مجلة الرسالة/العدد 323/هنري بوردو يتحدث عن هتلر

مجلة الرسالة/العدد 323/هنري بوردو يتحدث عن هتلر

ملاحظات: بتاريخ: 11 - 09 - 1939



للأستاذ ناجي الطنطاوي

إن فيليب باريس - في اعتقادي - أول صحفي بل أول كاتب فرنسي استطاع أن يجلو للناس مدى تأثر هتلر في شعبه، وبين لهم أن استيلاء هتلر على نفوس سامعيه وعمق أثر كلامه فيها ناتج عن أنه يشارك شعبه بؤسه وضيقه. يخطب في قدماء المحاربين الذين ذاقوا ويلات الحرب وأصلوا سعيرها، ويخطب في النساء اللواتي صبرن طويلاً على البؤس والشقاء في دورهن التي أقفرت من كل شيء، ويخطب في جميع أولئك الذين مسهم الفقر بنابه وتاقت نفوسهم إلى الخلاص منه، كان صوته الصاحل يدوي في الجموع المحتشدة دوي الجرس الناعي، ولكن وعود الخلاص والإنقاذ كانت تظهر على كل نبرة من نبراته. كان يعلنهم بما سيحدث في المستقبل القريب واثقاً مما يقول , لا يجهد نفسه بوضع النظريات والفروض، بل يستعيض عنها بخطة سهلة قريبة المنال، توصل إلى السعادة التي يحلم بها الرجال العاملون والنساء السذج

ولقد رأيت النساء الألمانيات يخضعن، وتذل نفوسهن أمام جاذبيته القوية. ولما رأيتهن وافرات الصراحة، رحت أحادثهن وأسألهن عنه، وانبرت واحدة منهن وافرة الجمال والذكاء من مدينة كولونية قدمت من برلين، وأخبرتني أنها حادثته على انفراد بعد (الأسبوع الأخضر) الذي جمع فيه الزعيم رجال الصناعات في كافة أنحاء البلاد الألمانية، ليبين لهم سبيل الاتفاق والتفاهم، وراحت تحدثني عنه قائلة:

- إنه دمث لين الجانب. لقد مثلت أمامه، وكان باستطاعتي أن أكلمه وأحادثه، ولكن الحياء عقد لساني؛ ولم أكن قد زورت في نفسي من قبل كلاماً ألقيه إليه.

سألتها:

- كيف بدا لك شخصه؟

فأجابتني قائلة:

- أن له عينين ساحرتين!

أجل! له عينان ساحرتان. . . هذا هو الجواب الذي أجبنني به جميعاً كيلا يعترفن بقبحه ودمامته. واجتمعت في هامبورغ بامرأة أخرى كانت تطيل الحديث عنه، وهي امرأة مسنة كثيراً ما تضطرها أعمال زوجها للرحيل إلى برلين؛ وكانت أوثق صلة بهتلر من سواها، فكانت تضيف إلى جمال عينيه الحزن والكآبة اللذين يبدوان عليه دائماً. وبدأت أعير الأسطورة الذائعة في ألمانيا انتباهي واهتمامي، تلك أنه لا يهدأ ولا يسر إلا بالعزلة. ولقد شاد في بافاريا داراً في الجبل كثيراً ما يأوي إليها ليخلو إلى تأملاته، وينتظر إلهاماته. وحدثني المرأة قائلة:

- ذهبت إليه في أحد أيام عيد الميلاد، ودعوته للتفضل بزيارتنا مؤكدة له أنه لن يستطيع قضاء ليلة العيد هذه إلا بين أطفال إحدى العائلات، فما كان منه إلا أن هز رأسه وأجابني بقوله:

(كلا، كلا، إنني سأمتطي سيارتي مساء اليوم وسأتغلغل في الغاب تحت الثلج فأكون بعيداً عن الناس معتزلاً بنفسي) فحضرتني الجرأة إلى أن أتقدم إليها بالسؤال عن صلته بالمساء، فكان جوابها أنه لا أثر لهن في حياته قط. ومضت في حديثها قائلة:

- وسألته في يوم آخر عن السبب الذي أفضى به للجنوح عن الزواج، فأجابني: (أوه، كلا، إنني ذو شعور مرهف وحس دقيق، ووقوع طفل واحد لي في المرض يحول بيني وبين المضي في أعمالي السياسية

