الفرق بين المراجعتين ل"مبسوط السرخسي - الجزء الحادي عشر2"

ط
تدقيق إملائي. 88 كلمة مستهدفة حاليًا.
ط (تدقيق إملائي. 64 كلمة مستهدفة حالياً.)
ط (تدقيق إملائي. 88 كلمة مستهدفة حاليًا.)
[ 123 ]
يأتمن الانسان الرجل على ماله ولا يأتمن زوجته الا أنه انما يلزمه مراعاة شرطه بحسب الامكان فإذا كان يجد بدا من الدفع إلى من نهاه عنه فهو متمكن من حفظها على الوجه المأمور به فيصير ضامنا بحفظها على الوجه المنهى عنه وإذا كان لا يجد بدا من ذلك فهو حافظ لها بحسب الامكان وليس عليه أكثر من ذلك فلا يضمنها * وإذا استعمل المودع الوديعة وأقر بذلك ثم قال رددتها إلى مكانها فهلكت لم يصدق الا ببينة لان السبب الموجب للضمان عليه وهو الاستعمال معلوم ثم ادعى ما يسقط الضمان عنه وهو ترك الخلاف قبل الهلاك فلا يصدق إلا بحجة فان أقام البينة أنه رده إلى موضعه صحيحا ثم هلك كان الثابت بالبينة كالثابت باقرار الخصم فلا يضمن شيئا عندنا * وان كانت الوديعة أمة فوطئها المودع فولدت فالولد مملوك لصاحب الاصل وعلي المودع الحد ولا يثبت نسب الولد منه لان فعله زنا محض وكونها وديعة عنده لا يمكن في شبهة المحل الا أن يدعى شبهة نكاح أو شراء فحينئذ يسقط الحد عنه ويغرم العقر للشبهة (وإذا) استودع رجلان رجلا وديعة من دراهم أو دنانير أو ثياب أو دواب أو عبيد ثم حضر أحدهما وطلب حقه منه لم يكن له ذلك حتى يجتمعا ولو خاصمه إلى القاضى لم يأمره بدفع نصيبه إليه في قوله أبى حنيفة وقال ابوأبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى يأمره بأن يقسم ذلك ويدفع نصيبه إليه ولا تكون قسمته جائزة على الغائب. وعن محمد في الامالي قال قول أبى حنيفة أقيس وقول أبى يوسف رحمه الله أوسع. وجه قولهما ان كل واحد من المودعين مالك لنصيبه حقيقة فلا يتعذر عليه قبض نصيبه في غيبة الآخر كالشريكين في الدين إذا حضر أحدهما كان له أن يطالب المديون بنصبيه وهذا لانه يجب دفع الضرر عن الحاضر كما يجب دفع الضرر عن الغائب وانما يندفع الضرر عنهما فيما قلنا بأن يقسم فيدفع إلى الحاضر نصيبه ليندفع الضرر عنه ثم لا تنفذ قسمته على الغائب حتى إذا هلك الباقي في يده ثم حضر الغائب كان له أن يشارك الحاضر فيما قبض دفعا للضرر عنه هذا في المكيل والموزون واضح فان الحاضر له أن ينفرد بأخذ نصيبه منهما مع غيبة الآخر فكذلك للمودع أن يدفع نصيبه إليه وقد بينا نظيره في مال المفقود ومذهب أبى حنيفة مروي عن على رضى الله تعالى عنه والمعنى فيه انه لو دفع شيئا إلى الحاضر فاما أن يكون المدفوع من نصيبهما جميعا أو نصيب الحاضر خاصة ولا يمكن أن يجعل ذلك من نصيب الحاضر خاصة لان ذلك لا يكون الا بعد قسمة معتبرة وليس للمودع ولاية على الغائب في القسمة فلم يبق الا أن يكون المدفوع من النصيبين
[ 124 ]
[ 154 ]
من غير خلط المالين والمالان لا يختلطان كالدراهم والدنانير والسود والبيض وزفر رحمه الله لا يجوز هذه الشركة بدون خلط المالين برواية واحدة (قال) لانه لو جاز لكان كل واحد منهما مختصا بملك مال بعد عقد الشركة وذلك لا يجوز في هذه العقد (وقد) روى الحسن عن أبى حنيفة رحمه الله ان هذه الشركة لا تجوز بمالين لا يختلطان لان المساواة شرط في هذا العقد والمساواة بين الدراهم والدنانير في المالية انما تكون بالتقويم وطريق ذلك الحزر والمساواة شرعا لا تثبت بهذا الطريق كالمساواة التى تشترط في مبادلة الاموال الربوية بجنسها وان كان رأس مال أحدهما بيضا ورأس مال الآخر سودا وبينهما تفاوت في الصرف لا يجوز هذا العقد في ظاهر الرواية لعدم المساواة (وذكر) اسماعيلإسماعيل بن حماد عن أبى يوسف رحمهم الله انه يجوز لانه لا قيمة للجودة في الاموال الربوية إذا قوبلت بجنسها وانما تعتبر المساواة في الوزن قال صلى الله عليه وسلم جيدها ورديئها سواء * وروى الحسن عن أبى حنيفة ان المفاوضة لا تنعقد الا بلقظ المفاوضة حتى إذا لم يذكر لفظة المفاوضة كان عنانا عاما * والعنان قد يكون عاما وقد يكون خاصا. وتأويل هذا أن أكثر الناس لا يعرفون جميع أحكام المفاوضة فلا يتحقق منهما الرضا بحكم المفاوضة قبل علمهما به ويجعل تصريحهما بالمفاوضة قائما مقام ذلك كله فان كان المتعاقدان يعرفان أحكام المفاوضة صح العقد بينهما إذا ذكرا معنى المفاوضة وان لم يصرحا بلفظها لان المعتبر المعنى دون اللفظ (فأما شركة الوجوه) فهى صحيحة عندنا وباطلة عند الشافعي بناء علي أصله أن الاصل شركة الملك وذلك لا يوجد في شركة الوجوه. وعندنا شركة العقد تصح باعتبار الوكالة وتوكيل كل واحد منهما صاحبه بالشراء على أن يكون المشترى بينهما نصفين أو ثلاثا صحيح فكذلك الشركة التى تتضمن ذلك الا أن في هذا العقد لا يصلح التفاضل في اشتراط الربح بعد التساوى في ملك المشترى لان الذى يشترط له الزيادة ليس له في نصيب صاحبه رأس مال ولا عمل ولا ضمان فاشتراط جزء من ذلك الربح له يكون ربح ما لم يضمن ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فان أراد التفاوت في الربح فينبغي أن يشترط التفاوت في ملك المشترى بأن يكون لاحدهما الثلث وللآخر الثلثان حتى يكون لكل واحد منهما الربح بقدر ملكه * وهذه الشركة عندنا تجوز عنانا ومفاوضة الا ان المفاوضة لا تكون الا باعتبار المساواة في المشترى والربح جميعا (فأما شركة التقبل) فهى صحيحة عندنا ولا تصح عند الشافعي رحمه الله بناء على أصله ان شركة الملك أصل ولا يوجد
