تاريخ الفلسفة اليونانية (1936)/الباب الأول/سقراط

سقراط نشأة العلم والفلسفة
المؤلف: يوسف كرم


[63]

الفصل السادس

سقراط

٢٥ – حياته

أ – نحن نعلم أن سقراط ولد في أثينا وعلِّم فيها واتهم بالإلحاد وحكم عليه بالإعدام، ونعلم أنه أثار من الإعجاب والعداوة في آنٍ واحد ما لا يتفق إلا للرجال الممتازين، وأن أثره كان من القوة بحيث إن اسمه يشطر الفلسفة اليونانية شطرين: ما قبله، وما بعده، فإذا أردنا أن نصور شخصيته وأن نقيد آراءه — وهو لم يُعْنَ بالكتابة قط — اعترضنا تضارب الروايات وتباين المدارس الآخذة عنه،[1] وأشهر الروايات ثلاث صادرة عن ثلاثة معاصرين هم: أرسطوفان وأفلاطون وأكسانوفون، أما الأول فشاعر هزلي يقوم فنه على الهزؤ والهجو، فليس من الحكمة أن نعول على كلامه، وسنعود إليه بعد قليل. وأما أكسانوفون فلم يكن من أخصاء سقراط حكم عليه بالنفي ثلاثين سنة قبل محاكمة سقراط بسنتين، ولما عاد كان أفلاطون قد نشر مؤلفاته «السقراطية»،[2] فشرع هو يكتب «مذكرات سقراط» واضعًا الأحاديث متأثرًا بناحية خاصة من نواحي الفيلسوف هي هذه البساطة المعروفة عنه، فغلا في تصويرها وأبلغها حد التبذل، فأخرج لنا صورة تافهة لا تفسر ما كان لسقراط من خطر، فلا يبقى سوى أفلاطون نلتمس عنده ترجمة لسقراط وهو تلميذه الأمين لزمه طوال السنين العشر الأخيرة، وعرف [64]التلاميذ القدماء وشهد المحاكمة واختلف إليه في سجنه وحفظ له أجمل الذكرى، ولكن كتب أفلاطون محاورات يتوارى فيها وراء شخص سقراط، يستخدمه لأغراضه وينطقه بأفكاره على ما يفعل مؤلف القصص التمثيلي، فكيف السبيل إلى تبين الحقيقة من الخيال والتمييز بين ما لأفلاطون وما لسقراط من آراء؟ المسألة دقيقة، ونعتقد أن المراجع المأمونة هنا المؤلفات الأولى فهي قريبة العهد بسقراط، وغرضها الرواية والمحاكاة يضاف إليها الصفحات التاريخية في «فيدون» وبعض مواضع من المؤلفات الأخرى، ثم إن لأرسطو نصوصًا قليلة، ولكنها صريحة تعين على تصوير المذهب.