وذكرت - لدى سماع هذا - أن هذا الرجل الحساس فد قتل يوم الثلاثين من يونيه عام 1935 ريهم فون كار، وأوبرفورن، وأوتوستراسر، والجنرال فون شليخر وامرأته، وكثيراً غيرهم، يبلغ عددهم زهاء سبع وسبعين نفساً. ولكنني ظللت مصغياً لحديثها اعتقاداً مني أنه من الواجب علينا أن نساير النساء في تفكيرهن إذا وددنا أن نقف على أسلوب التفكير لدى إحدى الأمم. . . قالت المرأة:

- ولما سألته هل يعتقد أن الحكم السائد بيننا هو الحكم الصالح، أجابني بقوله: (كلا، إننا نرفض كل حكم وراثي، إذ أن البنات لا الأبناء هن اللواتي يرثن عادة عبقرية الأب. إن التوريث هو خطأ الملكية)

فتذكرت فجأة هذا التعبير الجميل لمؤرخنا ألبير سوريل: (إن حياة أسرة المرء امتداد لحياته بعد موته، وحياة الأمة امتداد لحياة الأسرة بعد فنائها) وأنا أقول إن حياة الأمم التي يخلفها الملوك هي امتداد لحياتهم إن ماتوا هذا ما حدثتني به المرأة. أما الرجال فإن كلامهم عن هتلر لا يرافقه حماس كحماسها، إذ أن الناحبة العاطفية تختفي لديهم ويقدرون في الزعيم براعته في الإنشاء والبناء، براعة الرجل الذي أعاد للنظام حرمته بعد أن شوهته الاشتراكية، والذي قضى على البطالة بتمجيده العمل والنظام، والذي أعاد لألمانية كبرياءها وعزتها ومجدها، فعاشت مرفوعة الرأس بين الأمم، ولكن هل ترك الأمم الأخرى تحيا كذلك؟

إن هذه الإشارة الخفية إلى النمسا وتشيكوسلوفاكيا لا تترك أثراً، ذلك لأن المنطق الألماني لا يدخلهما في عداد الأمم

إن صاحب جريدة (دوتش فرانزوزيش غيزبلشاف) وهو الكونت آرنيم، هو من كبار الملاك، وتبلغ مساحة ملكه ستمائة هكتار. وليست هذه المساحة الشاسعة نادرة الوجود في ألمانيا الشمالية إذ أن الأرض هناك مجدبة وغير مقسمة كثيراً، وعدد الزراع هناك قليل، فيضطر المالكون للالتجاء إلى البولونيين، ففكرت - ولم أظهر ذلك - في فلاحنا الذي تحنو عليه الأرض حنو المرضعات على العظيم، وتقدم إليه الغذاء وفق اعتنائه بها، ورغم هذا نراه يذهب إلى المدينة، إلى الضجيج والنور

لقد تنبه الزعيم لهذه الهجرة، ورأى أن وقفها لا يتم إلا برفع منزلة الفلاح: فالبوير (الفلاح) هو عنوان فخري موقوف على تلك الأسر الألمانية ذات الدم الصافي التي تحرث الأربوف، والأربوف هذا هو الحقل الموروث الذي لا تقل مساحته عن مائة وخمسة وعشرين هكتاراً ليس من الجائز تقسيمها، وينتقل هذا الحقل بالإرث إلى الابن الذي يسميه الأب، وليس لديهم قانون الابن البكر، فالأب يختار وريثه بنفسه

إنني أتمنى وأرجو لبلادي قانوناً نيراً يربط الأسرة بالأرض ويثبتها بها كيلا تضطر للهجرة عنها، فالأرض التي تقسمها قوة القانون ليس باستطاعتها أن تؤمن حياة أسرة، وتضطر تلك الأسرة للهجرة والرحيل. وإن باب التوريث في القانون المدني يقضي على زراعة فرنسية، فيفقد فرنسة عقيدتها وإيمانها. يجب علينا حتماً أن نعيد النظر في القانون، وبعض الأنظمة الجديدة تراعي هذه الناحية، ولكنها مراعاة غير كافية