[ 155 ]
[ 165 ]
بالدراهم والدنانير جميعا متاعا فالمتاع بينهما على قدر رؤس أموالهما) والحاصل ان في شرط الربح ليعتبر قيمة رأس مال كل واحد منهما وقت عقد الشركة وفي وقوع الملك للمشترى يعتبر قيمة رأس مال كل واحد منهما وقت الشراء وفى ظهور الربح في نصيبهما أو في نصيب أحدهما يعتبر قيمة رأس المال وقت القسمة لانه ما لم يحصل رأس المال لا يظهر الربح وقد بينا هذا فيما أمليناه من شرح الجامع. قال (وان اشتريا بالالف متاعا ثم اشتريا بعد ذلك بالدنانير متاعا فوضعا في احدأحد المتاعين وربحا في الآخر فذلك بينهما على قدر رؤس أموالهما) لان الوضيعة هلاك جزء من المال والربح كالمال فيكون على قدر رأس المال ما لم يغير ذلك بشرط صحيح (وكذلك) رجلان اشتريا متاعا بألف درهم وكر حنطة على ان لاحدهما من المتاع بحصة الالف وللآخر بحصة الكر ودفعا الثمن فهذا الشرط معتبر لمقتضى مطلق السبب لان كل واحد منهما في الشراء يكون عاملا لنفسه وانما يملك من المبدل بقدر ما نقده من البدل (وكذلك) لو اشتريا متاعا بكر حنطة وكر شعير فكال أحدهما كر حنطة علي ان له من المتاع بحصته وكال الآخر الشعير على ان له من المتاع بحصته ثم باعا ذلك بدراهم فانهما يقتسمان الثمن على قيمة الحنطة والشعير يوم يقتسمان * وكذلك كل ما يكال أو يوزن. قال عيسى رحمه الله هذا غلط والصواب ان يقتسما ذلك علي القيمة يوم الشراء لما بينا ان في وقوع الملك في المشترى يعتبر قيمة مال كل واحد منهما يوم الشراء فانما يملك كل واحد منهما من المتاع المشترى بقدر رأس ماله عند الشراء ثم إذا باع ذلك فثمن حصة كل واحد منهما يكون له كما في العروض لو اشتريا متاعا بعرضين أحضراهما لكل واحد منهما عرض ثم باعا ذلك المتاع بدراهم اقتسما الثمن علي قيمة عرض كل واحد منهما وقت الشراء بها الا أن يكون تأويل المسالة انهما باعا المتاع مرابحة فحينئذ الثمن في بيع المرابحة مبنى على الثمن الاول على قدر الملك فيقسم الثمن بينهما على قدر قيمة رأس مالهما وقت القسمه بخلاف العروض فان المشترى بالعروض لا يجوز بيعه مرابحة انما يجوز بيع المرابحة في المشترى بماله مثل من جنسه فكانت القسمة على قدر قيمة العروض وقت الشراء بها. ولكن هذا التأويل بعيد فانه قال ثم باعا ذلك بدارهم. وقد نص على حكم بيع المرابحة بعد هذا فقال (إذا اشتريا بالمكيل والموزون وباعاه مرابحة استوفى كل واحد منهما رأس ماله الذى كاله أو وزنه ثم اقتسما الربح على قيمة رأس مال كل واحد منهما ان باعاه مرابحة بمال مسمى وان باعاه بربح
[ 166 ]
[ 193 ]
ولكنه استحسن فقال هذا من توابع التجارة وهما لا يجد التاجر منه بدا ألا ترى أن العبد المأذن يدعو المجاهدين إلى طعامه ويهدى إليهم المطعوم ليجتمعوا عنده والمأذون غير مالك لشئ من المال انما هو تاجر والمفاوض تاجر مالك لنصف المال فلان يملك ذلك كان أولى وذكر حديث سلمان الفارسى رضى الله عنه قال اهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عبد قبل ان أكاتب فقبل ذلك منى وحديث الاخرس بن حكيم عن أبيه رضى الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجاب دعوة عبد وقال أبو سعيد مولي أبى أسيد رضى الله عنه قال عرست وأنا عبد فدعوت رهطا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم فيهم ابوأبو ذر رضى الله عنه وعنهم فأجابوني قال (ولو كسا المفاوض رجلا ثوبا أو وهب له دابة أو وهب له الفضة والذهب والامتعة والحبوب كلها لم يجز في حصة شريكه) لانه تبرع وانما استحسن ذلك في الفاكهة واللحم والخبز واشباه ذلك مما يؤكل لانه اهداء ذلك إلى المجاهدين من صنيع التجار فأما في سائر الاموال الهبة ليس من صنيع التجار والمرجع في معرفة الفرق بينهما إلى العرف. قال (ولو اعار أحدهما دابة فركبها المستعير ثم اختلفا في الموضع الذى ركبها إليه وقد عطبت الدابة فانها صدقة في الاعارة إلى ذلك الموضع وبرئ المستعير من ضمانها) لان اقرار احدهما فيما هو مملوك لهما بحكم المفاوضة كاقرارهما. قال (ولو استعار أحدهما دابة ليركبها إلى مكان معلوم فركبها شريكه فعطبت فهما ضامنان) لان ركوب الدابة تتفاوت فيه الناس وصاحبها انما رضى بركوب المستعير دون غيره فالآخر في ركوبها غاصب ضامن إذا هلكت. وقد بينا أن ما يجب من الضمان على أحدهما بحكم الغصب فالآخر مطالب به فان كان ركبها في حاجتهما فالضمان في مالهما لان منفعة ركوبه ترجع اليهما فيما يجب من الضمان بسببه يكون في مالهما لان الغرم مقابل بالغنم * وان ركب في حاجة نفسه فهما ضامنان لما قلنا الا أنهما ان أذناه من مال الشريك رجع الشريك على الراكب بنصيبه من ذلك لان منفعة الركوب حصلت للراكب فكان قرار الضمان عليه بمنزلة غصب اغتصبه أو طعام اشتراه فأكله وقد أدى الثمن من شركتهما فبقى الثمن دينا عليه * قال (وإذا استعار أحدهما دابة ليحمل عليها طعاما له خاصة لرزقه إلى مقام معلوم فحمل عليها شريكه مثل ذلك إلى ذلك المكان من شركتهما أو لخاصتهما فلا ضمان عليه) من قبل أن التقييد الذى ليس بمفيد لا يكون معتبرا والضرر على
