الفرق بين المراجعتين ل"مجموع الفتاوى/المجلد الثاني عشر/سئل عن رجل قال إن الله لم يكلم موسى تكليما"

ط
(استيراد تلقائي للمقالات - كتابة على الأعلى)
 
فأجاب:
 
الحمد لله، ليس هذا على الصواب، بل هذا ضال مفتر كاذب باتفاق سلف الأمة وأئمتها، بل هو كافر يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وإذا قال: لا أكذب بلفظ القرآن وهو قوله: { وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا } <ref name="النساء: 164">[النساء: 164]</ref> بل أقر بأن هذا اللفظ حق، لكن أنفي معناه وحقيقته، فإن هؤلاء هم الجهمية الذين اتفق السلف والأئمة على أنهم من شر أهل الأهواء والبدع، حتى أخرجهم كثير من الأئمة عن الثنتين والسبعين فرقة.
 
وأول من قال هذه المقالة في الإسلام كان يقال له: الجعد بن درهم، فضَحَّى به خالد بن عبد الله القسرى يوم أضحى؛ فإنه خطب الناس فقال في خطبته: ضَحُّوا أيها الناس، تقبل الله ضحاياكم، فإنى مُضَحٍّ بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما، تعالى الله عما يقول الجعد علوًا كبيرًا، ثم نزل فذبحه. وكان ذلك في زمن التابعين فشكروا ذلك، وأخذ هذه المقالة عنه جَهْم بن صفوان، وقتله بخراسان سلمة بن أحوز، وإليه نسبت هذه المقالة التي تسمى مقالة الجهمية، وهى نفي صفات الله تعالى فإنهم يقولون: إن الله لا يرى في الآخرة، ولا يكلم عباده، وأنه ليس له علم ولا حياة ولا قدرة ونحو ذلك من الصفات، ويقولون: القرآن مخلوق.
وأما إطلاق القول بأن الله لم يكلم موسى، فهذه مناقضة لنص القرآن، فهو أعظم من القول بأن القرآن مخلوق، وهذا بلا ريب يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، فإنه أنكر نص القرآن، وبذلك أفتى الأئمة والسلف في مثله، والذي يقول: القرآن مخلوق هو في المعنى موافق له، فلذلك كفره السلف.
 
قال البخاري في كتاب خلق الأفعال: قال سفيان الثوري: من قال: القرآن مخلوق، فهو كافر. قال: وقال عبد الله بن المبارك: من قال: { إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي } <ref name="طه: 14">[طه: 14]</ref> مخلوق، فهو كافر، ولا ينبغي لمخلوق أن يقول ذلك، قال: وقال [[ابن المبارك]]: لا نقول كما قالت الجهمية: إنه في الأرض هاهنا، بل على العرش استوى. وقيل له: كيف نعرف ربنا؟ قال: فوق سمواته على عرشه، بائن من خلقه.
 
وقال: من قال: لا إله إلا الله مخلوق، فهو كافر، وإنا نحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية. قال: وقال على بن عاصم: ما الذين قالوا: إن لله ولدًا أكفر من الذين قالوا: إن الله لا يتكلم.
 
قال البخاري: وكان إسماعيل بن أبي إدريس يسميهم زنادقة العراق. وقيل له: سمعت: أحدًا يقول: القرآن مخلوق فقال: هؤلاء الزنادقة. قال: وقال أبو الوليد سمعت يحيى بن سعيد -وذكر له أن قومًا يقولون: القرآن مخلوق فقال: كيف يصنعون ب { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } <ref>[الإخلاص: 1]</ref> كيف يصنعون بقوله: { إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا } ؟ قال: وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: نظرت في كلام اليهود والمجوس فما رأيت قومًا أضل في كفرهم منهم، وإني لأستجهل من لا يكفرهم إلا من لا يعرف كفرهم. قال: وقال سليمان بن داود الهاشمي: من قال: القرآن مخلوق، فهو كافر، وإن كان القرآن مخلوقًا كما زعموا فلم صار فرعون أولى بأن يخلد في النار إذ قال: { فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى } <ref>[النازعات: 24]</ref>؟ وزعموا أن هذا مخلوق، والذي قال: { إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي } <ref>[ name="طه: 14]<"/ref> هذا أيضا قد ادعى ما ادعى فرعون، فلم صار فرعون أولى بأن يخلد في النار من هذا؟ وكلاهما عنده مخلوق، فأخبر بذلك أبو عبيد، فاستحسنه وأعجبه.
 
