الفرق بين المراجعتين ل"الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح/الجزء الخامس"

ط
استبدال, replaced: قرآن مسيلمة → قرآن مسيلمة باستخدام الأوتوويكي براوزر
(استيراد تلقائي للمقالات)
 
ط (استبدال, replaced: قرآن مسيلمة → قرآن مسيلمة باستخدام الأوتوويكي براوزر)
 
وقوله تعالى: وعبد الطاغوت معطوف على (لعنه الله) أي من لعنه الله وغضب عليهم وعبد هو الطاغوت، ليس هو داخلا في خبر " جعل "، حتى يلزم إشكال كما ظنه بعض الناس.
 
وأهل الكتاب معترفون بأن اليهود عبدوا الأصنام مرات، وقتلوا الأنبياء. <ref>الخروج 32: 8، يوشع 24: 23، القضاة 10: 6، متى 23: 31</ref>
 
وقال تعالى: وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا.
وقد استخرج غير واحد من العلماء من الكتب الموجودة الآن في أيدي أهل الكتاب من البشارات بنبوته مواضع متعددة، وصنفوا في ذلك مصنفات، وهذه البشارات في هذه الكتب من جنس البشارات بالمسيح {{صل}}.
 
واليهود يقرون باللفظ، لكن يدعون أن المبشر به ليس هو المسيح عيسى ابن مريم، وإنما هو آخر ينتظر، وهم - في الحقيقة - لا ينتظرون إلا المسيح الدجال، وينتظرون - أيضا - مجيء المسيح عيسى ابن مريم إذا نزل من السماء، كما بسط في موضع آخر ويحرفون دلالة اللفظ، ويقولون: إنها لا تدل على نبي منتظر، كما قالوا في قوله: " سأقيم لبني إسرائيل من إخوتهم مثلك يا موسى، أنزل عليه مثل توراة موسى، أجعل كلامي على فيه ". <ref>انظر التثنية 18:18</ref>
 
قال بعضهم: ليس هذا إخبارا، بل هذا استفهام إنكار وقدروا ألف استفهام، وليس في النص شيء من ذلك.
وقوله: إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا.
 
وذلك مثل قوله في التوراة ما قد ترجم بالعربية: " جاء الله من طور سينا " وبعضهم يقول: " تجلى الله من طور سينا، وأشرق من ساعير، واستعلن من جبال فاران ". <ref>التثنية 33: 2</ref>
 
قال كثير من العلماء - واللفظ لأبي محمد بن قتيبة - ليس بهذا خفاء على من تدبره ولا غموض؛ لأن مجيء الله من طور سينا: إنزاله التوراة على موسى من طور سينا، كالذي هو عند أهل الكتاب، وعندنا وكذلك يجب أن يكون إشراقه من ساعير إنزاله الإنجيل على المسيح، وكان المسيح من ساعير - أرض الخليل بقرية تدعى (ناصرة) - وباسمها يسمى من اتبعه نصارى. وكما وجب أن يكون إشراقه من ساعير بالمسيح، فكذلك يجب أن يكون استعلانه من جبال فاران: إنزاله القرآن على محمد {{صل}} وجبال فاران هي جبال مكة.
فأقسم بطبقات المخلوقات، طبقة بعد طبقة، فأقسم بالرياح الذاريات ثم بالسحاب الحاملات للمطر فإنها فوق الرياح ثم بالجاريات يسرا، وقد قيل: إنها السفن. ولكن الأنسب أن تكون هي الكواكب المذكورة في قوله: فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس. فسماها جواري، كما سمى الفلك جواري في قوله: ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام. والكواكب فوق السحاب. ثم قال: فالمقسمات أمرا. وهي الملائكة التي هي أعلى درجة من هذا كله.
 
وما ذكر ابن قتيبة وغيره من علماء المسلمين، من تربية إسماعيل في برية " فاران " فهكذا هو في التوراة قال فيها: (وغدا إبراهيم، فأخذ الغلام وأخذ خبزا وسقاء من ماء ودفعه إلى هاجر وحمله عليها، وقال لها: اذهبي، فانطلقت هاجر، فضلت في برية سبع، ونفد الماء الذي كان معها، فطرحت الغلام تحت شجرة، وجلست في مقابلته على مقدار رمية بسهم؛ لئلا تبصر الغلام حين يموت، ورفعت صوتها بالبكاء، وسمع الله صوت الغلام فدعا ملك الله هاجر، وقال لها: ما لك يا هاجر لا تخشي؛ فإن الله قد سمع صوت الغلام حيث هو، فقومي فاحملي الغلام وشدي يدك به، فإني جاعله لأمة عظيمة، وفتح الله عينيها فبصرت بئر ماء فسقت الغلام وملأت سقاءها، وكان الله مع الغلام، فربى وسكن في برية " فاران "). <ref>التكوين 21: 14-20</ref>
 