[ 194 ]
[ 222 ]
شرط ولان التذكية انما تكون موجبا للحل إذا حصل من الآدمى فلابد من جعل آلة الصيد نائبا عن الآدمى ليحصل الحل بفعله وذلك لا يكون الا بالارسال واشتراط كونه معلما لتحقق الارسال فيه (والرابع) التسمية (والخامس) امساكه على صاحبه لقوله تعالى فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه ومطلق الامر مفيد للوجوب ولا يجب التسمية عند الاكل فعرفنا أن المراد به عند الارسال (والسادس) أن يكون الصيد مما يباح تناوله ويكون ممتنعا ومستوحشا (والسابع) أن لا يتواري عن بصره أولا يقعد عن طلبه حتى يجده لانه إذا غاب عن بصره فلا يدرى لعل موته كان بسبب آخر سوى جرح ما أرسله واليه أشار ابن عباس رضى الله تعالى عنهما بقوله كل ما أممت ودع ما أيمنت والامماء ما رأيته والايماء ما غاب عنك وإذا قعد عن طلبه فلا يدرى لعله لو تبعه وقع في يده حياء وقدر على ذبحه في المذبح وترك ذلك مع القدرة عليه محرم والاصل فيه انه متي اجتمع في الصيد لعل وعسى أن لا يحل تناوله. واليه أشار النبي صلي الله عليه وسلم لعدى بن حاتم رضى الله عنه إذا وقعت رميتك في الماء فلا تأكل فانك لا تدرى أن الماء قتله أو سهمك. إذا عرفنا هذا فنقول كما يشترط فيما أرسله الصياد أن يكون خارجا فكذلك فيما يرمى به وبها الكتاب ببيانه مروى عن ابراهيمإبراهيم رحمه الله إذا خرق المعراض فكل وإذا لم يخرق فلا تأكل والمعراض سهم لا نصل له الا أن يكون رأسه محددا وقيل سهم لاريش له فربما يصيب السهم عرضا يندق ولا يخرج وهو مروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فانه سئل عن صيد المعراض فقال صلوات الله وسلامه عليه ما أصاب بحده فجرح فكل وما أصاب بعرضه فلا تأكل والحرق هو الخرق الا أن لفظة الحرق تستعمل فيما لا حياة له كالثوب ونحوه ولفظة الخرق تسعمل في الحيوان وقد بينا أن الحل باعتبار تسييل الدم النجس وذلك يحصل إذا خرق ولا يحصل إذا دق ولم يخرق فان ذلك في معنى الموقوذة وهو حرام بالنص (وذكر) عن رجل قال كانت لبعض أهل الحى نعامة فضربها انسان فوقذها فألقاها على كناسة وهى حية فسألنا سعيد بن جبير فقال ذكوها وكلوها وبه نقول فان الموقوذة إذا أدرك ذكاتها جازتناو لها لقوله تعالى الا ما ذكيتم ولحصول ما هو المقصود وهو تسييل الدم النجس ومنه دليل اباحة تناول النعامة وعن ابن عباس رضى الله عنهما أنه سئل عن الكلب يقتل الصيد فقال كل وان أكل الكلب منه فلا تأكل فانه
[ 223 ]
[ 224 ]
لان دم الصيد جزء منه كلحمه فتبين شربه من دمه أنه أمسكه على نفسه ولكنا نقول هذا دليل ما حذقه في كونه معلما لانه شرب ما يعلم أن صاحبه لا يرغب فيه ولا يمنعه منه وأمسك عليه ما يعلم رغبته فيه فكان ذلك دليل علمه وامساكه على صاحبه ما يحتاج إليه صاحبه ولا يحرم تناول الصيد بخلاف مالو أكل من لحمه وعن ابراهيمإبراهيم رحمه الله في كلب المجوسى أو بازيه يصيد به المسلم قال لا بأس به لان الصياد مرسل الكلب لا مالك الكلب ومرسل الكلب مسلم من أهل التسمية والكلب آلة الاصطياد فاصطياد المسلم به يوجب الحل فان كان للمجوسي كاصطياده بقوسه وسهمه (وعنه) في الرجل يرسل كلبه فيذهب معه كلب آخر غير معلم فيرد عليه الصيد ويأخذ الصياد معه قال لا يؤكل وبه نأخذ لقوله صلى الله عليه وسلم لعدى بن حاتم رضى الله تعالى عنه وان شارك كلبك كلب آخر فلا تأكل فانك انما سميت على كلبك ولم تسم على كلب غيرك ولان ارسالإرسال الكلب من شرائطه الحل والعدامه يوجب الحرمة والصيد صار مأخوذا بالكلبين والاصل انه متى اجتمع موجب الحل وموجب الحرمة يغلب الموجب للحرمة لقوله صلى الله عليه وسلم ما اجتمع الحلال والحرام في شئ الا غلب الحرام الحلال وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه. قال من رمى صيدا فتردى من جبل فلا يأكله فانى أخاف أن يكون التردي قتله وان رمى طيرا فوقع في ماء فلا تأكله فانى أخاف ان يكون الغرق قتله وبه نأخذ لما روى عن النبي صلي الله عليه وسلم انه قال لعدى بن حاتم رضى الله تعالى عنه إذا وقعت رميتك في الماء فلا تأكل فانك لا تدرى أن الماء قتله أم سهمك ولان التردي موجب للحرمة. فان الله تعالى ذكر جملة المحرمات المتردية وعند اجتماع معنى الموجب للحل ومعنى الموجب للحرمة يغلب الموجب للحرمة وهذا بخلاف مالو رمى طيرا في الهواء فوقع على الارض ومات فانه يؤكل وان كان من الجائز أنه مات بوقوعه على الارض فان ذلك لا يستطاع الا متناع عنه فيكون عفوا والتكليف بحسب الوسع بخلاف الوقوع في الماء والتردى من موضع فانه يستطاع الامتناع عنه ويستوى في ذلك طير الماء و غيره لان طير الماء يعيش في الماء غير مجروح فأما بعد الجرح يتوهم ان يكون الماء قاتلا له كما يتوهم بغيره وهذا بخلاف ما لو ذبح شاة وتردى بعد الذبح من موضع أو وقعت في ماء لان قطع الحلقوم والاوداج زكاة مستقرة فانه يحادى بالموت عليه دون ما يتعرض بعده فأما الرمى ليس بزكاة مستقرة حتى إذا وقع الصيد في