ب - اشتد بسقراط الميل للحكمة في سن مبكرة فأخذ يغذي عقله ويهذب نفسه؛ لأنه فهم الحكمة على أنها كمال العلم لكمال العمل، فمن الناحية العقلية أفاد من مناهج السوفسطائيين ولم يأخذ بشكوكهم ونظر في الطبيعيات والرياضيات، ولم يطل النظر؛ لبعدها عن العمل فضلًا عن تناقض الطبيعيين فيما بينهم، واقتنع بأن العلم إنما هو العلم بالنفس لأجل تقويمها، واتخذ شعارًا له كلمة قرأها في معبد دلف هي «اعرف نفسك بنفسك.» ومن الناحية الخلقية كان يغالب مزاجه الحاد ويقسو على جسمه القوي؛ ليروضه على طاعة العقل، فلما تم له بعض ما كان يبتغي طلع على الأثينيين يخوض معهم فيما كان يثيره السوفسطائيون من مسائلَ أدبيةٍ وخلقيةٍ واجتماعيةٍ، والأثينيون يقبلون عليه رغم دمامة خلقته معجبين بحديثه البسيط البليغ معًا وبقوة عارضته وشدة مراسه في الجدل، ولم يكن له مدرسة بمعنى الكلمة بل كان يجتمع بالناس أينما اتفق، فيجادل أو يخطب أو يشرح الشعراء، وكانت له مع ذلك حلقة من الإخوان والمريدين منهم الأثيني ومنهم الغريب يختلف إلى أثينا من حين إلى حين؛ ليراه ويستمع إليه – منهم حديث العهد بالفلسفة، ومنهم المعروف بانتمائه لمدرسة أخرى، وكان يؤثر التحدث إلى [65]الشباب يصلح ما أفسد السوفسطائيون من أمرهم ويبصرهم بالحق والخير؛ ليهيئ للبلد مستقبلًا طيبًا على أيديهم. وحدث أن سأل أحد مريديه كاهنة دلف الناطقة بوحي أبولون: «هل يوجد رجل أحكم من سقراط؟» فكان الجواب بالسلب، فعجب له سقراط، ولم يكن يرى في نفسه شيئًا من الحكمة، وأراد أن يستبين غرض الإله فطفق يمتحن الشعراء والخطباء والفنانين والسياسيين؛ ليتحقق إن كان أحكم منهم ويكشف عن ماهية حكمته، كان يسألهم في حلقات واسعة تضم أشتات الناس فيما حذقوه من فنهم فلا يلبث أن يتبين وأن يبين لهم أنهم لا يعلمون شيئًا، وأنهم إنما يصدرون عن مجرد ظن أو عن إلهام إلهي وكلاهما مباين للعلم،[3] وخرج من هذا الامتحان الطويل بأن مراد الإله هو أن حكمته قائمة في علمه بجهله، بينا غيره جاهل يدعي العلم، فمضى في مهمته يبذل الحكمة بلا ثمن وهو يعتقد أنه يحمل في عنقه أمانة سماوية، وأن الله أقامه مؤدبًا عموميًّا مجانيًّا يرتضي الفقر ويرغب عن متاع الدنيا؛ ليؤدي هذه الرسالة الإلهية، وكان إلى جانب هذا وطنيًّا صادقًا وجنديًّا باسلًا، خدم في الجيش ضمن المشاة واشترك في حربين دامت الأولى من سنة ٤٣٢ إلى سنة ٤٢٩، ووقعت الثانية سنة ٤٢٢ وتوسطتهما موقعة سنة ٤٢٤، فدل في كل فرصة على رباطة جأش وشجاعة وصبر على مكاره الجندية، ونجى من الموت ألفبيادس في إحدى المعارك وأكسانوفون في أخرى، وأصابته القرعة فدخل مجلس الشيوخ، وكان عضوًا في لجنته الدائمة سنة ٤٠٦ فعرف بالنزاهة واستقلال الرأي بين الديموقراطيين والأرستقراطيين، وكانت له مواقف مشهودة جهر فيها بالحق والعدل مستهدفًا للخطر صامدًا للهياج، وما أن انقضت مدة انتخابه حتى عاد إلى سابق أمره من البحث والإرشاد إلى أن بلغ السبعين.[4]

[66]

٢٦ – فلسفته:

أ - انتهج سقراط منهجًا جديدًا في البحث والفلسفة، أما في البحث فكان له مرحلتان «التهكم والتوليد»: ففي الأولى كان يتصنع الجهل ويتظاهر بتسليم أقوال محدثيه، ثم يلقي الأسئلة ويعرض الشكوك شأن من يطلب العلم والاستفادة بحيث ينتقل من أقوالهم إلى أقوال لازمة منها، ولكنهم لا يسلمونها؛ فيوقعهم في التناقض، ويحملهم على الإقرار بالجهل، وهذا ما يسمى بالتهكم السقراطي أي السؤال مع تصنع الجهل[5] أو تجاهل العالم، وغرضه منه تخليص العقول من العلم السوفسطائي — أي الزائف — وإعدادها لقبول الحق، وينتقل إلى المرحلة الثانية فيساعد محدثيه بالأسئلة والاعتراضات مرتبة ترتيبًا منطقيًّا على الوصول إلى الحقيقة التي أقروا أنهم يجهلونها فيصلون إليها وهم لا يشعرون ويحسبون أنهم استكشفوها بأنفسهم، وهذا هو التوليد — أي استخراج الحق من النفس — وكان سقراط يقول في هذا المعنى: إنه يحترف صناعة أمه — وكانت قابلة — إلا أنه يولد نفوس الرجال[6]. والأمثلة كثيرة في محاورات أفلاطون.