فهذا خبر الله في التوراة: أن إسماعيل ربى وسكن في برية فاران بعد أن كاد يموت من العطش، وأن الله سقاه من بئر ماء. وقد علم بالتواتر، واتفاق الأمم أن إسماعيل إنما ربى بمكة، وهو وأبوه إبراهيم بنيا البيت، فعلم أن أرض مكة، فاران.
وهذه البشارة في التوراة لهاجر بإسماعيل، وقول الله: إني جاعله لأمة عظيمة ومعظمة جدا جدا، <ref>التكوين 17: 20</ref> وإن هاجر فتحت عينيها فرأت بئر ماء فدنت منها، إلى آخر الكلام.
 
وفي موضع آخر قال عن إسماعيل: " إنه يجعل يده فوق يدي الجميع ". <ref>التكوين 16: 12</ref>
 
ومعلوم باتفاق الأمم، والنقل، أن إسماعيل تربى بأرض مكة، فعلم أنها " فاران "، وأنه هو وإبراهيم بنيا البيت الذي ما زال محجوجا من عهد إبراهيم، تحجه العرب وغير العرب من الأنبياء وغيرهم، كما حج إليه موسى بن عمران ويونس بن متى، كما في الصحيح من رواية ابن عباس، أن رسول الله {{صل}} مر بوادي الأزرق، فقال: أي واد هذا؟ فقالوا: هذا وادي الأزرق، فقال: كأني أنظر إلى موسى {{صل}} هابطا من الثنية واضعا إصبعيه في أذنيه، له جؤار إلى الله - عز وجل - بالتلبية مارا بهذا الوادي. قال: ثم سرنا حتى أتينا على ثنية، فقال: أي ثنية هذه؟ قالوا: هرشى، فقال: كأني أنظر إلى يونس على ناقة حمراء عليه جبة صوف خطام ناقته ليف خلبة، مارا بهذا الوادي ملبيا.
ومثل هذا بشارة أخرى بمحمد {{صل}} من كلام " شمعون " بما رضوه من ترجمتهم، وهو: " جاء الله بالبينات من جبال فاران، وامتلأت السماء والأرض من تسبيحه وتسبيح أمته ".
 
فهذا تصريح بنبوة محمد {{صل}} الذي جاء بالنبوة من جبال " فاران " وامتلأت السماوات والأرض من تسبيحه وتسبيح أمته. <ref name="حبقوق 3:3">حبقوق 3:3</ref>
 
ولم يخرج أحد قط، وامتلأت السماوات والأرض من تسبيحه وتسبيح أمته، مما يسمى " فاران " سوى محمد {{صل}} والمسيح لم يكن في أرض فاران ألبتة. وموسى إنما كلم من الطور، والطور ليس من أرض فاران، وإن كانت البرية التي بين الطور وأرض الحجاز من فاران، فلم ينزل الله فيها التوراة، وبشارات التوراة قد تقدمت بجبل الطور وبشارة الإنجيل بجبل (ساعير).
 
ومثل هذا كما نقل في نبوة (حبقوق) أنه قال: جاء الله من التيمن، وظهر القدس على جبال (فاران) وامتلأت الأرض من تحميد أحمد وملك بيمينه رقاب الأمم، وأنارت الأرض لنوره وحملت خيله في البحر. <ref> name="حبقوق 3:3<"/ref>
 
ومن ذلك ما في التوراة التي بأيديهم، في السفر الأول منها، وهي خمسة أسفار في الفصل التاسع في قصة هاجر، لما فارقت سارة وخاطبها الملك فقال: " يا هاجر من أين أقبلت؟ وإلى أين تريدين؟ " فلما شرحت له الحال قال: ارجعي فإني سأكثر ذريتك وزرعك حتى لا يحصون وها أنت تحبلين وتلدين ابنا نسميه إسماعيل؛ لأن الله قد سمع تذللك وخضوعك، وولدك يكون وحشي الناس، ويكون يده فوق الجميع، ويد الكل به، ويكون على تخوم جميع إخوته. <ref>التكوين 16: 8-12</ref>
 
