الفرق بين المراجعتين ل"مجموع الفتاوى/المجلد الثاني والثلاثون"

ط
استبدال, replaced: قرآن مسيلمة → قرآن مسيلمة باستخدام الأوتوويكي براوزر
ط (استبدال, replaced: قرآن مسيلمة → قرآن مسيلمة باستخدام الأوتوويكي براوزر)
المطلقة ثلاثًا هي أجنبية من الرجل، بمنزلة سائر الأجنبيات، فليس للرجل أن يخلو بها، كما ليس له أن يخلو بالأجنبية. وليس له أن ينظر إليها إلى مالا ينظر إليه من الأجنبية؛ وليس له عليها حكم أصلا.
 
ولا يجوز له أن يواطئها على أن تزوج غيره ثم تطلقه وترجع إليه، ولا يجوز أن يعطيها ما تنفقه في ذلك؛ فإنها لو تزوجت رجلا غيره بالنكاح المعروف الذي جرت به عادة المسلمين ثم مات زوجها أو طلقها ثلاثا لم يجز لهذا الأول أن يخطبها في العدة صريحا باتفاق المسلمين، كما قال تعالى: { وَلاَ جُنَاحَ عليكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاء أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا } <ref name="البقرة: 235">[البقرة: 235]</ref>، ونهاه أن يعزم عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله، أي حتى تنقضي العدة. فإذا كان قد نهاه عن هذه المواعدة والعزم في العدة فكيف إذا كانت في عصمة زوجها؟ فكيف إذا كان الرجل لم يتزوجها بعد؛ تواعد على أن تتزوجه، ثم تطلقه، وتزوج بها المواعد. فهذا حرام باتفاق المسلمين، سواء قيل: إنه يصح نكاح المحلل، أو قيل: لا. فلم يتنازعوا في أن التصريح بخطبة معتدة من غيره أو متزوجة بغيره أو بخطبة مطلقة ثلاثا أنه لا يجوز. ومن فعل ذلك يستحق العقوبة في الدنيا والآخرة باتفاق الأئمة.
 
===سئل عن رجل يتكلم شبه كلام النساء===
وقال شيخ الإسلام رحمه الله:
 
فصل في الأسباب التي بين الله وعباده، وبين العباد: الخلقية والكسبية، الشرعية والشرطية، قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عليكُمْ رَقِيبًا } <ref name="النساء: 1">[النساء: 1]</ref>، افتتح السورة بذكر خلق الجنس الإنساني من نفس واحدة؛ وأن زوجها مخلوق منها، وأنه بث منهما الرجال والنساء؛ أكمل الأسباب وأجلها، ثم ذكر ما بين الآدميين من الأسباب المخلوقة الشرعية: كالولادة، ومن الكسبية الشرطية: كالنكاح. ثم قال: { وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ }. قال طائفة من المفسرين من السلف: { تَسَاءلُونَ بِهِ }: تتعاهدون به، وتتعاقدون. وهو كما قالوا؛ لأن كل واحد من المتعاقدين عقد البيع أو النكاح أو الهدنة أو غير ذلك يسأل الآخر مطلوبه؛ هذا يطلب تسليم المبيع، وهذا تسليم الثمن. وكل منهما قد أوجب على نفسه مطلوب الآخر، فكل منهما طالب من الآخر موجب لمطلوب الآخر.
 
ثم قال: { وَالأَرْحَامَ }. والعهود والأرحام: هما جماع الأسباب التي بين بني آدم؛ فإن الأسباب التي بينهم: إما أن تكون بفعل الله أو بفعلهم. فالأول الأرحام، والثاني العهود؛ ولهذا جمع الله بينهما في مواضع، في مثل قوله: { لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً } <ref name="التوبة: 10">[التوبة: 10]</ref>، فالإل: القرابة، والرحم، والذمة: العهد، والميثاق. وقال تعالى في أول البقرة: { الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ } <ref>[البقرة: 27]</ref>، وقال: { الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ } إلى قوله: { وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ } <ref>[الرعد: 20 25]</ref>. واعلم أن حق الله داخل في الحقين، ومقدم عليهما؛ ولهذا قدمه في قوله: { اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم } <ref>[ name="النساء: 1]<"/ref>، فإن الله خلق العبد وخلق أبويه، وخلقه من أبويه. فالسبب الذي بينه وبين الله هو الخلقي التام؛ بخلاف سبب الأبوين؛ فإن أصل مادته منهما، وله مادة من غيرهما؛ ثم إنهما لم يصوراه في الأرحام. والعبد ليس له مادة إلا من أبويه، والله هو خالقه وبارئه ومصوره ورازقه وناصره وهاديه، وإنما حق الأبوين فيه بعض المناسبة لذلك؛ فلذلك قرن حق الأبوين بحقه في قوله: { أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ } <ref>[لقمان: 14]</ref>، وفي قوله: { وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شيئا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا } <ref>[النساء: 36]</ref>، وفي قوله: { وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا } <ref>[الإسراء: 23]</ref>.
 
وجعل النبي {{صل}} التبرؤ من الأبوين كفرا؛ لمناسبته للتبرؤ من الرب. وفي الحديث الصحيح: (من ادعي إلى غير أبيه وهو يعلمه إلا كفر) أخرجاه في الصحيحين، وقوله: (كفر بالله من تبرأ من نسب وإن دق)، وقوله: (لا ترغبوا عن آبائكم، فإن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم. فحق النسب والقرابة والرحم تقدمه حق الربوبية، وحق القريب المجيب الرحمن؛ فإن غاية تلك أن تتصل بهذا، كما قال الله: (أنا الرحمن، خلقت الرحم وشققت لها من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها بتته)، وقال: (الرحم شُجْنَة من الرحمن)، وقال: (لما خلق الله الرحم تعلقت بحقو الرحمن، فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة). وقد قيل في قوله: { لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ } <ref>[ name="التوبة: 10]<"/ref>، إن "الإل": الرب، كقول الصديق لما سمع [[قرآن مسيلمة]]: إن هذا كلام لم يخرج من إلّ. وأما دخول حق الرب في العهود والعقود. فكدخول العبد في الإسلام، وشهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمدا رسول الله؛ فإن هذا عهد الإسلام، وهو أشرف العهود وأوكدها وأعمها وأكملها.
 
==باب أركان النكاح وشروطه==
ولهذا جعل ذلك عوضا عن المتعة عند ابن عمر والشافعي وأحمد في إحدى الروايات عنه، فأوجبوا المتعة لكل مطلقة؛ إلا لمن طلقت بعد الفرض وقبل الدخول والمسيس، فحسبها ما فرض لها. وأحمد في الرواية الأخرى مع أبي حنيفة وغيره لا يوجبون المتعة إلا لمن طلقت قبل الفرض والدخول، ويجعلون المتعة عوضا عن نصف الصداق، ويقولون: كل مطلقة فإنها تأخذ صداقا، إلا هذه. وأولئك يقولون: الصداق استقر قبل الطلاق بالعقد والدخول، والمتعة سببها الطلاق، فتجب لكل مطلقة، لكن المطلقة بعد الفرض وقبل المسيس متعت بنصف الصداق، فلا تستحق الزيادة. وهذا القول أقوي من ذلك القول: فإن الله جعل الطلاق سبب المتعة، فلا يجعل عوضا عما سببه العقد والدخول، لكن يقال على هذا: فالقول الثالث أصح، وهو الرواية الأخرى عن أحمد: أن كل مطلقة لها متعة؛ كما دل عليه ظاهر القرآن وعمومه، حيث قال: { وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ } <ref>[البقرة: 241]</ref>.
 
وأيضا، فإنه قد قال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عليهنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا } <ref name="الأحزاب: 49">[الأحزاب: 49]</ref>. فأمر بتمتيع المطلقات قبل المسيس، ولم يخص ذلك بمن لم يفرض لها، مع أن غالب النساء يطلقهن بعد الفرض.
 
وأيضا، فإذا كان سبب المتعة هو الطلاق، فسبب المهر هو العقد. فالمفوضة التي لم يسم لها مهرا يجب لها مهر المثل بالعقد، ويستقر بالموت، على القول الصحيح الذي دل عليه حديث بروع بنت واشق، التي تزوجت ومات عنها زوجها قبل أن يفرض لها مهر، وقضي لها النبي {{صل}} بأن لها مهر امرأة من نسائها، لا وَكْسَ ولا شَطَط، لكن هذه لو طلقت قبل المسيس لم يجب لها نصف المهر بنص القرآن؛ لكونها لم تشترط مهرا مسمي، والكسر الذي حصل لها بالطلاق انجبر بالمتعة، وليس هذا موضع بسط هذه المسائل.
فأجاب:
 
هذه يجوز تزويجها بكفءٍ لها عند أكثر السلف والفقهاء، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في ظاهر مذهبه، وغيرهما. وقد دل على ذلك الكتاب والسنة، كقوله تعالى: { وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاء } الآية <ref name="النساء: 127">[النساء: 127]</ref>. وقد أخرجا تفسير هذه الآية في الصحيحين عن عائشة، وهو دليل في اليتيمة؛ وزوجها من يعدل عليها في المهر، لكن تنازع هؤلاء: هل تزوج بإذنها أم لا؟ فذهب أبو حنيفة أنها تزوج بغير إذنها، ولها الخيار إذا بلغت، وهي رواية عن أحمد. وظاهر مذهب أحمد أنها تزوج بغير إذنها إذا بلغت تسع سنين، ولا خيار لها إذا بلغت؛ لما في السنن عن النبي {{صل}} أنه قال: (اليتيمة تستأذن في نفسها، فإن سكتت فقد أذنت، وإن أبت فلا جواز عليها)، وفي لفظ: (لا تنكح اليتيمة حتى تستأذن، فإن سكتت فقد أذنت، وإن أبت فلا جواز عليها).
 
===سئل عن صغيرة دون البلوغ مات أبوها هل يجوز للحاكم أن يزوجها===
فأجاب:
 
إذا بلغت تسع سنين فإنه يزوجها الأولياء من العصبات والحاكم ونائبه في ظاهر مذهب أحمد، وهو مذهب أبي حنيفة وغيرهما، كما دل على ذلك الكتاب والسنة في مثل قوله تعالى: { وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عليكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاء الَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ } <ref>[ name="النساء: 127]<"/ref>. وأخرجا في الصحيحين عن عروة بن الزبير، أنه سأل عائشة عن قول الله عز وجل: { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ } <ref name="النساء: 3">[النساء: 3]</ref>. قالت: يا ابن أختي، هذه اليتيمة في حجر وليها تشاركه في ماله، فيعجبه مالها وجمالها؛ فيريد وليها أن يتزوجها من غير أن يقسط في صداقها؛ فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن، ويبلغوا بهن على سنتهن في الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن. قال عروة: قالت عائشة: ثم إن الناس استفتوا رسول الله {{صل}} بعد هذه الآية فيهن، فأنزل الله عز وجل: { وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ } الآية <ref>[ name="النساء: 127]<"/ref>. قالت عائشة: والذي ذكر الله أنه { وَمَا يُتْلَى عليكُمْ فِي الْكِتَابِ } الآية <ref>[ name="النساء: 127]<"/ref>، الأولى التي قالها الله عز وجل: { وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ } <ref>[ name="النساء: 3]<"/ref>، قالت عائشة: وقول الله عز وجل في الآية الأخري: { وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ } <ref>[ name="النساء: 127]<"/ref>، رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره حيث تكون قليلة المال والحال. وفي لفظ آخر: إذا كانت ذات مال وجمال رغبوا في نكاحها في إكمال الصداق، وإذا كانت مرغوبا عنها في قلة المال والجمال رغبوا عنها، وأخذوا غيرها من النساء. قال: فكما يتركونها حتى يرغبوا عنها، فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها، إلا أن يقسطوا لها ويعطوها حقها من الصداق. فهذا يبين أن الله أذن لهم أن يزوجوا اليتامي من النساء إذا فرضوا لهن صداق مثلهن، ولم يأذن لهم في تزويجهن بدون صداق المثل؛ لأنها ليست من أهل التبرع؛ ودلائل ذلك متعددة.
 
ثم الجمهور الذين جوزوا إنكاحها لهم قولان:
هذا العقد صحيح في مذهب أحمد المنصوص عنه في أكثر أجوبته، الذي عليه عامة أصحابه، ومذهب أبي حنيفة أيضا، لكن أحمد في المشهور عنه يقول: إذا زوجت بإذنها وإذن أخيها لم يكن لها الخيار إذا بلغت. وأبو حنيفة وأحمد في رواية يقول: تزوج بلا إذنها، ولها الخيار إذا بلغت. وهذا أحد القولين في مذهب مالك أيضا. ثم عنه رواية: إن دعت حاجة إلى نكاحها، ومثلها يوطأ جاز. وقيل: تزوج ولها الخيار إذا بلغت. وقال ابن بشير: اتفق المتأخرون أنه يجوز نكاحها إذا خيف عليها الفساد. والقول الثالث: وهو قول الشافعي وأحمد في الرواية الأخري: أنها لا تزوج حتى تبلغ، إذا لم يكن لها أب وجد. قالوا: لأنه ليس لها ولي يجبر، وهي في نفسها لا إذن لها قبل البلوغ؛ فتعذر تزويجها بإذنها وإذن وليها.
 
والقول الأول أصح بدلالة الكتاب والسنة والاعتبار؛فإن الله تعالى يقول: { وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عليكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاء الَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِهِ عليمًا } <ref>[ name="النساء: 127]<"/ref>، وقد ثبت عن عائشة رضي الله عنها أن هذه الآية نزلت في اليتيمة تكون في حجر وليها، فإن كان لها مال وجمال تزوجها ولم يقسط في صداقها؛ فإن لم يكن لها مال لم يتزوجها، فنهي أن يتزوجها حتى يقسط في صداقها؛ من أجل رغبته عن نكاحها إذا لم يكن لها مال. وقوله: { قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عليكُمْ فِي الْكِتَابِ } يفتيكم، ونفتيكم في المستضعفين. فقد أخبرت عائشة في هذا الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري ومسلم: أن هذه الآية نزلت في اليتيمة تكون في حجر وليها، وأن الله أذن له في تزويجها إذا أقسط في صداقها، وقد أخبر أنها في حجره. فدل على أنها محجور عليها.
 
وأيضا، فقد ثبت في السنن من حديث أبي موسي، وأبي هريرة، عن النبي {{صل}} أنه قال: (لا تنكح اليتيمة حتى تستأذن، فإن سكتت فقد أذنت، وإن أبت فلاجواز عليها)، فيجوز تزويجها بإذنها، ومنعه بدون إذنها. وقد قال {{صل}}: (لا يتم بعد احتلام)، ولو أريد باليتيم ما بعد البلوغ، فبطريق المجاز، فلابد أن يعم ما قبل البلوغ وما بعده. أما تخصيص لفظ اليتيم بما بعد البلوغ فلا يحتمله اللفظ بحال؛ ولأن الصغير المميز يصح لفظه مع إذن وليه، كما يصح إحرامه بالحج بإذن الولي، وكما يصح تصرفه في البيع وغيره بإذن وليه عند أكثر العلماء، كما دل على ذلك القرآن بقوله: { وَابْتَلُواْ اليتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ } الآية <ref>[النساء: 6]</ref>. فأمر بالابتلاء قبل البلوغ؛ وذلك قد لا يأتي إلا بالبيع ولا تصح وصيته وتدبيره عند الجمهور وكذلك إسلامه؛ كما يصح صومه وصلاته وغير ذلك لما له في ذلك من المنفعة. فإذا زوجها الولي بإذنها من كفؤ جاز، وكان هذا تصرفا بإذنها، وهو مصلحة لها، وكل واحد من هذين مصحح لتصرف المميز. والله أعلم.
فأجاب:
 
نعم له التزوج على أصل من يجبر السيد على تزويجه، كمذهب أحمد والشافعي على أحد قوليه؛ فإن تزويجه كالإنفاق عليه إذا كان محتاجًا إلى ذلك، وقد قال تعالى: { وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ } <ref name="النور: 32">[النور: 32]</ref>، فأمر بتزويج العبيد والإماء، كما أمر بتزويج الأيامي. وتزويج الأمة إذا طلبت النكاح من كفء واجب باتفاق العلماء، والذي يأذن له في النكاح مالك نصفه، أو وكيله، وناظر النصيب المحبس.
 
===سئل عن رجل تزوج عتيقة بعض بنات الملوك بغير إذن معتقها===
 
===باب المحرمات في النكاح===
 
===قاعدة في المحرمات في النكاح نسبا وصهرا===
 
فأجاب:
 
الحمد لله رب العالمين، أما المحرمات بالنسب فالضابط فيه: أن جميع أقارب الرجل من النسب حرام عليه، إلا بنات أعمامه، وأخواله، وعماته، وخالاته. وهذه الأصناف الأربعة هن اللاتي أحلهن الله لرسوله {{صل}} بقوله: { وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عليكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاء الَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ } الآية <ref name="الأحزاب: 50">[الأحزاب: 50]</ref>. فأحل سبحانه لنبيه {{صل}} من النساء أجناسا أربعة، ولم يجعل خالصا له من دون المؤمنين إلا الموهوبة؛ التي تهب نفسها للنبي، فجعل هذه من خصائصه؛ له أن يتزوج الموهوبة بلا مهر، وليس هذا لغيره باتفاق المسلمين، بل ليس لغيره أن يستحل بضع امرأة إلا مع وجوب مهر، كما قال تعالى: { وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ } <ref name="النساء: 24">[النساء: 24]</ref>.
 
واتفق العلماء على أن من تزوج امرأة ولم يقدر لها مهرًا، صح النكاح، ووجب لها المهر إذا دخل بها، وإن طلقها قبل الدخول فليس لها مهر، بل لها المتعة بنص القرآن، وإن مات عنها ففيها قولان. وهي مسألة بَرْوَع بنت واشق التي استفتي عنها ابن مسعود شهرًا، ثم قال: أقول فيها برأيي؛ فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمنى ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه: لها مهر نسائها، لاوَكْس، ولا شَطَط، وعليها العدة ولها الميراث. فقام رجال من أشجع فقالوا: نشهد أن رسول الله {{صل}} قضي في بروع بنت واشق بمثل ما قضيت به في هذه. قال علقمة: فما رأيت عبد الله فرح بشيء كفرحه بذلك. وهذا الذي أجاب به ابن مسعود هو قول فقهاء الكوفة، كأبي حنيفة وغيره، وفقهاء الحديث كأحمد وغيره، وهو أحد قولي الشافعي. والقول الآخر له، وهو مذهب مالك: أنه لا مهر لها، وهو مروي عن على، وزيد، وغيرهما من الصحابة.
وتنازعوا في النكاح إذا شرط فيه نفي المهر: هل يصح النكاح؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره: أحدهما: يبطل النكاح، كقول مالك. والثاني: يصح، ويجب مهر المثل، كقول أبي حنيفة والشافعي. والأولون يقولون: هو نكاح الشِّغَار الذي أبطله النبي {{صل}}؛ لأنه نفي فيه المهر، وجعل البُضْع مهرًا للبُضْع. وهذا تعليل أحمد بن حنبل في غير موضع من كلامه؛ وهذا تعليل أكثر قدماء أصحابه. والآخرون: منهم من يصحح نكاح الشغار، كأبي حنيفة؛ وقوله أقيس على هذا الأصل؛ لكنه مخالف للنص وآثار الصحابة، فإنهم أبطلوا نكاح الشغار. ومنهم من يبطله ويعلل البطلان إما بدعوي التشريك في البُضْع، وإما بغير ذلك من العلل، كما يفعله أصحاب الشافعي، ومن وافقهم من أصحاب أحمد؛ كالقاضي أبي يعلى وأتباعه والقول الأول أشبه بالنص والقياس الصحيح، كما قد بسط في موضعه. وتنازعوا أيضا في انعقاد النكاح مع المهر بلفظ التمليك والهبة وغيرهما: فجوز ذلك الجمهور؛ كمالك وأبي حنيفة، وعليه تدل نصوص أحمد، وكلام قدماء أصحابه. ومنعه الشافعي وأكثر متأخرى أصحاب أحمد، كابن حامد والقاضي ومن تبعهما، ولم أعلم أحدًا قال هذا قبل ابن حامد من أصحاب أحمد.
 