ب - وأما في الفلسفة فكان يرى أن لكل شيء طبيعة أو ماهية هي حقيقته يكشفها العقل وراء العوارض المحسوسة ويعبر عنها بالحد، وأن غاية العلم إدراك الماهيات أي تكوين معان تامة الحد، فكان يستعين بالاستقراء، ويتدرج من الجزئيات إلى الماهية المشتركة بينها، ويرد كل جدل إلى الحد والماهية، فيسأل: ما الخير وما الشر، ما العدالة وما الظلم، ما الحكمة وما الجنون، ما الشجاعة وما الجبن، ما التقوى وما الإلحاد؟ وهكذا، فكان يجتهد في حد الألفاظ والمعاني [67]حدًّا جامعًا مانعًا، ويصنف الأشياء في أجناس وأنواع؛ ليمتنع الخلط بينها، في حين كان السوفسطائيون يستفيدون من اشتراك الألفاظ، وإبهام المعاني، ويتهربون من الحد الذي يكشف المغالطة، فهو «أول من طلب الحد الكلي طلبًا مطردًا وتوسل إليه بالاستقراء، وإنما يقوم العلم على هاتين الدعامتين، يكتسب الحد بالاستقراء، ويركب القياس بالحد، فالفضل راجع إليه في هذين الأمرين.»[7]

ولقد كان لاكتشافه الحد والماهية أكبر الأثر في مصير الفلسفة؛ فقد ميز بصفة نهائية بين موضوع العقل وموضوع الحس، وغير روح العلم تغييرًا تامًّا؛ لأنه إذ جعل الحد شرطًا له قضى عليه أن يكون مجموعة ماهيات، ونقله من مقولة الكمية؛ حيث استبقاه الطبيعيون والفيثاغوريون إلى مقولة الكيفية، فهو موجد «فلسفة المعاني» أو الماهيات المتجلية عند أفلاطون وأرسطو والتي ترى في الوجود مجموعة أشياء عقلية ومعقولة.

ج - سبقت الإشارة إلى أنه لم يحفل بالطبيعيات والرياضيات، ولم يكن موقفه بإزاء النظريات العلمية ليختلف كثيرًا عن موقف السوفسطائيين، فآثر النظر في الإنسان وانحصرت الفلسفة عنده في دائرة الأخلاق[8] باعتبارها أهم ما يهم الإنسان، وهذا معنى قول شيشرون: إن سقراط أنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض؛ أي إنه حول النظر من الفلك والعناصر إلى النفس، وتدور الأخلاق على ماهية الإنسان، وكان السوفسطائيون يذهبون إلى أن الطبيعة الإنسانية شهوة وهوى، وأن القوانين وضعها المشرعون لقهر الطبيعة، وأنها متغيرة بتغير العرف والظروف فهي نسبية غير واجبة الاحترام لذاتها، ومن حق الرجل القوي بالعصبية أو بالمال أو بالبأس أو بالدهاء أو بالجدل أن يستخف بها أو ينسخها [68]ويجري مع الطبيعة، فقال سقراط: بل الإنسان روح وعقل يسيطر على الحس ويدبره، والقوانين العادلة صادرة عن العقل ومطابقة للطبيعة الحقة وهي صورة من قوانين غير مكتوبة رسمها الآلهة في قلوب البشر، فمن يحترم القوانين العادلة يحترم العقل والنظام الإلهي، وقد يحتال البعض في مخالفتها بحيث لا يناله أذى في هذه الدنيا ولكنه مأخوذ بالقصاص العدل لا محالة في الحياة المقبلة، والإنسان يريد الخير دائمًا ويهرب من الشر بالضرورة، فمن تبين ماهيته وعرف خيره بما هو إنسان أراده حتمًا، أما الشهواني فرجل جهل نفسه وخيره، ولا يعقل أنه يرتكب الشر عمدًا، وعلى ذلك فالفضيلة علو والرذيلة جهل، وهذا قول مشهور عن سقراط يدل على مبلغ إيمانه بالعقل وحبه للخير، وإن كان فيه إسراف فما أجمله من إسراف!.