قال المستخرجون لهذه البشارة: معلوم أن يد بني إسماعيل قبل مبعث محمد {{صل}} لم تكن فوق أيدي بني إسحاق، بل كان في بني إسحاق النبوة والكتاب، وقد دخلوا مصر زمن يوسف مع يعقوب، فلم يكن لبني إسماعيل فوقهم يد ثم خرجوا منها لما بعث موسى، وكانوا مع موسى أعز أهل الأرض لم يكن لأحد عليهم يد ثم مع (يوشع) بعده إلى زمن داود، وملك سليمان الذي لم يؤت أحد مثله وسلط عليهم بعد ذلك (بختنصر) فلم يكن لبني إسماعيل عليهم يد ثم بعث المسيح وخرب بيت المقدس الخراب الثاني، حيث أفسدوا في الأرض مرتين، ومن حينئذ زال ملكهم وقطعهم الله في الأرض أمما، وكانوا تحت حكم الروم والفرس، لم يكن للعرب عليهم حكم أكثر من غيرهم، فلم يكن لولد إسماعيل سلطان على أحد من الأمم - لا أهل الكتاب، ولا الأميين - فلم يكن يد ولد إسماعيل فوق الجميع، حتى بعث الله محمدا؛ الذي دعا به إبراهيم وإسماعيل حيث قالا: ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم.
===فصل: بشارة من الزبور===
 
وقال: داود في الزبور في قوله: " سبحوا الله تسبيحا جديدا، وليفرح بالخالق من اصطفى الله له أمته وأعطاه النصر، وسدد الصالحين منهم بالكرامة، يسبحونه على مضاجعهم ويكبرون الله بأصوات مرتفعة، بأيديهم سيوف ذات شفرتين؛ لينتقم بهم من الأمم الذين لا يعبدونه ". <ref>مزمور 149: 1-7</ref>
 
وهذه الصفات إنما تنطبق على صفات محمد {{صل}} وأمته، فهم الذين يكبرون الله بأصوات مرتفعة في أذانهم للصلوات الخمس، وعلى الأماكن العالية، كما قال جابر بن عبد الله: (كنا مع رسول الله {{صل}} إذا علونا كبرنا، وإذا هبطنا سبحنا، فوضعت الصلاة على ذلك) رواه أبو داود وغيره، وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: كان رسول الله {{صل}} إذا قفل من الجيوش أو السرايا أو الحج أو العمرة إذا أوفى على ثنية أو فدفد، كبر ثلاثا ثم قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون، صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده.
===فصل: بشارة ثانية من الزبور===
 
وقال داود في مزاميره - وهي الزبور -: من أجل هذا بارك الله عليه إلى الأبد، فتقلد أيها الجبار بالسيف؛ لأن البهاء لوجهك، والحمد الغالب عليك. اركب كلمة الحق وسمة التأله، فإن ناموسك وشرائعك مقرونة بهيبة يمينك، وسهامك مسنونة، والأمم يخرون تحتك. <ref>مزمور 45: 2-5</ref>
 
قالوا: فليس متقلد السيف من الأنبياء بعد داود سوى محمد {{صل}} وهو الذي خرت الأمم تحته، وقرنت شرائعه بالهيبة، كما قال {{صل}}: " نصرت بالرعب مسيرة شهر ". وقد أخبر داود أنه له ناموسا وشرائع، وخاطبه بلفظ الجبار، إشارة إلى قوته وقهره لأعداء الله، بخلاف المستضعف المقهور.
===فصل: بشارة رابعة من الزبور===
 
وقالوا: قال داود في مزموره: " لترتاح البوادي وقراها، ولتصر أرض (قيذار) مروجا، وليسبح سكان الكهوف ويهتفوا من قلل الجبال بحمد الرب، ويذيعوا تسابيحه في الجزائر ". <ref>انظر أشعيا 5: 26-28 و 54: 1-17</ref>
 
فلمن البوادي من الأمم سوى أمة محمد؟ ومن (قيذار) سوى ابن إسماعيل جد رسول الله {{صل}}؟ ومن سكان الكهوف وتلك الجبال سوى العرب؟
===فصل: بشارة خامسة من الزبور===
 
قال داود في مزمور له: " ويحوز من البحر إلى البحر ومن لدن الأنهار إلى منقطع الأرض، ويخر أهل الجزائر بين يديه، ويلحس أعداؤه التراب ويسجد له ملوك الفرس، وتدين له الأمم بالطاعة والانقياد، ويخلص البائس المضطهد ممن هو أقوى منه، وينقذ الضعيف الذي لا ناصر له، ويرأف بالمساكين والضعفاء، ويصلى عليه، ويبارك في كل حين ". <ref>انظر مزمور 72: 8-15</ref>
 
وهذه الصفات منطبقة على محمد وأمته، لا على المسيح فإنه حاز من البحر الرومي إلى البحر الفارسي، ومن لدن الأنهار بجيحون وسيحون، إلى منقطع الأرض بالمغرب، كما قال: " زويت لي الأرض، مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها ".
===فصل: بشارة أشعياء براكب الحمار وراكب الجمل===
 
وقالوا - في نبوة أشعياء -: قال أشعياء: " قيل لي: قم نظارا، فانظر ماذا ترى، فقلت: أرى راكبين مقبلين: أحدهما على حمار والآخر على جمل، يقول أحدهما لصاحبه: سقطت بابل وأصحابها للمنحر ". <ref>انظر أشعياء 21: 6-9</ref>
 
