معالم السنن/الجزء الرابع/3

​معالم السنن​ للإمام الخطابي
 


3/5 م ومن باب كراهية الحلف بالأمانة

1235- قال أبو داود: حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس حدثنا زهير حدثنا الوليد بن ثعلبة الطائي عن ابن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله : من حلف بالأمانة فليس منا.

قال الشيخ: هذا يشبه أن تكون الكراهة فيها من أجل أنه إنما أمر أن يحلف بالله وبصفاته وليست الأمانة من صفاته، وإنما هي أمر من أمره وفرض من فروضه فنهوا عنه لما في ذلك من التسوية بينها وبين أسماء الله عز وجل وصفاته.

وقال أبو حنيفة وأصحابه إذا قال وأمانة الله كان يمينا ولزمته الكفارة فيها، وقال الشافعي لا يكون ذلك يمينا ولا يكون فيها كفارة.

4/7م ومن باب يحلف بالبراءة أو بملة غير الإسلام

1236- قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا زيد بن الحباب حدثنا حسين بن واقد حدثني عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله : من حلف فقال إني بريء من الإسلام فإن كان كاذبا فهو كما قال، وإن كان صادقا فلن يرجع إلى الإسلام سالما.

قال الشيخ فيه دليل على أن من حلف بالبراءة من الإسلام فإنه يأثم ولا يلزمه الكفارة وذلك لأنه إنما جعل عقوبتها في دينه ولم يجعل في ماله شيئا.

5/9 ومن باب الاستثناء في اليمين

1237- قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا عبد الوارث عن أيوب عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله من حلف فاستثنى فإن شاء رجع وإن شاء ترك غير حنث.

قال الشيخ: معنى قوله فاستثنى هو أن يستثنى بلسانه نطقا دون الاستثناء بقلبه لأن في هذا الحديث من غير رواية أبي داود من حلف فقال إن شاء الله معلقة بالقول. وقد دخل بهذا كل يمين كانت بطلاق أو عتاق أو غيرهما لأنه عم ولم يخص.

ولم يختلف الناس في أنه إذا حلف بالله ليفعلن كذا أو لا يفعل كذا، واستثنى ان الحنث عنه ساقط، فأما إذا حلف بطلاق أو عتاق واستثنى، فإن مالك بن أنس والأوزاعي ذهبا إلى أن الإستثناء لا يغني عنه شيئا، والعتق والطلاق واقعان، وعلة أصحاب مالك في هذا أن كل يمين تدخلها الكفارة فإن الإستثناء يعمل فيها وما لا مدخل للكفارة فيه فالإستئناء فيه باطل.

وقال مالك إذا حلف بالمشي إلى بيت الله واستثنى فإن الاستثناء ساقط والحنث له لازم.

6/10 ومن باب بكون القسم يمينا

1238- قال أبو داود: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهرى عن عبيد الله عن ابن عباس، قال كان أبو هريرة يحدث، أن رجلا أتى رسول الله فقال إني أرى الليلة فذكر رؤيا فعبرها أبو بكر فقال النبي وص أصبت بعضا وأخطأت بعضا، فقال أقسمت عليك يا رسول الله لتحدثني ما الذي أخطأت، فقال له النبي لا تقسم.

قال الشيخ: فيه مستدل لمن ذهب إلى أن القسم لا يكون يمينا بمجرده حتى يقول أقسمت بالله، وذلك لأن النبي قد أمر بإبرار القسم فلو كان قوله أقسمت يمينا لأشبه أن يبره، وإلى هذا ذهب مالك والشافعي.

وقد استدل من يرى القسم يمينا على وجه آخر فيقول لولا أنه يمين ما كان النبي يقول لا تقسم، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة وأصحابه.

7/12م ومن باب اليمين في الغضب وقطيعة الرحم

1239- قال أبو داود: حدثنا محمد بن المنهال حدثنا يزيد بن زريع حدثنا حبيب المعلم عن عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيب أن أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث فسأل أحدهما صاحبه القسمة، فقال إن عدت تسألني القسمة فكل مالي في رتاج الكعبة، فقال له عمر رضي الله عنه إن الكعبة غنية عن مالك كفر عن يمينك وكلم أخاك. سمعت رسول الله يقول لا يمين عليك ولا نذر في معصية الرب ولا في قطيعة الرحم ولا فيما لا يملك.