د - ولا شك أن سقراط كان متأثرًا بالأرفية المندمجة في الفيثاغورية، وأن ما بسطه أفلاطون في محاورته «أوطيفرون» من رأي في الدين يرجع لمعلمه، ونحن نقرأ فيها أن سقراط يأبى أن يصدق ما يروى عن شهوات الآلهة وخصوماتهم وإلا انهار الدين من أساسه، ولم نعد نعلم أي الأعمال يروق في أعين الآلهة وأيها لا يروق، ولا إن كان العمل الحسن عند أحدهم لا يعد مرذولًا عند غيره، ويحد الدين بأنه تكريم الضمير النقي للعدالة الإلهية لا تقديم القرابين وتلاوة الصلوات مع تلطخ النفس بالإثم، كذلك كان يعتقد أن الآلهة يرعوننا وأنهم عينوا لكل منا مهمة في هذه الدنيا، وكان يؤمن بالخلود ويعتقد أن النفس متمايزة من البدن فلا تفسد بفساده بل تخلص بالموت من سجنها وتعود إلى صفاء طبيعتها، وليس يهمنا كثيرًا أن نقف على شروحه وأدلته؛ فقد اصطنعها أفلاطون بلا ريب وزاد عليها، وليس من غضاضة على سقراط أن يفنى مجهوده في مجهود أفلاطون، فحسبه أنه باعث الفلسفة وموجهها وجهتها الروحية وشهيدها الأمين.

[69]

٢٧ – محاكمته ومماته:

أ - إذا كان منهجه قد حشد حوله جماهير الأثينيين وأفاده شهرة واسعة؛ فقد جلب عليه سخط هؤلاء الشعراء والخطباء والسياسيين الذين كانوا يقعون فريسة بين يديه يعبث بهم في الجدل، ويظهر الناس على فراغ رءوسهم وبطلان دعاواهم، وأقدم طعن وجه إليه فيما نعلم رواية «السُّحُب» لأرسطوفان يصوره فيها ذائع الصيت عظيم النفوذ — وكان سقراط حينذاك في السابعة والأربعين — صاحب مدرسة يعيش فيها التلاميذ عيشة مشتركة في فقر وقذارة، ويدرسون عليه الهندسة والطبيعة والفلك والآثار العلوية والجفرافيا وأعماق الأرض والكائنات الحية والبيان والنحو والعروض، ويمثله مرفوعًا في الفضاء يرصد السماء ويعزو إليه القول: إن الهواء مبدأ الأشياء ومبدأ الفكر، ويتهمه بالكفر بآلهة المدينة وبتعليم التلاميذ تغليب الباطل على الحق، ويعلن أن القصاص العادل إحراق المدرسة وقتل صاحبها والتلاميذ جميعًا، فأرسطوفان جمع في شخص سقراط خصائص الطبيعيين والسوفسطائيين، وقد يكون خدع في ذلك لما أراد أن يهجو الجماعة المتفلسفة المبتدعة؛ لما كان من مشابهة ظاهرة بين أسلوب سقراط وأسلوب السوفسطائيين يجادل مثلهم ويخوض مسائلهم، بحيث لم يكن من الميسور تمييزه منهم إلا للمقربين إليه الواقفين على آرائه، فاختاره بطلًا لروايته؛ لشهرته عند الأثينيين وغرابة هيئته، ورآه أدعى المتفلسفين لتكوين شخص رواية هزلية وإسقاط الجماعة الذين يمثلهم، وقد يكون سقراط امتحنه فيمن امتحن وأفحمه أمام الجمهور، فأراد هو أن ينتقم لنفسه ولزملائه، وأن يوقع بهذا الخصم العنيد، ومهما يكن من الباعث له فإن روايته لم تصادف إقبالًا ولم تلحق أي أذى بسقراط.