قالوا: فراكب الحمار هو المسيح، وراكب الجمل هو محمد {{صل}} وهو أشهر بركوب الجمل من المسيح بركوب الحمار.
===فصل: بشارة رابعة من أشعياء===
 
قالوا: وقال أشعياء - وشهد لهذه الأمة بالصلاح والديانة -: " سأرفع علما لأهل الأرض بعيدا، فيصفر لهم من أقاصي الأرض، فيأتون سراعا ". <ref>أشعياء 5: 26-30</ref>
 
والنداء هو ما جاء به النبي {{صل}} من التلبية في الحج، وهم الذين جعلوا لله الكرامة، فوحدوه وعبدوه، وأفردوه بالربوبية، وكسروا الأصنام، وعطلوا الأوثان. والعلم المرفوع: هو النبوة، وصفيره: دعاؤهم إلى بيته ومشاعره، فيأتونه سامعين مطيعين.
===فصل: بشارة خامسة من أشعياء===
 
قالوا: وقال أشعياء النبي - والمراد مكة شرفها الله تعالى -: سيري واهتزي أيتها العاقر، التي لم تلد، وانطقي بالتسبيح، وافرحي إذ لم تحبلي، فإن أهلك يكونون أكثر من أهلي. <ref>انظر أشعياء 54: 1-3</ref>
 
يعني بأهله: بيت المقدس، ويعني بالعاقر: مكة شرفها الله؛ لأنها لم تلد قبل نبينا عليه الصلاة والسلام، ولا يجوز أن يريد بالعاقر بيت المقدس؛ لأنه بيت للأنبياء ومعدن الوحي، فلم تزل تلك البقعة ولادة.
===فصل: بشارة سادسة من أشعياء===
 
قالوا: وقال أشعياء النبي - ونص على خاتم النبوة -: " ولد لنا غلام، يكون عجبا وبشرا، والشامة على كتفيه، أركون السلام، إله جبار، وسلطانه سلطان السلام، وهو ابن عالمه، يجلس على كرسي داود. <ref>انظر أشعياء 9: 6-7.</ref>
 
قالوا: الأركون، هو العظيم بلغة الإنجيل، والأراكنة المعظمون. ولما أبرأ المسيح مجنونا من جنونه، قال اليهود: " إن هذا لا يخرج الشياطين من الآدميين إلا بأركون الشياطين " يعنون عظيمهم. وقال المسيح في الإنجيل: " إن أركون العالم يدان " <ref name="يوحنا 14: 30">يوحنا 14: 30</ref> يريد إما إبليس أو الشرير العظيم الشر من الآدميين، وسماه إلها على نحو قول التوراة: " إن الله جعل موسى إلها لفرعون "؛ أي حاكما عليه ومتصرفا فيه، وعلى نحو قول داود للعظماء من قومه: " إنكم آلهة ".
 
فقد شهد أشعياء بصحة نبوة محمد {{صل}} ووصفه بأخص علاماته وأوضحها، وهي شامته، <ref>خاتم النبوة</ref> فلعمري لم تكن الشامة لسليمان، ولا للمسيح، وقد وصفه بالجلوس على كرسي داود، يعني أنه سيرث بني إسرائيل، نبوتهم وملكهم، ويبتزهم رياستهم.
===فصل: بشارة ثامنة من أشعياء===
 
قالوا: وقال أشعياء - والمراد مكة -: " أنا رسمتك على كفي، وسيأتيك أولادك سراعا، ويخرج عنك من أراد أن يخيفك ويخونك، فارفعي بصرك إلى ما حولك، فإنهم سيأتونك ويجتمعون إليك، فتسمي باسمي إني أنا الحي، لتلبسي الحلل وتزيني بالإكليل، مثل العروس، ولتضيقن خراباتك من كثرة سكانك والداعين فيك، وليهابن كل من يناوئك، وليكثرن أولادك حتى تقولي من رزقني هؤلاء كلهم؟ وأنا وحيدة فريدة، يرون رقوبا، فمن ربى لي هؤلاء، ومن تكفل لي بهم؟ ". <ref>أشعياء 54: 1-17</ref>
 
قالوا: وذلك أيضا من أشعياء بشأن الكعبة، فهي التي ألبسها الله الحلل الديباج الفاخرة، ووكل بخدمتها الخلفاء والملوك، ومكة: هي التي ربا الله لها الأولاد من حجاجها، والقاطنين بها. وذلك أن مكة هي التي أخرج عنها كل من أراد أن يخيفها ويخربها، فلم تزل عزيزة مكرمة محرمة، لم يهنها أحد من البشر قط، بل أصحاب الفيل لما قصدوها، عذبهم الله العذاب المشهور، ولم تزل عامرة محجوجة، من لدن إبراهيم الخليل. بخلاف بيت المقدس، فإنه قد أخرب مرة بعد مرة، وخلا من السكان، واستولى العدو عليه وعلى أهله، وكذلك إخباره بإهانة كل من يناويها: هو للكعبة دون بيت المقدس، قال تعالى: ( ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم).
===فصل: بشارة حبقوق بمحمد صلى الله عليه وسلم===
 