احتفلت ألمانية احتفالاً فخماً بذكرى بلوغ هتلر سن الخمسين فهو قد ولد إذن يوم العشرين من نيسان عام 1889 في بلدة ياسو؛ فلنحفظ هذه التاريخ لأنه من الممكن أن يجلو لنا تكونه العقلي. كان في العاشرة من عمره عندما حدثت في النمسا - وطنه الأول - فاجعة دينية يظن أن أثرها كان قوياً في خياله الطفلي وأن صورتها ظلت منقوشة في ذاكرته، وعلى الأخص لأن أستاذه اشترك فيها كما يغلب على الظن ولقد ذكرها دون ريب لما دخل فينا التي فتحها، وبراغ التي غلبها وأذلها. ولقد اطلعت على فصل جيد واف مكتوب بقلم جورج غويو عن الحياة الألمانية العقلية يكشف لنا عن هذه الناحية:

صدر في نيسان علم 1897 أمر الإمبراطور فرانسوا جوزيف باعتبار اللغة التشيكية في المحاكم والدوائر والكنائس لغة رسمية، وكانت اللغة الألمانية قبل صدور هذا الأمر هي اللغة الرسمية السائدة فثارت ثائرة الشعب، وقامت ثورة مسلحة كان أبطالها جرمانيو النمسا الذين ألقوا المسئولية على عاتق الكنيسة الكاثوليكية. وكتب أحد المحرضين إذ ذاك ويدعى شونيرير يوم 16 نوفمبر عام 1898 يقول:

(ألا فلنحطم القيود التي تربطنا بكنيسة معادية لألمانيا، لا نريد أن يسود التفكير المسيحي الأرض الألمانية. إن التفكير الجرماني هو وحده صاحب الحق بالسيادة فيها)

ومذ ذلك الحين بدت نظرية التوسع الجرماني في النمسا، بشكل جديد: أنت بروتستانتي. . . معنى هذا أنك ألماني، وكان يذهب المتطرفون إلى أبعد من هذا، حتى أن صحيفة شونيرير راحت تنادي صائحة: (لقد مررنا بفلسطين كما مررنا بروما لنشيد فيهل قبة الجرمانية) وراح شونيرير يهيب بمواطنيه إلى رفض قبول الدين المسيحي والعودة إلى حظيرة الوطنية الحق قائلاً: (يجب على كل فرد من مواطني أن يكون وطنياً ألمانياً لا بروتستانتياً مسيحياً. وسيؤرخ العصر الحديث منذ الآن موقعة (نوريا) بين الرومان والتوتيين قبل المسيح بمائة وثلاث عشرة سنة. ثم يقول جورج غويو: (يقول تاريخ ألمانيا الوطني بالحرف الواحد: إن اليوم الذي أدخل فيه القديس بونيفاس الدين المسيحي إلى ألمانية كان يوم حداد على جرمانية؛ وإن الأخلاق الألمانية الوطنية تعلمنا أن العقيدة الاسكندنافية القديمة التي تأمر بمقابلة اللطمة بلطمة مثلها كانت أرفع وأشرف من العقيدة المسيحية التي تذل الإنسان وتفسد خلقه عندما تأمره بتقديم خده الأيسر؛ وإن التربية الألمانية الوطنية التي تتخذ من الأبطال الجرمانيين القدامى مثلاً أعلى لها يجب احتذاؤه لا تفتأ تفخر بأسلوبها في التربية حتى يكاد يعتقد الإنسان إنها توافق طبيعته. وتفضل هذه التربية عبادة (ووتان) الإله الوطني على عبادة المسيح الدخيل. وبعد كل ذلك نرى الطقوس الألمانية الوطنية تحيي التقاليد الدينية التي كانت سائدة في الغابات القديمة، وذلك بعودتها إلى عادة تقديم الضحايا للشمس في زمني الانقلابين الصيفي والشتوي وحرقهم على ذرى الجبال. ومع هذا، إذا كان الجرمانيون أفضل شعوب الأرض ألا يكون إله المسيحيين قد استهان بهم وانتقص من أقدارهم باختياره شعباً غيرهم؟

وتملكت نفوس الألمانيين إذ ذاك رغبة صادقة في إنشاء دولة ألمانية موحدة يدين أفرادها بدين واحد هو دين (ووتان) وانقلبت الحركة الدينية إلى حركة سياسة.

(دمشق)

ترجمة ناجي الطنطاوي