ب - وبعد ذلك بثلاث وعشرين سنة (٣٩٩) أخذ ثلاثة على أنفسهم [70]أن يبعثوا اتهامه وأن يؤيدوه أمام القضاء، فتقدموا بعريضة يدعون فيها «أنه ينكر آلهة المدينة ويقول بغيرهم ويفسد الشباب» ويطلبون الإعدام عقابًا له، هؤلاء الثلاثة هم: أنيتوس أحد رءوس الصناعة وزعماء الديمقراطية، وملاتوس شاعر شاب خامل، وليقون خطيب لا بأس به، أقام الدعوى ملاتوس وانضم إليه ووقع على عريضته الاثنان الآخران، ولكن المحرك الأصلي أنيتوس، أغرى صاحبيه بالمال واستغل حفيظتهما فإنه كان أقدر منهما على التأثير في سير الدعوى، فأسباب الاتهام شخصية وسياسية؛ لأن سقراط علاوة على تسفيه الشعراء والخطباء كثيرًا ما كان يحمل على النظام الديمقراطي، وينتقد ما يقوم عليه من مساواة مسرفة وقوة العدد وانتخاب بالقرعة، أما أركانه فهي أولًا: إنكار آلهة أثينا، وكان أكبر الكبائر عند الأثينيين؛ لأن كل مدينة كانت تعتبر آلهتها جزءًا لا يتجزأ من تقاليدها المقدسة، وترجع إليهم الفضل في نشوئها وحمايتها وترقيها، فالكفر بهم نكران للجميل واستنزال لغضبهم على المدينة وأهلها، ولكن سقراط كان يعتقد بالآلهة وعنايتهم، وكان يشترك في الشعائر الدينية فيلوح أن متهميه كانوا يتخذون حجة أنه فيلسوف، وقديمًا كان الفلاسفة متهمين في عقيدتهم، ثم إنهم كانوا يرمون إلى أن يستدرجوه لشرح رأيه في الآلهة فيثيروا العامة عليه. والركن الثاني من أركان الاتهام قوله بآلهة جدد، ويظهر أن المقصود به ذلك الصوت الذي كان سقراط يقول: إنه يسمعه في نفسه ينهاه عما اعتزمه من أفعال ضارة به وهو لا يدري، وكان يسميه بالروح الإلهي ولا ينسبه لإله معين. والركن الثالث إفساد الشباب؛ يقيمونه على أن سقراط يحدث تلاميذه ومستمعيه بآرائه في الآلهة، فينفرهم من الديانة الموروثة ويحضهم على التفكير الشخصي دون استناد إلى النقل والتقليد، فيضعف من طاعتهم لوالديهم ومن إخلاصهم للدولة.