قالوا: وقال حبقوق: - وسمي محمد رسول الله {{صل}} صريحا مرتين في نبوته -: " إن الله جاء من التيمن، والقدوس من جبل فاران، لقد أضاءت السماء من بهاء محمد، وامتلأت الأرض من حمده، شعاع منظره مثل النور، يحوط بلاده بعزه، تسير المنايا أمامه، وتصحب سباع الطير أجناده، قام فمسح الأرض فتضعضعت له الجبال القديمة، وانخفضت الروابي، وتزعزعت ستور أهل مدين ". <ref>انظر حبقوق 3: 3-7</ref>
 
ثم قال: " زجرك في الأنهار، وإقدام صوامك في البحار، ركبت الخيول، وعلوت مراكب الإيفاد، وستنزع في قسيك أعراقا ونزعا، وترتوي السهام بأمرك يا محمد ارتواء، ولقد رأتك الجبال فارتاعت، وانحرف عنك شؤبوب السيل، وتغيرت المهاوي تغيرا ورعبا، رفعت أيديها وجلا وخوفا، وسارت العساكر في بريق سهامك ولمعان نيازكك، وتدوخ الأرض غضبا، وتدوس الأمم زجرا؛ لأنك ظهرت بخلاص أمتك وإنقاذ تراث آبائك ". <ref>انظر حبقوق 3: 8-13</ref>
 
قالوا: وهذا تصريح بمحمد، ومن رام صرف نبوة حبقوق هذه عن محمد {{صل}} فقد رام ستر النهار، وحبس الأنهار، وأنى يقدر على ذلك؟ وقد سماه باسمه مرتين، وأخبر بقوة أمته، وسير المنايا أمامهم، واتباع جوارح الطير آثارهم. وهذه النبوة لا تليق إلا بمحمد، ولا تصلح إلا له، ولا تدل إلا عليه، فمن حاول صرفها عنه فقد حاول ممتنعا. وقد ذكر فيها مجيء نور الله من التيمن - وهي ناحية مكة والحجاز - فإن أنبياء بني إسرائيل كانوا يكونون من ناحية الشام، ومحمد جاء من ناحية اليمن، وجبال فاران هي جبال مكة - كما قد تقدم بيان ذلك - وهذا مما لا يمكن النزاع فيه.
===فصل: بشارة في سفر حزقيال===
 
قالوا: وقال: حزقيال - وهو يهدد اليهود ويصف لهم أمة محمد {{صل}} -: " وإن الله مظهرهم عليكم، وباعث فيكم نبيا، ومنزل عليهم كتابا، ومملكهم رقابكم، فيقهرونكم ويذلونكم بالحق، ويخرج رجال بني قيذار في جماعات الشعوب، معهم ملائكة على خيل بيض متسلحين، محيطون بكم، وتكون عاقبتكم إلى النار، نعوذ بالله من النار ". <ref>انظر حزقيال 20: 45-49</ref>
 
وذلك أن رجال بني قيذار هم (ربيعة) و (مضر) أبناء عدنان، وهما جميعا من ولد قيذار بن إسماعيل، <ref>أخبار الأيام الأول 1: 29</ref> والعرب كلهم من بني عدنان، وبني قحطان. فعدنان - أبو ربيعة - ومضر وأنمار من ولد إسماعيل باتفاق الناس،. وأما قحطان فقيل هم من ولد إسماعيل، وقيل هم من ولد هود. ومضر ولد إلياس بن مضر، <ref>في النسخ هنا زيادة (إلياس بن مضر)</ref> وقريش هم من ولد إلياس بن مضر، وهوازن مثل عقيل، وكلاب، وسعد بن بكر و " بنو نمير "، وثقيف وغيرهم هم من ولد إلياس بن مضر.
===فصل: بشارة ثانية في سفر دانيال===
 
وقال: دانيال {{عهس}}، وذكر محمدا رسول الله {{صل}} باسمه، فقال: " ستنزع في قسيك إغراقا، وترتوي السهام بأمرك يا محمد ارتواء ". <ref>انظر دانيال 7: 13-14</ref>
 
فهذا تصريح بغير تعريض، وتصحيح ليس فيه تمريض. فإن نازع في ذلك منازع فليوجدنا آخر اسمه محمد، له سهام تنزع، وأمر مطاع لا يدفع.
 