[ 225 ]
يد الرامى حيا لم يحل الا بالذبح فلهذا كان التردي من الجبل والوقوع في الماء محرما له * وعن عبد الله بن يزيد قال سألت سعيد بن المسيب رضى الله تعالى عنه عن شئ كان قومي يصفونه بالبادية ينصبون السنان فيصبح وقد قتل الضبع فقال لي وانك ممن يأكل الضبع قلت ما أكلتها قط فقال رجل عنده حدثنا أبو الدرداء رضى الله تعالى عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل كل ذى خطفة وهبة ومجثمة وعن كل ذي ناب من السباع فقال ابن المسيب رضى الله تعالى عنه صدقت. وفي هذا دليل على أن الضبع غير مأكول اللحم وهو مذهبا. وقال الامام الشافعي رحمه الله تعالى ولا باس بأكل الضبع لحديث جابر رضى الله تعالي عنه أن سئل عن الضبع أصيد هو قال نعم فقيل يؤكل لحمه قال نعم فقيل أشئ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نعم. وحجتنا في ذلك الحديث الذى روينا وحديث ابن عباس رضى الله تعالى عنهما ان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل كل ذى ناب من السباع ومخلب من الطير ولانه ذو ناب يقاتل بنابه فلا يؤكل لحكه كالذئب وتأثيره ما ذكرنا أنه مستخبث باعتبار ما فيه من القصد إلى الاذى والبلادة فيدخل في جملة قوله تعالى ويحرم عليهم الخبائث. وحديث جابر رضي الله تعالى عنه ان صح فتأويله انه كان في زمن الابتداء ثم انتسخ بنزول الآية وهذا لان الحرمة ثابتة شرعا فما يروى من الحل يحمل على أنه كان قبل ثبوت الحرمة ولا خلاف في أن الضبع صيد بحسب الجزاء على المحرم بقتله عندنا لانه صيد وعنده لانه مأكول اللحم فأما معنى حديث أبى الدرداء رضي الله عنه فالمراد بالخطف ما يختطف بمخلبه من الهواء كالبازي والعقاب والشاهين والمنهبة ما ينتهب بنابه من الارض كالاسد والذئب والفهد والنمر وفي ذكر هذين الموضعين اشاره إلى معنى الحرمة حتى لا يسرى إلى الاكل هذا الخلق الدرئ وفى المحتمة روايتان بالفتح والكسر ومعنى الرواية بالفتح ما يحتم عليه الكلب فيقتله غما لاجرحا فذلك الصيد حرام لانعدام معنى الذكاة فيه ومعنى الرواية بالكسر ما يحتم على الصيود كالذئب والاسد والفهد فانه غير مأكول ومعنى قوله وعن كل ذى ناب من السباع ما يقصد بنابه ويدفع به فأما أصل الناب يوجد لكل صيد فعرفنا ان المحرم ما بينا. وعن ابراهيمإبراهيم رحمة الله تعالى قال كانوا يكرهون كل ذى مخلب من الطير وما أكل الجيف وبه نأخذ لان كل ما يأكل الجيف كالفراق والغراب الابقع مستخبث طبعا فيدخل تحت قوله
[ 226 ]
[ 228 ]
الحلق حتى أبان رأسه فلا يشك في إباحة أكله ويكره هذا الصنيع لانه زيادة ايلام غير محتاج إليه وان بدأ من قبل القفافان قطع الحلقوم والاوداج قبل أن تموت الشاة حلت فان ماتت قبل أن تقطع الحلقوم والادواج لم تؤكل لان فعل الذكاة بقطع الحلقوم والاوداج عند القدرة وان ماتت بفعل ليس بذكاة شرعا وذلك موجب للحرمة بخلاف مااذا مات قبل قطع الحلقوم والاوداج (وعن) سعيد بن المسيب رضى الله عنه قال الذكاة ما بين اللبة واللحيين وبه نأخذ وقد روى هذا اللفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم والمراد بيان محل الذكاة عند الاختيار وفيه دليل على ان أعلى الحلق وأوسطه وأسفله سواء في ذلك لان الكل في المعنى المطلوب بالذكاة سواء (وعن) ابراهيمإبراهيم رحمه الله تعالى قال إذا ذبحت فلا تذكر مع اسم الله تعالى شيئا غيره وهكذا نقل عن ابن مسعود رضى الله عنه قال جردوا التسمية عند الذبح والاصل فيه قوله تعالى (فلا تدعوا مع الله أحدا) وان أهل الجاهلية كانوا يذكرون آلهتهم عند الذبح فحرم ذلك الشرع بقوله وما أهل به لغير الله وأمر بتسمية الله تعالى عند الذبح على الخلوص لمخالفة المشركين فلا ينبغى أن يذكر مع اسم الله تعالى غيره وإذا أراد أن يدعو فيقول اللهم تقبل من فلان ينبغى أن يقدم ذلك علي فعل الذبح أو يؤخره عنه فأما مع الحر لا يذكر غير اسم الله تعالى وهو تأويل الحديث ان النبي صلي الله عليه وسلم لما ضحى عن أمته قال هذا عمن شهد لى بالبلاغ الي يوم القيامة انما قال بعد الذبح لامعه (وعن) رافع بن خديج رضى الله عنه أن بعيرا من ابل الصدقة قد ند فرماه رجل بسهم وسمى فقتله فقال صلى الله عليه وسلم ان لها أو ابد كأوابد الوحش فإذا فعلت شيئا من ذلك فافعلوا به كما فعلتم بهذا ثم كلوه. وبه نأخذ فنقول عند تعذر الحل بذكاة الاختيار يثبت الحل بذكاة الاضطرار وذلك بالجرح في أي موضع أصابه ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم ان لها أوابد كأوابد الوحش أي أن لها تنفرا واستيحاشا كما يكون الوحش الا ان الالف والوحشي أغلب حاله التوحش فإذا صار ألوفا التحق بما هو ألوف غالبا وإذا توحش التحق بالوحشي غالبا والمراد بابل الصدقة ما يؤخذ بالصدقة أو ما كان ينحر لاطعام المساكين وقد كان ذلك معروفا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده (وعن) عتابة بن رافع بن خديج رضى الله عنه ان بعيرا تردى في نهر بالمدينة فوجئ من قبل خاصرته فأخذ منه ابن عمر رضي الله عنهما عسيرا بدرهمين وفى هذا دليل أن الحل يثبت بذكاة الاضطرار عند تعذر الذكاة بالاختيار وانه لا
