مجلة الرسالة/العدد 390/شخصية الأزهر العلمية

مجلة الرسالة/العدد 390/شخصية الأزهر العلمية

ملاحظات: بتاريخ: 23 - 12 - 1940



للدكتور محمد البهي

لا أودّ هنا أن أحدد الشخصية القانونية للأزهر فذلك محله عند ما يتعرض لعلاقة الأزهر بغيره لتسهيل الفصل في أموره الخاصة كمؤسسة عامة، وإنما أقصد بيان العناصر التي تتكون منها شخصيته (كجامعة علمية)، وفي الوقت نفسه هي عدته التي ينزل بها ميدان الحياة ليحافظ بها على وجوده الخاص بهذا الوصف

قد يكون عطف الوالي على رجاله ورعايته له من أسباب قوته في وقت من الأوقات، وقد تكون شخصية شيخه إذا علت مكانتها وكانت محببة لدى كثير من نفوس الخاصة من أسباب قوته أيضاً في وقت من الأوقات كذلك، وقد يكون لنفر من علمائه إذا منحه الشعب نوعاً خاصاً من الإجلال والاحترام أثر في قوة الأزهر أيضاً.

ولكن هذه الأسباب خارجة عن شخصيته كمعهد للبحث والدرس العلمي وإن كانت من مقومات شخصيته الدينية لأن عطف الوالي مثلاً على رجاله لما لهم من الصفة الدينية، والاحترام الذي يمنحه الشعب لبعض علمائه لا شك أن القسط الأكبر منه راجع إلى معنى ديني معه، وسيبقى عطف الوالي عليه ما دام معهداً للدين، وسيبقى احترام الشعب لبعض دائر بين علمائه ما داموا ينتسبون للدين، إذ الوالي في بسط سلطانه النفسي على الشعب في حاجة إلى رجال الدين، والشعب أيضاً ما دام يعتقد يمنح احترامه للمشرف على شئون العقيدة، واعتقاد الشعب باق ما دام هناك شعب، فالأزهر من هذه الناحية لا يضمن وجوده الذاتي فحسب، ولكنه وجود عنيف في قوته يتلاشى عند الاصطدام به أي شيء آخر

ولست أعني أيضاً هذه الشخصية، إذ أن للأزهر وصفاً آخر وهو كما أنه معهد ديني هو معهد علمي، فله بجانب الشخصية الدينية شخصية أخرى علمية، وهذه الشخصية الأخيرة بكونها أفراد ولكن لا بوصف كونهم دينيين، بل بوصف كونهم علماء باحثين وإن تناول بحثهم فيما تناول الدين نفسه، وبكونها كتاب ولكن لا بوصف أنه مصدر للأحكام الدينية ولكن بوصف أنه يتضمن إنتاجاً علمياً خاصاً، وعلى عدد من العلماء الباحثين، وعلى قيمة إنتاجهم العلمي تختلف الشخصية العلمية قوة وضعفاً، فإذا وجدنا من بين الأزهريين في عصر من عصور تاريخه عدداً يمتاز بالبحث ورأينا لبحثه قيمة علمية دل ذلك على أن الأزهر له بجانب قوة وجوده الديني قوة أخرى لوجوده العلمي؛ وإن لم نجد بين رجال من له ولعلمه هذه الميزة كان اعترافنا بوجوده فقط لقوته الروحية الدينية، وهي أبدية خالدة، وأبديتها لا تتوقف على قيمة جوهرها في نظر العقل الإنساني لأنها وجدت فقط لانتسابها إلى شيء خارج عن نطاق الإنسان نفسه

وليس معيار البحث في كثرة الجمع أو الاختصار، وليست قيمته العلمية في الحفظ والتحصيل، بل في الاستقلال في التفكير في النقد الإيجابي. فكثرة عدد (العلماء) ووفرة مواد الدراسة وكثرة الكتب المتداولة في الدرس ليست عنواناً على وجود الشخصية العلمية، بل لا بد من أن نلمس في (العلماء) بوصف عام الاستقلال في التفكير، وتعثر في هذه المواد وتلك الكتب على شخصياتهم