والمقصود هنا أن الله تعالى لم يخص رسوله {{صل}} إلا بنكاح الموهوبة بقوله: { وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ } <ref>[ name="الأحزاب: 50]<"/ref>، فدل ذلك على أن سائر ما أحله لنبيه {{صل}} حلال لأمته، وقد دل على ذلك قوله: { فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا } <ref name="الأحزاب: 37">[الأحزاب: 37]</ref>، فلما أحل امرأة المتبني، لا سيما للنبي {{صل}} ليكون ذلك إحلالا للمؤمنين، دل ذلك على أن الإحلال له إحلال لأمته، وقد أباح له من أقاربه بنات العم والعمات، وبنات الخال والخالات، وتخصيصهن بالذكر يدل على تحريم ما سواهن، لا سيما وقد قال بعد ذلك: { لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِن بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ } <ref>[الأحزاب: 52]</ref> أي: من بعد هؤلاء اللاتي أحللناهن لك، وهن المذكورات في قوله تعالى: { حُرِّمَتْ عليكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ } <ref name="النساء: 23">[النساء: 23]</ref>، فدخل في الأمهات أم أبيه، وأم أمه وإن علت بلا نزاع أعلمه بين العلماء. وكذلك دخل في البنات بنت ابنه، وبنت ابن ابنته وإن سفلت بلا نزاع أعلمه. وكذلك دخل في الأخوات الأخت من الأبوين، والأب، والأم. ودخل في العمات والخالات عمات الأبوين، وخالات الأبوين. وفي بنات الأخ، والأخت ولد الأخوة وإن سفلن، فإذا حرم عليه أصوله وفروعه وفروع أصوله البعيدة؛ دون بنات العم والعمات وبنات الخال والخالات.
 
وأما المحرمات بالصهر فيقول: كل نساء الصهر حلال له، إلا أربعة أصناف، بخلاف الأقارب. فأقارب الإنسان كلهن حرام، إلا أربعة أصناف. وأقارب الزوجين كلهن حلال، إلا أربعة أصناف، وهن حلائل الآباء، والأبناء، وأمهات النساء، وبناتهن، فيحرم على كل من الزوجين أصول الآخر وفروعه. يحرم على الرجل أم امرأته؛ وأم أمها وأبيها وإن علت. وتحرم عليه بنت امرأته، وهي الربيبة. وبنت بنتها وإن سفلت، وبنت الربيب أيضا حرام؛ كما نص عليه الأئمة المشهورون؛ الشافعي وأحمد وغيرهما، ولا أعلم فيه نزاعا. ويحرم عليه أن يتزوج بامرأة أبيه وإن علا؛ وامرأة ابنه وإن سفل. فهؤلاء الأربعة هن المحرمات بالمصاهرة في كتاب الله، وكل من الزوجين يكون أقارب الآخر أصهارًا له، وأقارب الرجل أحماء المرأة، وأقارب المرأة أختان الرجل. وهؤلاء الأصناف الأربعة يحرمن بالعقد، إلا الربيبة. فإنها لا تحرم حتى يدخل بأمها، فإن الله لم يجعل هذا الشرط إلا في الربيبة. والبواقي أطلق فيهن التحريم. فلهذا قال الصحابة: أبهموا ما أبهم الله. وعلى هذا الأئمة الأربعة وجماهير العلماء.
والضابط في هذا: أن كل امرأتين بينهما رحم محرم فإنه يحرم الجمع بينهما، بحيث لو كانت إحداهما ذكرًا لم يجز له التزوج بالأخري؛ لأجل النسب. فإن الرحم المرحم لها أربعة أحكام: حكمان متفق عليهما، وحكمان متنازع فيهما، فلا يجوز ملكهما بالنكاح، ولا وطئهما. فلا يتزوج الرجل ذات رحمه المحرم، ولا يتسري بها. وهذا متفق عليه، بل هنا يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، فلا تحل له بنكاح، ولا ملك يمين، ولا يجوز له أن يجمع بينهما في ملك النكاح، فلا يجمع بين الأختين، ولا بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها. وهذا أيضا متفق عليه. ويجوز له أن يملكهما، لكن ليس له أن يتسراهما. فمن حرم جمعهما في النكاح حرم جمعهما في التسري، فليس له أن يتسري الأختين ولا الأمة وعمتها، والأمة وخالتها. وهذا هو الذي استقر عليه قول أكثر الصحابة، وهو قول أكثر العلماء.
 
وهم متفقون على أنه لا يتسري من تحرم عليه بنسب أو رضاع، وإنما تنازعوا في الجمع، فتوقف بعض الصحابة فيها، وقال: أحلتهما آية، وحرمتهما آية، وظن أن تحريم الجمع قد يكون كتحريم العدد؛ فإنه له أن يتسري ما شاء من العدد، ولا يتزوج إلا بأربع. فهذا تحريم عارض، وهذا عارض، بخلاف تحريم النسب والصهر فإنه لازم؛ ولهذا تصير المرأة من ذوات المحارم بهذا أولا تصير من ذوات المحارم بذلك، بل أخت امرأته أجنبية منه لا يخلو بها ولا يسافر بها، كما لا يخلو بما زاد على أربع من النساء؛ لتحريم ما زاد على العدد. وأما الجمهور فقطعوا بالتحريم، وهو المعروف من مذاهب الأئمة الأربعة وغيرهم. قالوا: لأن كل ما حرم الله في الآية بملك النكاح حرم بملك اليمين، وآية التحليل وهي قوله: { أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } <ref>[ name="النساء: 3]<"/ref>، إنما أبيح فيها جنس المملوكات، ولم يذكر فيها ما يباح ويحرم من التسري، كما لم يذكر ما يباح ويحرم من الممهورات، والمرأة يحرم وطؤها إذا كانت معتدة ومحرمة وإن كانت زوجة أو سرية. وتحريم العدد كان لأجل وجوب العدل بينهن في القسم، كما قال تعالى: { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ } <ref>[ name="النساء: 3]<"/ref> أي: لا تجوروا في القسم، هكذا قال السلف وجمهور العلماء. وظن طائفة من العلماء أن المراد: ألا تكثر عيالكم. وقالوا: هذا يدل على وجوب نفقة الزوجة. وغَلَّط أكثر العلماء من قال ذلك، ولفظا ومعني. أما اللفظ: فلأنه يقال: عال يعول: إذا جار. وعال يعيل: إذا افتقر. وأعال يعيل: إذا كثر عياله. وهو سبحانه قال: { تَعُولُوا } لم يقل: تعيلوا. وأما المعني: فإن كثرة النفقة والعيال يحصل بالتسري كما يحصل بالزوجات، ومع هذا فقد أباح مما ملكت اليمين ما شاء الإنسان بغير عدد؛ لأن المملوكات لا يجب لهن قسم، ولا يستحققن على الرجل وطأ؛ ولهذا يملك من لا يحل له وطؤها كأم امرأته وبنتها وأخته وابنته من الرضاع، ولو كان عنينا أو موليا لم يجب أن يزال ملكه عنها. والزوجات عليه أن يعدل بينهن في القسم، وخير الصحابة أربعة فالعدل الذي يطيقه عامة الناس ينتهي إلى الأربعة. وأما رسول الله {{صل}} فإن الله قواه على العدل فيما هو أكثر من ذلك على القول المشهور وهو وجوب القسم عليه، وسقوط القسم عنه على القول الآخر، كما أنه لما كان أحق بالمؤمنين من أنفسهم أحل له التزوج بلا مهر.
 
قالوا: وإذا كان تحريم جمع العدد إنما حرم لوجوب العدل في القسم، وهذا المعني منتف في المملوكة؛ فلهذا لم يحرم عليه أن يتسري بأكثر من أربع، بخلاف الجمع بين الأختين؛ فإنه إنما كان دفعا لقطيعة الرحم بينهما، وهذا المعني موجود بين المملوكتين، كما يوجد في الزوجتين، فإذا جمع بينهما بالتسري حصل بينهما من التغاير ما يحصل إذا جمع بينهما في النكاح، فيفضي إلى قطيعة الرحم.
ولهذا لما لم يكن في التحليل مقصود صحيح يأمر به الشارع، صار الشيطان يشبه به أشياء مخالفة للإجماع، فصار طائفة من عامة الناس يظنون أن ولادتها لذكر يحلها، أو أن وطئها بالرجل على قدمها أو رأسها أو فوق سقف أو سلم هي تحته يحلها. ومنهم من يظن أنهما إذا التقيا بعرفات، كما التقي آدم وامرأته أحلها ذلك. ومنهن من إذا تزوجت بالمحلل به لم تمكنه من نفسها، بل تمكنه من أمة لها. ومنهن من تعطيه شيئا، وتوصيه بأن يقر بوطئها. ومنهم من يحلل الأم وبنتها. إلى أمور أخر قد بسطت في غير هذا الموضع، بيناها في كتاب [[بيان الدليل على بطلان التحليل]]. ولا ريب أن المنسوخ من الشريعة وما تنازع فيه السلف خير من مثل هذا؛ فإنه لو قدر أن الشريعة تأتي بأن الطلاق لا عدد له لكان هذا ممكنا وإن كان هذا منسوخًا. وإما أن يقال: إن من طلق امرأته لا تحل له حتى يستكري من يطأها فهذا لا تأتي به شريعة.
 
وكثير من أهل التحليل يفعلون أشياء محرمة باتفاق المسلمين؛ فإن المرأة المعتدة لا يحل لغير زوجها أن يصرح بخطبتها، سواء كانت معتدة من عدة طلاق أو عدة وفاة، قال تعالى: { وَلاَ جُنَاحَ عليكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاء أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلا مَّعْرُوفًا وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىَ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ } <ref>[ name="البقرة: 235]<"/ref>، فنهي الله تعالى عن المواعدة سرًا، وعن عزم عقدة النكاح، حتى يبلغ الكتاب أجله. وإذا كان هذا في عدة الموت فهو في عدة الطلاق أشد باتفاق المسلمين؛ فإن المطلقة قد ترجع إلى زوجها، بخلاف من مات عنها. وأما التعريض فإنه يجوز في عدة المتوفي عنها، ولا يجوز في عدة الرجعية وفيما سواهما. فهذه المطلقة ثلاثًا لا يحل لأحد أن يواعدها سرًا، ولا يعزم عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله باتفاق المسلمين، وإذا تزوجت بزوج ثان وطلقها ثلاثا لم يحل للأول أن يواعدها سرًا، ولا يعزم عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله باتفاق المسلمين. وذلك أشد وأشد. وإذا كانت مع زوجها لم يحل لأحد أن يخطبها، لا تصريحًا، ولا تعريضًا باتفاق المسلمين. فإذا كانت لم تتزوج بعد لم يحل للمطلق ثلاثًا أن يخطبها؛ لا تصريحًا ولا تعريضًا، باتفاق المسلمين. وخطبتها في هذه الحال أعظم من خطبتها بعد أن تتزوج بالثاني.
 
وهؤلاء أهل التحليل قد يواعد أحدهم المطلقة ثلاثًا، ويعزمان قبل أن تنقضي عدتها وقبل نكاح الثاني على عقدة النكاح بعد النكاح الثاني نكاح المحلل، ويعطيها ما تنفقه على شهود عقد التحليل، وللمحلل، وما ينفقه عليها في عدة التحليل، والزوج المحلل لا يعطها مهرًا، ولا نفقة عدة، ولا نفقة طلاق؛ فإذا كان المسلمون متفقين على أنه لا يجوز في هذه وقت نكاحها بالثاني أن يخطبها الأول لا تصريحًا ولا تعريضًا فكيف إذا خطبها قبل أن تتزوج بالثاني؟ أو إذا كان بعد أن يطلقها الثاني لا يحل للأول أن يواعدها سرًا، ولا يعزم عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله، فكيف إذا فعل ذلك من قبل أن يطلق؟ بل قبل أن يتزوج! بل قبل أن تنقضي عدتها منه! فهذا كله يحرم باتفاق المسلمين. وكثير من أهل التحليل يفعله، وليس في التحليل صورة اتفق المسلمون على حلها ولا صورة أباحها النص، بل من صور التحليل ما أجمع المسلمون على تحريمه، ومنها ما تنازع فيه العلماء.
الحمد لله، لا يحل للزوج أن يتزوجها إذا طلقها ثلاثًا عند جمهور العلماء، فإن مذهب أبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه: أن نكاح هذه صحيح، وإن كان قبل البلوغ. ومذهب مالك وأحمد في المشهور أن الطلاق يقع في النكاح الفاسد المختلف فيه. ومثل هذه المسائل يقبح، فإنها من أهل البغي، فإنهم لا يتكلمون في صحة النكاح حين كان يطأها ويستمتع بها، حتى إذا طلقت ثلاثًا أخذوا يسعون فيما يبطل النكاح، حتى لا يقال: إن الطلاق وقع؟ وهذا من المضادة لله في أمره، فإنه حين كان الوطء حرامًا لم يتحر ولم يسأل، فلما حرمه الله أخذ يسأل عما يباح به الوطء.
 
ومثل هذا يقع في المحرم بإجماع المسلمين، وهو فاسق؛ لأن مثل هذه المرأة إما أن يكون نكاحها الأول صحيحًا، وإما ألا يكون. فإن كان صحيحًا فالطلاق الثلاث واقع، والوطء قبل نكاح زوج غيره حرام. وإن كان النكاح الأول باطلا كان الوطء فيه حرامًا، وهذا الزوج لم يتب من ذلك الوطء. وإنما سأل حين طلق؛ لئلا يقع به الطلاق، فكان سؤالهم عما به يحرم الوطء الأول، لأجل استحلال الوطء الثاني. وهذه المضادة لله ورسوله. والسعي في الأرض بالفساد، فإن كان هذا الرجل طلقها ثلاثًا فليتق الله، وليجتنبها، وليحفظ حدود الله؛ فإن { وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ } <ref name="الطلاق: 1">[الطلاق: 1]</ref>. والله أعلم.
 
===سئل عن رجل تزوج امرأة بولاية أجنبي ووليها في مسافة دون القصر===
الحمد لله، إذا تزوجها بلا ولي ولا شهود، وكتما النكاح، فهذا نكاح باطل باتفاق الأئمة، بل الذي عليه العلماء أنه (لا نكاح إلا بولي)، (وأيما امرأة تزوجت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل). وكلا هذين اللفظين مأثور في السنن عن النبي {{صل}}. وقال غير واحد من السلف: لا نكاح إلا بشاهدين. وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد. ومالك يوجب إعلان النكاح.
 
ونكاح السر هو من جنس نكاح البغايا، وقد قال الله تعالى: { مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ } <ref name="النساء: 25">[النساء: 25]</ref>، فنكاح السر من جنس ذوات الأخدان، وقال تعالى: { وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ } <ref>[ name="النور: 32]<"/ref>، وقال تعالى: { وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ } <ref name="البقرة: 221">[البقرة: 221]</ref>، فخاطب الرجال بتزويج النساء؛ ولهذا قال من قال من السلف: إن المرأة لا تنكح نفسها، وإن البغي هي التي تنكح نفسها. ولكن إن اعتقد هذا نكاحًا جائزًا كان الوطء فيه وطء شبهة، يلحق الولد فيه، ويرث أباه. وأما العقوبة فإنهما يستحقان العقوبة على مثل هذا العقد.
 
===سئل عن رجل تزوج مصافحة وقعدت معه أياما فطلع لها زوج آخر===
وقد ثبت بدلالة الكتاب وصريح السنة وأقوال الصحابة: أن المختلعة ليس عليها إلا الاستبراء بحيضة، لا عدة كعدة المطلقة، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وقول عثمان بن عفان، وابن عباس، وابن عمر في آخر قوليه. وذكر مكي: أنه إجماع الصحابة، وهو قول قبيصة بن ذؤيب، وإسحاق بن راهويه، وابن المنذر، وغيرهم من فقهاء الحديث. وهذا هو الصحيح كما قد بسطنا الكلام على هذا في موضع آخر. فإذا كانت المختلعة لكونها ليست مطلقة ليس عليها عدة المطلقة بل الاستبراء ويسمى الاستبراء عدة فالموطوءة بشبهة أولي، والزانية أولى.
 
وأيضًا، فالمهاجرة من دار الكفر كالممتحنة التي أنزل الله فيها: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ } الآية <ref name="الممتحنة: 10">[الممتحنة: 10]</ref>. قد ذكرنا في غير هذا الموضع الحديث المأثور فيها، وأن ذلك كان يكون بعد استبرائها بحيضة، مع أنها كانت مزوجة، لكن حصلت الفرقة بإسلامها واختيارها فراقه، لا بطلاق منه. وكذلك قوله: { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } <ref>[ name="النساء: 24]<"/ref>، فكانوا إذا سبوا المرأة أبيحت بعد الاستبراء، والمسبية ليس عليها إلا الاستبراء بالسنة واتفاق الناس، وقد يسمي ذلك عدة. وفي السنن في حديث بريرة لما أعتقت: أن النبي {{صل}} أمر أن تعتد؛ فلهذا قال من قال من أهل الظاهر كابن حزم: إن من ليست بمطلقة تستبرأ بحيضة إلا هذه، وهذا ضعيف؛ فإن لفظ تعتد في كلامهم يراد به الاستبراء، كما ذكرنا سو هذه، وقد روي ابن ماجه عن عائشة: أن النبي {{صل}} أمرها أن تعتد بثلاث حيض، فقال: كذا، لكن هذا حديث معلول.
 
أما أولا، فإن عائشة قد ثبت عنها من غير وجه أن العدة عندها ثلاثة أطهار، وأنها إذا طعنت في الحيضة الثالثة حلت، فكيف تروي عن النبي {{صل}} أنه أمرها أن تعتد بثلاث حيض؟ والنزاع بين المسلمين من عهد الصحابة إلى اليوم في العدة: هل هي ثلاث حيض، أو ثلاث أطهار؟ وما سمعنا أحدًا من أهل العلم احتج بهذا الحديث على أنها ثلاث حيض، ولو كان لهذا أصل عن عائشة، لم يخف ذلك على أهل العلم قاطبة. ثم هذه سنة عظيمة تتوافر الهمم والدواعي على معرفتها؛ لأن فيها أمرين عظيمين:
إحداهما: في استبرائها، وهو عدتها، وقد تقدم قول من قال: لا حرمة لماء الزاني. يقال له: الاستبراء، لم يكن لحرمة ماء الأول، بل لحرمة ماء الثاني؛ فإن الإنسان ليس له أن يستلحق ولدًا ليس منه، وكذلك إذا لم يستبرئها وكانت قد علقت من الزاني. وأيضًا ففي استلحاق الزاني ولده إذا لم تكن المرأة فراشًا قولان لأهل العلم، والنبي {{صل}} قال: (الولد للفراش وللعاهر الحجر)، فجعل الولد للفراش دون العاهر. فإذا لم تكن المرأة فراشًا لم يتناوله الحديث، وعمر ألحق أولادًا ولدوا في الجاهلية بآبائهم. وليس هذا موضع بسط هذه المسألة.
 
والثانية: أنها لا تحل حتى تتوب؛ وهذا هو الذي دل عليه الكتاب والسنة والاعتبار، والمشهور في ذلك آية النور قوله تعالى: { الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ } <ref name="النور: 3">[النور: 3]</ref>، وفي السنن حديث أبي مرثد الغنوي في عناق. والذين لم يعملوا بهذه الآية ذكروا لها تأويلا ونسخًا. أما التأويل: فقالوا: المراد بالنكاح الوطء، وهذا مما يظهر فساده بأدني تأمل.
 
أما أولا: فليس في القرآن لفظ نكاح إلا ولابد أن يراد به العقد، وإن دخل فيه الوطء أيضًا. فإما أن يراد به مجرد الوطء، فهذا لا يوجد في كتاب الله قط.
الخامس: أن تحريم الزنا قد علمه المسلمون بآيات نزلت بمكة وتحريمه أشهر من أن تنزل هذه الآية بتحريمه.
 
السادس: قال: { لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ } <ref>[ name="النور: 3]<"/ref>، فلو أريد الوطء لم يكن حاجة إلى ذكر المشرك فإنه زان، وكذلك المشركة إذا زني بها رجل فهي زانية فلا حاجة إلى التقسيم.
 
السابع: أنه قد قال قبل ذلك: { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ } <ref>[النور: 2]</ref>، فأي حاجة إلى أن يذكر تحريم الزنا بعد ذلك؟
 
وأما النسخ، فقال سعيد بن المسيب وطائفة: نسخها قوله: { وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ } <ref>[ name="النور: 32]<"/ref>. ولما علم أهل هذا القول أن دعوي النسخ بهذه الآية ضعيف جدًا، ولم يجدوا ما ينسخها، فاعتقدوا أنه لم يقل بها أحد. قالوا: هي منسوخة بالإجماع، كما زعم ذلك أبو على الجبائي وغيره. أما على قول من يري من هؤلاء أن الإجماع ينسخ النصوص كما يذكر ذلك عن عيسي بن أبان وغيره، وهو قول في غاية الفساد مضمونة أن الأمة يجوز لها تبديل دينها بعد نبيها، وأن ذلك جائز لهم، كما تقول النصارى: أبيح لعلمائهم أن ينسخوا من شريعة المسيح ما يرونه؛ وليس هذا من أقوال المسلمين. وممن يظن الإجماع من يقول: الإجماع دل على نص ناسخ لم يبلغنا، ولا حديث إجماع في خلاف هذه الآية وكل من عارض نصا بإجماع وادعي نسخه من غير نص يعارض ذلك النص، فإنه مخطئ في ذلك، كما قد بسط الكلام على هذا في موضع آخر، وبين أن النصوص لم ينسخ منها شيء إلا بنص باق محفوظ عند الأمة. وعلمها بالناسخ الذي العمل به أهم عندها من علمها بالمنسوخ الذي لا يجوز العمل به، وحفظ الله النصوص الناسخة أولى من حفظه المنسوخة.
 