[ 229 ]
فرق بين أن يتعذر ذلك بتوحشة بين أن يتعذر سقوطه في مهوى فان ابن عمر رضى الله عنهما مع زهده وتفرده رغب في الشراء منه والعسير تصغير العسير وقد روى عشيراء وهو سواد البطن والاول أصح (وعن) ابراهيمإبراهيم رحمه الله قال إذا تردى بعير في بئر ولم يقدروا أن ينحروه فمن حيث نحر فهو له ذكاة. ففى هذا بيان أن السنة في البعير النحر وفي البقر والغنم الذبح وبه نطق الكتاب قال الله تعالى (فصل لربك وانحر) وقال الله تعالى (ان الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) وقال الله تعالى (وفديناه بذبح عظيم) والمراد الشاة والذى جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحرنا البدنة على عهد رصول الله صلى الله عليه وسلم عن سبعة والبقرة عن سبعة معناه وذبحنا البقرة عن سبعة ومثل هذا الاضمار مع العطف معلوم في لسان العرب قال القائل * علقتها تبنا وماء باردا * أي وسقيتها ماء باردا لان الماء لا يعلف وعن على رضي الله عنه قال ذكاة السمك والجراد أخذه و مراده بيان أن الذكاة ليست بشرط فيهما بل يثبت الحل فيهما بالاخذ من غير ذكاة ألا ترى أنه لا تثبت الحرمة بكون الآخذ مجوحيا أو وثنيا وما يشترط فيه الذكاة يشترط فيه الاهلية للمذكى وحيث لم يشترط في السمك والجراد عرفنا ان الذكاة فيهما ليست بشرط كما قال صلى الله عليه وسلم أحلت لنا ميتتان ودمان وسئل علي رضى الله عنه عن الجراد يأخذه الرجل من الارض وفيه الميت وغيره قال كله كله وفي بعض الروايات كله كله اللفظ الاول تكرار للمبالغة والثانى بيان أنه يؤكل كله وبه نأخذ وان الجراد وان وجد ميتا فلا بأس بأكله لان موته لابد أن يكون بسبب فانه بحرى الاصل برى المعاش كما قيل ان بيض السمك إذا انحصر عنه الماء يصير جرادا فإذا مات في البر فقد مات في غير موضع أصله وإذا مات في الماء فقدمات في غير موضع معاشه وذلك سبب لموته والدليل على إباحة أكل الجراد ما روى أن مريم رضى الله عنها سألت لحما هشا فرزقت الجراد وأن عمر رضي الله عنه كان مولعا بأكل الجراد حتى قال يوما في مجلسه ليت لنا قصعة من جراد فنأكله أو قال نقعة (وعن) عمرة قالت خرجت مع وليدة لنا فاشترينا خريتة بقفيز من حنطة فوضعناها في زنبيل فخرج رأسها من جانب وذنبها من جانب فمر بنا على رضى الله عنه فقال لى بكم أخذت فأخبرته فقال ما أطيبه وأرخصه وأوسعه للعيال ففى هذا الحديث دليل على ان الجراد مأكول وبه نأخذ وهو مروى عن ابن عباس رضى الله عنهما فانه سئل عن الخريت فقال فأما نحن فلا نرى به بأسا فأما أهل
[ 230 ]
الكتاب فيكرهونه. وأما الروافض قاتلهم الله تعالى فيأخذون بقول أهل الكتاب ويحرمون الخريت ويدعون قول على رضى الله عنه مع دعواهم محبته وأهل الكتاب يزعمون أن الخريت من جملة الممسوخات وهذا باطل فان الممسوخ لا نسل له ولا يبقى بعد ثلاثة أيام بل الخريت نوع من السمك والسمك مأكول بجميع أنواعه يثبت الحل فيه بالكتاب والسنة قال الله تعالى أحل لكم صيد البحر وقال صلى الله عليه وسلم أحلت لنا ميتتان ودمان أما الميتتان فالسمك والجراد وأما الدمان فالكبد والطحال فهذا دليل أنه لا بأس للانسان أن يتكلم مع النساء والاماء بما لا يحتاج إليه فان هذا ليس من جملة ما لا يعنيه فانما الذى لا يعنى المرء مما ورد النهى عنه أن يكون فيه مأثم (وعن) ابراهيمإبراهيم رحمه الله قال ما أطيب إهابه وهو كذلك وقد قيل ان أطيب الاشياء من السمك الذنب وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه أتاه عبد اسود فقال اننى في غنم لا هلى وانى سليل الطريق أفأسقى من لبنها بغير اذنهم فقال لا فقال انى أرمى الصيد فاصمى وأنمى قال كل ما أصميت ودع ما أنميت. قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى الاصماء ما رأيته والانماء ما توارى عنك وبه نأخذ الا أن المراد به إذا توارى عنه وقعد في طلبه فإذا لم يقعد عن طلبه لا يحرم لما بينا أن مالا يستطاع بالامتناع عنه يكون عفوا وفي الحديث دليل انه ليس للراعي أن يسقى من لبن الغنم بغير اذن أهلها فان ابن عباس رضى الله تعالى عنهما نهاه عن ذلك وهذا لان الراعى أمر بالرعى والحفظ والسقى ومن لبنها بمنزلة هبة عنها ولا يجوز له ذلك بدون اذن أهلها والذى جاء في الحديث ان النبي صلى الله عليه وسلم مر براعى الغنم فاستسقاه اللبن