الفرق بين المراجعتين ل"مجموع الفتاوى/المجلد السابع/فصل: التفاضل في الإيمان بدخول الزيادة والنقص فيه يكون من وجوه متعددة"

ط
←‏فصل: التفاضل في الإيمان بدخول الزيادة والنقص فيه يكون من وجوه متعددة: استبدال, replaced: قرآن مسيلمة →... باستخدام [[ويكيبيديا:أوب|الأوتوويكي
(استيراد تلقائي للمقالات - كتابة على الأعلى)
ط (←‏فصل: التفاضل في الإيمان بدخول الزيادة والنقص فيه يكون من وجوه متعددة: استبدال, replaced: قرآن مسيلمة →... باستخدام [[ويكيبيديا:أوب|الأوتوويكي)
 
الوجه الثاني: في زيادة الإيمان ونقصه: وهو زيادة أعمال القلوب ونقصها، فإنه من المعلوم بالذوق الذي يجده كل مؤمن: أن الناس يتفاضلون في حب الله ورسوله، وخشية الله، والإنابة إليه، والتوكل عليه، والإخلاص له، وفي سلامة القلوب من الرياء، والكبر والعجب، ونحو ذلك، والرحمة للخلق والنصح لهم ونحو ذلك من الأخلاق الإيمانية، وفي الصحيحين عنه {{صل}} أنه قال: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار»، وقال تعالى: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ} إلى قوله: {أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ الله وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ} <ref>[التوبة: 24]</ref>. وقال رسول الله {{صل}}: «والله إني لأخشاكم لله وأعلمكم بحدوده»، وقال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين»، وقال له عمر: يا رسول الله، لأنت أحب إلى من كل شيء إلا من نفسي، قال: «لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك»، قال: فلأنت أحب إلى من نفسي، قال: «الآن يا عمر».
 
وهذه الأحاديث ونحوها في الصحاح، وفيها بيان تفاضل الحب والخشية، وقد قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لله} <ref name="البقرة: 165">[البقرة: 165]</ref>، وهذا أمر يجده الإنسان في نفسه، فإنه قد يكون الشيء الواحد يحبه تارة أكثر مما يحبه تارة، ويخافه تارة أكثر مما يخافه تارة. ولهذا كان أهل المعرفة من أعظم الناس قولا بدخول الزيادة والنقصان فيه، لما يجدون من ذلك في أنفسهم، ومن هذا قوله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانا وَقَالُواْ حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} <ref>[آل عمران: 173]</ref>، وإنما زادهم طمأنينة وسكونًا.
 
وقال {{صل}}: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا».
الوجه السابع: أن يقال: ليس فيما يقوم بالإنسان من جميع الأمور أعظم تفاضلا وتفاوتًا من الإيمان، فكلما تقرر إثباته من الصفات والأفعال مع تفاضله، فالإيمان أعظم تفاضلا من ذلك. ومثال ذلك أن الإنسان يعلم من نفسه تفاضل الحب الذي يقوم بقلبه، سواء كان حبًا لولده، أو لامرأته، أو لرياسته، أو وطنه، أو صديقه، أو صورة من الصور، أو خيله، أو بستانه، أو ذهبه، أو فضته، وغير ذلك من أمواله، فكما أن الحب أوله علاقة لتعلق القلب بالمحبوب، ثم صبابة لانصباب القلب نحوه، ثم غرام للزومه القلب كما يلزم الغريم غريمه، ثم يصير عشقًا إلي أن يصير تَتَيُّمًا والتَّتَيُّم: التَّعَبُّد، وتيم الله: عبد الله فيصير القلب عبدًا للمحبوب مطيعًا له لا يستطيع الخروج عن أمره، وقد آل الأمر بكثير من عشاق الصور إلى ما هو معروف عند الناس، مثل من حمله ذلك على قتل نفسه وقتل معشوقه أو الكفر والردة عن الإسلام أو أفضى به إلى الجنون وزوال العقل، أو أوجب خروجه عن المحبوبات العظيمة من الأهل والمال والرياسة، أو أمراض جسمه وأسنانه.
 
فمن قال: الحب لا يزيد ولا ينقص، كان قوله من أظهر الأقوال فسادًا، ومعلوم أن الناس يتفاضلون في حب الله أعظم من تفاضلهم في حب كل محبوب، فهو سبحانه اتخذ إبراهيم خليلا، واتخذ محمد أيضا خليلا، كما استفاض عنه أنه قال: «لو كنت متخذًا خليلا من أهل الأرض لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل الله»، يعني نفسه {{صل}}. وقال: «إن الله اتخذني خليلا، كما اتخذ إبراهيم خليلا»، والخُلَّة أخص من مطلق المحبة، فإن الأنبياء عليهم السلام والمؤمنين يحبون الله ويحبهم الله، كما قال: {فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} الآية <ref>[المائدة: 54]</ref>، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لله} <ref>[ name="البقرة: 165]<"/ref>، وقد أخبر الله أنه يحب المتقين، ويحب المقسطين، ويحب التوابين، ويحب المتطهرين، ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص، وكان النبي {{صل}} يخبر بحبه لغير واحد، كما ثبت عنه {{صل}} في الصحيح أنه قال للحسن وأسامة: «اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما»، وقال له عمرو بن العاص: «أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة. قال: فمن الرجال؟ قال: أبوها. وقال: والله إني لأحبكم».
 
