مذكراتي عن الثورة العربية الكبرى/العودة إلى باريس


العودة الى باريس :

وأشير على الأمير بالعودة الى باريس الاتصال بالحكومة الفرنسية بعد أن تقرر اشتراكه في مؤتمر الصلح . وكانت عودتنا الها في ٦ كانون الثاني . ولقد نزل الامير في احدى - الفيلات » بشارع غابة بولونيا كما نزلت حاشيته في احدى الدور القريبة منها في أحد الشوارع الثانوية لأن « الفيلا » المذكورة لم تكن كافية لسكنانا جميعاً، بيد أن الأمير احتفظ الى جانبه برئيس مرافقيه نوري السعيد ومرافقه الخاص تحسين قدري . وكان همه الأكبر بعد الذي استيقن من موقف فرنسا وبريطانيا أن يسعى لنيل تعضيد الولايات المتحدة الامريكية في الحصول على استقلال العرب استناداً إلى ما كان ينادي به الرئيس ولسون في مبادئه من ان يكون للحق والعدالة المقام الأول في شروط الصلح ، وأن تراعي رغبات جميع الشعوب الحقة.

وجاء في خطاب ولسن لدن افتتاح مؤتمر السلم :

« ان ما تنفر منه العدالة ، هو أحلام الفتوحات والاستعمار ، وتبادل البلاد بين الدول ، كأن الشعوب ليست سوى أثاث ينقل لقد تغير الزمن فلم يبق الدبلوماسيون قادرين على الاجتماع لفرض ارادتهم على زاوية مائدة وتبديل خريطة العالم ، فاذا كان عليكم أن تعدلوا ثلث الخريطة ، فليكن تعديلها باسم الشعوب بشرط أن تعبروا بأمانة واخلاص عن أمانيها وتحترموا حق الائم صغيرة كانت أم كبيرة في حكم نفسها ويرشدكم لتحقيق هذا العمل العظيم العلم والتاريخ اللذان ينيران لكم السبيل » .

وقد اشترك في المؤتمر مع ممثلي الدول الكبرى مندوبو سبع وعشرين دولة آزرت الدول الكبرى في الحرب ، وهي لا تود إلا إلغاء سياسة العنف وتحقيق ما نادت به أمريكا بخصوص اقامة الحق مقام القوة وتأمين حرية الشعوب لتحكم نفسها بنفسها . ولذا لم يلق الامير صعوبة في تأمين العطف على قضية العرب.

ولكن من المؤلم أن دور هذه الدول في المؤتمر كان دور اصغاء للمناقشات ، لا لمناقشة الآراء ، ثم تلبية دعوة مجلس العشرة المؤلف من مندوبي الدول العظمى الخمس : أمريكا ، انكلترا ، فرنسا ، اليابان ايطاليا . ومما لاحظنا أن الكولونيل « هوز ، مساعد الرئيس ولسون ومندوبه الخاص أقوى شخصية في الوفد الاميركي حتى أن الرئيس ولسن لم يتردد في أن يصرح بأن المستر هوز شخصه الثاني . والحق ان الكولونيل هوز كان سياسياً ممتازاً يتحلى بدمائة الخلق والكياسة ، متواضعاً للغاية ، وكان من أكبر العاملين على اعلان الرئيس ولسن مبادئه الأربعة عشر ، لا سيما بعد أن استيقن من اختلاف الحلفاء وعدم الانسجام الدبلوماسي بينهم . فكل مندوب يسعى ليجترة أكبر قسط ممكن من المنافع الاستعمارية لحكومته ، متخذاً من الحق والعدالة ستاراً الى غاياته الطامعةز

