مذكراتي عن الثورة العربية الكبرى/مقدمة


مقدمة

إيماني بالوحدة العربية قوي کإيماني بالله، لا أتحلحل عنه ولا أميل، ولا يسعني إلا أن أفكر به كلما فكرت بالعروبة ونجاحها. ذاك ديدني بل مبدئي في حياتي منذ عرفت الحياة وعرفت الجهاد.

ولهذا الإيمان أسبابه في حياتي الخاصة ، فقد ولدت ولا أعرف لي وطناً اقليمياً، ولا معنى لكامة العروبة عندي إلا أنها تنتظم كافة بلدان العرب بأقطارها الناطقة بالضاد، لا فرق لدي بين أحدهما والآخر.

كلها أوطاني و بلادي، وكلها ينبغي أن أستهدفه في جهادي.

كان والدي أحد أمراء الجيش العثماني، وكانت الثورات والحروب قائمة على قدم وساق في ولايات الدولة الأوربية، في أوائل سني خدمته، فقضى زهرة عمره فيها. ثم نقل إلى دمشق، ومنها إلى بعلبك حاكما، ثم مفتشاً للجيش في فلسطين، وكانت بيروت تابعة عسكرياً إلى عكا، ثم عين قائداً للبصرة ووكيلا لواليها.

فكان لي من ذلك أن نشأت وأتممت دراستي الثانوية في ربوع فلسطين وبيروت مع زملاء ربطتني بهم الرابطة المدرسية كمحمد رستم حيدر ورشيد الحسامي وعوني عبد الهادي ورفيق التميمي وعبد الغني العريسي. وكانت رابطتي بدمشق ضعيفة لأن اخوة والدي لم يكن لهم أبناء ذكور كما أنهم لم يعمروا طويلا، فلم يكن لنا أقارب في دمشق اللهم إلا الذين عرفتهم في الفترات القليلة التي كنت اختلف فيها إلى دمشق، وهم من ناحية بنات عم وعمومتنا فقط.

ومن هذا يستبين أني منذ نشأت لم أعرف لي وطناً خاصاً غير الوطن العربي الشامل الذي عشت تحت أجوائه المختلفة متنقلا كالطير من قطر إلى قطر .

وتحت تأثير هذه النشأة التي أحمد الله عليها نهضت بأعمالي الوطنية سواء في استانبول او باريس خلال دراستي الجامعية.

هذا مع العلم بأن الفكرة الإقليمية الضيقة لم تكن يومئذ معروفة بين مثقفي العرب إطلاقاً، وان كان هذا لم يكن يمنع من أن يزعم زاعم أنه بيروتي أو شامي أو عراقي، على نحو ما نقول اليوم في وطننا السوري: شامي وحمصي و حلبي. أما أنا فلم يكن حنيني إلى دمشق أكثر من حنيني إلى نابلس مثلا أو بعلبك أو خلیل الرحمن.

ومن الغريب أن المرحوم والدي عبد القادر قد اختزل اسمه فدعي في المدرسة الحربية في استانبول باسم قدري، ثم غدا هذا الاسم كنية لنا من بعده، لا نعرف إلا بها. ومن الغريب أيضاً أنني بعد أن عدت إلى دمشق عام ۱۹۱۳ كان عليَّ أن أثبت في السجلات أنني مواطن دمشقي، وكذلك بعد أن أصبحت بلادنا اثر انهاء الحرب مقسمة بمؤامرات المستعمرين، ولكني لم أفعل. وهكذا فبعد أن أخرجت من العراق إرضاءً للإنكليز عام ۱۹٤۱ عقب ثورة رشيد عالي، لم أعثر على أي قيد لي في سجلات النفوس، وأنكى من هذا كله أن زواجي نفسه الذي تم في سنة ۱۹۱۹ قد أعيد عقده ثانية لاسجل في «خانة» قرينتي باسم أحمد قدري بن عبد القادر قدري الترجمان . وكذا أولادي في مدارسهم وشهاداتهم فكلها كان يردف بكنية قدري لانهم عاشوا مثلي بعيدين عن سورية بعدما أصدر الفرنسيون علي حكمهم بإعدامي عام ۱۹۲۰، و ليس لهم أي قيد في السجلات السورية .

وكملة الترجمان ترجع الى انني لما رجعت إلى حجج أوقافنا لاثبت دمشقيتي تبين لي أن جدي لدي فتح الترك لدمشق كان يحمل اسم يحيى، و كان يجيد التركية والفارسية على ما كان متعارفًا لدى أدباء ذلك العصر ، فاصطفاه الفاتحون ، ثم لقب بيحيي الترجمان . وله أوقاف خيرية وذرية كثيرة .

* * *

ولقد رأيت من واجبي ، والعمر قد تقدم ، والصدر مفعم ، والتاريخ العربي يتطور مع الأيام ، وقد يخشي منه الانحراف والتحيف .... والاقطار العربية تنحو نحو الوحدة العربية ، وقد اصبح على رأسها مصر العزيزة التي كان لها سبق التحرر من النير العثماني ، ولكنها لبثت بعيدة عن فكرة الوحدة ، إلى أن قيض الله لهما من الوعي بفضل أفذاذها الخلص المؤمنين بالعروبة ، أن تدرك خيرها وخير كل بلد ينطق بالضاد ، في جمع الشمل ، وتوحيد الكلمة ، وتحقيق الغاية المثلى التي ما أطلقت أول رصاصة من الثورة العربية الكبرى إلا وهي تهدف الى انشاء امبراطورية ذات راية واحدة ، ورسالة واحدة.

أجل رأيت من واجي الحتم بعد أن سلخت زهرة العمر في الجهاد الوطني تحت لواء فيصل ، رجل العرب الاکبر ، سواء في سني الحرب العامة الأولى ، أو ما قبلها وبعدها الى أن أخرجت من دمشق عام ۱۹۲۰ ، أن أدون مذاکراتي عن هاتيك البرهة الحافلة بأجل الأحداث من تاريخنا الحديث المجيد، لا سيما واني واكبتها عن كثب ، ووقفت على دقائقها وأسرارها وشتی تصوراتها ، فحق علي إثباتها وتدوينها علتها تكون كالنبع وجع اليه الاحفاد يغترفون من معينه الصافي حقائق الأحداث

ويشهد الله أن لا غاية لي إلا النهوض بالواجب ، وإلا أن أترك الأخلف سجلًا من أعمال السلف ، في أيقظ أوقات الوعي القومي والجهاد الوطني .

وأملي الاكبر أن أكون أوفيت على غايتي ، وقدمت بعض الواجب الوطني ، وتركت للاجيال الصاعدة ما ينفع الباحثين الذين يستقصون الحقائق في مظانها و مراجعها.

والله حسبي ونعم الوكيل

الدكتور أحمد قدري
}