وقال: دانيال النبي - أيضا - حين سأله بخت نصر عن تأويل رؤيا رآها، ثم نسيها: " رأيت أيها الملك صنما عظيما، قائما بين يديك، رأسه من ذهب، وساعداه من الفضة، وبطنه وفخذاه من النحاس، وساقاه من الحديد، ورجلاه من الخزف، ورأيت حجرا لم تقطعه يد إنسان، قد جاء وصك ذلك الصنم فتفتت وتلاشى وعاد رفاتا، ثم نسفته الرياح، فذهب وتحول ذلك الحجر فصار جبلا عظيما حتى ملأ الأرض كلها، فهذا ما رأيت أيها الملك؟ ". فقال بخت نصر: صدق؛ فما تأويلها؟ قال دانيال: " أنت الرأس الذي رأيته من الذهب، ويقوم بعدك ولداك اللذان رأيت من الفضة، وهما دونك، ويقوم بعدهما مملكة أخرى هي دونهما، وهي شبه النحاس، والمملكة الرابعة تكون قوية مثل الحديد الذي يدق كل شيء، فأما الرجلان التي رأيت من خزف فمملكة ضعيفة وكلمتها مشتتة، وأما الحجر الذي رأيت قد صك ذلك الصنم العظيم ففتته فهو نبي يقيمه الله إله السماء والأرض من قبيلة بشريعة قوية، فيدق جميع ملوك الأرض وأممها، حتى تمتلئ منه الأرض ومن أمته، ويدوم سلطان ذلك النبي إلى انقضاء الدنيا، فهذا تعبير عن رؤياك أيها الملك ". <ref>انظر دانيال 2</ref>
 
فهذا نعت محمد {{صل}}، لا نعت المسيح، فهو الذي بعث بشريعة قوية، ودق جميع ملوك الأرض وأممها، حتى امتلأت الأرض منه ومن أمته في مشارق الأرض ومغاربها، وسلطانه دائم، لم يقدر أحد أن يزيله كما زال ملك اليهود وزال ملك النصارى عن خيار الأرض وأوسطها.
===فصل: بشارة ثالثة في سفر دانيال===
 
وقال: دانيال النبي - أيضا -: " سألت الله وتضرعت إليه أن يبين لي ما يكون من بني إسرائيل، وهل يتوب عليهم ويرد إليهم ملكهم ويبعث فيهم الأنبياء، أو يجعل ذلك في غيرهم " قال: دانيال: " فظهر لي الملك في صورة شاب حسن الوجه، فقال: السلام عليك يا دانيال، إن الله تعالى يقول: إن بني إسرائيل أغضبوني وتمردوا علي وعبدوا من دوني آلهة أخرى، وصاروا من بعد العلم إلى الجهل، ومن بعد الصدق إلى الكذب، فسلطت عليهم بخت نصر فقتل رجالهم وسبى ذراريهم، وهدم بيت مقدسهم، وحرق كتبهم، وكذلك فعل من بعده بهم، وأنا غير راض عنهم ولا مقيلهم عثراتهم، فلا يزالون من سخطي حتى أبعث مسيحي ابن العذراء البتول فأختم عليهم عند ذلك باللعن والسخط، فلا يزالون ملعونين، عليهم الذلة والمسكنة حتى أبعث نبي بني إسماعيل، الذي بشرت به هاجر، وأرسلت إليها ملاكي فبشرها، فأوحي إلى ذلك النبي، وأعلمه الأسماء، وأزينه بالتقوى، وأجعل البر شعاره، والتقوى ضميره، والصدق قوله، والوفاء طبيعته، والقصد سيرته، والرشد سنته، أخصه بكتاب مصدق لما بين يديه من الكتب، وناسخ لبعض ما فيها، أسري به إلي وأرقيه من سماء إلى سماء حتى يعلو، فأدنيه وأسلم عليه وأوحي إليه، ثم أرده إلى عبادي بالسرور والغبطة، حافظا لما استودع، صادعا بما أمر، يدعو إلى توحيدي باللين من القول والموعظة، لا فظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، رءوف بمن والاه، رحيم بمن آمن به، خشن على من عاداه، فيدعو قومه إلى توحيدي وعبادتي، ويخبرهم بما رأى من آياتي، فيكذبونه ويؤذونه. <ref>انظر دانيال 9</ref>
 
قال الناقل لهذه البشارة: قالوا: ثم سرد دانيال قصة رسول الله {{صل}} حرفا حرفا مما أملاه عليه الملك، حتى وصل آخر أيام أمته بالنفخة وانقضاء الدنيا، ونبوته كثيرة، وهي الآن في أيدي النصارى واليهود يقرءونها. ومهما وصفنا مما ذكره الله من وصف هذه الأمة ونبيها، واتصال مملكتهم بالقيامة
===فصل: بشارة الفارقليط والتعليق المفصل على بشارات المسيح بمحمد===
 