وكان من حصيد ما تقدم أن الرئيس ولسن أدرك أن بريطانيا و فرنسا تخالفان وجهة نظره في تحقيق مبادىء العدالة والحق وتسيير سياسة العالم بعد الحرب على قواعدها . وانهما ما زالتا "تتبعان في سياستهما نهج الطمع والاستعار . ولذا راح يخالفهما ويبذل غاية جهده في فرض ارادة حكومته نصرة للشعوب الضعيفة ومساعدتها على تقرير مصيرها . وقد تجلى ذلك في الوقوف بوجه بريطانيا وفرنسا بما يتعلق بمستقبل البلدان العربية المنسلحة عن تركيا ، إذ ثبت في الدفاع عن مبدأ وجوب تقرير المصير حتى اضطر حليفتيه الى مجاراته والنزول على حكمه في عدم ترك قضية مستقبل البلاد العربية بعيدة عن مباحثات مؤتمر السلم . وهكذا تقرر في 30 كانون الثاني 1919 بأن لهذه البلاد حقها المشروع في تقرير مصيرها على أن تنتدب عليها جمعية الأمم . وقد أقر مجلس الحلفاء الأعلى عهد جمعية الأم بعد شهر دامجا قراره في المادة الثانية والعشرين من ميثاقهاز

وكان سمو الأمير يتهز كل فرصة ، رسمية كانت أو خاصة ، الاجتماع بالكولونيل هوز وتوطيد العلاقات الودية مع الوفد الامريكي . ولم يكن يجد في ذلك مشقة لما امتاز به أفراد هذا الوفد من صراحة وحرية .

ولما كان قد تقرر أن يكون الحجاز والعرب مندوبان في مؤتمر السلام ، فقد تم الاتفاق على أن يكون السيد محمد رستم المندوب الثاني مع الأمير بالنظر لدراسته الحقوقية والسياسية . وعين كل من نوري السعيد والدكتور قدري وعوني عبد الهادي أعضاء مساعدين للوفد الحجازي ليعملوا في لجان المؤتمر , وقد افتتح المؤتمر في ١٨ كانون الثاني ١٩١٩ في فرساي بين مظاهر العظمة والابهةز

وكان يسود جوه ، فکرتان متباينتان : الفكرة الاميركية ، وهي التي كان يرددها ولسن وترمي الى خلق نظام عالمي جديد مبني على الحق والعدل كما يسود السلام وينتفي الخصام . . . ثم فكرة رؤساء بقية الدول الكبرى التي تهدف الى احتلاب أقصى ما يمكنها من المنافع الاستعمارية متقيدة بما كانت أبرمته من المعاهدات السرية التي لم تقرها برلماناتها وكانت قد قطعت العهد لولسن بعدم اتباعها في أوائل عام ١٩١٧

وفي ٦ شباط بسط الامير مطالب العرب وهاجم بشدة تقسيم بلادهم وفق معاهدات سرية وجعلها مناطق نفوذ للدول العظمى ، وطالب باستقلالها ووحدتها ، ثم ارسال لجنة لاستفتاء أهلها بعد أن اتفق على ذلك الوفد الاميركي للتأكد من مطالب الأهلين ولدحض مدعيات الجمعيات المرتبطة بفرنسا أمثال جمعيات شكري غانم وجورج سمنه وغيرها مما فسح المجال لسماع أقوالها بالمؤتمر في ١٩١٩/٢/٣٠ وتكلم في المؤتمر بالتاريخ نفسه هوارد بلس رئيس الجامعة الاميركية في بيروت وقال بأن السوريين يودون الوحدة والاستقلال

ولما كانت الحكومة الفرنسية تود أن يكون لها ما يبرر مطالبتها بتحقيق اتفاقية سيكس – بيكو في سورية ولبنان فانها ألحقت بالأمير السيد قدور بن غبريط ليقنعه بقبول تقديم فرنسا لسورية مساعدات ما مهما كانت بسيطة قد تحتاج سورية اليها ، لتبرير موقفها أمام ولسن فقمت حاجزاً منيعا في هذا السبيل لانني كنت أعرف بصورة خاصة ما كان من نتيجة ذلك في تونس ومراكش . وكان الأخ جميل مردم بقي في فرنسا مدة الحرب وقد استطعت معرفة مقره آنذاك في مصح هاديء بضاحية باريس فاتصلت به حالاً ليكون ضيفا على الامير ، وسكنا معاً في منزلنا الخاص ، ولما كان شكري غانم على اتصال بجميل منذ عقد مؤتمر باريس العربي وكان قد مه لفرنسا كصديق واتفق معها لتدعو جميل يتكلم في مؤتمر فرساي ، لذلك اتفقنا على ما يجب أن يقوله في المؤتمر فكان موقفه مشرفاً ولم تصل فرنسا عن طريقه الى ما كانت ترمي اليه من آمال ، وأصبح من معية الامير ی ا . يكن منتظراً وعند عودة سموه لسورية عاد في الباخرة التي تقل سموه ولم منه غير ذلك لأن الامير ومحمد رستم وعوني عبد الهادى وفائز الغصين وأنا وأخي تحسين وجميل ، أي كل من كان مع الأمير ی ما عدا نوري باشا السعيد ، كنا أعضاء جمعية الفتاة . أما نوري ی فكان أركان جمعية العهد وهي المرتبطة معنا كما كنا ذكرنا من . وفي 14 شباط عقدت جلسة علنية قبل فيها ميثاق عصبة الأمم . وعندما بحث هذا الميثاق اعترض السيد محمد رستم حيدر مندوب العرب الثاني في المؤتمر على كلمة الانتداب الغامضة طالبا تحديد معناها ، كما - ۱۰۳ تعرض المعاهدة سيكس – بيكو وتقسيم بلادنا الى مناطق نفوذ مؤكداً ان هذا العمل ليس من المضمون تقدير نتائجه ، وأنه نتيجة الاتفاق السري المذكور الذي لم يؤخذ رأي أهالي البلاد بشأنه . ولكن مرافعته القوية ذهبت صرخة في واد إذ لم يجب عليها أحد ·