ومعنى كلام هؤلاء السلف رضي الله عنهم: أن من قال: إن كلام الله مخلوق خلقه في الشجرة أو غيرها كما قال هذا الجهمي المعتزلي المسؤول عنه كان حقيقة قوله: إن الشجرة هي التي قالت لموسى: { إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي } ومن قال: هذا مخلوق، قال ذلك. فهذا المخلوق عنده كفرعون الذي قال: { أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى } كلاهما مخلوق، وكلاهما قال ذلك. فإن كان قول فرعون كفرًا فقول هؤلاء أيضا كفر.
ثم هذه الأسماء المشتقة من المصدر إنما يسمى بها من قام به مسمى المصدر، فإنما يسمى بالحي من قامت به الحياة، وبالمتحرك من قامت به الحركة، وبالعالم من قام به العلم، وبالقادر من قامت به القدرة، فأما من لم يقم به مسمى المصدر فيمتنع أن يسمى باسم الفاعل ونحوه من الصفات. وهذا معلوم بالاعتبار في جميع النظائر.
 
وذلك لأن اسم الفاعل ونحوه من المشتقات هو مركب يدل على الذات وعلى الصفة، والمركب يمتنع تحققه بدون تحقق مفرداته، وهذا كما أنه ثابت في الأسماء المشتقة فكذلك في الأفعال: مثل تكلم وكلم ويتكلم ويكلم وعلم ويعلم وسمع ويسمع ورأى ويرى ونحو ذلك سواء قيل: إن الفعل المشتق من المصدر، أو المصدر مشتق من الفعل، لا نزاع بين الناس أن فاعل الفعل هو فاعل المصدر. فإذا قيل: كلم أو علم أو تكلم أو تعلم، ففاعل التكليم والتعليم هو المكلم والمعلم، وكذلك التعلم والتكلم، والفاعل هو الذي قام به المصدر الذي هو التكليم والتعليم والتكلم والتعلم، فإذا قيل: تكلم فلان أو كلم فلان فلانًا، ففلان هو المتكلم والمكلم، فقوله تعالى: { وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا } <ref>[ name="النساء: 164]<"/ref>، وقوله: { تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ } <ref>[البقرة: 253]</ref>، وقوله: { وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ } <ref>[الأعراف: 143]</ref>، يقتضى أن الله هو المكلم، فكما يمتنع أن يقال: هو متكلم بكلام قائم بغيره، يمتنع أن يقال: كلم بكلام قائم بغيره. فهذه خمسة أوجه:
 
أحدها: أنه يلزم الجهمية على قولهم أن يكون كل كلام خلقه الله كلامًا له؛ إذ لا معنى لكون القرآن كلام الله إلا كونه خلقه، وكل من فعل كلاما ولو في غيره كان متكلمًا به عندهم، وليس للكلام عندهم مدلول يقوم بذات الرب تعالى لو كان مدلول قائمًا يدل لكونه خلق صوتًا في محل والدليل يجب طرده، فيجب أن يكون كل صوت يخلقه له كذلك، وهم يجوزون أن يكون الصوت المخلوق على جميع الصفات، فلا يبقى فرق بين الصوت الذي هو كلام الله تعالى على قولهم والصوت الذي هو ليس بكلام.
وكلام السلف والأئمة في مثل هؤلاء لا يحصى. قال حرب بن إسماعيل الكرماني: سمعت [[إسحاق بن راهويه]] يقول: ليس بين أهل العلم اختلاف أن القرآن كلام الله وليس بمخلوق، وكيف يكون شيء من الرب عز ذكره مخلوقا، ولو كان كما قالوا لزمهم أن يقولوا: علم الله وقدرته ومشيئته مخلوقة، فإن قالوا ذلك لزمهم أن يقولوا: كان الله تبارك اسمه ولا علم ولا قدرة ولا مشيئة، وهو الكفر المحض الواضح، لم يزل الله عالمًا متكلمًا له المشيئة والقدرة في خلقه، والقرآن كلام الله وليس بمخلوق، فمن زعم أنه مخلوق فهو كافر.
 
وقال وَكِيع بن الجراح: من زعم أن القرآن مخلوق فقد زعم أن شيئًا من الله مخلوق. فقيل له: من أين قلت هذا؟ قال: لأن الله يقول: { وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ } <ref name="السجدة: 13">[السجدة: 13]</ref>، ولا يكون من الله شيء مخلوق. وهذا القول قاله غير واحد من السلف.
 