قال الشيخ: قوله رتاج الكعبة، أصل الرتاج الباب وليس يراد به الباب نفسه، وإنما المعنى أن يكون ماله هديا إلى الكعبة أو في كسوة الكعبة والنفقة عليها أو نحو ذلك من أمرها.

وفيه من الفقه أن النذر إذا خرج مخرج اليمين كان بمنزلة اليمين في أن الكفارة تجزي عنه وهو قول الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق.

وعن عائشة رضي الله عنها والحسن وطاوس أنهم قالوا فيما هذا معناه كفارة يمين.

وقال الشعبي والحكم وحماد فيمن حلف بصدقة ماله لا شيء عليه.

وقال مالك إذا حلف بصدقة ماله يخرج ثلث ماله.

وقال أبو حنيفة وأصحابه ينصرف ذلك إلى ما فيه الزكاة من المال دون ما لا زكاة فيه من العقار والخرثى والدواب.

وفيه بيان أن النذر إذا كان في معصية لم يلزم.

1240- قال أبو داود: حدثنا المنذر بن الوليد الجارودي حدثنا عبد الله بن بكر حدثنا عبيد الله بن الأخنس عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله لا نذر ولا يمين فيما لا يملك ابن آدم ولا في معصية الله ولا في قطيعة رحم. ومن حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليدعها وليأت الذي هو خير فإن تركها كفارتها.

قال الشيخ قد نطقت الأخبار الثابتة عن رسول الله بأن الكفارة لازمة لمن حنث في يمينه وهو حديث عبد الرحمن بن سمرة، وحديث أبي موسى الأشعري وحديث أبي هريرة، وقال أبو داود وكذلك جاءت الأحاديث بذكر الكفارة إلا ما لا يعبأ به.

وقد روي عن بعضهم أنه رأى هذا من لغو اليمين، وقال لا كفارة فيه إذا كان معصية.

وحكي معنى ذلك عن مسروق بن الأجدع وسعيد بن جبير.

8/14م ومن باب الكفارة قبل الحنث

1241- قال أبو داود: حدثنا يحيى بن خلف حدثنا عبد الأعلى حدثنا سعيد عن قتادة عن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة أن رسول الله قال له يا عبد الرحمن إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك وائت الذي هو خير.

قال الشيخ: فيه دليل على جواز تقديم الكفارة على الحنث وهو قول أكثر أهل العلم، وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس وعائشة رضي الله عنهم. وهو مذهب الحسن البصري وابن سيرين، وإليه ذهب مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق ؛ إلا أن الشافعي قال وإن كفر بالصوم قبل الحنث لم يجزه وإن كفر بالطعام أجزأه.

واحتج أصحابه في ذلك بأن الصيام مرتب على الاطعام فلا يجوز إلا مع عدم الأصل كالتيمم لما كان مرتبا على الماء لم يجز إلا مع عدم الماء.

وقال أبو حنيفة وأصحابه لا تجزيه الكفارة قبل الحنث على وجه من الوجوه لأنها لا تجب عليه بنفس اليمين وإنما يكون وجوبها بالحنث وأجازوا تقديم الزكاة قبل الحول، ولم يجوز مالك تقديمها قبل الحول كما جوز تقديم الكفارة قبل الحنث وأجازهما الشافعي معا على الوجه الذي ذكرته لك.

9/16م ومن باب الرقبة المؤمنة

1242- قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن الحجاج الصواف حدثنا يحيى بن أبي بكير عن هلال بن أبي ميمونه عن عطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم السلمي قال قلت يا رسول الله جارية لي صككتها صكة فعظم ذلك على رسول الله قلت أفلا أعتقها ؛ قال ائتني بها، قال فجئت بها، فقال أين الله، قالت في السماء، قال من أنا، قالت أنت رسول الله، قال أعتقها فإنها مؤمنة.