[71]ج - أما المحكمة فكانت مؤلفة من محلفين اختيروا بالقرعة فيمن كانت سنهم تزيد على الثلاثين، ويظن أن عددهم كان خمسمائة واثنين فكانت المحكمة إذن جمعًا حاشدًا من النوتية والتجار، يتأثرون بالنزعات الشعبية، والتيارات الفجائية، ولا يصلحون بحال للنظر فيما ندبوا له، ودافع سقراط عن نفسه ولا نعلم ماذا قال، ولكنا إذا رجعنا إلى الدفاع الذي كتبه أفلاطون وأجرى فيه الكلام على لسان أستاذه ألفيناه يبدأ بالاعتذار من الكلام بلا تحضير ولا تنميق، ثم يذكر خصومه المتقدمين والمتأخرين فيرد أولًا على الشعراء الهزليين وبالأخص على أرسطوفان فينكر أنه اشتغل بالعلوم الطبيعية وأنه عرض للآلهة بسوء، ويعلل التحامل عليه بامتحانه المشهور، ويلتمس عذرًا لهذا الامتحان رغبته في التحقق من مراد أبولون، وينتقل إلى ملاتوس فيهزأ منه ويلقي عليه الأسئلة ويربكه، ولكنه لا يبسط معتقده الديني ولا يدحض التهمة دحضًا قاطعًا، وربما كان السبب في هذا التهرب إشفاقه على مثل هذه المسائل أن تثار أمام مثل هذه المحكمة، وتحاشيه إهاجة الجمهور على غير طائل، ويعود إلى رسالته ويقول: إن إرادة إلهية أوحت إليه أن يعظ مواطنيه ويحثهم على الصلاح وبعثته فيهم مهمازًا يحفزهم فهو نورهم وهدايتهم والمحسن إليهم بتعاليمه ونصائحه يبذلها لهم؛ ليؤدي واجبًا، ولا يبغي عرضًا من أعراض الدنيا، ويعلن إليهم أنه إذا صرف بريء الساحة فلن يغير من سيرته شيئًا، وكيف يغير وهو لا يخشى الموت، بل يؤثره على الحياة مع خيانة الواجب، وأخيرًا يفوض لهم الأمر بعد أن يذكر أنه يأبى أن يستعطفهم وأن يتنزل إلى ما يتنزل إليه غيره من ضروب الاسترحام المألوفة في المحاكم الشعبية كالبكاء والاستبكاء في حضرة الآباء والأبناء... ولم يكن هذا الشمم وهذا التحدي ليعجبا القضاة، ويقترع هؤلاء وتعلن النتيجة فإذا بالغالبية على أن سقراط مذنب، وكان القانون يخول المتهم حق مناقشة العقوبة المطلوبة [72]وتعيين العقوبة التي يرتضيها، فيستأنف سقراط الكلام ويصرح أنه لا يدهش للقرار، بل يدهش؛ لأنه صدر بغالبية ضئيلة؛ إذ كان يكفي أن ينحاز ثلاثون صوتًا منها للأقلية حتى تتساويا — فكأن الغالبية كانت ٢٨١ والأقلية ٢٢١ على تقدير أن عدد القضاة كان كما ذكرنا — ويرفض كل عقوبة؛ لأن الرضا بواحدة أيًّا كانت إقرار بالذنب وهو بريء محسن يجب أن يثاب على إحسانه، والثواب اللائق به أن يعيش في مجلس الشيوخ على نفقة الدولة، غير أن تلاميذه يلحون عليه فينتهي بأن يقبل تأدية غرامة، ويتقدم أفلاطون وبعض الأصدقاء بكفالته، ولكن القضاة كانوا قد غضبوا عليه فيقترعون فتحكم عليه بالإعدام أغلبية أعظم، فيعاود الكلام ويقول: إنه لا يأسف على شيء؛ لأنه لم يفعل ولم يقل إلا ما بدا له أنه حق، ويختم بكلمة طيبة إلى الذين اقترعوا في جانبه مؤكدًا لهم أنه مغتبط بالموت، وأنه لا يعتبر الموت شرًّا بل يرى فيه الخير كل الخير، سواء افترضناه سباتًا أبديًّا، أم بعثًا لحياة جديدة.[9]

د - وكانت أثينا ترسل كل سنة حجيجًا إلى معبد أبولون في جزيرة ديلوس، فاتفق أن كلل مؤخر المركب في اليوم السابق على صدور الحكم، وكان قانونًا مرعيًّا أن لا تدنس المدينة بإعدام طوال زمن الحج، وقد استغرق تلك السنة ثلاثين يومًا، فانتظر سقراط في سجنه أوبة المركب، وكان تلاميذه يختلفون إليه كل يوم يتلاقون عند الفجر في المحكمة، فإذا ما فتح باب السجن دخلوا، وكثيرًا ما كانوا يقضون معه النهار بأكمله، وكان هو ينظم في أوقات الفراغ: فنظم أمثال إيسوب، ونشيدًا لأبولون؛ ولم يكن قد نظم الشعر قبل ذلك، وإنما نظم امتثالًا لصوت طالما سمعه في المنام،[10] وائتمر تلاميذه فهيأوا [73]له أسباب الفرار، ووفروا له وسائل العيش في تساليا، وكان الفرار مستطاعًا، وكان العرف يعذر الفار في مثل هذه الحال، ولكنه أبى أن يهرب كالعبيد، وأن يخرج على قوانين بلاده، والقوانين سياج الدولة، في ظلها ينشأ الأفراد ويحيون؛ فإن كان الأثينيون قد ظلموه فبأي حق يستهين هو بالقوانين ويظلمها؟ ثم كيف يهرب وهو لم يغادر أثينا قط إلا للحرب دونها؟ وهو أينما يذهب سيثابر على خطته من الوعظ والتأنيب وإلا ضاع لديه كل معنى للحياة وأغضب الإله، فهل يكون الأجانب أوسع صدرًا من مواطنيه؟[11]