والناس في حب الله يتفاوتون، ما بين أفضل الخلق محمد وإبراهيم، إلى أدني الناس درجة، مثل من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، وما بين هذين الحدين من الدرجات لا يحصيه إلا رب الأرض والسموات، فإنه ليس في أجناس المخلوقات ما يتفاضل بعضه على بعض كبني آدم، فإن الفرس الواحدة ما تبلغ أن تساوي ألف ألف. وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي ذر أنه كان جالسًا عند النبي {{صل}}، إذ مر به رجل من أشراف الناس، فقال: «يا أبا ذر، أتعرف هذا؟». قلت: نعم، يا رسول الله، هذا حَرِيٌّ إن خطب أن ينكح، وإن قال أن يُسْمَع لقوله، وإن غاب أن يسأل عنه. ثم مر برجل من ضعفاء المسلمين، فقال: «يا أبا ذر، أتعرف هذا؟». قلت: نعم يا رسول الله هذا رجل من ضعفاء الناس، هذا حري إن خطب ألا يُنْكَح، وإن قال ألا يُسْمَع لقوله، وإن غاب ألا يسأل عنه، فقال: «يا أبا ذر، لَهَذَا خير من ملء الأرض مثل هذا».
وبهذا يتبين لك أن من زعم من أهل الكلام والنظر أنهم عرفوا الله حق معرفته، بحيث لم يبق له صفة إلا عرفوها، وأن ما لم يعرفوه ولم يقم لهم دليل على ثبوته، كان معدومًا منتفيًا في نفس الأمر، قوم غالطون مخطئون مبتدعون ضالون، وحجتهم في ذلك داحضة، فإن عدم الدليل القطعي والظني على الشيء دليل على انتفائه، إلا أن يعلم أن ثبوته مستلزم لذلك الدليل. مثل أن يكون الشيء لو وجد لتوفرت الهمم والدواعي على نقله، فيكون هذا لازمًا لثبوته، فيستدل بانتفاء اللازم على انتفاء الملزوم، كما يعلم أنه لو كان بين الشام والحجاز مدينة عظيمة مثل بغداد ومصر لكان الناس ينقلون خبرها، فإذا نقل ذلك واحد واثنان وثلاثة علم كذبهم.
 
وكما يعلم أنه لو ادعى النبوة أحد على عهد النبي {{صل}} مثل مُسَيْلَمَة والْعَنْسِيّ وطُلَيْحَة وسَجَاح لنقل الناس خبره، كما نقلوا أخبار هؤلاء، ولو عارض القرآن معارضٌ أتى بما يظن الناس أنه مثل القرآن، لنقل كما نقل [[قرآن مسيلمة]] الكذاب، وكما نقلوا الفصول والغايات لأبي العلاء المعَرِّي، وكما نقلوا غير ذلك من أقوال المعارضين، لو بخرافات لا يظن عاقل أنها مثله، فكان النقل لما تظهر فيه المشابهة والمماثلة أقوى في العادة والطباع في ذلك وأرغب سواء كانوا محبين أو مبغضين هذا أمر جُبِل عليه بنو آدم.
 
كما يعلم أن علي بن أبي طالب لو طلب الخلافة على عهد أبي بكر وعمر وعثمان وقاتل عليها لنقل ذلك الناس، كما نقلوا ما جرى بعد هؤلاء، كما يعلم أن النبي {{صل}} لو أمره أن يصلي بالناس صلاتهم لنقلوا ذلك، كما نقلوا أمره لأبي بكر وصلاته بالناس، وكما يعلم أنه لو عهد له بالخلافة لنقلوا ذلك كما نقلوا ما دونه، بل كما يعلم أنه لم يكن يجتمع هو وأصحابه على استماع دف أو كف ولا على رقص وزمر، بل كما يعلم أنه لم يكن بعد الصلوات يجتمع هو وهم على دعاء ورفع أيد، ونحو ذلك، إذ لو فعل ذلك لنقلوه، بل كما يعلم أنه لم يصل في السفر الظهر والعصر والعشاء أربعًا، وأنه لو صلى في السفر أربعًا بعض الأوقات لنقل الناس ذلك، كما نقلوا جَمْعَه بين الصلاتين بعض الأوقات.