وقول من قال: هي منسوخة بقوله: { وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ } <ref>[ name="النور: 32]<"/ref>، في غاية الضعف؛ فإن كونها زانية وصف عارض لها، يوجب تحريمًا عارضًا مثل كونها محرمة، ومعتدة، ومنكوحة للغير، ونحو ذلك مما يوجب التحريم إلى غاية، ولو قدر أنها محرمة على التأبيد، لكانت كالوثنية، ومعلوم أن هذه الآية لم تتعرض للصفات التي بها تحرم المرأة مطلقًا أو مؤقتًا؛ وإنما أمر بإنكاح الأيامي من حيث الجملة؛ وهو أمر بإنكاحهن بالشروط التي بينها وكما أنها لا تنكح في العدة والإحرام، لا تنكح حتى تتوب.
 
وقد احتجوا بالحديث الذي فيه: إن امرأتي لا ترد يد لامس. فقال: (طلقها). فقال: إني أحبها. قال: (فاستمتع بها) الحديث. رواه النسائي، وقد ضعفه أحمد وغيره، فلا تقوم به حجة في معارضة الكتاب والسنة؛ ولو صح لم يكن صريحًا؛ فإن من الناس من يؤول اللامس بطالب المال؛ لكنه ضعيف. لكن لفظ اللامس قد يراد به من مسها بيده، وإن لم يطأها فإن من النساء من يكون فيها تبرج، وإذا نظر إليها رجل أو وضع يده عليها لم تنفر عنه. ولا تمكنه من وطئها. ومثل هذا نكاحها مكروه؛ ولهذا أمره بفراقها، ولم يوجب ذلك عليه؛ لما ذكر أنه يحبها؛ فإن هذه لم تزن، ولكنها مذنبة ببعض المقدمات؛ ولهذا قال: لا ترد يد لامس. فجعل اللمس باليد فقط. ولفظ: اللمس، والملامسة إذا عني بهما الجماع لا يخص باليد، بل إذا قرن باليد فهو كقوله تعالى: { وَلَوْ نَزَّلْنَا عليكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ } <ref>[الأنعام: 7]</ref>.
وبالجملة فهذه المسألة في قلوب المؤمنين أعظم من أن تحتاج إلى كثرة الأدلة؛ فإن الإيمان والقرآن يحرم مثل ذلك، لكن لما كان قد أباح مثل ذلك كثير من علماء المسلمين الذين لا ريب في علمهم ودينهم من التابعين ومن بعدهم وعلو قدرهم بنوع تأويل تأولوه احتيج إلى البسط في ذلك. ولهذا نظائر كثيرة، يكون القول ضعيفًا جدًا، وقد اشتبه أمره على كثير من أهل العلم والإيمان وسادات الناس؛ لأن الله لم يجعل العصمة عند تنازع المسلمين إلا في الرد إلى الكتاب والسنة، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله {{صل}} الذي لا ينطق على الهوى.
 
فإن قيل: فقد قال: { الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ْ } <ref>[ name="النور: 3]<"/ref>، قيل: هذا يدل على أن الزاني الذي لم يتب لا يجوز أن يتزوج عفيفة، كما هو إحدى الروايتين عن أحمد؛ فإنه إذا كان يطأ هذه وهذه وهذه كما كان، كان وطؤه لهذه من جنس وطئه لغيرها من الزواني. وقد قال الشعبي: من زوج كريمته من فاجر فقد قطع رحمها.
 
وأيضًا، فإنه إذا كان يزني بنساء الناس كان هذا مما يدعو المرأة إلى أن تمكن منها غيره، كما هو الواقع كثيرًا، فلم أر من يزني بنساء الناس أو ذكران إلا فيحمل امرأته على أن تزني بغيره مقابلة على ذلك ومغايظة.
وأيضًا، فإذا كان عادته الزنا استغني بالبغايا، فلم يكف امرأته في الإعفاف، فتحتاج إلى الزنا.
 
وأيضًا، فإذا زني بنساء الناس طلب الناس أن يزنوا بنساءه، كما هو الواقع. فامرأة الزاني تصير زانية من وجوه كثيرة، وإن استحلت ما حرمه الله كانت مشركة؛ وإن لم تزن بفرجها زنت بعينها وغير ذلك، فلا يكاد يعرف في نساء الرجال الزناة المصرين على الزنا الذين لم يتوبوا منه امرأة سليمة سلامة تامة، وطبع المرأة يدعو إلى الرجال الأجانب إذا رأت زوجها يذهب إلى النساء الأجانب، وقد جاء في الحديث: (بروا آباءكم تبركم أبناؤكم، وعفوا تعف نساؤكم). فقوله: { الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً } <ref>[ name="النور: 3]<"/ref>، إما أن يراد أن نفس نكاحه ووطئه لها زنا، أو أن ذلك يفضي إلى زناها. وأما الزانية فنفس وطئها مع إصرارها على الزنا زنا.
 
وكذلك المحصنات من المؤمنات: الحرائر، وعن ابن عباس هن العفائف. فقد نقل عن ابن عباس تفسير المحصنات بالحرائر. وبالعفائف وهذا حق فنقول: مما يدل على ذلك قوله تعالى: { يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عليكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللهِ عليه وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ اليوم أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ } <ref>[المائدة: 4،، 5]</ref>. المحصنات قد قال أهل التفسير: هن العفائف، هكذا قال الشعبي، والحسن والنخعي والضحاك، والسدي. وعن ابن عباس: هن الحرائر. ولفظ المحصنات إن أريد به الحرائر، فالعفة داخلة في الإحصان بطريق الأولي؛ فإن أصل المحصنة هي العفيفة التي أحصن فرجها، قال الله تعالى: { وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا } <ref>[التحريم: 12]</ref>، وقال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ } <ref>[النور: 23]</ref>، وهن العفائف، قال حسان بن ثابت:
ثم عادة العرب أن الحرة عندهم لا تعرف بالزنا، وإنما تعرف بالزنا الإماء؛ ولهذا لما بايع النبي {{صل}} هند امرأة أبي سفيان على ألا تزني قالت: أو تزني الحرة؟ فهذا لم يكن معروفًا عندهم. والحرة خلاف الأمة صارت في عرف العامة أن الحرة هي العفيفة؛ لأن الحرة التي ليست أمة كانت معروفة عندهم بالعفة، وصار لفظ الإحصان يتناول الحرية مع العفة؛ لأن الإماء لم يكن عفائف، وكذلك الإسلام هو ينهي عن الفحشاء والمنكر وكذلك المرأة المتزوجة زوجها يحصنها؛ لأنها تستكفي به، ولأنه يغار عليها، فصار لفظ الإحصان يتناول: الإسلام، والحرية، والنكاح. وأصله إنما هو العفة؛ فإن العفيفة هي التي أحصن فرجها من غير صاحبها، كالمحصن الذي يمتنع من غير أهله، وإذا كان الله إنما أباح من المسلمين وأهل الكتاب نكاح المحصنات، والبغايا لسن محصنات فلم يبح الله نكاحهن.
 
ومما يدل على ذلك قوله: { آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ } <ref name="المائدة: 5">[المائدة: 5]</ref>، والمسافح الزاني الذي يسفح ماءه مع هذه وهذه وكذلك المسافحة والمتخذة الخدن الذي تكون له صديقة يزني بها دون غيره فشرط في الحل أن يكون الرجل غير مسافح، ولا متخذ خدن. فإذا كانت المرأة بغيًا وتسافح هذا وهذا، لم يكن زوجها محصنا لها عن غيره؛ إذ لو كان محصنًا لها كانت محصنة، وإذا كانت مسافحة لم تكن محصنة. والله إنما أباح النكاح إذا كان الرجال محصنين غير مسافحين، وإذا شرط فيه ألا يزني بغيرها فلا يسفح ماءه مع غيرها كان أبلغ، وأبلغ. وقال أهل اللغة: السفاح: الزنا. قال ابن قتيبة { مٍحًصٌنٌينّ } أي: متزوجين { غَيْرَ مُسَافِحِينَ }. قال: وأصله من سفحت القربة إذا صببتها، فسمي الزنا سفاحًا؛ لأنه يصب النطفة، وتصب المرأة النطفة. وقال ابن فارس: السفاح: صب الماء بلا عقد ولا نكاح، فهي التي تسفح ماءها. وقال الزجاج: { مُحْصِنِينَ }: أي عاقدين التزوج. وقال غيرهما: متعففين غير زانين، وكذلك قال في النساء: { وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ } <ref>[ name="النساء: 24]<"/ref>، ففي هاتين الآيتين اشترط أن يكون الرجال محصنين غير مسافحين بكسر الصاد. والمحصن هو الذي يحصن غيره؛ ليس هو المحصن بالفتح الذي يشترط في الحد. فلم يبح إلا تزوج من يكون محصنًا للمرأة غير مسافح، ومن تزوج ببغي مع بقائها على البغاء ولم يحصنها من غيره بل هي كما كانت قبل النكاح تبغي مع غيره فهو مسافح بها لا محصن لها. وهذا حرام بدلالة القرآن.
 
فإن قيل: إنما أراد بذلك أنك تبتغي بمالك النكاح لا تبتغي به السفاح فتعطيها المهر على أن تكون زوجتك ليس لغيرك فيها حق، بخلاف ما إذا أعطيتها على أنها مسافحة لمن تريد، وأنها صديقة لك تزني بك دون غيرك، فهذا حرام؟
قيل: أما إذا أحصنها بالقهر فليس هو بمثل الذي يمكنها من الخروج إلى الرجال، ودخول الرجال إليها؛ لكن قد عرف بالعادات والتجارب أن المرأة إذا كانت لها إرادة في غير الزوج احتالت إلى ذلك بطرق كثيرة وتخفي على الزوج، وربما افسدت عقل الزوج بما تطعمه، وربما سحرته أيضًا، وهذا كثير موجود: رجال أطعمهم نساؤهم، وسحرتهم نساؤهم، حتى يمكن المرأة أن تفعل ما شاءت. وقد يكون قصدها مع ذلك ألا يذهب هو إلى غيرها، فهي تقصد منعه من الحلال، أو من الحرام والحلال. وقد تقصد أن يمكنها أن تفعل ما شاءت فلا يبقي محصنا لها قوامًا عليها، بل تبقي هي الحاكمة عليه. فإذا كان هذا موجودًا فيمن تزوجت ولم تكن بغيًا، فكيف بمن كانت بغيًا؟ والحكايات في هذا الباب كثيرة. وياليتها مع التوبة يلزم معه دوام التوبة، فهذا إذا أبيح له نكاحها، وقيل له: أحصنها، واحتفظ أمكن ذلك. أما بدون التوبة، فهذا متعذر أو متعسر.
 
ولهذا تكلموا في توبتها فقال ابن عمر وأحمد بن حنبل: يراودها على نفسها. فإن أجابته كما كانت تجيبه لم تتب. وقالت طائفة منهم أبو محمد: لا يراودها؛ لأنها قد تكون تابت فإذا راودها نقضت التوبة؛ ولأنه يخاف عليه إذا راودها أن يقع في ذنب معها. والذين اشترطوا امتحانها قالوا: لا يعرف صدق توبتها بمجرد القول، فصار كقوله: { إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ } <ref>[ name="الممتحنة: 10]<"/ref>، والمهاجر قد يتناول التائب، قال النبي {{صل}}: (المهاجر من هجر ما نهي الله عنه، والمهاجر من هجر السوء) فهذه إذا ادعت أنها هجرت السوء امتحنت على ذلك، وبالجملة لابد أن يغلب على قلبه صدق توبتها.
 
وقوله تعالى: { وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ }، حرم به أن يتخذ صديقة في السر تزني معه لا مع غيره، وقد قال سبحانه في آية الإماء: { وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعليهنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ } <ref>[ name="النساء: 25]<"/ref>، فذكر في الإماء، محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان، وأما الحرائر، فاشترط فيهن أن يكون الرجال محصنين غير مسافحين، وذكر في المائدة: { وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ } <ref>[ name="المائدة: 5]<"/ref>، لما ذكر نساء أهل الكتاب، وفي النساء لم يذكر إلا غير مسافحين؛ وذلك أن الإماء كن معروفات بالزنا دون الحرائر، فاشترط في نكاحهن أن يكن محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان، فدل ذلك أيضًا على أن الأمة التي تبغي لا يجوز تزوجها إلا إذا تزوجها على أنها محصنة يحصنها زوجها، فلا تسافح الرجال ولا تتخذ صديقًا. وهذا من أبين الأمور في تحريم نكاح الأمة الفاجرة مع ما تقدم.
 
وقد روي عن ابن عباس: { الْمُحْصَنَاتِ } عفائف غير زوان. { وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ } يعني أخلاء: كان أهل الجاهلية يحرمون ما ظهر من الزنا ويستحلون ما خفي. وعنه رواية أخري: المسافحات. المعلنات بالزنا، والمتخذات أخدان: ذوات الخليل الواحد. قال بعض المفسرين: كانت المرأة تتخذ صديقًا تزني معه ولا تزني مع غيره. فقد فسر ابن عباس هو وغيره من السلف المحصنات بالعفائف وهو كما قالوا وذكروا أن الزنا في الجاهلية كان نوعين: نوعًا مشتركًا، ونوعًا مختصًا. والمشترك ما يظهر في العادة؛ بخلاف المختص فإنه مستتر في العادة. ولما حرم الله المختص وهو شبيه بالنكاح؛ فإن النكاح تختص فيه المرأة بالرجل، وجب الفرق بين النكاح الحلال والحرام من اتخاذ الأخدان؛ فإن هذه إذا كان يزني بها وحدها لم يعرف أنها لم يطأها غيره، ولم يعرف أن الولد الذي تلده منه، ولا يثبت لها خصائص النكاح.
ولم يكن الصحابة يكتبون صداقات؛ لأنهم لم يكونوا يتزوجون على مؤخر، بل يعجلون المهر، وإن أخروه فهو معروف، فلما صار الناس يتزوجون على المؤخر والمدة تطول وينسي، صاروا يكتبون المؤخر، وصار ذلك حجة في إثبات الصداق، وفي أنها زوجة له، لكن هذا الإشهاد يحصل به المقصود، سواء حضر الشهود العقد أو جاؤوا بعد العقد فشهدوا على إقرار الزوج والزوجة والولي وقد علموا أن ذلك نكاح قد أعلن، وإشهادهم عليه من غير تواص بكتمانه إعلان.
 
وهذا بخلاف الولي، فإنه قد دل عليه القرآن في غير موضع والسنة في غير موضع، وهو عادة الصحابة، إنما كان يزوج النساء الرجال، لا يعرف أن امرأة تزوج نفسها. وهذا مما يفرق فيه بين النكاح ومتخذات أخدان؛ ولهذا قالت عائشة: لا تزوج المرأة نفسها؛ فإن البغي هي التي تزوج نفسها. لكن لا يكتفي بالولي حتىيعلن، فإن من الأولياء من يكون مستحسنا على قرابته قال الله تعالى: { وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ } <ref>[ name="النور: 32]<"/ref>، وقال تعالى: { وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ } <ref>[ name="البقرة: 221]<"/ref>، فخاطب الرجال بإنكاح الأيامي، كما خاطبهم بتزويج الرقيق. وفرق بين قوله تعالى: { وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ }، وقوله: { وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ } <ref>[ name="البقرة: 221]<"/ref>. وهذا الفرق مما احتج به بعض السلف من أهل البيت.
 
وأيضًا، فإن الله أوجب الصداق في غير هذا الموضع، ولم يوجب الإشهاد. فمن قال: إن النكاح يصح مع نفي المهر، ولا يصح إلا مع الإشهاد، فقد أسقط ما أوجبه الله، وأوجب ما لم يوجبه الله.
الحمد للّه، مذهب الجمهور من العلماء أنه لا يجوز التزويج بها، وهو الصواب المقطوع به؛ حتى تنازع الجمهور: هل يقتل من فعل ذلك؟ على قولين. والمنقول عن أحمد: أنه يقتل من فعل ذلك. فقد يقال: هذا إذا لم يكن متأولا. وأما المتأول فلا يقتل، وإن كان مخطئا. وقد يقال: هذا مطلقا، كما قاله الجمهور: إنه يجلد من شرب النبيذ المختلف فيه متأولا، وإن كان مع ذلك لا يفسق عند الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين، وفسقه مالك وأحمد في الرواية الأخري. والصحيح: أن المتأول المعذور لا يفسق، بل ولا يأثم. وأحمد لم يبلغه أن في هذه المسألة خلافا؛ فإن الخلاف فيها إنما ظهر في زمنه، لم يظهر في زمن السلف، فلهذا لم يعرفه.
 
والذين سوغوا نكاح البنت من الزنا، حجتهم في ذلك أن قالوا: ليست هذه بنتا في الشرع، بدليل أنهما لا يتوارثان، ولا يجب نفقتها، ولا يلي نكاحها، ولا تعتق عليه بالملك، ونحو ذلك من أحكام النسب، وإذا لم تكن بنتا في الشرع لم تدخل في آية التحريم، فتبقي داخلة في قوله: { وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } <ref>[ name="النساء: 24]<"/ref>.
 
وأما حجة الجمهور فهو أن يقال: قول الله تعالى: { حُرِّمَتْ عليكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ } الآية <ref>[ name="النساء: 23]<"/ref>، هو متناول لكل من شمله هذا اللفظ، سواء كان حقيقة أو مجازا، وسواء ثبت في حقه التوارث وغيره من الأحكام، أم لم يثبت إلا التحريم خاصة، ليس العموم في آية التحريم كالعموم في آية الفرائض ونحوها؛ كقوله تعالى: { يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ } <ref name="النساء: 11">[النساء: 11]</ref> وبيان ذلك من ثلاثة أوجه:
 
أحدها: أن آية التحريم تتناول البنت وبنت الابن وبنت البنت، كما يتناول لفظ العمة عمة الأب؛ والأم، والجد وكذلك بنت الأخت، وبنت ابن الأخت، وبنت بنت الأخت، ومثل هذا العموم لا يثبت، لا في آية الفرائض، ولا نحوها من الآيات، والنصوص التي علق فيها الأحكام بالأنساب.
الثاني: إن تحريم النكاح يثبت بمجرد الرضاعة، كما قال النبي {{صل}}: (يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة)، وفي لفظ: (ما يحرم من النسب) وهذا حديث متفق على صحته، وعمل الأئمة به: فقد حرم الله على المرأة أن تتزوج بطفل غذته من لبنها، أو أن تنكح أولاده، وحرم على أمهاتها وعماتها وخالتها، بل حرم على الطفلة المرتضعة من امرأة أن تتزوج بالفحل صاحب اللبن، وهو الذي وطئ المرأة حتى در اللبن بوطئه. فإذا كان يحرم على الرجل أن ينكح بنته من الرضاع، ولا يثبت في حقها شيء من أحكام النسب سوي التحريم وما يتبعها من الحرمة فكيف يباح له نكاح بنت خلقت من مائة؟ وأين المخلوقة من مائة من المتغذية بلبن در بوطئه؟ فهذا يبين التحريم من جهة عموم الخطاب، ومن جهة التنبيه والفحوي، وقياس الأولى.
 
الثالث: أن الله تعالى قال: { وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ } <ref>[ name="النساء: 23]<"/ref>، قال العلماء: احتراز عن ابنه الذي تبناه، كما قال: { لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا } <ref>[ name="الأحزاب: 37]<"/ref>، ومعلوم أنهم في الجاهلية كانوا يستلحقون ولد الزنا أعظم مما يستلحقون ولد المتبني، فإذا كان الله تعالى قيد ذلك بقوله: { مِنْ أَصْلاَبِكُمْ }، علم أن لفظ البنات ونحوها، يشمل كل من كان في لغتهم داخلا في الاسم.
 