قال الشيخ: قوله أعتقها فإنها مؤمنة، خرج مخرج التعليل في كون الرقبة مجزية في الكفارات بشرط الإيمان لأن معقولا أن النبي إنما أمره بعتقها على سبيل الكفارة عن ضربها، ثم اشترط أن تكون مؤمنة فكذلك في كل كفارة.

وقد اختلف الناس في هذا فقال مالك والأوزاعي والشافعي وأبو عبيد لا يجزيه إلا رقبة مؤمنة في شيء من الكفارات.

وقال أبو حنيفة وأصحابه يجزيه غير المؤمنة إلا في كفارة القتل، وحكي ذلك عن عطاء أيضا.

10/17م ومن باب يستثني في اليمين من بعد ما سكت

1243- قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا شريك عن سماك عن عكرمة أن رسول الله قال والله لأغزون قريشا والله لأغزون قريشا والله لأغزون قريشا، ثم قال إن شاء الله.

قال أبو داود قد أسند هذا الحديث غير واحد عن شريك بإسناد أسنده إلى النبي .

قال الشيخ: في هذا دليل على أن الاستثناء المعقب به الفصول المتصلة من الكلام راجعة إلى جميع ما تقدم منها.

وقال أبو حنيفة وأصحابه إذا حلف بالله وبالحج والعمرة ثم استثنى كان الاستثناء عاما فيها كلها، فأما إذا قال عبدي حر إن كلمت فلانا عبدي الآخر حر ان كلمت فلانا إن شاء الله ثم كلمه فإن عبده في اليمين الأولى حر في القضاء ولا يدين في ذلك إلا فيما بينه وبين الله تعالى، وكذلك لو قال لامرأته إن كلمت فلانا فأنت طالق إن كلمت فلانا فأنت طالق إن شاء الله، ثم كلمت فلانا كانت التطليقة الأولى واقعة عليها في القضاء إذا كلمت فلان. فأما فيما بينه وبين الله فلا يقع عليها.

1244- قال أبو داود: حدثنا محمد بن العلاء أخبرنا ابن بشر عن مسعر عن سماك عن عكرمة يرفعه قال والله لأغزون قريشا ثم قال إن شاء الله، ثم قال والله لأغزون قريشا إن شاء الله ثم قال والله لأغزون قريشا ثم سكت ثم قال إن شاء الله.

قال الشيخ لم يختلف العلماء في أن استثناءه إذا كان متصلا بيمينه فإنه لا يلزمه كفارة. وقال بعضهم له أن يستثني ما دام في مجلسه روي ذلك عن طاوس والحسن البصري.

وقال قتادة إذا استثنى قبل أن يقوم أو يتكلم فله ثنياه.

وقال أحمد بن حنبل يكون الاستثناء مادام في ذلك الأمر، وعن ابن عباس أنه قال. له استثناؤه بعد حين.

وعن مجاهد له أن يستثني بعد سنين وعن سعيد بن جبير بعد أربعة أشهر.

قلت وعامة أهل العلم على خلاف قول ابن عباس وأصحابه ولو كان الأمر على ما ذهبوا إليه لكان للحالف المخرج من يمينه حتى لا يلزمه كفارة بحال، وقد ثبت عن النبي أنه قال من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفرعن يمينه.

17 كتاب النذر

11/18م ومن باب النهي عن النذر

1245- قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير بن عبد الحميد وحدثنا مسدد حدثنا أبو عوانة عن منصور بن المعتمر عن عبد الله بن مرة قال عثمان الهمداني عن عبد الله بن عمر قال أخذ رسول الله ينهى عن النذر ثم اتفقا ويقول أنه لا يرد شيئا وإنما يستخرج به من البخيل.

قال الشيخ: معنى نهيه عن النذر إنما هو تأكيد لأمره وتحذير التهاون به بعد إيجابه، ولو كان معناه الزجر عنه حتى لا يفعل لكان في ذلك إبطال حكمه واسقاط لزوم الوفاء به إذ كان بالنهي عنه قد صار معصية فلا يلزم الوفاء به، وإنما وجه الحديث أنه قد أعلمهم أن ذلك أمر لا يجلب لهم في العاجل نفعا، ولا يصرف عنهم ضرا، ولا يرد شيئا قضاه الله. يقول فلا تنذروا على أنكم تدركون بالنذر شيئا لم يقدره الله لكم أو تصرفون عن أنفسكم شيئا جرى القضاء به عليكم، فإذا فعلتم فاخرجوا عنه بالوفاء فإن الذي نذرتموه لازم لكم، هذا معنى الحديث ووجهه.