تأويله ان ذلك الراعى كان يرعى غنم نفسه أو كان مأذونا من جهة مالكه بذلك وقد عرف ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم لا يحل ما امرئ مسلم الا بطيبة من نفسه (وعن) موسى بن طلحة رضى الله تعالى عنه ان اعرابيا أهدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أزنبا مشويا قال لاصحابه كلوا قال الاعرابي انى رأيت دما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بشئ وقال للاعرابي اذن فكل فقال انى صائم قال صوم ما ذا قال صوم ثلاثة أيام من كل شهر فقال هلا جعلتها البيض وبه نأخذ فنقول الارنب ما كول وقد قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الهدية فيه وأكل منه وأمر أصحابه رضوان الله عليهم بذلك (وقول) الاعرابي انى رأيت دما مراده ما يقول جهال العرب ان الارنبة تحيض كالنساء فبين
[ 231 ]
[ 234 ]
روى فيه نهى فلان الخيل كانت قليلة فيهم وكان سلاحا يحتاجون إليه في الحرب فلهذا نهاهم عن أكله لا لحرمته وحجة أبى حنيفة رحمه الله تعالى في ذلك قوله تعالى والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة الآية فقد من الله تعالى على عباده بما جعل لهم من منفعة الركوب والزينة في الخيل ولو كان مأكلو لالكان الاولى بيان منفعة الاكل لانه أعظم وجوه المنفعة وبه بقاء النفوس ولا يليق بحكمة الحكيم ترك أعظم وجوه المنفعة عند اظهار المنة وذكر ما دون ذلك ألا ترى أنه في الانعام ذكر الاكل بقوله تعالى ومنها تأكلون ولانه ضم الخيل إلى البغال والحمير في الذكر دون الانعام والقرآن في الذكر دليل القرآن في الحكم وبنحوه استدل ابن عباس رضي الله تعالى عنهما حين كره لحم الخيل كما روى عنه في الكتاب وفى حديث خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل لحم الخيل والبغال والحمير وفي حديث المقدام بن معد يكرب رضى الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال حرام عليكم لحوم البغال والحمير والخيل. وقد بينا أن الدليل الموجب للحرمة يترجح فان ما كان من الرخصة محمول على أنه كان في الابتداء قبل النهى ولان نتاجه غير مأكول وهو البغل لان البغل نتاج الفرس والولد جزء من الام وحكمه حكهما في الحل والحرمة فإذا لم يكن مأكولا عرفنا أن الخيل ليس بمأكول * ثم الخيل تشبه البغال والحمير من حيث أنه ذو حافر أهلى بخلاف الانعام فانها ذوات خف لا ذوات حوافر وقد روى الحسن عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى الكراهة في سؤر الفرس كما في لبنه وانما جعل يوله كبول ما يؤكل لحمه لمعنى البلوى فيه فللبلوى تأثير في تخفيف حكم النجاسة ومن قال الكراهة للتنزيه لا للتحريم قال ان الفرس كالآدمي من وجه ومن حيث انه يحصل ارهاب العدوبه ويستحق السهم من الغنيمة والآدمي غير مأكول لكرامته لا لنجاسة والخيل كذلك كره أكلها علي طريق التنزيه لمعنى الكرامة ولهذا جعل الخيل طاهرة السؤر وجعل بوله كبول ما يؤكل لحمه (وعن) ابراهيمإبراهيم رحمه الله تعالى قال لا بأس بثمن كلب الصيد وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص في ثمن كلب الصيد وبه نأخذ فنقول بيع الكلب المعلم يجوز وعلى قول الشافعي رحمه الله لا يجوز بيع الكلب أصلا معلما كان أو غير معلم لما روى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكب وحلوان الكاهن ومهر البغى وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب فلو كانت مالا متقوما لما أمر بذلك ولان
[ 235 ]
الكلب نجس العين بدليل نجاسة سؤره فلا يجوز بيعه كالخنزير ولدليل عليه انه لو كان محل البيع لم يفترق بين المعلم منه وغير المعلم كالفهد والبازى. وحجتنا في ذلك ما رواه ابراهيمإبراهيم من الرخصة وذلك بعد النهى والتحريم فبه يتبين تيسير انتساخ ما روى من النهى وهذا لانهم كانوا ألفوا اقتناء الكلاب وكانت الكلاب فيهم تؤذى الضيفان والغرباء فنهوا عن اقتنائها فشق ذلك عليهم فأمروا بقتل الكلاب ونهوا عن بيعها تحقيقا للزجر عن العادة المألوفة ثم رخص لهم بعد ذلك في ثمن منتفعا به من الكلاب وهو كلب الصيد والحرث والماشية وقد جاء في حديث عبد الله بن عمر رضى الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الكلب الا كلب الصيد والحرث والماشية وروى أنه قضى في كلب الصيد بأربعين درهما وفي كلب الحرث بفرق من طعام وفى كلب الماشية بشاة منها (وعن) عثمان رضى الله تعالى عنه أنه قضي علي رجل أتلف كلبا لامرأة بعشرين بعيرا والحديث له قصة معروفة وإذا ثبت أنه مال متقوم وهو منتفع به شرعا جاز بيعه كسائر الاموال وبيان كونه منتفعا به أنه يحل الانتفاع به في حالة الاختيار ويجوز تمليكه بغير عوض في حالة الحياة بالهبة وبعد الموت بالوصية فيجوز تمليكه بالعوض أيضا وبهذا يتبين أنه ليس بنجس العين فان الانتفاع بما هو نجس العين لا يحل في حالة الاختيار كالخمر ولا يجوز تمليكه قصدا بالهبة والوصية. ثم الصحيح من المذهب أن المعلم وغير المعلم