وأما قول القائل: إنه لا يثبت في حقها الميراث، ونحوه. فجوابه أن النسب تتبعض أحكامه، فقد ثبت بعض أحكام النسب دون بعض، كما وافق أكثر المنازعين في ولد الملاعنة على أنه يحرم على الملاعن ولا يرثه. واختلف العلماء في استلحاق ولد الزنا إذا لم يكن فراشا، على قولين. كما ثبت عن النبي {{صل}} أنه ألحق ابن وليدة زمعة بن الأسود بن زمعة ابن الأسود، وكان قد أحبلها عتبة بن أبي وقاص، فاختصم فيه سعد وعبد بن زمعة، فقال سعد: ابن أخي، عهد إلى أن ابن وليدة زمعة هذا ابني. فقال عبد: أخي وابن وليدة أبي، ولد على فراش أبي. فقال النبي {{صل}}: (هو لك ياعبد بن زمعة. الولد للفراش، وللعاهر الحجر، احتجبي منه ياسودة)؛ لما رأي من شبهه البين بعتبة، فجعله أخاها في الميراث دون الحرمة.
وبنت الملاعنة لا تباح للملاعن عند عامة العلماء، وليس فيه إلا نزاع شاذ، مع أن نسبها ينقطع من أبيها، ولكن لو استلحقها للحقته، وهما لا يتوارثان باتفاق الأئمة. وهذا لأن النسب تتبعض أحكامه، فقد يكون الرجل ابنًا في بعض الأحكام دون بعض، فابن الملاعنة ليس بابن؛ لا يرث ولا يورث، وهو ابن في باب النكاح تحرم بنت الملاعنة على الأب.
 
والله سبحانه وتعالى حرم من الرضاعة ما يحرم من النسب، فلا يحل للرجل أن يتزوج بنته من الرضاعة ولا أخته، مع أنه لا يثبت في حقها من أحكام النسب لا إرث ولا عقل ولا ولاية ولا نفقة ولا غير ذلك، إنما تثبت في حقها حرمة النكاح، والمحرمية. وأمهات المؤمنين أمهات في الحرمة فقط، لا في المحرمية. فإذا كانت البنت التي أرضعتها امرأته بلبن در بوطئه تحرم عليه وإن لم تكن منسوبة إليه في الميراث وغيره، فكيف بما خلقت من نطفته؟ فإن هذه أشد اتصالا به من تلك، وقوله تعالى في القرآن: { حُرِّمَتْ عليكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ } الآية <ref>[ name="النساء: 23]<"/ref>، يتناول كل ما يسمي بنتًا، حتى يحرم عليه بنت بنته، وبنت ابنه، بخلاف قوله في الفرائض: { يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ } <ref>[ name="النساء: 11]<"/ref>، فإن هذا إنما يتناول ولده وولد ابنه، لا يتناول ولد بنته؛ولهذا لما كان لفظ الابن والبنت يتناول ما يسمي بذلك مطلقًا قال الله تعالى: { وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ } <ref>[ name="النساء: 23]<"/ref>، ليحرز عن الابن المتبني كزيد الذي كان يدعي: زيد بن محمد؛ فإن هذا كانوا يسمونه ابنًا. فلو أطلق اللفظ لظن أنه داخل فيه؛ فقال تعالى: { بَّذٌينّ مٌنً أّصًلابٌكٍمً } ليخرج ذلك. وأباح للمسلمين أن يتزوج الرجل امرأة من تبناه بقوله تعالى: { فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا } <ref>[ name="الأحزاب: 37]<"/ref>.
 
فإذا كان لفظ الابن والبنت يتناول كل من ينتسب إلى الشخص حتى قد حرم الله بنته من الرضاعة، فبنته من الزنا تسمي بنته، فهي أولى بالتحريم شرعًا، وأولى أن يدخلوها في آية التحريم. وهذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه، ومالك وأصحابه، وأحمد بن حنبل وأصحابه، وجماهير أئمة المسلمين.
فأجاب:
 
في الحديث عنه {{صل}}: (إن الله سبحانه وتعالى لما خلق الجنة قال: وعزتي وجلالي لا يدخلك بخيل، ولا كذاب، ولا ديوث)، والديوث: الذي لا غيرة له. وفي الصحيح عن النبي {{صل}} أنه قال: (إن المؤمن يغار، وإن الله يغار، وغيرة الله أن يأتي العبد ما حرم عليه)، وقد قال تعالى: { الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ } <ref>[ name="النور: 3]<"/ref>؛ ولهذا كان الصحيح من قولي العلماء: أن الزانية لا يجوز تزويجها إلا بعد التوبة، وكذلك إذا كانت المرأة تزني لم يكن له أن يمسكها على تلك الحال، بل يفارقها وإلا كان ديوثًا.
 
===سئل عن رجل تزوج ابنته من الزنا===
فأجاب:
 
إذا كانت تزني فليس له أن يطأها حتى تحيض ويستبرئها من الزنا؛ فإن { الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ } <ref>[ name="النور: 3]<"/ref>، عقدًا ووطأ، ومتى وطأها مع كونها زانية كان ديوثًا. والله أعلم.
 
===سئل عن حديث إن امرأتي لا ترد كف لامس===
فأجاب:
 
الحمد لله رب العالمين، هذا الحديث قد ضعفه أحمد وغيره، وقد تأوله بعض الناس على أنها لا ترد طالب مال، لكن ظاهر الحديث وسياقه يدل على خلاف ذلك، ومن الناس من اعتقد ثبوته، وأن النبي {{صل}} أمره أن يمسكها مع كونها لا تمنع الرجال، وهذا مما أنكره غير واحد من الأئمة، فإن الله قال في كتابه العزيز: { الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ } <ref>[ name="النور: 3]<"/ref>. وفي [[سنن أبي داود]] وغيره: أن رجلا كان له في الجاهلية قرينة من البغايا يقال لها: عناق، وأنه سأل النبي {{صل}} عن تزوجها، فأنزل الله هذه الآية. وقد قال سبحانه وتعالى: { وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ } <ref>[ name="النساء: 25]<"/ref>، فإنما أباح الله نكاح الإماء في حال كونهن غير مسافحات ولا متخذات أخدان. والمسافحة التي تسافح مع كل أحد. والمتخذات الخدن التي يكون لها صديق واحد. فإذا كان من هذه حالها، لا تنكح فكيف بمن لا ترد يد لامس؛ بل تسافح من اتفق؟ وإذا كان من هذه حالها في الإماء، فكيف بالحرائر. وقد قال تعالى: { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ } <ref>[ name="المائدة: 5]<"/ref>. فاشترط هذه الشروط في الرجال هنا كما اشترطه في النساء هناك. وهذا يوافق ما ذكره في سورة النور من قوله تعالى: { الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ } <ref>[ name="النور: 3]<"/ref>؛ لأنه من تزوج زانية تزاني مع غيره، لم يكن ماؤه مصونًا محفوظًا، فكان ماؤه مختلطًا بماء غيره. والفرج الذي يطأه مشتركًا وهذا هو الزنا. والمرأة إذا كان زوجها يزني بغيرها لا يميز بين الحلال والحرام كان وطؤه لها من جنس وطئ الزاني للمرأة التي يزني بها وإن لم يطأها غيره. وإن من صور الزنا اتخاذ الأخدان. والعلماء قد تنازعوا في جواز نكاح الزانية قبل توبتها على قولين مشهورين. لكن الكتاب والسنة والاعتبار يدل على أن ذلك لا يجوز. ومن تأول آية النور بالعقد وجعل ذلك منسوخًَا فبطلان قوله ظاهر من وجوه. ثم المسلمون متفقون على ذم الدياثة. ومن تزوج بغيا كان ديوثًا بالاتفاق. وفي الحديث: (لا يدخل الجنة بخيل ولا كذاب ولا ديوث) قال تعالى: { الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ } <ref>[النور: 26]</ref>، أي الرجال الطيبون للنساء الطيبات، والرجال الخبيثون للنساء الخبيثات، وكذلك في النساء. فإذا كانت المرأة خبيثة كان قرينها خبيثًا، وإذا كان قرينها خبيثًا كانت خبيثة. وبهذا عظم القول فيمن قذف عائشة ونحوها من أمهات المؤمنين، ولولا ما على الزوج في ذلك من العيب ما حصل هذا التغليظ؛ ولهذا قال السلف: ما بغت امرأة نبي قط، ولو كان تزوج البغي جائزًا لوجب تنزيه الأنبياء عما يباح. كيف وفي نساء الأنبياء من هي، كافرة كما في أزواج المؤمنات من هو كافر؟ كما قال تعالى: { ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شيء ا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } <ref>[التحريم: 10، 11]</ref>. وأما البغايا فليس في الأنبياء ولا الصالحين من تزوج بغيا؛ لأن البغاء يفسد فراشه؛ ولهذا أبيح للمسلم أن يتزوج الكتابية إليهودية والنصرانية، إذا كان محصنًا غير مسافح ولا متخذ خدن، فعلم أن تزوج الكافرة قد يجوز، وتزوج البغي لا يجوز؛ لأن ضرر دينها لا يتعدى إليه. وأما ضرر البغايا فيتعدي إليه. والله أعلم.
 
===فصل في اعتبار النية في النكاح===
والرجل يتزوج الأمة التي يريد سيدها عتقها، ولو أعتقت كان الأمر بيدها، وهو يعلم أنها لا تختاره، وهو نكاح صحيح. ولو كان عتقها مؤجلا أو كانت مدبرة وتزوجها وإن كانت لها عند مدة الأجل اختيار فراقه. والنكاح مبناه على أن الزوج يملك الطلاق من حين العقد، فهو بالنسبة إليه ليس بلازم، وهو بالنسبة إلى المرأة لازم. ثم إذا عرف أنه بعد مدة يزول اللزوم من جهتها ويبقي جائزًا لم يقدح في النكاح؛ ولهذا يصح نكاح المجبوب والعنين، وبشروط يشترطها الزوج، مع أن المرأة لها الخيار إذا لم يوف بتلك الشروط. فعلم أن مصيره جائزًا من جهة المرأة لا يقدح، وإن كان هذا يوجب انتفاء كمال الطمأنينة من الزوجين. فعزمه على الملك ببعض الطمأنينة. مثل هذا إذا كانت المرأة مقدمة على أنه إن شاء طلق، وهذا من لوازم النكاح فلم يعزم إلا على ما يملكه بموجب العقد، وهو كما لو عزم أن يطلقها إن فعلت ذنبًا أو إذا نقص ماله ونحو ذلك، فعزمه على الطلاق إذا سافر إلى أهله، أو قدمت امرأته الغائبة، أو قضي وطره منها، من هذا الباب.
 
وزيد كان قد عزم على طلاق امرأته، ولم تخرج بذلك عن زوجيته؛بل مازالت زوجته حتى طلقها، وقال له النبي {{صل}}: (اتق الله وأمسك عليك زوجك)، وقيل: إن الله قد كان أعلمه أنه سيتزوجها، وكتم هذا الإعلام عن الناس، فعاتبه الله على كتمانه، فقال: { وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ } <ref>[ name="الأحزاب: 37]<"/ref>، من إعلام الله لك بذلك. وقيل: بل الذي أخفاه أنه إن طلقها تزوجها. وبكل حال لم يكن عزم زيد على الطلاق قادحًا في النكاح في الاستدامة، وهذا مما لا نعرف فيه نزاعًا. وإذا ثبت بالنص والإجماع أنه لا يؤثر العزم على طلاقها في الحال.
 
وهذا يرد على من قال: إنه إذا نوي الطلاق بقلبه وقع. فإن قلب زيد كان قد خرج عنها، ولم تزل زوجته إلى حين تكلم بطلاقها، وقال النبي {{صل}}: (إن الله تجاوز لأمتىعما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل به)، وهذا مذهب الجمهور، كأبي حنيفة والشافعي وأحمد، وهو إحدى الروايتين عن مالك. ولا يلزم إذا أبطله شرط التوقيت أن تبطله نية التطليق فيما بعد؛ فإن النية المبطلة ما كانت مناقضة لمقصود العقد، والطلاق بعد مدة أمر جائز لا يناقض مقصود العقد إلى حين الطلاق، بخلاف المحلل فإنه لا رغبة له في نكاحها البتة، بل في كونها زوجة الأول، ولو أمكنه ذلك بغير تحليل، لم يحلها هذا. وإن كان مقصوده العوض فلو حصل له بدون نكاحها لم يتزوج، وإن كان مقصوده هنا وطأها ذلك اليوم، فهذا من جنس البغي التي يقصد وطأها يومًا أو يومين، بخلاف المتزوج الذي يقصد المقام والأمر بيده، ولم يشرط عليه أحد أن يطلقها كما شرط على المحلل.
 
==باب العيوب في النكاح==
 
===سئل عن امرأة تزوجت برجل فلما دخل رأت بجسمه برصا===
 
 
==باب نكاح الكفار==
 
===سئل عن حديث ولدت من نكاح لا من سفاح===
 
في [[صحيح البخاري]] قال: قال عطاء عن ابن عباس: كان المشركون على منزلتين من النبي {{صل}} والمؤمنين: كانوا مشركين أهل حرب يقاتلهم ويقاتلونه، ومشركين أهل عهد لا يقاتلهم ولا يقاتلونه. وكان إذا هاجرت امرأة من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر، فإذا طهرت حل لها النكاح؛ فإن هاجر زوجها قبل أن تنكح ردت إليه. فإن هاجر عبد منهم أو أمة فهما حران، ولهما ما للمهاجرين، ثم ذكر في أهل العهد مثل حديث مجاهد، وإن هاجر عبد أو أمة للمشركين أهل العهد لم ترد، وردت أثمانهم. وقال عطاء عن ابن عباس: كانت قريبة بنت أبي أمية عند عمر بن الخطاب؛ وطلقها فتزوجها معاوية بن أبي سفيان، وكانت أم الحكم ابنة أبي سفيان تحت عياض بن غنيم الفهري فطلقها فتزوجها عبد الله بن عثمان.
 
ثم ذكر في باب بعده: وقال ابن جريج: قلت لعطاء: امرأة من المشركين جاءت إلى المسلمين أيعاض زوجها منها لقوله تعالى: { وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا } <ref>[ name="الممتحنة: 10]<"/ref>، قال: لا، إنما كان ذلك بين النبي {{صل}} وبين أهل العهد. قال مجاهد: هذا كله في صلح بين النبي {{صل}} وبين قريش.
 
قلت: حديث ابن عباس فيه فصول:
 
أحدها: أن المهاجرة من أهل الحرب ليس عليها عدة، إنما عليها استبراء بحيضة، وهذا أحد قولي العلماء في هذه المسألة؛ لأن العدة فيها حق للزوج كما قال الله تعالى: { فَمَا لَكُمْ عليهنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا } <ref>[ name="الأحزاب: 49]<"/ref>؛ ولهذا قلنا: لا تتداخل. وهذه ملكت نفسها بالإسلام والهجرة كما يملك العبد نفسه بالإسلام والهجرة، فلم يكن للزوج عليها حق، لكن الاستبراء فيها كالأمة المعتقة، وقد يقوي هذا قول من يقول: المختلعة يكفيها حيضة؛ لأن كلاهما متخلصة.
 
الثاني: أن زوجها إذا هاجر قبل النكاح ردت إليه وإن كانت قد حاضت، ومع هذا فقد روي البخاري بعد هذا عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس: إذا أسلمت النصرانية قبل زوجها بساعة حرمت عليه. وما ذكره ابن عباس في المهاجرة يوافق المشهور من أن زينب بنت رسول الله {{صل}} ردت على أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأول. وقد كتبت في الفقه في هذا آثارا ونصوصا عن الإمام أحمد وغيره.
الثالث: قوله: إن المهاجر من عبيدهم يكون حرا له ما للمهاجرين، كما في قصة أبي بكرة ومن هاجر معه من عبيد أهل الطائف، وهذا لا ريب فيه؛ فإنه بالإسلام والهجرة ملك نفسه؛ لأن مال أهل الحرب مال إباحة، فمن غلب على شيء ملكه؛ فإذا غلب على نفسه فهو أولى أن يملكها، والإسلام يعصم ذلك.
 
الرابع: أن المهاجر من رقيق المعاهدين، يرد عليهم ثمنه دون عينه؛ لأن ما لهم معصوم، فهو كما لو أسلم عبد الذمي يؤمر بإزالة ملكه عنه ببيع أو هبة أو عتق، فإن فعل وإلا بيع عليه، ولا يرد عينه عليهم؛ لأنهم يسترقون المسلم، وذلك لا يجوز، بخلاف رد الحر إليهم فإنهم لا يسترقونه؛ ولهذا لما شرط النبي {{صل}} رد النساء مع الرجال فسخ الله ذلك، وأمره ألا يرد النساء المسلمات فقال: { لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ } <ref>[ name="الممتحنة: 10]<"/ref>؛ لأنه يستباح في دار الكفر من المرأة المسلمة ما لا يستباح من الرجل؛ لأن المرأة الأسيرة كالرجل الأسير، وأمره برد المهر عوضا.
 
===سئل عن قوله تعالى ولا تنكحوا المشركات===
 
وسئل رَحمه الله تعالى عن قوله تعالى: { وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ } <ref>[ name="البقرة: 221]<"/ref>، وقد أباح العلماء التزويج بالنصرانية وإليهودية: فهل هما من المشركين أم لا؟
 
فأجاب:
 
الحمد الله، نكاح الكتابية جائز بالآية التي في المائدة، قال تعالى: { وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ } <ref>[ name="المائدة: 5]<"/ref>، وهذا مذهب جماهير السلف والخلف من الأئمة الأربعة وغيرهم. وقد روي عن ابن عمر: أنه كره نكاح النصرانية، وقال: لا أعلم شركا أعظم ممن تقول: إن ربها عيسي ابن مريم وهو اليوم مذهب طائفة من أهل البدع وقد احتجوا بالآية التي في سورة البقرة، وبقوله: { وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ } <ref>[ name="الممتحنة: 10]<"/ref>، والجواب عن آية البقرة من ثلاثة أوجه:
 
أحدها: أن أهل الكتاب لم يدخلوا في المشركين، فجعل أهل الكتاب غير مشركين بدليل قوله: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا } <ref name="الحج: 17">[الحج: 17]</ref>.
 
فإن قيل: فقد وصفهم بالشرك بقوله: { اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } <ref>[التوبة: 31]</ref>
الوجه الثالث: أن يقال: آية المائدة ناسخة لآية البقرة؛ لأن المائدة نزلت بعد البقرة باتفاق العلماء، وقد جاء في الحديث: (المائدة من آخر القرآن نزولا، فأحلوا حلالها، وحرموا حرامها)، والآية المتأخرة تنسخ الآية المتقدمة إذا تعارضتا.
 
وأما قوله: { وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ } <ref>[ name="الممتحنة: 10]<"/ref>، فإنها نزلت بعد صلح الحديبية لما هاجر من مكة إلى المدينة، وأنزل الله سورة الممتحنة وأمر بامتحان المهاجرين. وهو خطاب لمن كان في عصمته كافرة. واللام لتعريف العهد، والكوافر المعهودات هن المشركات، مع أن الكفار قد يميزوا من أهل الكتاب أيضا في بعض المواضع كقوله: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلا } <ref name="النساء: 51">[النساء: 51]</ref>، فإن أصل دينهم هو الإيمان، ولكنهم كفروا مبتدعين الكفر كما قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا } <ref>[النساء: 150، 151]</ref>.
 
===سئل عن الإماء الكتابيات ما الدليل على وطئهن بملك اليمين===
فأجاب:
 
الحمد للّه رب العالمين، وطء الإماء الكتابيات بملك اليمين أقوى من وطئهن بملك النكاح عند عوام أهل العلم من الأئمة الأربعة وغيرهم، ولم يذكر عن أحد من السلف تحريم ذلك كما نقل عن بعضهم المنع من نكاح الكتابيات، وإن كان ابن المنذر قد قال: لم يصح عن أحد من الأوائل أنه حرم نكاحهن. ولكن التحريم هو قول الشيعة، ولكن في كراهة نكاحهن مع عدم الحاجة نزاع، والكراهة معروفة في مذهب مالك والشافعي وأحمد، وكذلك كراهة وطء الإماء فيه نزاع. روي عن الحسن: أنه كرهه. والكراهة في ذلك مبنية على كراهة التزوج. وأما التحريم فلا يعرف عن أحد، بل قد تنازع العلماء في جواز تزويج الأمة الكتابية: جوزه أبو حنيفة وأصحابه، وحرمه مالك والشافعي والليث والأوزاعي، وعن أحمد روايتان: أشهرهما كالثاني؛ فإن الله سبحانه إنما أباح نكاح المحصنات بقوله تعالى: { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ } الآية <ref>[ name="المائدة: 5]<"/ref>. فأباح المحصنات منهم، وقال في آية الإماء: { وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ } <ref>[ name="النساء: 25]<"/ref>؛ فإنما أباح النساء المؤمنات، وليس هذا موضع بسط هذه المسألة.
 