وقد أجمع المسلمون على وجوب النذر إذا لم يكن معصية ويؤكده قوله أنه يستخرج به من البخيل فيثبت بذلك وجوب استخراجه من ماله ولو كان غير لازم لم يجز أن يكره عليه والله أعلم.

وفي قوله إنه لا يرد شيئا دليل على أن النذر إنما يصح إذا كان معلقا بشيء كما تقول إن شفا الله مريضي فلله عليّ أن أتصدق بالف درهم أو أن يقدم غائبي أو يسلم مالي أو نحو ذلك من الأمور.

فأما إذا قال لله علي أن أتصدق بالف درهم فليس هذا بنذر، وإلى هذا ذهب الشافعي في أحد قوليه وهو غالب مذهبه.

وحكى أبو عمر، عن أبي العباس أحمد بن يحيى قال النذر وعد بشرط.

وقال أبو حنيفة النذر لازم وإن لم يعلق بشرط.

12/19م ومن باب النذر في معصية

1246- قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن طلحة بن عبد الملك الايلي عن القاسم عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه.

قال الشيخ: في هذا بيان أن النذر في المعصية غير لازم وإن صاحبه منهي عن الوفاء به، وإذا كان كذلك لم تجب فيه كفارة ولو كان فيه كفارة لأشبه أن يجري ذكرها في الحديث وأن يوجد بيانها مقرونا به، وهذا على مذهب مالك والشافعي.

وقال أبو حنيفة وأصحابه وسفيان الثوري إذا نذر في معصية فكفارته كفارة يمين، واحتجوا في ذلك بحديث الزهري وقد رواه أبو داود في هذا الباب.

1247- قال أبو داود: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم حدثنا عبد الله بن المبارك عن يونس عن الزهري، عن أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنها أن النبي قال لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين.

قال الشيخ: لو صح هذا الحديث لكان القول به واجبا والمصير إليه لازما إلا أن أهل المعرفة بالحديث زعموا أنه حديث مقلوب وهم فيه سليمان بن أرقم فرواه عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عن عائشة فحمله عن الزهري وأرسله، عن أبي سلمة ولم يذكر فيه سليمان بن أرقم ولا يحيى بن أبي كثير.

وبيان ذلك ما رواه أبو داود حدثنا أحمد بن محمد المروزي حدثنا أيوب بن سليمان، عن أبي بكر بن أبي أويس عن سليمان بن بلال، عن أبي عتيق وموسى بن عقبة عن ابن شهاب عن سليمان بن أرقم أن يحيى بن أبي كثير أخبره، عن أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله مثله.

قال أبو داود: قال أحمد وإنما الحديث حديث ابن المبارك عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن الزبير عن أبيه عن عمران بن حصين عن النبي فوهم فيه سليمان بن أرقم.

قلت وقالوا إن محمد بن الزبير هو الحنظلي وأبوه مجهول لا يعرف والحديث من طريق الزهري مقلوب، ومن هذا الطريق فيه رجل مجهول فالاحتجاج به ساقط والله أعلم.

1248- قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري حدثني عبيد الله بن زحران أنبأنا سعيد وهو الرعيني أخبره أن عبد الله بن مالك أخبره أن عقبة بن عامر أخبره أنه سأل رسول الله عن أخت له نذرت أن تحج حافية غير مختمرة فقال مروها فلتختمر ولتركب ولتصم ثلاثة أيام.

قال الشيخ: أن أمره إياها بالاختمار فلأن النذر لم ينعقد فيه لأن ذلك معصية والنساء مأمورات بالاختمار والاستتار، وأما نذرها المشي حافية فالمشي قد يصح فيه النذر على صاحبه أن يمشي ما قدر عليه فإذا عجز ركب وأهدى هديا.