إذا كان بحيث يقبل التعليم سواء في حكم البيع حتى ذكر في النوادر لو باع جروا جاز بيعه لانه يقبل التعليم فأما الذى لا يجوز بيعه العقور منه الذى لا يقبل التعليم لانه عين مؤذ غير منتفع به فلا يكون مالا متقوما كالذئب وهكذا يقول في الاسد ان كان بحيث يقبل التعليم ويصطاد به فبيعه جائز وان كان لا يقبل ذلك ولا ينتفع به فحينئذ لا يجوز بيعه والفهد والبازى يقبل التعليم على كل حال فجاز بيعهما كذلك (وعن) جابر بن عبد الله رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الكلب والسنور وقال أبو يسوف رحمه الله ينقض هذا الحديث في السنور حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصغى لها الاناء فتشرب منه وهو مشهور عنه صلى الله عليه وسلم وحديث عروة عن عائشة رضي الله عنها ان صلى الله عليه وسلم كان يصغى الاناء للهر ليشرب منه ثم يتوضأ. وفي هذا دليل على انها ليست بنجسة وقد نص علي ذلك بقوله انها ليست بنجسة انها من الطوافين عليكم والطوافات ويجوز الانتفاع بها من غير ضرورة وما يكون بهذا الصفة
[ 236 ]
[ 239 ]
ذبح تلك الشاة ثم ذبح شاة أخرى بعدها فظن ان تلك التسمية تكفيه لا يحل والسهم إذا أصاب ذلك الصيد وغيره أو أخذ الكلب في فوره ذلك الصيد وغيره حل الاكل وجهله ليس نظير النسيان. ألاتري أن الجهل بالحكم لا يمنع حصول الفطر بخلاف النسيان وكذلك لو نظر إلى قطيع من الغنم وأخذ السكين وسمى ثم أخذ شاة منها وذبحها بتلك التسمية لا يحل وكذلك لو أرسل كلبه على جماعة من الصيود وسمى فأخذ أحدهما يحل لان التعيين في الاصطياد ليس في وسعه والتعيين في الذبح في وسعه. قال (ولو أرسل كلبه ولم يسم عمدا ثم زجره وسمى فانزجر وأخذ الصيد لم يحل) لان ارساله مع ترك التسمية عمدا فعل محرم فلا ينسخ الا بما هو مثله أو فوقه والزجر دون الارسال بخلاف ما إذا اتبع الصيد بغير ارسالإرسال صاحبه ثم زجره صاحبه وسمى فان انزجر بزجره وأخذ الصيد حل لان انباعه لم يكن فعلا معتبرا فان فعل العجماء غير معتبر إذا لم يكن بناء على ارسالإرسال آدمى فكان زجره بمنزلة ابتداء الارسال وقد اقتربت التسمية به وعلى هذا الاصل إذا أرسل المسلم كلبه علي صيد فزجره مجوسي فانزجر بزجره لم يضره لان الارسال من المسلم فعل موجب للحل فلا يرتفع الا بما هو مثله والزجر دون الارسال فلا يتغير به الحكم الثابت بالارسال ولو كان المجوسي هو الذى أرسل لم ينفعه زجر المسلم لان فعل المجوسى يحرم فلا يرتفع بزجر المسلم اياه لانه دونه فأما إذا انبعث الكلب والبازى علي أثر الصيد بغير ارسالإرسال ثم زجره صاحبه فان لم ينزجر بزجر صاحبه لم يحل الصيد لانه لا أثر لفعل المسلم فيأخذه وبدون الارسال لا يحل وان انزجره بزجر في القياس لا يحل أيضا لان زجره ليس بارسال فان الارسال يكون من يده ولم يكن في يده حين زجره وبدون الارسال لا يحل صيد الكلب ولكنه استحسن ذلك فقال لما انزجر بزجره يجعل ذلك بمنزلة ابتداء الارسال والصياد قد يبتلى بهذا لان الكلب ربما يرى الصيد ولا يراه صاحبه فلو انتظر ارساله فانه فينبعث على أثره وينظر إلى صاحبه ليزجره حتى إذا زجره كان بالقرب من الصيد فيتمكن من أخذه ثم انبعاثه لم يكن فعلا معتبرا فالحاجة الي ابتداء الفعل لا إلى فسخ الفعل ولما انزجر بزجره جعل هذا ابتداء فعله بخلاف الاول فالحاجة هناك إلى فسخ فعل معتبر والفسخ لا يصلح لذلك وهو نظير ما قلنا فيمن حفر بئرا في الطريق فالقى انسان حجرا على شفيره فيعثر انسان في الحجر حتى هوى في البئر فالضمان على الملقى وبمثله لو ثنى حجرا من (16 مبسوط حادى عشر)
[ 240 ]
شفير البئر أو جاء به سيل فيعثر به انسان فوقع في البئر فالضمان علي الحافر لانه لم يوجد من بعد فعله فعل معتبر فبقى حكم فعله بخلاف الاول. قال (وإذا توارى الكلب والصيد عن المرسل المسلم ثم وجده المسلم وقد قتله وليس فيه أثر غيره حل تناوله إذا لم يترك الطلب لانه يستطاع الامتناع منه والتوارى عن بصره لا يستطاع الامتناع عنه خصوصا في القناص والمستأجر والطير بعد اصابة السهم ربما يتحامل ويطير حتى يغيب من بصره فيسقط فان كان ترك الطلب إلى عمل آخر حتى إذا كان قريبا من الليل طلبه فوجد الصيد ميتا والكلب عنده والبازى وبه جراحة لا يدرى الكلب جرحه أو غيره لم يحل أكله عندنا . وقال الشافعي رحمه الله تعالى يحل لانه ظهر لموته سبب وهو ما كان منه من ارسالإرسال الكلب والبازى والرمى والحكم متى ظهر عقب سببه يحال عليه كما لو جرح انسانا فلم يزل صاحب فراش حتى مات فجعل قاتلا له ولكن نستدل بما روى أن رجلا أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم صيدا فقال عليه الصلاة والسلام من أين لك هذا قال كنت رميته بالامس وكنت في طلبه حتى حال بينى وبينه ظلمة الليل ثم وجدته الليل وفيه من باقى فقال عليه الصلاة والسلام لعل بعض الهوام أعانك على قتله فلا حاجة لى فيه وقال ابن عباس كل ما أصميت ودع ما أنميت والانماء التوارى عن بصرك الا أن قدر ما لا