وأما الأمة المجوسية فالكلام فيها ينبني على أصلين:
والأصل الثاني: أن من لا يجوز نكاحهن لا يجوز وطئهن بملك اليمن كالوثنيات، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، وحكي عن أبي ثور: أنه قال: يباح وطء الإماء بملك اليمين على أي دين كن. وأظن هذا يذكر عن بعض المتقدمين. فقد تبين أن في وطء الأمة الوثنية نزاعا. وأما الأمة الكتابية فليس في وطئها مع إباحة التزوج بهن نزاع، بل في التزوج بها خلاف مشهور. وهذا كله مما يبين أن القول بجواز التزوج بهن مع المنع من التسري بهن لم يقله أحد ولا يقوله فقيه. وحينئذ فنقول: الدليل على أنه لا يحرم التسري بهن وجوه:
 
أحدها: أن الأصل: الحل، ولم يقم على تحريمهن دليل من نص ولا إجماع ولا قياس، فبقي حل وطئهن على الأصل؛ وذلك أن ما يستدل به من ينازع في حل نكاحهن كقوله: { وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ } <ref>[ name="البقرة: 221]<"/ref>، وقوله: { وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ } <ref>[ name="الممتحنة: 10]<"/ref>، إنما يتناول النكاح، لا يتناول الوطء بملك اليمين. ومعلوم أنه ليس في السنة ولا في القياس ما يوجب تحريمهن، فيبقي الحل على الأصل.
 
الثاني: أن قوله تعالى: { وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ } <ref>[المؤمنون: 5، 6]</ref> يقتضي عموم جواز الوطء بملك اليمين مطلقا، إلا ما استثناه الدليل؛ حتى إن عثمان وغيره من الصحابة جعلوا مثل هذا النص متناولا للجمع بين الأختين حين قالوا: أحلتهما آية، وحرمتهما آية. فإذا كانوا قد جعلوه عاما في صورة حرم فيها النكاح، فلأن يكون عاما في صورة لا يحرم فيها النكاح أولى وأحرى.
الرابع: أن يقال: إن حل نكاحهن يقتضي حل التسري بهن من طريق الأولى والأحرى؛ وذلك أن كل من جاز وطؤها بالنكاح جاز وطؤها بملك اليمين بلا نزاع. وأما العكس فقد تنازع فيه؛ وذلك لأن ملك اليمين أوسع، لا يقتصر فيه على عدد، والنكاح يقتصر فيه على عدد. وما حرم فيه الجمع بالنكاح قد نوزع في تحريم الجمع فيه بملك اليمين، وله أن يستمتع بملك اليمين مطلقا من غير اعتبار قسم ولا استئذان في عزل، ونحو ذلك مما حجر عليه فيه لحق الزوجة. وملك النكاح نوع رق، وملك اليمين رق تام.
 
وأباح الله للمسلمين أن يتزوجوا أهل الكتاب، ولا يتزوج أهل الكتاب نساءهم؛ لأن النكاح نوع رق، كما قال عمر: النكاح رق؛ فلينظر أحدكم عند من يرق كريمته. وقال زيد ابن ثابت: الزوج سيد في كتاب الله، وقرأ قوله تعالى: { وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْباب } <ref name="يوسف: 25">[يوسف: 25]</ref>. وقد قال النبي {{صل}}: (اتقوا الله في النساء، فإنهن عوان عندكم) فجوز للمسلم أن يسترق هذه الكافرة، ولم يجز للكافر أن يسترق هذه المسلمة؛ لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، كما جوز للمسلم أن يملك الكافر، ولم يجوز للكافر أن يملك المسلم. فإذا جواز وطئهن من ملك تام أولى وأحرى.
 
يوضح ذلك: أن المانع: إما الكفر، وإما الرق. وهذا الكفر ليس بمانع، والرق ليس مانعا من الوطء بالملك؛ وإنما يصلح أن يكون مانعا من التزوج. فإذا كان المقتضي للوطء قائما، والمانع منتفيا، جاز الوطء. فهذا الوجه مشتمل على قياس التمثيل وعلى قياس الأولى ويخرج منه وجه رابع يجعل قياس التعليل. فيقال: الرق مقتض لجواز وطء المملوكة، كما نبه النص على هذه العلة كقوله: { أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ً } <ref>[ name="النساء: 3]<"/ref>، وإنما يمتنع الوطء بسبب يوجب التحريم؛ بأن تكون محرمة بالرضاع، أو بالصهر، أو بالشرك، ونحو ذلك. وهذه ليس فيها ما يصلح للمنع إلا كونها كتابية، وهذا ليس بمانع. فإذا كان المقتضي للحل قائما، والمانع المذكور لا يصلح أن يكون معارضا، وجب العمل بالمقتضي السالم عن المعارض المقاوم، وهذه الوجوه بعد تمام تصورها توجب القطع بالحل.
 
الوجه الخامس: أن من تدبر سير الصحابة والسلف على عهد النبي {{صل}} والصحابة وجد آثارا كثيرة تبين أنهم لم يكونوا يجعلون ذلك مانعا، بل هذه كانت سنة النبي {{صل}} وسنة خلفائه: مثل الذي كانت له أم ولد، وكانت تسب النبي {{صل}}، فقام يقتلها، وقد روي حديثها أبو داود وغيره. وهذه لم تكن مسلمة، لكن هذه القصة قد يقال: إنه لا حجة فيها؛ لأنها كانت في أوائل مقدم النبي {{صل}} المدينة، ولم يكن حينئذ يحرم نكاح المشركات، وإنما ثبت التحريم بعد الحديبية لما أنزل الله تعالى: { وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ } <ref>[ name="الممتحنة: 10]<"/ref>، وطلق عمر امرأته التي كانت بمكة، وأما الآية التي في البقرة فلا يعلم تاريخ نزولها وفي البقرة ما نزل متأخرا كآيات الزنا، وفيها ما نزل متقدما كآيات الصيام ومثل ما روي أن النبي {{صل}} لما أراد غزوة تبوك قال للجد بن قيس: (هل لك في نساء بني الأصفر؟ ) فقال: { ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي } <ref>[التوبة: 49]</ref>، ومثل فتحه لخيبر، وقسمه للرقيق، ولم ينه المسلمين عن وطئهن حتى يسلمن كما أمرهم بالاستبراء.
 
بل من يبيح وطأ الوثنيات بملك اليمين، قد يستدل بما جري يوم أوطاس من قوله: (لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تستبرأ بحيضة) على جواز وطء الوثنيات بملك اليمين. وفي هذا كلام ليس هذا موضعه، والصحابة لما فتحوا البلاد لم يكونوا يمتنعون عن وطء النصرانيات.
أحدها: أن يقال: ليسوا من أهل الكتاب، ومن لم يكن من أهل الكتاب لم يحل طعامه ولا نساؤه. أما المقدمة الأولي، ففيها نزاع شاذ فالدليل عليها أنه سبحانه قال: { وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ } <ref>[الأنعام: 155،، 156]</ref>، فتبين أنه أنزل القرآن كراهة أن يقولوا ذلك ومنعا لأن يقولوا ذلك ودفعا لأن يقولوا ذلك، فلو كان قد أنزل على أكثر من طائفتين لكان هذا القول كذبا فلا يحتاج إلى مانع من قوله.
 
وأيضا، فإنه قال: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفصل بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } <ref>[ name="الحج: 17]<"/ref>، فذكر الملل الست، وذكر أنه يفصل بينهم يوم القيامة، ولما ذكر الملل التي من فيها سعيد في الآخرة قال: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَاليوم الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحا } <ref>[البقرة: 62]</ref>، في موضعين، فلم يذكر المجوس ولا المشركين: فلو كان في هاتين الملتين سعيد في الآخرة كما في الصابئين واليهود والنصاري، لذكرهم، فلو كان لهم كتاب لكانوا قبل النسخ والتبديل على هدي، وكانوا يدخلون الجنة إذا عملوا بشريعتهم، كما كان اليهود والنصاري قبل النسخ والتبديل، فلما لم يذكر المجوس في هؤلاء علم أنه ليس لهم كتاب، بل ذكر الصابئين دونهم، مع أن الصابئين ليس لهم كتاب، إلا أن يدخلوا في دين أحد من أهل الكتابين. وهو دليل على أن المجوس أبعد عن الكتاب منهم.
 
وأيضا، ففي المسند والترمذي وغيرهما من كتب الحديث والتفسير والمغازي الحديث المشهور: لما اقتتلت فارس والروم، وانتصرت الفرس، ففرح بذلك المشركون؛ لأنهم من جنسهم ليس لهم كتاب، واستبشر بذلك أصحاب النبي {{صل}}؛ لكون النصاري أقرب إليهم؛ لأن لهم كتابا، وأنزل الله تعالى: { الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ } الآية <ref>[الروم: 14]</ref>. وهذا يبين أن المجوس لم يكونوا عند النبي {{صل}} وأصحابه لهم كتاب.
 
==باب الصداق==
 
===السنة تخفيف الصداق===
 
الحمد لله، تزوج العبد بغير إذن سيده إذا لم يجزه السيد باطل باتفاق المسلمين، وفي السنن عن النبي {{صل}} أنه قال: (أيما عبد تزوج بغير إذن موإليه فهو عاهر)، لكن إذا أجازه السيد بعد العقد صح في مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين، ولم يصح في مذهب الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى.
 
وإذا طلب النكاح فعلى السيد أن يزوجه لقوله تعالى: { وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ } <ref>[ name="النور: 32]<"/ref>. وإذا غر المرأة وذكر أنه حر، وتزوجها، ودخل بها، وجب المهر لها بلا نزاع، لكن هل يجب المسمي كقول مالك في رواية؟ أو مهر المثل كقول أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد في رواية؟ أو يجب الخمسان: كأحمد في رواية ثالثة؟ هذا فيه نزاع بين العلماء. وقد يتعلق هذا الواجب برقبته كقول أحمد في المشهور عنه، والشافعي في قول، وأظنه قول أبي حنيفة أو يتعلق ذلك بذمة العبد فيتبع به إذا أعتق، كقول الشافعي في الجديد، وقول أبي يوسف ومحمد وغيرهما؟ والأول أظهر؛ فإن قوله لهم: إنه حر تلبيس عليهم، وكذب عليهم، ثم دخوله عليها بهذا الكذب عدوان منه عليهم. والأئمة متفقون على أن المملوك لو تعدي على أحد فأتلف ماله، أو جرحه أو قتله، كانت جنايته متعلقة برقبته، لا تجب في ذمة السيد، بل يقال للسيد: إن شئت أن تفك مملوكك من هذه الجناية، وإن شئت أن تسلمه حتى تستوفي هذه الجناية من رقبته. وإذا أراد أن يقتله، فعليه أقل الأمرين من قدر الجناية، أو قيمة العبد: في مذهب الشافعي وأحمد في المشهور عنه وغيرهما. وعند مالك وأحمد في رواية يفديه بأرش الجناية بالغًا ما بلغ، فهذا العبد ظالم معتد جار على هؤلاء، فتتعلق جنايته برقبته. وكذلك ما اقترضه من مال الزوجة مع قوله إنه حر، فهو عدوان عليهم، فيتعلق برقبته في أصح قولي العلماء. والله أعلم.
 
===سئل عن امرأة اعتاضت عن صداقها بعد موت الزوج===
 
===باب وليمة العرس===
 
===سئل عن طعام الزواج وطعام العزاء وطعام الختان وطعام الولادة===
 
والمقصود أن الشطرنج متى شغل عما يجب باطنا أو ظاهرًا حرام باتفاق العلماء. وشغله عن إكمال الواجبات أوضح من أن يحتاج إلى بسط، وكذلك لو شغل عن واجب من غير الصلاة، من مصلحة النفس، أو الأهل أو الأمر بالمعروف، أو النهي عن المنكر، أو صلة الرحم، أو بر الوالدين، أو ما يجب فعله من نظر في ولاية أو إمامة أو غير ذلك من الأمور. وقل عبد اشتغل بها إلا شغلته عن واجب، فينبغي أن يعرف أن التحريم في مثل هذه الصورة متفق عليه. وكذلك إذا اشتملت على محرم، أو استلزمت محرما، فإنها تحرم بالاتفاق: مثل اشتمالها على الكذب، واليمين الفاجرة، أو الخيانة التي يسمونها المغاضاة، أو على الظلم، أو الإعانة عليه، فإن ذلك حرام باتفاق المسلمين. ولو كان ذلك في المسابقة والمناضلة، فكيف إذا كان بالشطرنج، والنرد، ونحو ذلك؟ وكذلك إذا قدر أنها مستلزمة فسادا غير ذلك مثل اجتماع على مقدمات الفواحش، أو التعاون على العدوان، أو غير ذلك، أو مثل أن يفضي اللعب بها إلى الكثرة والظهور الذي يشتمل معه على ترك واجب أو فعل محرم، فهذه الصورة وأمثالها مما يتفق المسلمون على تحريمها فيها.
 
وإذا قدر خلوها عن ذلك كله، فالمنقول عن الصحابة المنع من ذلك. وصح عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنه مر بقوم يلعبون بالشطرنج فقال: { مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ } <ref name="الأنبياء: 52">[الأنبياء: 52]</ref>، شبههم بالعاكفين على الأصنام، كما في المسند عن النبي {{صل}} أنه قال: (شارب الخمر كعابد وثن) والخمر والميسر قرينان في كتاب الله تعالى. وكذلك النهي عنها معروف عن ابن عمر، وغيره من الصحابة.
 
والمنقول عن أبي حنيفة وأصحابه وأحمد وأصحابه تحريمها. وأما الشافعي فإنه قال: أكره اللعب بها، للخبر، واللعب بالشطرنج والحمام بغير قمار وإن كرهناه أخف حالا من النرد، وهكذا نقل عنه غير هذا اللفظ مما مضمونه: أنه يكرهها، ويراها دون النرد، ولا ريب أن كراهته كراهة تحريم، فإنه قال: للخبر. ولفظ الخبر الذي رواه هو عن مالك: (من لعب بالنرد فقد عصي الله ورسوله) فإذا كره الشطرنج... وإن كانت أخف من النرد. وقد نقل عنه أنه توقف في التحريم، وقال: لا يتبين لي أنها حرام، وما بلغنا أن أحدًا نقل عنه لفظًا يقتضي نفي التحريم.
أحدها: أن يقال: النهي عن هذه الأمور ليس مختصا بصورة المقامرة فقط، فإنه لو بذل العوض أحد المتلاعبين أو أجنبي لكان من صور الجعالة، ومع هذا فقد نهى عن ذلك، إلا فيما ينفع: كالمسابقة، والمناضلة كما في الحديث: (لا سبق إلا في خف، أو حافر، أو نصل)؛ لأن بذل المال فيما لا ينفع في الدين ولا في الدنيا منهي عنه، وإن لم يكن قمارا. وأكل المال بالباطل حرام بنص القرآن، وهذه الملاعب من الباطل لقول النبي {{صل}}: (كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل؛ إلا رميه بقوسه، أو تأديبه فرسه، أو ملاعبته امرأته فإنهن من الحق). قوله: من الباطل أي مما لا ينفع، فإن الباطل ضد الحق. والحق يراد به الحق الموجود اعتقاده والخبر عنه. ويراد به الحق المقصود الذي ينبغي أن يقصد، وهو الأمر النافع فما ليس من هذا فهو باطل، ليس بنافع.
 
وقد يرخص في بعض ذلك إذا لم يكن فيه مضرة راجحة؛ لكن لا يوكل به المال؛ ولهذا جاز السباق بالأقدام، والمصارعة، وغير ذلك، وإن نهى عن أكل المال به. وكذلك رخص في الضرب بالدف في الأفراح، وإن نهى عن أكل المال به. فتبين أن ما نهى عنه من ذلك ليس خصوصا بالمقامرة، فلا يجوز قصر النهي على ذلك. ولو كان النهي عن النرد ونحوه لمجرد المقامرة لكان النرد مثل سباق الخيل، ومثل الرمي بالنشاب، ونحو ذلك؛ فإن المقامرة إذا دخلت في هذا حرموه مع أنه عمل صالح واجب أو مستحب، كما في الصحيح عن النبي {{صل}} أنه قال: (ارموا واركبوا، وأن ترموا أحب إلى من أن تركبوا)، (ومن تعلم الرمي ثم نسيه فليس منا)، وكان هو وخلفاؤه يسابقون بين الخيل، وقرأ على المنبر: { وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ } الآية <ref name="الأنفال: 60">[الأنفال: 60]</ref>، ثم قال: (ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي) فكيف يشبه ما أمر الله به ورسوله واتفق المسلمون على الأمر به بما نهى الله ورسوله وأصحابه من بعده؟ وإذا لم يجعل الموجب للتحريم إلا مجرد المقامرة كان النرد والشطرنج كالمناضلة.
 
الوجه الثاني: أن يقال: هب أن علة التحريم في الأصل هي المقامرة لكن الشارع قرن بين الخمر والميسر في التحريم، فقال تعالى: { إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ } <ref>[المائدة: 90، 91]</ref>، فوصف الأربعة بأنها رجس من عمل الشيطان، وأمر باجتنابها، ثم خص الخمر والميسر بأنه يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر، ويصدكم عن ذكر الله، وعن الصلاة. ويهدد من لم ينته عن ذلك بقوله تعالى: { فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ }، كما علق الفلاح بالاجتناب في قوله: { فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } ولهذا يقال: إن هذه الآية دلت على تحريم الخمر والميسر من عدة أوجه.
فهذا الميسر المقرون بالخمر إذا قدرأن علة تحريمه أكل المال بالباطل، وما في ذلك من حصول المفسدة، وترك المنفعة. ومن المعلوم أن هذه الملاعب تشتهيها النفوس، وإذا قويت الرغبة فيها أدخل فيها العوض، كما جرت به العادة، وكان من حكم الشارع أن ينهى عما يدعو إلى ذلك لو لم يكن فيه مصلحة راجحة، وهذا بخلاف المغالبات التي قد تنفع: مثل المسابقة والمصارعة، ونحو ذلك، فإن تلك فيها منفعة راجحة لتقوية الأبدان فلم ينه عنها لأجل ذلك، ولم تجر عادة النفوس بالاكتساب بها. وهذا المعني نبه عليه النبي {{صل}} بقوله: (من لعب بالنرد شير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه)، فإن الغامس يده في ذلك يدعوه إلى أكل الخنزير، وذلك مقدمة أكله وسببه وداعيته، فإذا حرم ذلك فكذلك اللعب الذي هو مقدمة أكل المال بالباطل وسببه وداعيته.
 
وبهذا يتبين ما ذكر العلماء من أن المغالبات ثلاثة أنواع. فما كان معينا على ما أمر الله به في قوله: { وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ } <ref>[ name="الأنفال: 60]<"/ref>، جاز بجعل وبغير جعل. وما كان مفضيا إلى ما نهى الله عنه كالنرد، والشطرنج، فمنهي عنه بجعل، وبغير جعل. وما قد يكون فيه منفعة بلا مضرة راجحة: كالمسابقة، والمصارعة، جاز بلا جعل.
 
الوجه الثالث: أن يقال: قول القائل: إن الميسر إنما حرم لمجرد المقامرة دعوي مجردة، وظاهر القرآن والسنة والاعتبار يدل على فسادها. وذلك أن الله تعالى قال: { وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ } <ref>[المائدة: 91]</ref>. فنبه على علة التحريم، وهي ما في ذلك من حصول المفسدة، وزوال المصلحة الواجبة والمستحبة، فإن وقوع العداوة والبغضاء من أعظم الفساد. وصدود القلب عن ذكر الله وعن الصلاة اللذين كل منهما إما واجب وإما مستحب من أعظم الفاسد.
 
ومن المعلوم أن هذا يحصل في اللعب بالشطرنج والنرد ونحوهما، وإن لم يكن فيه عوض، وهو في الشطرنج أقوى؛ فإن أحدهم يستغرق قلبه وعقله وفكره فيما فعل خصمه، وفيما يريد أن يفعل هو، وفي لوازم ذلك، ولوازم لوازمه، حتى لا يحس بجوعه ولا عطشه، ولا بمن يسلم عليه، ولا بحال أهله، ولا بغير ذلك من ضرورات نفسه وماله، فضلا أن يذكر ربه أو الصلاة وهذا كما يحصل لشارب الخمر، بل كثير من الشرَّاب يكون عقله أصحي من كثير من أهل الشطرنج والنرد. واللاعب بها لا تنقضي نهمته منها إلا بدست بعد دست، كما لا تنقضي نهمة شارب الخمر إلا بقدح بقدح، وتبقي آثارها في النفس بعد انقضائها أكثر من آثار شارب الخمر، حتى تعرض له في الصلاة، والمرض، وعند ركوب الدابة، بل وعند الموت، وأمثال ذلك من الأوقات التي يطلب فيها ذكره لربه وتوجهه إليه. تعرض له تماثيلها، وذكر الشاه، والرخ، والفرزان، ونحو ذلك. فصدها للقلب عن ذكر الله قد يكون أعظم من صد الخمر، وهي إلى الشرب أقرب، كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه للاعبيها: { مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ } ؟ <ref>[ name="الأنبياء: 52]<"/ref> وقلب الرقعة، وكذلك العداوة والبغضاء بسبب غلبة أحد الشخصين للآخر، وما يدخل في ذلك من التظالم، والتكاذب، والخيانة التي هي من أقوي أسباب العداوة والبغضاء، وما يكاد لاعبها يسلم عن شيء من ذلك.
 