وقد يحتمل أن تكون أخت عقبة كانت عاجزة عن المشي بل قد روي ذلك من رواية ابن عباس رضي الله عنه وقد ذكره أبو داود.

1249- قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حفص بن عبد الله السلمي حدثني أبي حدثني إبراهيم بن طهمان عن مطر عن عكرمة عن ابن عباس أن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تحج ماشية وأنها لا تطيق ذلك فقال النبي إن الله لغنى عن مشي أختك فلتركب ولتهد بدنة.

قال الشيخ: فأما قوله فلتصم ثلاثة أيام فإن الصيام بدل من الهدي خيرت فيه كما خير قاتل الصيد أن يفديه بمثله إذا كان له مثل وإن شاء قومه وأخرجه إلى المساكين وإن شاء صام بدل كل مد من الطعام يوما وذلك قوله سبحانه وتعالى {أو عدل ذلك صياما} 1 والله أعلم.

وقد اختلف الناس فيمن نذر المشي إلى بيت الله فقال الشافعي يمشي إن أطاق المشي فإن عجز أراق دما وركب.

وقال أبو حنيفة وأصحابه يركب ويريق دما سواء أطاق أو لم يطق.

13/21م ومن باب النذر فيما لا يملك.

1250- قال أبو داود: حدثنا سليمان بن حرب ومحمد بن عيسى قالا: حدثنا حماد عن أيوب، عن أبي قلابة عن ابن المهلب عن عمران بن حصين قال كانت العضباء لرجل من عقيل وكانت من سوابق الحاج قال فأسر فأتى به النبي وهو في وثق والنبي على حمار عليه قطيفة فقال يا محمد علام تأخذني وتأخذ سابقة الحاج قال نأخذك بجريرة حلفائك ثقيف وكان ثقيف قد أسروا رجلين من أصحاب النبي قال وقد قال فيما قال وأنا مسلم أو قال قد أسلمت فلما مضى النبي قال ابن عيسى ثم ناداه يا محمد يا محمد قال وكان النبي رحيما رفيقا، فرجع إليه فقال ما شأنك؟ قال إني مسلم قال لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح، ثم رجعت إلى حديث سليمان فقال يا محمد إني جائع فأطعمني إني ظمآن فاسقني، قال فقال النبي هذه حاجتك أو قال هذه حاجته، قال فودي الرجل بعد بالرجلين قال وحبس رسول الله العضباء لرحله، قال فأغار المشركون على سرح المدينة فذهبوا به وذهبوا بالعضباء، قال فلما ذهبوا به وأسروا امرأة أبي ذر، قال وكانوا إذا كانوا من الليل يريحون إبلهم فبم في أفنيتهم، قال فنوموا ليلة فقامت المرأة فجعلت لا تضع يدها على بعير إلا رغا حتى أتت العضباء، قال فأتت على ناقة دلول مجرَّشة.

قال ابن عيسى فلم ترغ فركبتها ثم جعلت لله عليها إن نجاها لتنحرنها، قال فلما قدمت المدينة عرفت الناقة فأخبر النبي بذلك فأرسل إليها فجيء بها وأخبر بنذرها، فقال بئس ما جزرتها أو جزيتها إن الله أنجاها عليها لتنحرنها لا وفاء لنذر في معصية ولا فيما لا يملك ابن آدم.

قال الشيخ: قوله أخذت بجريرة حلفائك ثقيف اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم هذا يدل على أنهم كانوا عاقدوا بني عقيل أن لا يعرضوا للمسلمين ولا أحد من حلفائهم فنقض حلفاؤهم العهد ولم ينكره بنو عقيل فأخذوا بجريرتهم.

وقال آخرون هذا رجل كافر لا عهد له، وقد يجوز أخذه وأسره وقتله ؛ فإذا جاز أن يؤخذ بجريحة نفسه وهي كافرة جاز أن يؤخذ بجريرة غيره ممن كان على مثل حاله من حليف وغيره.

ويحكى معنى هذا عن الشافعي، وفيه وجه ثالث وهو أن يكون في الكلام إضمار يريد أنك إنما أخذت ليدفع بك جريرة حلفائك ثقيف فيفدى بك الأسراء الذين أسرهم ثقيف، ألا تراه يقول ففودي الرجل بعد بالرجلين.