وقال أحمد بن حنبل: كلام الله من الله ليس ببائن منه، وهذا معنى قول السلف: القرآن كلام الله، منه بدأ، ومنه خرج، وإليه يعود كما في الحديث الذي رواه أحمد وغيره عن جبير بن نفير قال: قال رسول الله {{صل}}: «إنكم لن ترجعوا إلى الله بشيء أفضل مما خرج منه» يعني: القرآن، وقد روى أيضا عن أبي أمامة مرفوعًا. وقال أبوبكر الصديق لأصحاب مسيلمة الكذاب لما سمع [[قرآن مسيلمة]]: ويحكم! أين يذهب بعقولكم؟ إن هذا كلامًا لم يخرج من إل. أي: من رب.
 
وليس معنى قول السلف والأئمة: إنه منه خرج ومنه بدأ: أنه فارق ذاته وحل بغيره، فإن كلام المخلوق إذا تكلم به لا يفارق ذاته ويحل بغيره، فكيف يكون كلام الله؟ قال تعالى: { مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا } <ref>[الكهف: 5]</ref>، فقد أخبر أن الكلمة تخرج من أفواههم، ومع هذا فلم تفارق ذاتهم.
وأيضا، فالصفة لا تفارق الموصوف وتحل بغيره، لا صفة الخالق ولا صفة المخلوق، والناس إذا سمعوا كلام النبي {{صل}} ثم بلغوه عنه كان الكلام الذي بلغوه كلام رسول الله {{صل}} وقد بلغوه بحركاتهم وأصواتهم. فالقرآن أولى بذلك، فالكلام كلام الباري والصوت صوت القارئ، قال تعالى: { وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ } <ref>[التوبة: 6]</ref>، وقال {{صل}}: «زينوا القرآن بأصواتكم».
 
ولكن مقصود السلف الرد على هؤلاء الجهمية؛ فإنهم زعموا أن القرآن خلقه الله في غيره، فيكون قد ابتدأ وخرج من ذلك المحل الذي خلق فيه لا من الله، كما يقولون: كلامه لموسى خرج من الشجرة، فبين السلف والأئمة أن القرآن من الله بدأ وخرج، وذكروا قوله: { وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ } <ref>[ name="السجدة: 13]<"/ref> فأخبر أن القول منه لا من غيره من المخلوقات.
 
و"من" هي لابتداء الغاية، فإن كان المجرور بها عينا يقوم بنفسه لم يكن صفة لله، كقوله: { وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ } <ref>[الجاثية: 13]</ref>، وقوله في المسيح: { وَرُوحٌ مِّنْهُ } <ref>[النساء: 171]</ref>، وكذلك ما يقوم بالأعيان كقوله: { وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ } <ref>[النحل: 53]</ref>.
 
وأما إذا كان المجرور بها صفة ولم يذكر لها محل كان صفة الله، كقوله: { وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ } <ref>[ name="السجدة: 13]<"/ref>، وكذلك قد أخبر في غير موضع من القرآن أن القرآن نزل منه، وأنه نزل به جبريل منه، ردًا على هذا المبتدع المفترى وأمثاله ممن يقول: إنه لم ينزل منه، قال تعالى: { أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ } <ref>[الأنعام: 114]</ref>، وقال تعالى: { قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ } <ref name="النحل: 102">[النحل: 102]</ref>، وروح القدس هو جبريل، كما قال في الآية الأخرى: { نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ } <ref>[الشعراء: 193، 194]</ref>، وقال: { قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ } <ref>[البقرة: 97]</ref>، وقال هنا: { نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ } <ref>[ name="النحل: 102]<"/ref>، فبين أن جبريل نزله من الله، لا من هواء، ولا من لوح، ولا غير ذلك، وكذلك سائر آيات القرآن كقوله: { تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ } <ref>[الزمر: 1]</ref>، وقوله: { حم تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ } <ref>[غافر: 1، 2]</ref>، وقوله: { حم تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } <ref>[فصلت: 1، 2]</ref>، وقوله: { الم تَنزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ } <ref>[السجدة: 1، 2]</ref>، وقوله: { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ } <ref name="المائدة: 67">[المائدة: 67]</ref>.
 