قالوا: وقال يوحنا الإنجيلي: قال يسوع المسيح - في الفصل الخامس عشر من إنجيله -: " إن الفارقليط روح الحق الذي يرسله أبي، هو يعلمكم كل شيء ". <ref name="يوحنا 14: 26">يوحنا 14: 26</ref>
 
وقال يوحنا التلميذ أيضا عن المسيح أنه قال لتلاميذه: " إن كنتم تحبوني فاحفظوا وصاياي وأنا أطلب من الأب أن يعطيكم فارقليط آخر، يثبت معكم إلى الأبد، روح الحق الذي لم يطق العالم أن يقتلوه؛ لأنهم لم يعرفوه، ولست أدعكم أيتاما؛ لأني سآتيكم عن قريب ". <ref>يوحنا 14: 16-18</ref>
 
وقال يوحنا: قال المسيح: من يحبني يحفظ كلمتي، وأبي يحبه، وإليه يأتي، وعنده يتخذ المنزل؛ كلمتكم بهذا لأني عندكم مقيم، والفارقليط روح الحق الذي يرسله أبي، هو يعلمكم كل شيء، وهو يذكركم كل ما قلت لكم استودعتكم سلامي، لا تقلق قلوبكم ولا تجزع، فإني منطلق وعائد إليكم، لو كنتم تحبوني كنتم تفرحون بمضيي إلى الأب، <ref>يوحنا 14: 23-28</ref> فإن أنتم ثبتم في كلامي وثبت كلامي فيكم كان لكم كل ما تريدون، وبهذا يمجد أبي. <ref>يوحنا 15: 7-8</ref>
 
وقال أيضا: إذا جاء الفارقليط الذي أبي أرسله، روح الحق الذي من أبي، هو يشهد لي، <ref>يوحنا 15: 26</ref> قلت لكم هذا حتى إذا كان تؤمنوا به ولا تشكوا فيه. <ref>يوحنا 16: 1</ref>
 
وقال أيضا: " إن خيرا لكم أن أنطلق؛ لأني إن لم أذهب لم يأتكم الفارقليط، فإذا انطلقت أرسلته إليكم، فهو يوبخ العالم على الخطيئة، <ref>يوحنا 16: 7-8</ref> وإن لي كلاما كثيرا أريد أن أقوله، ولكنكم لا تستطيعون حمله. لكن إذا جاء روح الحق ذاك يرشدكم إلى جميع الحق؛ لأنه ليس ينطق من عنده، بل يتكلم بما يسمع، ويخبركم بكل ما يأتي، <ref>يوحنا 16: 12-13</ref> ويعرفكم جميع ما للأب ". <ref>انظر يوحنا 16: 15-16</ref>
 
وقال يوحنا الحواري: قال المسيح: " إن أركون العالم سيأتي، وليس لي شيء ". <ref> name="يوحنا 14: 30<"/ref>
 
وقال متى التلميذ: قال المسيح: " ألم يقرءوا أن الحجر الذي أرذله البناءون صار رأسا للزاوية من عند الله، كان هذا - وهو عجيب في أعيننا - ومن أجل ذلك أقول لكم: إن ملكوت الله سيؤخذ منكم، ويدفع إلى أمة أخرى تأكل ثمرها، ومن سقط على هذا الحجر ينشرح، وكل من سقط هو عليه يمحقه ". <ref>متى 21: 42-44</ref>
 
وقال يوحنا التلميذ - في كتاب رسائل التلاميذ، المسمى بفراكسيس -: " يا أحبابي، إياكم أن تؤمنوا بكل روح. لكن ميزوا الأرواح التي من عند الله من غيرها، واعلموا أن كل روح يؤمن بأن يسوع المسيح قد جاء فكان جسدانيا، فهي من عند الله، وكل روح لا تؤمن بأن يسوع المسيح جاء، وكان جسدانيا، فليست من عند الله، بل من المسيح الكذاب الذي سمعتم به، وهو الآن في العالم ". <ref name="رسالة يوحنا الأولى 4: 1-3">رسالة يوحنا الأولى 4: 1-3</ref>
 
وقال شمعون الصفا، رئيس الحواريين - في كتاب فراكسيس -: " إنه قد حان أن يبتدئ الحكم من بيت الله ابتداء ". <ref>رسالة بطرس الأولى 4: 17</ref>
 