وبهذه الشخصية العلمية فقط يمكن للأزهر أن ينافس غيره من الجامعات الدينية، وعلى نوعها يتوقف (مجاله الحيوي المدني) في الضيق والاتساع ونفوذه على الخاصة في الضعف والقوة. والذي يتولى شؤون الأزهر ننعته بالمصلح العلمي، لا من حيث أنه يغيّر من مواد الدراسة بالزيادة أو بالنقص، أو يعدل في النظام العام مثلاً، ولكن من حيث أن إشرافه كان ذا أثر في الإنتاج العلمي وفي تكوين الشخصيات الباحثة. لا ننعته بالمصلح العلمي لأن في عهده مثلاً يستطيع نفر من الأزهريين أن يخالف فهماً مألوفاً شائعاً في بعض الأحكام الفقهية الفرعية دون أن يتعرض الباقون منهم له بالأذى مجاملة له أو خشية منه، وإنما يستحق وصف المصلح العلمي حقاً إذا كان مبعث عدم التعرض من الباقين الاقتناع الذاتي بحرية التفكير وبجواز الاستقلال في التفكير، ولكنه لا يعدم في كلتا الحالتين أن يلقب (بشيخ الدين) أو بالزعيم الديني إذا قاد مع ذلك مدرسة دينية مخصوصة لها ميزة إيجابية في حياة الإنسان العلمية. فالإمام المرحوم الشيخ محمد عبده زعيماً دينياً أكثر منه مصلحاً علمياً، وإن كانت له شخصية العالم الباحث، لأن بحثه قام على النقد، وإنتاجه يمثل استقلالاً في التفكير إلى حد ما، على الأقل أكثر مما كان مألوفاً في عهده

وفي العشرين سنة الأخيرة من قرننا العشرين، أي في المدة التي أخذ فيها الجامع الأزهر لقب جامعة علمية وأصبح الوصف العلمي جزءاً من شخصيته القانونية نجد نزاعاً متكرراً يأخذ ألواناً مختلفة بين جامعة فؤاد الأول المدنية والجامع الأزهر يدور من جانب رجال الجامعة على أن الجامعة دون سواها هي موطن البحث العلمي، ومن جانب الأزهر على أن الأزهر يشارك الجامعة في هذا العمل. وبينما يعلل (الجامعيون) دعواهم باستقلالهم في التفكير في البحث - عن التقليد وما ورد من الثقافة الموروثة - إذ بكثير من الأزهريين يلجأ في تعليل المشاركة إلى نظام الكليات والتخصصات في الأزهر، وهو نظام جامعي. وكما يؤخذ على الفريق الأول عدم الدقة في تحديد معنى الاستقلال في التفكير، يؤخذ على الفريق الثاني التعليل بالشكليات. ويجب على الفريقين أن يجاوزا هذا ويحتكما إلى عمل الأستاذ نفسه.

ولكن ليس من السهل علينا نحن الأزهريين أن نحتكم إلى الأستاذ. وبالأخص إلى عمل النخبة من أساتذتنا، إلى عمل جماعة كبار العلماء - وهم أساتذة الأساتذة - لأن من العسير أن يطلع أجنبي عنهم على ما لهم من (رسائل) ومن هنا يصعب تقدير عملهم من الوجهة الفنية

والحكم على عملهم من عناوين رسائلهم فحسب لا يخلو من نقص. فعناوين كثير من رسائلهم وإن احتملت أن مضمونها جمع لمنثور أو اختصار لمطول أو لمعالجة مفككة لمسائل تافهة أي لا تشتمل على عمل علمي بالمعنى الصحيح، إلا أنها في ذاتها قد تكون - مع احتمال آخر - أبحاثاً مؤسسة على استقلال في التفكير ونوع من النقد العلمي.

فإلى أن تنشر رسائل جماعة كبار العلماء فينا - لأن عملهم وحده أمام التاريخ وأمام الحكم العدل هو الأساس الذي يبنى عليه الآن التقدير والاعتراف أو عدم الاعتراف بشخصية الأزهر العلمية - يجب علينا نحن الذين لم يصبحوا بعد من جماعة كبار العلماء، إما أن نسعى في أن نطلع غيرنا على أبحاثنا الشخصية، وبذا نكون علماء، أو نعمد إلى تناول عمل الجامعيين بالنظر العلمي فنؤمن بما يدعونه أو ندلهم على موضع الدعاية فيه

ومتى تنشر هذه الرسائل؟. . . علمه عند الجماعة نفسها!

محمد البهي

مدرس علم النفس والفلسفة

بكلية أصول الدين