***

ولما كان الرئيس ولسن يتبع خطة مثالية جديدة في السياسة العالمية ، وكانت هذه الخطة تستلزم تحمل الولايات المتحدة مسؤولية عظيمة في العالم بينها الشعب الاميركي لم يتمرس بعد على الخروج على قاعدته ، قاعدة « مونرو » التي تجعل أميركا لا تعنى بغير شؤونها أحل هذا لم يجد الرئيس ولسن التأييد الكافي من الشعب الأميركي والكونغرس حتى أن روزفلت رئيس الولايات المتحدة السابق صرح إثر نشر الرئيس واسن لخطته ودعوته الحلفاء اتباعها في مؤتمر السلم :

« يجب أن يفهم الرئيس ولسن وأعداؤنا وحلفاؤنا معا بأن ليس لولسن الصلاحية بأن يتكلم باسم الشعب وكافة أقواله لا تعبر عن نيات الشعب الاميركي ، ، منوهاً بذلك بأن الشعب الأميركي متمسك بمبدإ الرئيس مونرو الانعزالي الذي نادى به سنة 1833 فالشعب لا يقبل مداخلة أوروبا بشؤون أميركا كما انها تبتعد عن المداخلة بشؤون غيرها ، الأمر الذي الذي اضطر ولسن ليغادر أوروبا الى أميركا ، ليصلح الجو فيها بقدر الإمكان . ولكنه غير نهجه إثر عودته ، واضطر الى اقرار أشياء فاضحة لم يكن من المنطق أن يرضى بها بعد تلك الضجة التي أثارها في العالم بأن يكون للحق والعدل المقام الأول في مؤتمر الصلح .

وغاية ما تمكن الأمير من الحصول عليه تحقيقاً لمطالب العرب هي الوعود الطيبة من الوفد الاميركي حتى انني سمعت الرئيس ولسن يخاطب الامير قائلا : لا يخامرنك أي شك في أن حقوق العرب ستصان ، ولن تروا في بلادكم أبدأ عمالاً للاستعمار باسم المشورة أو خلافها ، واذا أحوجتكم المشورة فستكون بناء على رغبتكم وموافقتك . وفي ١٩١٩/٢/٣٠ تقرر في المؤتمر فصل البلاد العربية عن تركيا والاعتراف باستقلالها ووضعها تحت ارشاد احدى الأمم الراقية العريقة في الحكم . وفي ٢١ آذار قرر المؤتمر ارضاء أفيصل ارسال لجنة يشترك فيها كل من مندوبي فرنسا وانكلترا وأميركا لاستفتاء سكان البلاد العربية والتحقق من رغباتهم مع ان هذه الرغبات كانت مفهومة ، وكان يمكن الاعتماد على الامير الذي كان يحمل تفويض جميع الهيئات التي يحق لها التكلم باسم الشعب ، وبرغم ان قرار المؤتمر بإرسال لجنة دولية الاستفتاء جاء مغايراً لأمنية الامير الكبرى ، فقد كان في واقعه نصراً له