والفعل إذا اشتمل كثيرا على ذلك وكانت الطباع تقتضيه ولم يكن فيه مصلحة راجحة حرمه الشارع قطعًا، فكيف إذا اشتمل على ذلك غالبًا؟ وهذا أصل مستمر في أصول الشريعة، كما قد بسطناه في قاعدة سد الذرائع وغيرها، وبينا أن كل فعل أفضي إلى المحرم كثيرا، كان سببا للشر والفساد، فإذا لم يكن فيه مصلحة راجحة شرعية، وكانت مفسدته راجحة، نهى عنه، بل كل سبب يفضي إلى الفساد نهى عنه، إذا لم يكن فيه مصلحة راجحة، فكيف بما كثر افضاؤه إلى الفساد؛ ولهذا نهى عن الخلوة بالأجنبية. وأما النظر: فلما كانت الحاجة تدعو إلى بعضه رخص منه فيما تدعو له الحاجة؛ لأن الحاجة سبب الإباحة، كما أن الفساد والضرر سبب التحريم، فإذا اجتمعا رجح أعلاهما، كما رجح عند الضرر أكل الميتة؛ لأن مفسدة الموت شر من مفسدة الاغتذاء بالخبيث. والنرد والشطرنج ونحوهما، من المغالبات فيها من المفاسد ما لا يحصي، وليس فيها مصلحة معتبرة، فضلا عن مصلحة مقاومة. غايته أن يلهي النفس ويريحها، كما يقصد شارب الخمر ذلك. وفي راحة النفس بالمباح الذي لا يصد عن المصالح ولا يجتلب المفاسد غنية، والمؤمن قد أغناه الله بحلاله عن حرامه، وبفضله عمن سواه { وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ } <ref>[الطلاق: 2،، 3]</ref>. وفي سنن ابن ماجه وغيره، عن أبي ذر: أن هذه الآية لما نزلت قال النبي {{صل}}: (يا أبا ذر، لو أن الناس كلهم عملوا بهذه الآية لوسعتهم) وقد بين سبحانه في هذه الآية أن المتقي يدفع عنه المضرة، وهو أن يجعل له مخرجا مما ضاق على الناس، ويجلب له المنفعة ويرزقه من حيث لا يحتسب وكل ما يتغذي به الحي مما تستريح به النفوس وتحتاج إليه في طيبها وانشراحها فهو من الرزق، والله تعالى يرزق ذلك لمن اتقاه بفعل المأمور وترك المحظور. ومن طلب ذلك بالنرد والشطرنج ونحوهما من الميسر، فهو بمنزلة من طلب ذلك بالخمر، وصاحب الخمر يطلب الراحة ولا يزيده إلا تعبا وغما. وإن كانت تفيده مقدارا من السرور، فما يعقبه من المضار ويفوته من المسار أضعاف ذلك، كما جرب ذلك من جربه، وهكذا سائر المحرمات.
ومما يبين أن الميسر لم يحرم لمجرد أكل المال بالباطل وإن كان أكل المال بالباطل محرما، ولو تجرد عن الميسر، فكيف إذا كان في الميسر؟ بل في الميسر علة أخرى غير أكل المال بالباطل، كما في الخمر: أن الله قرن بين الخمر والميسر، وجعل العلة في تحريم هذا هي العلة في تحريم هذا، ومعلوم أن الخمر لم تحرم لمجرد أكل المال بالباطل، وإن كان أكل ثمنها من أكل المال بالباطل، فكذلك الميسر.
 
يبين ذلك أن الناس أول ما سألوا رسول الله {{صل}} عن الخمر والميسر أنزل الله تعالى: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا } <ref name="البقرة: 219">[البقرة: 219]</ref>، والمنافع التي كانت، قيل هي المال وقيل: هي اللذة. ومعلوم أن الخمر كان فيها كلا هذين؛ فإنهم كانوا ينتفعون بثمنها والتجارة فيها، كما كانوا ينتفعون باللذة التي في شربها، ثم إنه {{صل}} لما حرم الخمر (لعن الخمر وعاصرها، ومعتصرها، وبائعها، ومشتريها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها، وشاربها، وآكل ثمنها). وكذلك الميسر كانت النفوس تنتفع بما تحصله به من المال، وما يحصل به من لذة اللعب. ثم قال تعالى: { وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا } <ref>[ name="البقرة: 219]<"/ref>؛ لأن الخسارة في المقامرة أكثر، والألم والمضرة في الملاعبة أكثر. ولعل المقصود الأول لأكثر الناس بالميسر إنما هو الانشراح بالملاعبة والمغالبة، وأن المقصود الأول لأكثر الناس بالخمر إنما هو ما فيها من لذة الشرب، وإنما حرم العوض فيها؛ لأنه أخذ مال بلا منفعة فيه، فهو أكل مال بالباطل، كما حرم ثمن الخمر والميتة والخنزير والأصنام، فكيف تجعل المفسدة المالية هي حكمة النهي فقط، وهي تابعة، وتترك المفسدة الأصلية التي هي فساد العقل والقلب؟
 
والمال مادة البدن، والبدن تابع القلب، وقال النبي {{صل}}: (ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح بها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد بها سائر الجسد، ألا وهي القلب). والقلب هو محل ذكر الله تعالى وحقيقة الصلاة. فأعظم الفساد في تحريم الخمر والميسر إفساد القلب الذي هو ملك البدن: أن يصد عما خلق له من ذكر الله والصلاة، ويدخل فيما يفسد من التعادي والتباغض. والصلاة حق الحق. والتحاب والموالاة حق الخلق. وأين هذا من أكل مال بالباطل؟ ومعلوم أن مصلحة البدن مقدمة على مصلحة المال، ومصلحة القلب مقدمة على مصلحة البدن. وإنما حرمة المال لأنه مادة البدن؛ ولهذا قدم الفقهاء في كتبهم ربع العبادات على ربع المعاملات، وبهما تتم مصلحة القلب والبدن. ثم ذكروا ربع المناكحات؛ لأن ذلك مصلحة الشخص وهذا مصلحة النوع الذي يبقي بالنكاح. ثم لما ذكروا المصالح ذكروا ما يدفع المفاسد في ربع الجنايات.
 
وقد قال تعالى: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } <ref>[الذاريات: 56]</ref>، وعبادة الله تتضمن معرفته، ومحبته، والخضوع له، بل تتضمن كل ما يحبه ويرضاه. وأصل ذلك وأجله ما في القلوب: الإيمان، والمعرفة، والمحبة لله، والخشية له، والإنابة إليه، والتوكل عليه، والرضي بحكمه، مما تضمنه الصلاة والذكر والدعاء وقراءة القرآن، وكل ذلك داخل في معني ذكر الله والصلاة، وإنما الصلاة وذكر الله من باب عطف الخاص على العام، كقوله تعالى: { وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ } <ref>[البقرة: 98]</ref>، وقوله تعالى: { وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ } <ref>[الأحزاب: 7]</ref>، كما قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ } <ref name="الجمعة: 9">[الجمعة: 9]</ref>، فجعل السعي إلى الصلاة سعيا إلى ذكر الله.
 
ولما كانت الصلاة متضمنة لذكر الله تعالى الذي هو مطلوب لذاته، والنهي عن الشر الذي هو مطلوب لغيره، قال تعالى: { إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ } <ref>[العنكبوت: 45]</ref>، أي: ذكر الله الذي في الصلاة أكبر من كونها تنهى عن الفحشاء والمنكر، وليس المراد أن ذكر الله خارج الصلاة أفضل من الصلاة وما فيها من ذكر الله، فإن هذا خلاف الإجماع، ولما كان ذكر الله هو مقصود الصلاة قال أبو الدرداء: ما دمت تذكر الله فأنت في صلاة، ولو كنت في السوق. ولما كان ذكر الله يعم هذا كله قالوا: إن مجالس الحلال والحرام ونحو ذلك مما فيه ذكر أمر الله ونهيه ووعده ووعيده ونحو ذلك هي من مجالس الذكر.
وقوم من الخائضين في أصول الفقه وتعليل الأحكام الشرعية بالأوصاف المناسبة إذا تكلموا في المناسبة، وأن ترتيب الشارع للأحكام على الأوصاف المناسبة يتضمن تحصيل مصالح العباد ودفع مضارهم، ورأوا أن المصلحة نوعان أخروية، ودنيوية، جعلوا الأخروية ما في سياسة النفس وتهذيب الأخلاق من الحكم، وجعلوا الدنيوية ما تضمن حفظ الدماء والأموال والفروج والعقول والدين الظاهر، وأعرضوا عما في العبادات الباطنة والظاهرة من أنواع المعارف بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله، وأحوال القلوب وأعمالها، كمحبة الله، وخشيته، وإخلاص الدين له، والتوكل عليه، والرجا لرحمته، ودعائه، وغير ذلك من أنواع المصالح في الدنيا والآخرة. وكذلك فيما شرعه الشارع من الوفاء بالعهود وصلة الأرحام، وحقوق المماليك والجيران، وحقوق المسلمين بعضهم على بعض، وغير ذلك من أنواع ما أمر به ونهى عنه، حفظًا للأحوال السنية، وتهذيب الأخلاق. ويتبين أن هذا جزء من أجزاء ما جاءت به الشريعة من المصالح.
 
فهكذا من جعل تحريم الخمر والميسر لمجرد أكل المال بالباطل، والنفع الذي كان فيهما بمجرد أخذ المال، يشبه هذا.. إن هذه المغالبات تصد عن ذكر الله وعن الصلاة من جهة كونها عملا، لا من جهة أخذ المال، فإنها لا تصد عن ذكر الله وعن الصلاة إلا كما يصد سائر أنواع أخذ المال، ومعلوم أن الأموال التي يكتسب بها المال لا ينهى عنها مطلقا؛ لكونها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة. بل ينهى منها عما يصد عن الواجب، كما قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ } <ref>[ name="الجمعة: 9]<"/ref>، وقال تعالى: { فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ } <ref>[الجمعة: 10]</ref>، وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ } <ref>[المنافقون: 9]</ref>، وقال تعالى: { لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ } <ref>[النور: 37]</ref>، فما كان ملهيا وشاغلا عما أمر الله تعالى به من ذكره والصلاة له فهو منهي عنه، وإن لم يكن جنسه محرما: كالبيع، والعمل في التجارة، وغير ذلك.
 
فلو كان اللعب بالشطرنج والنرد ونحوهما في جنسه مباحا، وإنما حرم إذا اشتمل على أكل المال بالباطل، كان تحريمه من جنس تحريم ما نهى عنه من المبيعات والمؤجرات المشتملة على أكل المال بالباطل، كبيوع الغرر. فإن هذه لا يعلل النهي عنها بأنها تصد عما يجب من ذكر الله وعن الصلاة، فإن البيع الصحيح منه ما كان يصد، وأن المعاملات الفاسدة لا يعلل تحريمها بأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، فيمكن أن يقال تلك المعاملات الصحيحة ينهى منها عما يصد عن الواجب فتبين أن تحريم الميسر ليس لكونه من المعاملات الفاسدة، وأن نفس العمل به منهي عنه لأجل هذه المفسدة، كما حرم شرب الخمر. وهذا بين لمن تدبره.
فتبين أن الميسر اشتمل على مفسدتين: مفسدة في المال، وهي أكله بالباطل، ومفسدة في العمل، وهي ما فيه من مفسدة المال وفساد القلب والعقل وفساد ذات البين وكل من المفسدتين مستقلة بالنهي، فينهي عن أكل المال بالباطل مطلقا ولو كان بغير ميسر كالربا، وينهي عما يصد عن ذكر الله وعن الصلاة ويوقع العداوة والبغضاء ولو كان بغير أكل مال. فإذا اجتمعا عظم التحريم، فيكون الميسر المشتمل عليهما أعظم من الربا. ولهذا حرم ذلك قبل تحريم الربا، ومعلوم أن الله تعالى لما حرم الخمر حرمها ولو كان الشارب يتداوى بها، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح. وحرم بيعها لأهل الكتاب وغيرهم، وإن كان أكل ثمنها لا يصد عن ذكر الله وعن الصلاة، ولا يوقع العداوة والبغضاء؛ لأن الله تعالى إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه، كل ذلك مبالغة في الاجتناب، فهكذا الميسر منهي عن هذا وعن هذا.
 
والمعين على الميسر كالمعين على الخمر، فإن ذلك من التعاون على الإثم والعدوان. وكما أن الخمر تحرم الإعانة عليها ببيع أو عصر أو سقي أو غير ذلك، فكذلك الإعانة على الميسر، كبائع آلاته، والمؤجر لها، والمذبذب الذي يعين أحدهما، بل مجرد الحضور عند أهل الميسر كالحضور عند أهل شرب الخمر، وقد قال النبي {{صل}}: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يشرب عليها الخمر) وقد رفع إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قوم يشربون الخمر فأمر بضربهم، فقيل له: إن فيهم صائما. فقال: ابدؤوا به! ثم قال: أما سمعت قوله تعالى: { وَقَدْ نَزَّلَ عليكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ } <ref name="النساء: 140">[النساء: 140]</ref>، فاستدل عمر بالآية؛ لأن الله تعالى جعل حاضر المنكر مثل فاعله بل إذا كان من دعا إلى دعوة العرس لا تجاب دعوته إذا اشتملت على منكر حتى يدعه مع أن إجابة الدعوة حق، فكيف بشهود المنكر من غير حق يقتضي ذلك.
 
فإن قيل: إذا كان هذا من الميسر، فكيف استجازه طائفة من السلف؟ قيل له: المستجيز للشطرنج من السلف بلا عوض كالمستجيز للنرد بلا عوض من السلف، وكلاهما مأثور عن بعض السلف، بل في الشطرنج قد تبين عذر بعضهم، كما كان الشعبي يلعب به لما طلبه الحجاج لتولية القضاء. رأى أن يلعب به ليفسق نفسه، ولا يتولي القضاء للحجاج، ورأي أن يحتمل مثل هذا ليدفع عن نفسه إعانة مثل الحجاج على مظالم المسلمين. وكان هذا أعظم محذورًا عنده، ولم يمكنه الاعتذار إلا بمثل ذلك.
الحمد لله رب العالمين، أما إذا كان بعوض، أو يتضمن ترك واجب: مثل تأخير الصلاة عن وقتها، أو تضييع واجباتها، أو ترك ما يجب من مصالح العيال، وغير ذلك مما أوجب على المسلمين؛ فإنه حرام بإجماع المسلمين. وكذلك إذا تضمن كذبا، أو ظلما، وغير ذلك من المحرمات، فإنه حرام بالإجماع. وإذا خلا عن ذلك فجمهور العلماء كمالك وأصحابه، وأبي حنيفة وأصحابه، وأحمد بن حنبل وأصحابه، وكثير من أصحاب الشافعي: أنه حرام. وقال هؤلاء: إن الشافعي لم يقطع بأنه حلال، بل كرهه. وقيل: إنه قال: لم يتبين إلى تحريمه. والبيهقي أعلم أصحاب الشافعي بالحديث وأنصرهم للشافعي. ذكر إجماع الصحابة على المنع منه: عن علي بن أبي طالب، وأبي سعيد، وابن عمر، وابن عباس، وأبي موسي، وعائشة رضي الله عنهم ولم يحك عن الصحابة في ذلك نزاعا. ومن نقل عن أحد من الصحابة أنه رخص فيه فهو غالط.
 
والبيهقي وغيره من أهل الحديث أعلم بأقوال الصحابة ممن ينقل أقوالا بلا إسناد، قال البيهقي: جعل الشافعي اللعب بالشطرنج من المسائل المختلف فيها في أنه لا يوجب رد الشهادة، فأما كراهيته اللعب بها فقد صرح بها فيما قدمنا ذكره، وهو الأشبه والأولى بمذهبه. فالذين كرهوا أكثر، ومعهم من يحتج بقوله. وروي بإسناده عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان يقول: الشطرنج ميسر العجم. وروي بإسناده عن علي: أنه مر بقوم يلعبون بالشطرنج، وقال: { مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ } <ref>[ name="الأنبياء: 52]<"/ref>، لأن يمس أحدكم جمرًا حتى يطفأ خير له من أن يمسها. وعن على رضي الله عنه أنه مر بمجلس من مجالس تيم الله وهم يلعبون بالشطرنج فقال: أما والله لغير هذا خلقتم! أما والله لولا أن يكون سنة لضربت بها وجوهكم! وعن مالك قال: بلغنا أن ابن عباس ولي مال يتيم فأحرقها. وعن ابن عمر أنه سئل عن الشطرنج فقال: هو شر من النرد. وعن أبي موسي الأشعري قال: لا يلعب بالشطرنج إلا خاطئ. وعن عائشة: أنها كانت تكره الكيل، وإن لم يقامر عليها. وأبو سعيد الخدري كان يكره اللعب بها. فهذه أقوال الصحابة رضي الله عنهم ولم يثبت عن صحابي خلاف ذلك. ثم روي البيهقي أيضًا عن أبي جعفر محمد بن على المعروف بالباقر أنه سئل عن الشطرنج فقال: دعونا من هذه المجوسية.
 
قال البيهقي: روينا في كراهية اللعب بها، عن يزيد بن أبي حبيب، ومحمد بن سيرين، وإبراهيم، ومالك بن أنس.
فأجاب:
 
الحمد لله، اللعب بالشطرنج حرام عند جماهير علماء الأمة وأئمتها كالنرد. وقد صح عن النبي {{صل}} أنه قال: (من لعب بالنرد فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه) وقال: (من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله) وثبت عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنه مر بقوم يلعبون بالشطرنج، فقال: { مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ } ؟ <ref>[ name="الأنبياء: 52]<"/ref>، وروي أنه قلب الرقعة عليهم.
 
وقالت طائفة من السلف: الشطرنج من الميسر، وهو كما قالوا؛ فإن الله حرم الميسر، وقد أجمع العلماء على أن اللعب بالنرد والشطرنج حرام، إذا كان بعوض، وهو من القمار والميسر الذي حرمه الله. والنرد حرام عند الأئمة الأربعة، سواء كان بعوض أو غير عوض، ولكن بعض أصحاب الشافعي جوزه بغير عوض؛ لاعتقاده أنه لا يكون حينئذ من الميسر. وأما الشافعي وجمهور أصحابه وأحمد وأبو حنيفة وسائر الأئمة فيحرمون ذلك بعوض وبغير عوض؛ وكذلك الشطرنج صرح هؤلاء الأئمة بتحريمها: مالك، وأبو حنيفة، وأحمد، وغيرهم.
وتنازعوا أيهما أشد؟ فقال مالك وغيره: الشطرنج شر من النرد. وقال أحمد وغيره: الشطرنج أخف من النرد. ولهذا توقف الشافعي في النرد إذا خلا عن المحرمات؛ إذ سبب الشبهة في ذلك أن أكثر من يلعب فيها بعوض بخلاف الشطرنج فإنها تلعب بغير عوض غالبًا. وأيضًا فظن بعضهم أن اللعب بالشطرنج يعين على القتال؛ لما فيها من صف الطائفتين.
 
والتحقيق أن النرد والشطرنج إذا لعب بهما بعوض فالشطرنج شر منها؛ لأن الشطرنج حينئذ حرام بإجماع المسلمين، وكذلك يحرم بالإجماع إذا اشتملت على محرم: من كذب، ويمين فاجرة، أو ظلم، أو جناية أو حديث غير واجب، ونحوها، وهي حرام عند الجمهور وإن خلت عن هذه المحرمات فإنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وتوقع العداوة والبغضاء أعظم من النرد إذا كان بعوض. وإذا كانا بعوض فالشطرنج شر في الحالين. وأما إذا كان العوض من أحدهما ففيه من أكل المال بالباطل ما ليس في الآخر والله تعالى قرن الميسر بالخمر والأنصاب والأزلام، لما فيها من الصد عن ذكر الله وعن الصلاة. وفيها إيقاع العداوة والبغضاء؛ فإن الشطرنج إذا استكثر منها تستر القلب وتصده عن ذلك أعظم من تستر الخمر. وقد شبه أمير المؤمنين على رضي الله عنه لاعبيها بعباد الأصنام حيث قال: { مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ } <ref>[ name="الأنبياء: 52]<"/ref>، كما شبه النبي {{صل}} شارب الخمر بعابد الوثن في الحديث الذي في المسند عن النبي {{صل}} أنه قال: (شارب الخمر كعابد وثن).
 