قلت: وهذا اللفظ، لفظ الفارقليط، في لغتهم ذكروا فيه أقوالا: قيل إنه الحماد، وقيل إنه الحامد، وقيل إنه المعز، وقيل إنه الحمد، ورجح هذا طائفة؛ وقالوا: الذي يقوم عليه البرهان في لغتهم أنه الحمد، والدليل عليه قول يوشع: " من عمل حسنة تكون له فارقليط جيدا - أي حمدا جيدا - وقولهم المشهور في تخاطبهم: فارقليط، وفارقليطان، وما زاد على الجميع - أي حمد - ومنه كما نقول نحن: يد ومنة. ومن قال: معناه المخلص فيحتجون بأنها كلمة سريانية، ومعناها المخلص، وقالوا: هو مشتق من قولنا: " راوف "، ويقال بالسريانية " فاروق "، فجعل " فارق ". قالوا: ومعنى " ليط " كلمة تزاد، والتقدير كما يقال في العربية: رجل هو، وحجر هو، وبدر هو، وذكر هو. قالوا: وكذلك يزاد في السريانية " ليط ". والذين قالوا: هو المعز، قالوا: هو في لسان اليونان المعز.
فإن قيل: فقد سمى المسيح الفارقليط روح الحق، وسماه روح القدس. وقال تعالى عن إبراهيم: ( ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يابني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون). ( وقال موسى ياقوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين). وقالت بلقيس: ( رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين).
 
قيل: قد قال يوحنا في كتاب أخبار الحواريين، المسمى (إفراكسيس): " يا أحبابي، إياكم أن تؤمنوا بكل روح. لكن ميزوا الأرواح التي من عند الله من غيرها، واعلموا أن كل روح تؤمن بأن يسوع المسيح قد جاء، فكان جسدانيا، فهي من عند الله، وكل روح لا تؤمن بأن المسيح جاء، وكان جسدانيا، فليست من عند الله، بل من المسيح الكذاب الذي هو الآن في العالم ". <ref> name="رسالة يوحنا الأولى 4: 1-3<"/ref>
 
وإذا كان كذلك علم أن الروح عندهم يتناول النبي المرسل من البشر، وجبريل الذي نزل بالوحي على محمد هو روح القدس، وهو روح الحق، كما قال تعالى: ( قل نزله روح القدس من ربك بالحق).
والفصم: الفك والفصل من الأمور اللينة، كما قال: (فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم). وبالقاف: هو الكسر الذي يكون في الأمور الصلبة.
 
فبين أن الملك حين ينزل الوحي عليه يتصل به، ويلتبس به، ثم بعد ذلك ينفصل عنه وينفك عنه، وهذا الاشتمال والانفصال أبلغ من غيره، فيحسن معه أن يكون إبدال أحدهما من الآخر أحسن من غيره. فيقال: هذا القرآن بلغه الرسول النبي، وبلغه جبريل عن الله، ونظائر هذا متعددة في جميع بشارات المسيح. يذكر أن الأب وهو في لغتهم: الله الذي يرسل الفارقليط. وفي بعضها قال: " أنا أطلب من الأب يعطيكم فارقليط آخر، يثبت معكم إلى الأبد "، <ref>يوحنا 14: 16</ref> وفي بعضها: " والفارقليط روح الحق الذي يرسله أبي، هو يعلمكم كل شيء "، <ref> name="يوحنا 14: 26<"/ref> فقد بين أن الله يرسله، وأنه يطلب من الله أن يرسله. وأما قوله في بعض الألفاظ: " فإذا انطلقت أرسلته إليكم " فيكون معناه: إني أرسله بدعاء أبي، وطلبي منه أن يرسله، كما يطلب الطالب من ولي الأمر أن يرسل رسولا، أو يولي نائبا، أو يعطي أحدا، ويقول أنا أرسلت هذا، ووليت هذا، وأعطيت هذا؛ أي كنت سببا في ذلك. ومما ينبغي أن يعلم أن الله إذا قضى ما يكون الشيء فإنه يقدر له أسبابا يكون بها، ومن تلك الأسباب دعاء طائفة من عباده به. فيكون في ذلك من النعمة في إجابته دعاء هذا وهذا وهذا.
 
ومحمد دعا به الخليل {{عهس}} فقال: ( ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم).
وأيضا فالناس يجدون دواعيهم إلى المعارضة حاصلة، لكنهم يحسون من أنفسهم العجز عن المعارضة، ولو كانوا قادرين لعارضوه.
 
وقد انتدب غير واحد لمعارضته، لكن جاء بكلام فضح به نفسه، وظهر به تحقيق ما أخبر به القرآن من عجز الخلق عن الإتيان بمثله، مثل [[قرآن مسيلمة]] الكذاب، كقوله: (يا ضفدع بنت ضفدعين، نقي كم تنقين، لا الماء تكدرين، ولا الشارب تمنعين، رأسك في الماء، وذنبك في الطين).
 
وكذلك أيضا يعرفون أنه لم يختلف حال قدرتهم قبل سماعه وبعد سماعه، فلا يجدون أنفسهم عاجزين عما كانوا قادرين عليه كما وجد زكريا عجزه عن الكلام بعد قدرته عليه.
{{هامش}}
{{الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح/غير مشكولة}}
 
[[تصنيف: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح]]