوا - مشكورين - أني لا أستطيع ذلك، لأني لا أحب أن يسوء رأى الناس في مؤلفات أحمد أمين، برغم ما فيها من أغلاط، فقد عانى مثل الذي نعاني من أقذاء العيون تحت أضواء المصابيح

ليس من المهم أن نهدم الأستاذ أحمد أمين - فتلك غاية صغيرة - ولكن المهم أن نكف شره عن الأدب العربي وأن نزجر من يتطلع إلى مثل غرضه من عوام الباحثين

المهم أن يعرف الأستاذ أحمد أمين أن في مصر رقابة أدبية تصد الجامحين، وتهدي الحائرين، وهو يعرف في سريرة نفسه أني لا أهجم عليه إلا وأنا آسف محزون، لأنه كان مثالاً للصديق الأمين

وبعد مقال أو مقالين أو مقالات سأتركه ليتنسم هواء البحر وهو آمن بشواطئ الإسكندرية بين رفيف القدود وهدير الأمواج

(للحديث شجون)

زكي مبارك