وقوله إني مسلم ثم لم يخله النبي مع ذلك لكنه رده إلى دار الكفر فإنه يتأول على أنه قد كان أطلعه الله سبحانه على كذبه وأعلمه أنه تكلم به على التقية دون الإخلاص، ألا تراه يقول له هذه حاجتك حين قال إني جائع فأطعمني وظمآن فاسقني، وليس هذا لأحد بعد رسول الله فإذا قال الكافر إني مسلم قبل منه إسلامه ووكلت سريرته إلى ربه وقد انقطع الوحي وانسد علم باب الغيب.

وقوله لو كنت قلت ذلك وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح يريد أنك لو تكلمت بكلمة الإسلام طائعا راغبا فيه قبل الأسار أفلحت في الدنيا بالخلاص من الرق وأفلحت في الآخرة بالنجاة من النار.

وفيه دليل على أن المسلم إذا حاز الكافر ماله ثم ظفر به المسلمون فإنه يرد إلى صاحبه المسلم ولا يغنمه آخذه ولذلك قال النبي لا نذر في معصية ولا فيما لا يملك ابن آدم.

قوله مجرَّشة معناها الوطية المذللة، يقال فلان جرشته الأمور أي راضته وذللته.

وفي الحديث دليل على أن النهي عن أن تسافر المرأة إلا مع ذي محرم إنما جاء في الأسفار المباحة دون السفر الواجب اللازم لها بحق الدين.

14/19م ومن باب النذر في معصية

1251- قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب حدثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال بينما النبي يخطب إذ هو برجل قائم في الشمس فسأل عنه فقال هذا أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال مروه فليتكلم وليقعد وليستظل وليتم صومه.

قال الشيخ: قد تضمن نذره نوعين من طاعة ومعصية فأمره النبي بالوفاء بما كان منهما طاعة وهو الصوم وأن يترك ما ليس بطاعة من القيام في الشمس وترك الكلام وترك الاستظلال بالظل وذلك لأن هذه الأمور مشاق تتعب البدن وتؤذيه وليس في شيء منها قربة إلى الله سبحانه، وقد وضعت عن هذه الأمة الآصار والأغلال التي كانت على من قبلهم.

فأما المشي إلى بيت الله فالنذر فيه لازم لأن ذلك من المقدور عليه ولم يزل الناس يحجون مشاة كما يحجون ركبانا، وقال سبحانه {يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق} 2.

فأما إذا تجاوز المشي والرحلة إلى أن يبلغ به الحفا والوجا وما أشبه ذلك فإنه خروج إلى المشقة التي تتعب الأبدان وربما أتلفتها فتخرج حينئذ عن أن تكون قربة وتنقلب النذور فيه معصية فلا يلزم الوفاء ولا يجب الكفارة فيه والله أعلم.

15/22م ومن باب ما يؤمر بوفائه من النذور

1252- قال أبو داود: حدثنا الحسن بن علي حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا عبد الله بن يزيد بن مقسم الثقفي من أهل الطائف، قال حدثتني سارة بنت مقسم أنها سمعت ميمونة بنت كرده، قالت خرجت مع أبي في حجة رسول الله فرأيت رسول الله وسمعت الناس يقولون رسول الله فجعلت أبده بصري فدنا إليه أبي وهو على ناقة له معه درة كدرة للكتاب فسمعت الأعراب والناس يقولون الطبطبية الطبطبية، فقال أبي يا رسول الله إني نذرت إن ولد لي ذكر أن أنحر على رأس بوانة في عقبة من الثنايا عدة من الغنم قال رسول الله هل بها من هذه الأوثان، قال لا، قال فأوف بما نذرت به لله.

قال الشيخ: قولها ابده بصري معناه اتبعه بصري وألزمه إياه لا أقطعه عنه يقال ابد فلان فلانا بصره وأباده بصره بمعنى واحد.

والطبطبية حكاية وقع الأقدام.

وفيه دليل على أن من نذر طعاما أو ذبحا بمكة أو في غيره من البلدان لم يجز أن يجعله لفقراء غير أهل هذا المكان وهذا على مذهب الشافعي وأجازه غيره لغير أهل ذلك المكان.