وأما ما يروي عن سعيد بن جبير من اللعب بها، فقد بين سبب ذلك: أن الحجاج طلبه للقضاء فلعب بها؛ ليكون ذلك قادحا فيه فلا يولي القضاء. وذلك أنه رأي ولاية الحجاج أشد ضررا عليه في دينه من ذلك، والأعمال بالنيات، وقد يباح ما هو أعظم تحريما من ذلك لأجل الحاجة. وهذا يبين أن اللعب بالشطرنج كان عندهم من المنكرات، كما نقل عن على وابن عمر وغيرهما. ولهذا قال أبو حنيفة وأحمد وغيرهما: إنه لا يسلم على لاعب الشطرنج؛ لأنه مظهر للمعصية، وقال صاحبا أبي حنيفة: يسلم عليه.
 
==باب العشرة==
 
===سئل عن أقوام يعاشرون المردان ويدعون أنهم يصحبون لله===
 
وأما مضاجعته، فهذا أفحش من أن يسأل عنه، فإن النبي {{صل}} قال: (مروهم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع) إذا بلغوا عشر سنين ولم يحتلموا بعد، فكيف بما هو فوق ذلك، وإذا كان النبي {{صل}} قد قال: (لا يخلو رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان)، قال: (إياكم والدخول على النساء). قالوا: يا رسول الله، أفرأيت الحم؟ قال: (الحمو الموت) فإذا كانت الخلوة محرمة لما يخاف منها فكيف بالمضاجعة؟
 
وأما قول القائل: إنه يفعل ذلك لله، فهذا أكثره كذب، وقد يكون لله مع هوي النفس، كما يدعي من يدعي مثل ذلك في صحبة النساء الأجانب، فيبقي كما قال تعالى في الخمر: { فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا } <ref>[ name="البقرة: 219]<"/ref> وقد روي الشعبي عن النبي {{صل}}: (أن وفد عبد القيس لما قدموا على النبي {{صل}} وكان فيهم غلام ظاهر الوضاءة أجلسه خلف ظهره، وقال: إنما كانت خطيئة داود عليه السلام النظرة). هذا وهو رسول الله {{صل}}، وهو مزوج بتسع نسوة، والوفد قوم صالحون، ولم تكن الفاحشة معروفة في العرب وقد روي عن المشائخ من التحذير عن صحبة الأحداث ما يطول وصفه.
 
وليس لأحد من الناس أن يفعل ما يفضي إلى هذه المفاسد المحرمة، وإن ضم إلى ذلك مصلحة من تعليم أو تأديب؛ فإن المردان يمكن تعليمهم وتأديبهم بدون هذه المفاسد التي فيها مضرة عليهم، وعلى من يصحبهم، وعلى المسلمين: بسوء الظن تارة، وبالشبهة أخري، بل روي: أن رجلا كان يجلس إليه المردان، فنهى عمر رضي الله عنه عن مجالسته. ولقي عمر بن الخطاب شابا فقطع شعره؛ لميل بعض النساء إليه؛ مع ما في ذلك من إخراجه من وطنه، والتفريق بينه وبين أهله.
ومعلوم أن تعلم العربية وتعليم العربية فرض على الكفاية، وكان السلف يؤدبون أولادهم على اللحن، فنحن مأمورون أمر إيجاب أو أمر استحباب أن نحفظ القانون العربي، ونصلح الألسن المائلة عنه، فيحفظ لنا طريقة فهم الكتاب والسنة، والاقتداء بالعرب في خطابها. فلو ترك الناس على لحنهم كان نقصا وعيبا فكيف إذا جاء قوم إلى الألسنة العربية المستقيمة، والأوزان القويمة، فأفسدوها بمثل هذه المفردات والأوزان المفسدة للسان، الناقلة عن العربية العرباء إلى أنواع الهذيان، الذي لا يهذي به الأقوم من الأعاجم الطِّماطِم الصميان؟
 
الوجه الرابع: أن المغالبة بمثل هذا توقع العداوة والبغضاء وتصدهم عن ذكر الله وعن الصلاة، وهذا من جنس النقار بين الديوك، والنطاح بين الكباش، ومن جنس مغالبات العامة التي تضرهم ولا تنفعهم، والله سبحانه حرم الخمر والميسر. والميسر هو القمار؛ لأنه يصد عن ذكر الله وعن الصلاة ويوقع العداوة والبغضاء. والميسر المحرم ليس من شرطه أن يكون فيه عوض، بل اللعب بالنرد حرام باتفاق العلماء وإن لم يكن فيه عوض، وإن كان فيه خلاف شاذ لا يلتفت إليه. وقد قال {{صل}}: (من لعب بالنرد فقد عصي الله ورسوله)؛ لأن النرد يصد عن ذكر الله وعن الصلاة ويوقع العداوة والبغضاء، وهذه المغالبات تصدهم عن ذكر الله وعن الصلاة، وتوقع بينهم العداوة والبغضاء، أعظم من النرد، فإذا كان أكثر الأئمة قد حرم الشطرنج، وجعله مالك أعظم من النرد، مع أن اللاعبين بالنرد، والشطرنج وإن كانوا فساقًا، فهم أمثل من هؤلاء، وهذا بين الوجه الخامس: وهو أن غالب هؤلاء، إما زنديق منافق، وإما فاجر فاسق، ولا يكاد يوجد فيهم مؤمن بر، بل وجد حاذقهم منسلخًا من دين الإسلام، مضيعًا للصلوات، متبعًا للشهوات، لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرم ما حرم الله ورسوله، ولا يدين دين المسلمين. وإن كان مسلمًا كان فاسقًا مرتكبًا للمحرمات، تاركًا للواجبات. وإن كان الغالب عليهم، إما النفاق، وإما الفسق، كان حكم الله في الزنديق قتله من غير استتابة، وحكمه في الفاسق إقامة الحد عليه؛ إما بالقتل، أو بغيره والمخالط لهم والمعاشر إذا ادعى سلامته من ذلك لم يقبل؛ فإنه إما أن يفعل معهم المحرمات، ويترك الواجبات، وإما أن يقرهم على المنكرات، فلا يأمرهم بمعروف، ولا ينهاهم عن منكر. وعلى كل حال فهو مستحق للعقوبة، وقد رفع إلى عمر بن عبد العزيز أقوام يشربون الخمر فأمر بجلدهم الحد، فقيل: إن فيهم صائمًا؟ فقال: إبدؤوا بالصائم فاجلدوه: ألم يسمع إلى قوله تعالى: { وَقَدْ نَزَّلَ عليكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ } <ref>[ name="النساء: 140]<"/ref>. وقوله تعالى: { وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَلَكِن ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } <ref>[الأنعام: 68، 69]</ref>، فنهى سبحانه عن القعود مع الظالمين، فكيف بمعاشرتهم؟ أم كيف بمخادنتهم؟
 
وهؤلاء قوم تركوا المقامرة بالأيدي، وعجزوا عنها، ففتحوا القمار بالألسنة، والقمار بالألسنة أفسد للعقل والدين من القمار بالأيدي. والواجب على المسلمين المبالغة في عقوبة هؤلاء، وهجرهم، واستتابتهم، بل لو فرض أن الرجل نظم هذه الأزجال العربية من غير مبالغة لنهي عن ذلك، بل لو نظمها في غير الغزل، فإنهم تارة ينظمونها بالكفر بالله وبكتابه ورسوله، كما نظمها أبو الحسن التستري في وحدة الوجود، وأن الخالق هو المخلوق. وتارة ينظمونها في الفسق، كنظم هؤلاء الغواة، والسفهاء الفساق. ولو قدر أن ناظمًا نظم هذه الأزجال في مكان حانوت، نهى؛ فإنها تفسد اللسان العربى، وتنقله إلى العجمة المنكرة.
وقال رحمه الله:
 
قوله: { فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ } <ref name="النساء: 34">[النساء: 34]</ref>، يقتضي وجوب طاعتها لزوجها مطلقًا من خدمة، وسفر معه، وتمكين له، وغير ذلك كما دلت عليه سنة رسول الله {{صل}} في حديث الجبل الأحمر وفي السجود وغير ذلك، كما تجب طاعة الأبوين. فإن كل طاعة كانت للوالدين انتقلت إلى الزوج، ولم يبق للأبوين عليها طاعة، تلك وجبت بالأرحام، وهذه وجبت بالعهود، كما سنقرر إن شاء الله هذين الأصلين العظيمين.
 
===سئل عن امرأة تزوجت وخرجت عن حكم والديها===
فأجاب:
 
الحمد رب العالمين، المرأة إذا تزوجت كان زوجها أملك بها من أبويها، وطاعة زوجها عليها أوجب، قال الله تعالى: { فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ } <ref>[ name="النساء: 34]<"/ref>، وفي الحديث عن النبي {{صل}} أنه قال: (الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة؛ إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك)، وفي صحيح ابن أبي حاتم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله {{صل}}: (إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحصنت فرجها، وأطاعت بعلها دخلت من أي أبواب الجنة شاءت)، وفي الترمذي عن أم سلمة، قالت: قال رسول الله {{صل}}: (أيما امرأة ماتت وزوجها راض عنها دخلت الجنة)، وقال الترمذي: حديث حسن، وعن أبي هريرة، عن النبي {{صل}} قال: (لو كنت آمرًا لأحد أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها). أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن، وأخرجه أبو داود، ولفظه: (لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن، لما جعل الله لهم عليهن من الحقوق). وفي المسند عن أنس: أن النبي {{صل}} قال: (لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر، ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها، والذي نفسي بيده لو كان من قدمه إلى مفرق رأسه قرحة تجري بالقيح والصديد، ثم استقبلته فلحسته ما أدت حقه)! وفي المسند وسنن ابن ماجه، عن عائشة عن النبي {{صل}} قال: (لو أمرت أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، ولو أن رجلا أمر امرأته أن تنقل من جبل أحمر إلى جبل أسود، ومن جبل أسود إلى جبل أحمر، لكان لها أن تفعل)، أي لكان حقها أن تفعل.
 
وكذلك في المسند، وسنن ابن ماجه، وصحيح ابن حبان، عن عبد الله بن أبي أوفي، قال: لما قدم معاذ من الشام سجد للنبي {{صل}}، فقال: (ما هذا يا معاذ؟ ) قال: أتيت الشام فوجدتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم، فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك يا رسول الله، فقال رسول الله {{صل}}: (لا تفعلوا ذلك، فإني لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، والذي نفس محمد بيده لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها، ولو سألها نفسها وهي على قتب لم تمنعه)، وعن طلق بن على قال: قال رسول الله {{صل}}: (أيما رجل دعا زوجته لحاجته فلتأته ولو كانت على التنور) رواه أبو حاتم في صحيحه والترمذي، وقال: حديث حسن، وفي الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله {{صل}}: (إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجىء، فبات غضبانا عليها، لعنتها الملائكة حتى تصبح). والأحاديث في ذلك كثيرة عن النبي {{صل}}، وقال زيد بن ثابت: الزوج سيد في كتاب الله، وقرأ قوله تعالى: { وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْباب } <ref>[ name="يوسف: 25]<"/ref>. وقال عمر بن الخطاب: النكاح رق فلينظر أحدكم عند من يرق كريمته. وفي الترمذي وغيره عن النبي {{صل}} أنه قال: (استوصوا بالنساء خيرًا، فإنما هن عندكم عوان)، فالمرأة عند زوجها تشبه الرقيق والأسير، فليس لها أن تخرج من منزله إلا بإذنه سواء أمرها أبوها أو أمها أو غير أبويها باتفاق الأئمة.
 
وإذا أراد الرجل أن ينتقل بها إلى مكان آخر مع قيامه بما يجب عليه وحفظ حدود الله فيها ونهاها أبوها عن طاعته في ذلك، فعليها أن تطيع زوجها دون أبويها؛ فإن الأبوين هما ظالمان، ليس لهما أن ينهاياها عن طاعة مثل هذا الزوج، وليس لها أن تطيع أمها فيما تأمرها به من الاختلاع منه أو مضاجرته حتى يطلقها، مثل أن تطالبه من النفقة والكسوة والصداق بما تطلبه ليطلقها، فلا يحل لها أن تطيع واحدًا من أبويها في طلاقه إذا كان متقيًا لله فيها. ففي السنن الأربعة وصحيح ابن أبي حاتم عن ثوبان قال: قال رسول الله {{صل}}: (أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة). وفي حديث آخر: (المختلعات والمنتزعات هن المنافقات). وأما إذا أمرها أبواها أو أحدهما بما في طاعة الله مثل المحافظة على الصلوات، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، ونهوها عن تبذير مالها وإضاعته، ونحو ذلك مما أمر الله ورسوله أو نهاها الله ورسوله عنه، فعليها أن تطيعهما في ذلك، ولو كان الأمر من غير أبويها، فكيف إذا كان من أبويها؟
وقال رحمه الله تعالى:
 
وأما (إتيان النساء في أدبارهن)، فهذا محرم عند جمهور السلف والخلف كما ثبت ذلك في الكتاب والسنة، وهو المشهور في مذهب مالك. وأما القول الآخر بالرخصة فيه: فمن الناس من يحكيه رواية عن مالك، ومنهم من ينكر ذلك. ونافع نقل عن ابن عمر أنه لما قرأ عليه: { نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ } <ref name="البقرة: 223">[البقرة: 223]</ref>، قال له ابن عمر: إنها نزلت في إتيان النساء في أدبارهن. فمن الناس من يقول غلط نافع على ابن عمر، أو لم يفهم مراده، وكان مراده: أنها نزلت في إتيان النساء من جهة الدبر في القبل؛ فإن الآية نزلت في ذلك باتفاق العلماء، وكانت اليهود تنهى عن ذلك، وتقول: إذا أتى الرجل المرأة في قبلها من دبرها جاء الولد أحول فأنزل الله هذه الآية. والحرث موضع الولد، وهو القبل. فرخص الله للرجل أن يطأ المرأة في قبلها من أي الجهات شاء.
 
وكان سالم بن عبد الله بن عمر يقول: كذب العبد على أبي، وهذا مما يقوي غلط نافع على ابن عمر، فإن الكذب كانوا يطلقونه بإزاء الخطأ، كقول عبادة: كذب أبو محمد. لما قال: الوتر واجب. وكقول ابن عباس: كذب نوف: قال: لما قال صاحب الخضر ليس موسى بني إسرائيل.
فأجاب:
 
وطء المرأة في دبرها حرام بالكتاب والسنة، وهو قول جماهير السلف والخلف، بل هو اللوطية الصغرى، وقد ثبت عن النبي {{صل}} أنه قال: (إن الله لا يستحيي من الحق لا تأتوا النساء في أدبارهن). وقد قال تعالى: { نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ } <ref>[ name="البقرة: 223]<"/ref> والحرث هو موضع الولد؛ فإن الحرث هو محل الغرس والزرع. وكانت اليهود تقول: إذا أتى الرجل امرأته من دبرها جاء الولد أحول، فأنزل الله هذه الآية، وأباح للرجل أن يأتي امرأته من جميع جهاتها، لكن في الفرج خاصة. ومتى وطئها في الدبر وطاوعته عزرا جميعًا، فإن لم ينتهيا وإلا فرق بينهما، كما يفرق بين الرجل الفاجر ومن يفجر به. والله أعلم.
 
===سئل عما يجب على من وطئ زوجته في دبرها===
 
==باب القسم بين الزوجات==
 
===سئل عن رجل متزوج بامرأتين وإحداهما يحبها أكثر من صاحبتها===
 
 
==باب النشوز==
 
===سئل عن رجل له زوجة تصوم وتقوم وكلما دعاها الرجل إلى فراشه تأبى عليه===
 
فأجاب:
 
لا يحل لها ذلك باتفاق المسلمين، بل يجب عليها أن تطيعه إذا طلبها إلى الفراش، وذلك فرض واجب عليها. وأما قيام الليل وصيام النهار فتطوع، فكيف تقدم مؤمنة للنافلة على الفريضة؟ حتى قال النبي {{صل}} في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة: أن النبي {{صل}} قال: (لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه). ورواه أبو داود وابن ماجه وغيرهما، ولفظهم: (لا تصوم امرأة وزوجها شاهد يوما من غير رمضان إلا بإذنه). فإذا كان النبي {{صل}} قد حرم على المرأة أن تصوم تطوعا إذا كان زوجها شاهدا إلا بإذنه، فتمنع بالصوم بعض ما يجب له عليها: فكيف يكون حالها إذ طلبها فامتنعت؟ وفي الصحيحين عن النبي {{صل}}: (إذا دعا الرجل المرأة إلى فراشه فأبت، لعنتها الملائكة حتى تصبح). وفي لفظ: (إلا كان الذي في السماء ساخطا عليها حتى تصبح). وقد قال الله تعالى: { فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ } <ref>[ name="النساء: 34]<"/ref>، فالمرأة الصالحة هي التي تكون قانتة أي: مداومة على طاعة زوجها. فمتى امتنعت عن إجابته إلى الفراش كانت عاصية ناشزة، وكان ذلك يبيح له ضربها كما قال تعالى: { وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عليهنَّ سَبِيلا } <ref>[ name="النساء: 34]<"/ref>.
 
وليس على المرأة بعد حق الله ورسوله أوجب من حق الزوج، حتى قال النبي {{صل}}: (لو كنت آمرا لأحد أن يسجد لأحد لأمرت المرأة تسجد لزوجها؛ لعظم حقه عليها). وعنه {{صل}} أن النساء قلن له: إن الرجال يجاهدون، ويتصدقون، ويفعلون، ونحن لا نفعل ذلك. فقال: (حسن فعل أحدكن يعدل ذلك) أي: أن المرأة اذا أحسنت معاشرة بعلها كان ذلك موجبا لرضاء الله وإكرامه لها، من غير أن تعمل ما يختص بالرجال. والله أعلم.
===سئل عن قوله تعالى واللاتي تخافون نشوزهن===
 
وسئل رَحمه الله تعالى عن قوله تعالى: { وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ } <ref>[ name="النساء: 34]<"/ref>، وفي قوله تعالى: { وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا } إلى قوله تعالى: { وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } <ref name="المجادلة: 11">[المجادلة: 11]</ref>، يبين لنا شيخنا هذا النشوز من ذاك؟
 
فأجاب:
 
الحمد للّه رب العالمين، النشوز في قوله تعالى: { تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ } <ref>[ name="النساء: 34]<"/ref>، هو أن تنشز عن زوجها فتنفر عنه بحيث لا تطيعه إذا دعاها للفراش، أو تخرج من منزله بغير إذنه، ونحو ذلك مما فيه امتناع عما يجب عليها من طاعته.
 
وأما النشوز في قوله تعالى: { وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا } <ref>[ name="المجادلة: 11]<"/ref>، فهو النهوض والقيام والارتفاع. وأصل هذه المادة هو الارتفاع والغلظ، ومنه النشز من الأرض، وهو المكان المرتفع الغليظ. ومنه قوله تعالى: { وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا } <ref>[البقرة: 259]</ref>، أى نرفع بعضها إلى بعض. ومن قرأ ننشرها أراد نحييها. فسمى المرأة العاصية ناشزا لما فيها من الغلظ والارتفاع عن طاعة زوجها، وسمى النهوض نشوزا لأن القاعد يرتفع من الأرض. والله أعلم.
 
===سئل عن رجل له زوجة ناشز تمنعه نفسها فهل تسقط نفقتها===
 
==باب الخلع==
 
===سئل ماهو الخلع الذي جاء به الكتاب والسنة===
 
وأما أهل المرأة فيكشفون الحق مع من هو فيعينونه عليه، فإن تبين لهم أنها هي التي تعدت حدود الله وآذت الزوج في فراشه، فهي ظالمة متعدية، فلتفتد منه. وإذا قال: إنه أرسلها إلى عرس ولم تذهب إلى العرس فليسأل إلى أين ذهبت؟ فإن ذكر أنها ذهبت إلى قوم لا ريبة عندهم وصدقها أولئك القوم، أو قالوا: لم تأت إلينا، وإلى العرس لم تذهب، كان هذا ريبة وبهذا يقوي قول الزوج.
 
وأما الجهاز الذي جاءت به من بيت أبيها فعليه أن يرده عليها بكل حال، وإن اصطلحوا فالصلح خير، ومتى تابت المرأة جاز لزوجها أن يمسكها ولا حرج في ذلك، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وإذا لم يتفقا على رجوعها إليه فلتبرئه من الصداق، وليخلعها الزوج، فإن الخلع جائز بكتاب الله وسنة رسوله، كما قال الله تعالى: { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلاَ جُنَاحَ عليهمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } <ref name="البقرة: 229">[البقرة: 229]</ref>. والله أعلم.
 
===سئل عن ثيب بالغ زوجها الحاكم ثم خالعها الزوج بغير إذن الحاكم===
وكذلك لفظ البيع المطلق لا يتناول بيع الخمر والميتة والخنزير، وإن كان يسمي بيعا مع التقييد.
 