فقد بين في غير موضع أنه منزل من الله، فمن قال: إنه منزل من بعض المخلوقات كاللوح والهواء فهو مفتر على الله، مكذب لكتاب الله. متبع لغير سبيل المؤمنين. ألا ترى أن الله فرق بين ما نزل منه وما نزله من بعض المخلوقات كالمطر بأن قال: { أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء } <ref>[الرعد: 17]</ref>؟ فذكر المطر في غير موضع، وأخبر أنه نزله من السماء، والقرآن أخبر أنه منزل منه، وأخبر بتنزيل مطلق في مثل قوله: { وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ } <ref>[الحديد: 25]</ref> لأن الحديد ينزل من رؤوس الجبال لا ينزل من السماء، وكذلك الحيوان؛ فإن الذكر ينزل الماء في الإناث، فلم يقل فيه من السماء، ولو كان جبريل أخذ القرآن من اللوح المحفوظ لكان اليهود أكرم على الله من أمة محمد؛ لأنه قد ثبت بالنقل الصحيح: أن الله كتب لموسى التوراة بيده وأنزلها مكتوبة، فيكون بنو إسرائيل قد قرؤوا الألواح التي كتبها الله، وأما المسلمون فأخذوه عن محمد {{صل}}، ومحمد أخذه عن جبريل، وجبريل عن اللوح، فيكون بنو إسرائيل بمنزلة جبريل، وتكون منزلة بني إسرائيل أرفع من منزلة محمد {{صل}} على قول هؤلاء الجهمية، والله سبحانه جعل من فضائل أمة محمد {{صل}}: أنه أنزل عليهم كتابا لا يغسله الماء، وأنه أنزله عليهم تلاوة لا كتابة، وفرقه عليهم لأجل ذلك. فقال: { وَقُرْآنا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلا } <ref>[الإسراء: 106]</ref>، وقال تعالى: { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا } <ref>[الفرقان: 32]</ref>.
ثم إن كان جبريل لم يسمعه من الله وإنما وجده مكتوبًا، كانت العبارة عبارة جبريل، وكان القرآن كلام جبريل، ترجم به عن الله، كما يترجم عن الأخرس الذي كتب كلامًا ولم يقدر أن يتكلم به، وهذا خلاف دين المسلمين.
 
وإن احتج محتج بقوله: { إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ } <ref>[التكوير: 19، 20]</ref>، قيل له: فقد قال في الآية الأخرى: { إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ } <ref>[الحاقة: 4042]</ref>، فالرسول في هذه الآية محمد {{صل}}، والرسول في الأخرى جبريل، فلو أريد به أن الرسول أحدث عبارته لتناقض الخبران. فعلم أنه أضافه إليه إضافة تبليغ لا إضافة إحداث؛ ولهذا قال: { لَقَوْلُ رَسُولٍ } ولم يقل: ملك ولا نبي، ولا ريب أن الرسول بلغه، كما قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ } <ref>[ name="المائدة: 67]<"/ref>، فكان النبي {{صل}} يعرض نفسه على الناس في الموسم ويقول: «ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي؛ فإن قريشًا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي؟ »، ولما أنزل الله: { الم غُلِبَتِ الرُّومُ } <ref>[الروم: 1، 2]</ref>، خرج أبو بكر الصديق فقرأها على الناس، فقالوا: هذا كلامك أم كلام صاحبك؟ فقال: ليس بكلامي ولا كلام صاحبي، ولكنه كلام الله.
 
وإن احتج بقوله: { مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ } <ref>[الأنبياء: 2]</ref>، قيل له: هذه الآية حجة عليك، فإنه لما قال: { مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ } علم أن الذكر منه محدث ومنه ما ليس بمحدث؛ لأن النكرة إذا وصفت ميز بها بين الموصوف وغيره، كما لو قال: ما يأتيني من رجل مسلم إلا أكرمته، وما آكل إلا طعامًا حلالا ونحو ذلك، ويعلم أن المحدث في الآية ليس هو المخلوق الذي يقوله الجهمي، ولكنه الذي أنزل جديدًا؛ فإن الله كان ينزل القرآن شيئًا بعد شيء، فالمنزل أولا هو قديم بالنسبة إلى المنزل آخرًا، وكل ما تقدم على غيره فهو قديم في لغة العرب، كما قال: { وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ } <ref>[يس: 39]</ref>، وقال: { قَالُواْ تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ } <ref>[يوسف: 95]</ref> وقال: { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ } <ref>[الأحقاف: 11]</ref> وقال: { قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ } <ref>[الشعراء: 75، 76]</ref>، وكذلك قوله: { جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا } <ref>[الزخرف: 3]</ref> لم يقل: جعلناه فقط، حتى يظن أنه بمعنى خلقناه، ولكن قال: { جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا } أي: صيرناه عربيًا؛ لأنه قد كان قادرًا على أن ينزله عجميًا، فلما أنزله عربيا كان قد جعله عربيًا دون عجمي. وهذه المسألة من أصول أهل الإيمان والسنة التي فارقوا بها الجهمية من المعتزلة والفلاسفة ونحوهم، والكلام عليها مبسوط في غير هذا الموضع، والله أعلم.
 
{{مجموع الفتاوى/12}}
 
[[تصنيف:مجموع الفتاوى:التفسير|{{SUBPAGENAME}}]]