1253- قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا الحارث بن عبيد أبو قدامة عن عبيد الله بن الأخنس عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن امرأة أتت النبي فقالت يا رسول الله إني قد نذرت أن أضرب على رأسك بالدف، فقال أوفي بنذرك.

قال الشيخ: ضرب الدف ليس مما يعد في باب الطاعات التي يتعلق بها النذور وأحسن حال أن يكون من باب المباح، غير أنه لما اتصل بإظهار الفرح بسلامة مقدم رسول الله حين قدم المدينة من بعض غزواته وكانت فيه مساءة الكفار وإرغام المنافقين صار فعله كبعض القرب التي هي من نوافل الطاعات ولهذا أبيح ضرب الدف واستحب في النكاح لما فيه من الإشاعة بذكره والخروج به عن معنى السفاح الذي هو استسرار به واستتار عن الناس فيه والله أعلم.

ومما يشبه هذا المعنى قول النبي لحسان حين استنشده وقال له كأنما

ينضح به وجوه القوم النبل وكذلك استنشاده عبد الله بن رواحة وكعب بن مالك وغيرهما.

16/24م ومن باب النذر عن الميت

1254- قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة قال قرأت على مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه أن سعد بن عبادة استفتى رسول الله فقال إن أمي ماتت وعليها نذر لم تقضه فقال اقض عنها.

قال الشيخ: في هذا بيان أن النذور التي نذرها الميت وكفارات الأيمان التي لزمته قبل الموت مقضية من ماله كالديون اللازمة له، وهذا على مذهب الشافعي وأصحابه ؛ وعند أبي حنيفة لا تقضى إلا أن يوصي بها.

17/24م ومن باب من مات وعليه الصيام

1255- قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن عبيد الله بن أبي جعفر عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أن النبي قال من مات وعليه صيام صام عنه وليه.

قال الشيخ: قوله صام عنه وليه يحتمل وجهين أحدهما مباشرة فعل الصيام وقد ذهب إليه قوم من أصحاب الحديث.

والوجه الآخر أن يكون معناه الكفارة فعبر بالصوم عنها إذ كانت بدلا عنه وعلى هذا قول أكثر الفقهاء.

1256- قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا يحيى عن عبيد الله حدثني نافع عن ابن عمر عن عمر رضي الله عنهما أنه قال يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف في المسجد الحرام ليلة، فقال له النبي أوف بنذرك.

قال الشيخ: إذا كان النبي يأمره بالوفاء فيما نذره في الجاهلية فقد دل على تعلق ذمته به.

وفيه دليل على أنه مؤاخذ بموانع الأحكام التي كانت مباديها في حال الكفر فلو حلف في الجاهلية وحنث في الإسلام لزمته الكفارة وهذا على أصل الشافعي ومذهبه، وعند أبي حنيفة لا تلزمه الكفارة بالحنث.

وفيه دلالة على أن الكفار مخاطبون بالفرائض مأمورون بالطاعات.

وفيه دليل على أن الاعتكاف جائز بغير صوم لأنه إنما كان نذر اعتكاف ليلة والليل ليس بمحل للصوم.


هامش

  1. [المائدة: 95]
  2. [الحج: 27]


معالم السنن - الجزء الرابع للإمام الخطابي
معالم السنن/الجزء الرابع/1 | معالم السنن/الجزء الرابع/2 | معالم السنن/الجزء الرابع/3 | معالم السنن/الجزء الرابع/4 | معالم السنن/الجزء الرابع/5 | معالم السنن/الجزء الرابع/6 | معالم السنن/الجزء الرابع/7 | معالم السنن/الجزء الرابع/8 | معالم السنن/الجزء الرابع/9 | معالم السنن/الجزء الرابع/10 | معالم السنن/الجزء الرابع/11 | معالم السنن/الجزء الرابع/12 | معالم السنن/الجزء الرابع/13 | معالم السنن/الجزء الرابع/14 | معالم السنن/الجزء الرابع/15 | معالم السنن/الجزء الرابع/16 | معالم السنن/الجزء الرابع/17