ه - ولما عادت المركب وحل الجل بكر التلاميذ ما خلا أفلاطون فقد كان مريضًا، وجاء بعض الفيثاغوريين فأدخلوا عليه فوجدوا زوجته جالسة بجانبه تحمل ابنهما الصغير، فلما وقع نظرها عليهم أخذت تنتحب وتندب فأمر أن تصرف إلى المنزل، فأخذها بعض الخدم وهي تصيح وتضرب صدرها،[12] وجلس إليه مريدوه، وكان هو سعيدًا، وكان شيء من هذه السعادة ينتقل إلى نفوسهم فيتحدثون معه على عادتهم ويضحكون ثم يفكرون في موته فيبكون ثم يستأنفون الحديث وهكذا،[13] وكان معظم حديثهم في خلود النفس حتى إذا ما تقدم النهار قام فاستحم ليكفي النساء مئونة إحمام جثة هامدة؛ فلما رجع أدخل عليه قريباته ومعهن أولاده الثلاثة فكلمهم ثم صرفهم، ولما آذنت الشمس بالمغيب دخل السجان وأبلغه دنو الساعة وأثنى على خلقه وبكى — وكان الغروب ميعاد الإعدام عندهم — فأمر سقراط بالسم فأحضر له مسحوقًا في كاس فتناولها بثبات ودعا الآلهة أن يوفقوه في هذا الرحيل من العالم الفاني إلى العالم الباقي، [74]وشرب الكأس حتى النهاية دون تردد ولا اشمئزاز، وأجهش التلاميذ بالبكاء فانتهرهم وأخذ يتمشى حتى إذا ما أحس بثقل رجليه استلقى على ظهره كما أوصاه صاحب السم، وأخذت البرودة تغشى جسمه من أسفل إلى أعلى فيفقد الإحساس شيئًا فشيئًا حتى بلغت القلب فاعترته رجفة فأطبق أقريطون فمه وعينيه.[14]

* * *

و - «ولما ضرب الراعي تشتتت الخراف»، ونقصد بهذه الخراف على الخصوص النابهين من تلاميذه؛ فشخص إقليدس إلى ميغاري وأنشأ المدرسة الميغارية، ولحق به أفلاطون وقضى معه زمنًا غير يسير، ورحل أرستبوس إلى صقلية ثم عاد إلى وطنه قورينا[15] وأنشأ المدرسة القورينائية، وأسس أنتستان في أثينا المدرسة الكلبية، وكان لهذه المدارس شأن، ولكنا نرجئ الكلام عليها إلى الدور الثالث؛ لأنها متصلة به، شبيهة بمدارسه.


  1. مدرسة أفلاطون (الباب الثاني) ومدارس «صغار السقراطيين» (الفصل الأول من الباب الرابع).
  2. انظر فيما بعد عدد (٢٩–ب)، و(٣٠–أ).
  3. انظر فيما بعد عدد (٤٠–ج).
  4. انظر أفلاطون: «احتجاج سقراط على أهل أثينا».
  5. أفلاطون: «الجمهورية» م١ ص٣٣٧ (أ).
  6. أفلاطون: «تيتياتوس» ص١٤٩–١٥٢.
  7. أرسطو: ما بعد الطبيعة م١ ف٦ ص٩٨٧ ع ب س١–٤ وم١٣ ف٤ ص١٠٧٨ ع ب س١٦–٣٠ باختصار.
  8. أرسطو: في الموضعين المتقدمين.
  9. أفلاطون: «احتجاج سقراط على أهل أثينا».
  10. أفلاطون: «فيدون» ص٥٨–٦١.
  11. أفلاطون: «أقريطون».
  12. أفلاطون: «فيدون» ص٦٠ (أ).
  13. أفلاطون: «فيدون» ص٥٨ (أ)–٥٩.
  14. «فيدون» ص١١٦–١١٨.
  15. هي الآن قرية صغيرة تدعى قرنة في بلاد برقة (طرابلس الغرب).