وكذلك الإيمان عند الإطلاق إنما يتناول الإيمان بالله ورسوله، وأما مع التقييد فقد قال الله تعالى: { أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ } <ref>[ name="النساء: 51]<"/ref>، لا يدخل في مطلق الإيمان.
 
وكذلك لفظ البشارة عند الإطلاق إنما تناول الإخبار بما يسر، وأما مع التقييد فقد قال تعالى: { فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ إليمٍ } <ref>[آل عمران: 21]</ref>. وأمثال ذلك كثيرة.
الثاني: أن يقال: ما زاد على الأربع حرام عليه بالشرع، وما كانت محرمة بالشرع لم تحتج إلى طلاق، لكن المحرمة لما لم تكن معينة كانت له ولاية التعيين.
 
الثالث: أن يقال: إن الله قد ذكر في كتابه خصائص الطلاق، وهي منتفية من هذه الفرقة، فقال تعالى: { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ } إلى قوله: { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ } <ref name="البقرة: 228">[البقرة: 228]</ref>، فجعل المطلقة زوجها أحق برجعتها في العدة، وما زاد على الأربع لا يمكنه أن يختار واحدة منهن في العدة، إلا أن يقول قائل: له في العدة أن يرتجع واحدة من المفارقات ويطلق غيرها، وهذا لا أعلمه قولا.
 
الرابع: أن الله قال: { الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ } <ref>[ name="البقرة: 229]<"/ref>، فجعل له بعد الطلقتين أن يمسك بمعروف، أو يسرح بإحسان، وهذا ليس له في ما زاد على الأربع إذا فارقهن، إلا أن يقال: له الرجعة بشرط البدل.
 
الخامس: أن الله قال: { إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } <ref>[ name="الطلاق: 1]<"/ref>، وهذا الفراق لا يقضي على العدة، بل عليه إذا أسلم أن يفارق ما زاد على الأربع. وهذا دليل ظاهر.
 
السادس: أنه قال: { لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ } <ref>[ name="الطلاق: 1]<"/ref>، وهذه المفارقة ليست كذلك.
 
السابع: أنه قال: { وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ } <ref>[البقرة: 232]</ref>، وهذه ليست كذلك.
قلت: وقد ذكر ابن المنذر عن أحمد بن حنبل. أنه ضعف كل ما يروي عن الصحابة مخالفا لقول ابن عباس.
 
وقد ذكر الشيخ أبو محمد في مغنية هذه الرواية التي ذكرها أبو بكر عبد العزيز في الشافي عن أحمد، منه نقلها أبو محمد، وهي موجودة في غير ذلك من الكتب، فقال: وأكثر أهل العلم يقولون: عدة المختلعة عدة المطلقة ومنهم سعيد بن المسيب. ومنهم طائفة من العلماء منهم مالك والشافعي. قال: وروي عن عثمان بن عفان، وابن عمر، وابن عباس وأبان بن عثمان وإسحاق وابن المنذر: أن عدة المختلعة حيضة. وروي ابن القاسم عن أحمد كما روي ابن عباس: أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت منه، فجعل النبي {{صل}} عدتها حيضة رواه النسائي، وعن الربيع بنت معوذ مثل ذلك، رواه النسائي وابن ماجه. قال: ولنا قوله تعالى: { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ } <ref>[ name="البقرة: 228]<"/ref>، ولأنها فرقة بعد الدخول في الحياة فكانت ثلاثة قروء، كالخلع.
 
فيقال: أما الآية فلا يجوز الاحتجاج بها حتى يبين أن المختلعة مطلقة، وهذا محل النزاع، ولو قدر شمول نص لها فالخاص يقضي على العام، والآية قد استثني منها غير واحدة من المطلقات، كغير المدخول بها، والحامل، والأمة، والتي لم تحض، وإنما تشمل المطلقة التي لزوجها عليها الرجعة.
فإن قيل: فقد نقل عن عثمان وابن عمر: أنه طلاق، كما روي حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن جمهان أن أم بكرة الأسلمية كانت تحت عبد الله بن أسيد، فاختلعت منه، فندما، فارتفعا إلى عثمان بن عفان فأجاز ذلك، وقال: هي واحدة؛ إلا أن تكون سميت شيئا، فهو على ما سميت. وقد روي مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: عدة المختلعة عدة المطلقة. وقد روي أبو داود قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا عفان، حدثنا همام، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن زوج بريرة كان عبدًا أسود، فخيرها رسول الله {{صل}}، وأمرها أن تعتد، وهكذا رواه ابن أبي عاصم: حدثنا هدبة بن خالد، حدثنا همام، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قضى رسول الله {{صل}} في بريرة بأربع قضايا: أمرها أن تختار، وأمرها أن تعتد. وقال: حدثنا الحلواني، حدثنا عمرو بن...، حدثنا همام، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس ذكر النبي {{صل}} قال: أحسبه قال فيه: تعتدي عدة الخلع، فهذا فسخ أوجب فيه العدة؛ ولهذا قال ابن حزم: إنه لا عدة في شيء من الفسوخ، إلا في هذا؛ لأنه لا يقول بالقياس، وليس في النص إيجاب العدة في فسخ.
 
لكن لفظ الاعتداد يستعمل عندهم في الاعتداد بحيضة، كما في حديث المختلعة من غير وجه أمرها أن تعتد بحيضة وقالت عائشة في قوله: { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } <ref>[ name="النساء: 24]<"/ref>، أي فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن، والمراد بها: الاستبراء؛ فإن المسبية لا يجب في حقها إلا الاستبراء بحيضة، كما قال {{صل}} في سبايا أوطاس: (لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تستبرأ بحيضة)، وقال فيه: فأنزل الله: { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ }، وهكذا في الحديث المعروف عن أبي سعيد الخدري في سبايا أوطاس من رواية أبي الخليل... (حلال إذا انقضت عدتهن)، وفي هذا قال النبي {{صل}}: (لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تستبرأ) وأبو سعيد روي هذا وهذا. وعلى الحديثين: أم الولد تعتد بحيضة وقال عمرو بن عاصم: وأحسبه قال: تعتد عدة الحرة. شك لا تقوم به حجة.
 
وعن أحمد في عدة المختلعة روايتان: ذكرهما أبو بكر في كتاب الشافي قال أبو بكر في الشافي: باب عدة المختلعة والملاعنة وامرأة عصبي، وروي بإسناده عن الأثرم، وإبراهيم بن الحارث؛ أنه قيل لأبي عبد الله: عدة كل مطلقة ثلاث حيض؟ قال: نعم، إلا الأمة. قيل له: المختلعة، والملاعنة وامرأة المرتد؟ قال: نعم. كل فرقة عدتها ثلاث حيض. وعن أبي طالب أن أبا عبد الله قال في المختلعة تعتد مثل المطلقة ثلاث حيض. وروي عن أحمد ابن القاسم قال أبو عبد الله: عدة المختلعة حيضة. قال عبد العزيز: والعمل على رواية الأثرم، والعبادي: أن كل فرقة من الحرائر عدتها ثلاث حيض، وحديث المختلعة أمرت أن تعتد بحيضة ضعيف؛ لأنه مرسل عن رسول الله {{صل}}، وبما قلت أذهب، وهو قول عثمان بن عفان.
وقد تنازع العلماء في امرأة الكافر هل عليها عدة أم استبراء؟ على قولين مشهورين، ومذهب أبي حنيفة ومالك لا عدة عليها.
 
وما في هذا الحديث من رد إناث عبيد المعاهدين، فهو نظير رد مهور النساء المهاجرات من أهل الهدنة، وهن الممتحنات اللاتي قال الله فيهن: { إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ } الآية <ref>[ name="الممتحنة: 10]<"/ref>. ومن أنه كان إذا هاجر زوجها قبل أن تنكح فهو أحق بها، فهذا أحد الأقوال في المسألة، وهو أن الكافر إذا أسلمت امرأته: هل تتعجل الفرقة مطلقا، أو يفرق بين المدخول بها وغيرها، أو الأمر موقوف ما لم تتزوج، فإذا أسلم فهي امرأته؟ والأحاديث إنما تدل على هذا القول، ومنها هذا الحديث، ومنها حديث زينب بنت رسول الله {{صل}}، فإن الثابت في الحديث أنه ردها بالنكاح الأول بعد ست سنين، كما رواه أحمد في مسنده، ورواه أهل السنن: أبو داود وغيره، والحاكم في صحيحه عن ابن عباس قال: رد رسول الله {{صل}} زينب على أبي العاص بالنكاح الأول لم يحدث شيئًا. وفي رواية: بعد ست سنين، وفي إسناده ابن إسحاق، ورواه الترمذي وقال: ليس بإسناده بأس، وروي أبو داود والحاكم في صحيحه عن ابن عباس قال: أسلمت امرأة على عهد رسول الله {{صل}} فتزوجت، فجاء زوجها إلى النبي {{صل}}، فقال: يا رسول الله، إني كنت أسلمت، وعلمت بإسلامي، فانتزعها رسول الله {{صل}} من زوجها الآخر، وردها إلى زوجها الأول. وفي إسناده سماك.
 
فقد ردها لما ذكر أنه أسلم وعلمت بإسلامه. ولم يستفصله: هل أسلما معا؟ أو هل أسلمت قبل أن تنقضي العدة؟ وترك الاستفصال يدل على أن الجواب عام مطلق في كل ما تتناوله صور السؤال؛ وهذا لأنه متي أسلم على شيء فهو له. وإذا أسلم على مواريث لم تقسم قسمت على حكم الإسلام، وكذلك على عقود لم تقبض فإنه يحكم فيها بحكم الإسلام، ولو أسلم رقيق الكافر الذمي لم يزل ملكه عنه، بل يؤمر بإزالة ملكه عنه، ويحال بينه وبين ثبوت يده عليه، واستمتاعه بإمائه: أم ولده، وغيرها والاستخدام، فكذلك إذا أسلمت المرأة حيل بينها وبين زوجها، فإن أسلم قبل أن يتعلق بها حق غيره فهو كما لو أسلم قبل أن يباع رقيقه فهو أحق بهم، والدوام أقوي من الابتداء، ولأن القول بتعجيل الفرقة خلاف المعلوم بالتواتر من سنة رسول الله {{صل}}، والقول بالتوقف على انقضاء العدة أيضا كذلك، فإن النبي {{صل}} لم يوقت ذلك فيمن أسلم على عهده من النساء والرجال مع كثرة ذلك؛ ولأنه لا مناسبة بين العدة وبين استحقاقها بإسلام أحدهما. وقياس ذلك على الرجعة من أبطل القياس من وجوه كثيرة.
والقرآن ليس فيه إيجاب العدة بثلاثة قروء إلا على المطلقات، لا على من فارقها زوجها بغير طلاق، ولا على من وطئت بشبهة، ولا على المزني بها. فإذا مضت السنة بأن المختلعة إنما عليها الاعتداد بحيضة الذي هو استبراء، فالموطوءة بشبهة والمزني بها أولى بذلك، كما هو أحد الروايتين عن أحمد في المختلعة، وفي المزني بها. والموطوءة بشبهة، دون المزني بها، ودون المختلعة. فبأيهما ألحقت لم يكن عليها إلا الاعتداد بحيضة، كما هو أحد الوجهين.
 
والاعتبار يؤيد هذا القول، فإن المطلقة لزوجها عليها رجعة ولها متعة بالطلاق ونفقة، وسكنى في زمن العدة، فإذا أمرت أن تتربص ثلاثة قروء لحق الزوج، ليتمكن من ارتجاعها في تلك المدة، كان هذا مناسبا، وكان له في طول العدة حق، كما قال تعالى: { إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عليهنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا } <ref>[ name="الأحزاب: 49]<"/ref>، فبين سبحانه أن العدة للرجل على المطلقة إذا وجبت؛ فإذا مسها كان له عليها العدة لأجل مسه لها، وكان له الرجعة عليها، ولها بإزاء ذلك النفقة والسكنى، كما لها متاع لأجل الطلاق. أما غير المطلقة إذا لم يكن لها نفقة ولا سكنى ولا متاع، ولا للزوج الحق برجعتها، فالتأكد من براءة الرحم تحصل بحيضة واحدة، كما يحصل في المملوكات، وكونها حرة لا أثر له، بدليل أن أم الولد تعتد بعد وفاة زوجها بحيضة عند أكثر الفقهاء، كما هو قول ابن عمر وغيره، وهي حرة: فالموطوءة بشبهة ليست خيرًا منها. والتي فورقت بغير طلاق، وليست لها نفقة، ولا سكنى، ولا رجعة عليها، ولا متاع هي بمنزلتها.
 
فإن قيل: هذا ينتقض بالمطلقة آخر ثلاث تطليقات، فإنه لا نفقة لها ولا سكنى ولا رجعة، ومع هذا تعتد بحيضة؟ قيل: هذه المطلقة لها المتعة عند الشافعي، وأحمد في إحدى الروايتين، وكثير من السلف أو أكثرهم ولها النفقة عند مالك والشافعي، وكثير من فقهاء الحجاز، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، ولها السكنى مع ذلك عند كثير من فقهاء العراق كأبي حنيفة وغيره، فلابد لها من متاع، أو سكنى عند عامة العلماء. فإذا وجبت العدة بإزاء ذلك، كان فيه من المناسبة ما ليس في إيجابها على من لا متاع لها ولا نفقة ولا سكنى. وقد ثبت عن النبي {{صل}} أنه أمر فاطمة بنت قيس لما طلقها زوجها آخر ثلاث تطليقات أن تعتد، وأمرها أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم، ثم أمرها بالانتقال إلى بيت أم شريك.
والحديث وإن لم يكن في لفظه أن تعتد ثلاث حيض، فهذا هو المعروف عند من بلغنا قوله من العلماء؛ فإن كان هذا إجماعا، فهو الحق، والأمة لا تجتمع على ضلالة. وإن كان من العلماء من قال: إن المطلقة ثلاثا إنما عليها إلا الاستبراء لا الاعتداد بثلاث حيض، فهذا له وجه قوي بأن يكون طول العدة في مقابلة استحقاق الرجعة، وهذا هو السبب في كونها جعلت ثلاثة قروء. فمن لا رجعة عليها لا تتربص ثلاثة قروء، وليس في ظاهر القرآن إلا ما يوافق هذا القول، لا يخالفه، وكذلك ليس في ظاهره إلا ما يوافق القول المعروف لا يخالفه. فأي القولين قضت السنة كان حقا موافقا لظاهر القرآن. والمعروف عند العلماء هو الأول، بخلاف المختلعة فإن السنة مضت فيها بما ذكر، وثبت ذلك عن أكابر الصحابة وغير واحد من السلف، وهو مذهب غير واحد من أئمة العلم، وليس في القرآن إلا ما يوافقه لا يخالفه، فلا يقاس هذا بهذا. والمعاني المفرقة بين الاعتداد بثلاثة قروء والاستبراء إن علمناها وإلا فيكفينا اتباع ما دلت عليه الأدلة الشرعية الظاهرة المعروفة.
 
ومما يوضح هذا أن المسبيات اللاتي يبتدأ الرق عليهن قد تقدم الإشارة إلى حديث أبي سعيد الذي فيه: إن الله أباح وطئهن للمسلمين لما تحرجوا من وطئهن، وأنزل في ذلك: { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } <ref>[ name="النساء: 24]<"/ref>، وقال فيه: إن أجل وطئهن إذا انقضت عدتهن. وروي أن النبي {{صل}} قال في سبي أوطاس: (لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تستبرأ)، وروي: (حتى تحيض حيضة).
 
والعلماء عامة إنما يوجبون في ذلك استبراء بحيضة، وهو اعتداد من وطء زوج يلحقه النسب، ووطؤه محترم وإن كان كافرًا حربيًا، فإن محاربته أباحت قتله، وأخذ ماله، واسترقاق امرأته. على نزاع وتفصيل بين العلماء، لكن لا خلاف أن نسب ولده ثابت منه، وأن مائه ماء محترم لا يحل لأحد أن يطأ زوجته قبل الاستبراء باتفاق المسلمين، بل قد لعن النبي {{صل}} من فعل ذلك، كما في الحديث الصحيح في مسلم: أنه أتي على امرأة مجح على باب فسطاط، فقال: (لعل سيدها يلم بها). قالوا: نعم. قال: (لقد هممت أن ألعنه لعنة تدخل معه قبره، كيف يورثه وهو لا يحل له؟ كيف يستعبده وهو لا يحل له؟ !) ونهي أن يسقي الرجل ماءه زرع غيره.
والمقصود هنا أنه لا يتعدد، وما علمنا أحدًا قال: يتعدد، وإن كان أحد قال هذا فإن السنة تخصمه؛ فإن النبي {{صل}} لم يأمر إلا بمجرد الاستبراء حيث قال: (لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تستبرأ)، فعلق الحل بمجرد الاستبراء ولم يفرق. وإذا كان الاستبراء من جنس العدة، ولا يتعدد بتعدد الواطئ، فالعدة كذلك. هذا ما يحتج به لأبي حنيفة رحمه الله.
 
وأما الجمهور فقالوا: العدة فيها حق لآدمي واستدلوا بقوله تعالى: { إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عليهنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ } الآية <ref>[ name="الأحزاب: 49]<"/ref>، وقالوا: فقد نفي الله أن يكون للرجال على النساء عدة في هذا الموضع، وليس هنا عدة لغير الرجال، فعلم أن العدة فيها حق للرجال حيث وجبت، إذ لو لم يكن كذلك لم يكن في نفي أن يكون للرجال عليهن عدة ما ينفي أن يكون لله عدة، فلو كانت العدة حقا محضا لله لم يقل: { فَمَا لَكُمْ عليهنَّ مِنْ عِدَّةٍ }، إذ لا عدة لهم لا في هذا الموضع ولا غيره، ولو كانت العدة نوعين نوعًا لله، ونوعًا فيه حق للأزواج، لم يكن في نفي عدة الأزواج ما ينفي العدة الأخري، فدل القرآن على أن العدة حيث وجبت ففيها حق للأزواج، وحينئذ فإذا كانت العدة فيها حق لرجلين، لم يدخل حق أحدهما في الآخر؛ فإن حقوق الآدميين لا تتداخل، كما لو كان لرجلين دَيْنَان على واحد، أو كان لهما عنده أمانة، أو غصب، فإن عليه أن يعطي كل ذي حق حقه، فهذا الذي قاله الجمهور من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهم.
 
واحتجوا على أبي حنيفة بأنه يقول: لو تزوج المسلم ذمية وجبت عليها العدة حقا محضا للزوج؛ لأن الذمية لا توآخذ بحق الله؛ ولهذا لا يوجبها إذا كان زوجها ذميا، وهم لا يعتقدون وجوب العدة، وهذا الذي قاله له الأكثرون: حسن، موافق لدلالة القرآن. ولما قضي به الخلفاء الراشدون لا سيما ولم يثبت عن غيرهم خلافه؛ وإن ثبت فإن الخلفاء الراشدين إذا خالفهم غيرهم كان قولهم هو الراجح؛ لأن النبي {{صل}} قال: (عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي: تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة).
 
لكن من تمام كون العدة حقا للرجل أن يكون له فيها حق على المرأة وهو ثبوت الرجعة، كما قال تعالى: { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ } <ref>[ name="البقرة: 228]<"/ref>، { وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ } <ref>[ name="البقرة: 228]<"/ref>، فأمرهن بالتربص، وجعل الرجل أحق بردها في مدة التربص، وليس في القرآن طلاقا إلا طلاق رجعي، إلا الثالثة المذكورة في قوله: { فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حتى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } <ref>[البقرة: 230]</ref>، وذلك طلاق أوجب تحريمها فلا تحل له بعقد يكون برضاها ورضا وليها، فكيف تباح بالرجعة؟ أما المرأة التي تباح لزوجها في العدة فإن زوجها أحق برجعتها في العدة بدون عقد، وليس في القرآن طلاق بائن تباح فيه بعقد ولا يكون الزوج أحق بها، بل متي كانت حلالا له كان أحق بها.
 
وعلى هذا فيظهر كون العدة حقا للرجل، فإنه يستحق بها الرجعة، بخلاف ما إذا أوجبت في الطلاق البائن التي تباح فيه بعقد؛ فإنه هنا لا حق له، إذ النكاح إنما يباح برضاهما جميعا، ولهذا طرد أبو حنيفة أصله، لما كان الطلاق عنده ينقسم إلى بائن، ورجعي، وله أن يوقع البائن بلا رضاها، جعل الرجعة حقا محضا للزوج، له أن يسقطها، وله ألا يسقطها، بخلاف العدة فإنه ليس له إسقاطها، فلا تكون حقا له.
{{هامش2}}
{{مجموع الفتاوى/الفقه}}
 
[[تصنيف:مجموع الفتاوى:الفقه]]