يستطاع الامتناع عنه جعل عفوا فأما ترك الطلب مما يستطاع الامتناع عنه والثابت بالضرورة لا يعدو موضع الضرورة ثم في المدة القصيرة يؤمن اصابة آفة أخرى اياه ولا يؤمن ذلك إذا ترك الطلب وطالبت المدة ولانه لا يدري فلعله لو لم يترك الطلب وجده حيا فذكاه فمن هذا الوجه يكون تاركا ذكاة الاختيار فيه مع القدرة عليه وان وجده وفيه جراحة أخرى ليس له أن يأكله ترك الطلب أو لم يترك لانه ظهر لموته سببان أحدهما موجب للحل والآخر موجب للحرمة فيغلب كما لو وقعت الرمية في الماء. قال (وإذا أرسل كلبه أو بازيه علي صيد فأخذ ذلك الصيد أو أخذ غيره أو أخذ عددا من الصيود فهو كله حلال مادام على وجه الارسال) لان الارسال قد صح من المسلم موجبا للعمل فما نأخذه من وجه ارساله وهو ممسك له على صاحبه يحل وتعيين الصيد في الارسال ليس يشرط الا على قول مالك رضي الله تعالى عنه فانه يقول التعيين شرط حتى إذا ترك التعيين فهو كترك الارسال وعن ابن أبى ليلى رحمه الله تعالى قال التعيين ليس بشرط ولكن إذا عين اعتبر تعيينه حتى إذا ترك ذلك وأخذ غيره
[ 241 ]
لا يحل ولكنا نقول الشرط ما في وسعه اتخاذه وهو الارسال فأما التعيين ليس في وسعه لانه لا يمكنه ان يعلم البازى والكلب على وجه لا يأخذ الا ما يعينه ولان التعيين غير مفيد في حقه ولا في حق الكلب فان الصيود كلها فيما يرجع إلى مقصوده سواء وكذلك في حق الكلب فقصده إلى أخذ كل صيد يتمكن من أخذه وعلامة علمه امساكه على صاحبه بترك الاكمل وما ليس بمفيد لا يعتبر شرعا فسواء أخذ ذلك الصيد أو غيره حل. قال (فان قتل واحدا وجثم عليه طويلا ثم مر به صيد آخر فأخذه لم يؤكل) لان فور الارسال قد انقطع حين جثم على الاول طويلا فقد انعدم ارسالإرسال صاحبه في حق الصيد الثاني وهو شرط في الحل (فان قيل) كيف يكون فعله ناسخا لارسال صاحبه (قلنا) انما جثم على ذلك الصيد بناء على ارسالإرسال صاحبه ليأتيه فيأخذه منه فذلك بمنزلة فعل صاحبه ولو منعه انقطع به حكم الاسال مع أن فعل العجماء معتبر في نسخ حكم فعل الآدمى به كمن أرسل دابة في الطريق فتركت سنن الارسال وذهب يمنة أو يسرة فأتلفت مالا لم يجب الضمان علي المرسل بخلاف ما لو ذهبت على سنن الارسال. قال (وان وصل إليه صاحبه والصيد حى فأخذه فلم يذبحه حتى مات لم يؤكل) أما إذا تمكن من ذبحه فلا شك فيه لانه ترك ذكاة الاختيار مع القدرة عليه وأما إذا لم يتمكن من ذلك فان كان لفقد الآلة فكذلك الجواب لان التقصير من قبله حيث لم يحمل آلة الذكاة مع نفسه وان كان لضيق الوقت فكذلك الجواب عندنا (وقال) الحسن بن زياد ومحمد بن مقاتل رحمهما الله تعالى يحل استحسانا وهو قول الشافعي رحمه الله تعالى لان ذكاة الاضطرار بدل عن ذكاة الاختيار وما لم يقدر على الاصل لا يسقط حكم البدل كالمتيمم إذا وجد الماء وبينه وبين الماء سبع أو عدو وهنا لم يقدر على الاصل فبقى ذكاة الاضطرار موجبا للحل ولكنا نقول ذكاة الاضطرار انما تعتبر فيما إذا لم يقع في يده حيا وهذا قد وقع في يده حيا فسقط اعتبار ذكاة الاضطرار فيه وألحق بما كان في يده كالشاة والبعير إذا سقط فلم يتمكن من ذبحه في المذبح لضيق الوقت فجرحه فمات لم يحل فهذا مثله وهذا كله إذا كان يتوهم بقاؤه حيا مع الجرح الذى جرحه الكلب فأما إذا شق بطنه فأخرج ما فيه ثم وقع في يد صاحبه حيا فمات حل تناوله لانه استقر فعل الذكاة قبل وقوعه في يده وما بقى فيه اضطراب المذبوح فلا يعتبر كمن ذبح شاة فاضطربت ووقعت في الماء بعد قطع الحلقوم والاوداج لم يحرم بذلك لهذا المعنى وقيل هذا قول أبى يوسف
[ 242 ]
[ 244 ]
الصيد فسقط اعتبار احتمال وجه آخر وما قال أبو حنيفة رحمه الله أقرب إلى الاحتياط وعليه يبنى الحل والحرمة. قال (ولا يحل صيده بعد ذلك حتى يصير معلما) بأن يصيد به ثلاثا فلا يأكل منها فيحل حينئذ الرابع في قول أبى يوسف ومحمد رحمهما الله ولكن أبو حنيفة رحمه الله لم يؤقت فيه وقتا ولكن يقول إذا صار عالما فكل من صيده وكذلك الخلاف في تعليمه في ابتداء أمره وعلى قولهما انما يحصل بأن يجيبه إذا دعى ويرسله على الصيد فيصيده ولا يأكل منه ثلاث مرات ولم يؤقت فيه أبو حنيفة رحمه الله وقتا ولكنه قال هو مأكول إلى اجتهاد صاحبه فان كان أكبر رأيه انه صار معلما فهو معلم وربما قال يرجع إلى أهل العلم به من الصيادين فإذا قالوا صار معلما فهو معلم وحجتنا في ذلك أن المعلم يمسك الصيد على صاحبه وعلامة ذلك أن لا يأكل منه الا أن ترك الاكل قد يكون للشبع وقد يكون للامساك على صاحبه فإذا ترك ذلك مرارا علي الولاء يزول به هذا الاحتمال ونعلم أنه معلم لا مساكه على صاحبه وقدرنا ذلك بالثلاث لانه حسن الاختيار والاصل فيه قصة موسي مع معلمه عليه السلام حيث قال في الثالثة هذا فراق بينى وبينك وكذلك الشرع قدر مدة الاختيار بثلاسة أيام للاختيار وقال عليه الصلاة والسلام إذا استأذن أحدكم ثلاثا ولم يؤذن له فليرجع وقال عمر رضى الله تعالى عنه إذا لم يربح أحدكم في التجارة ثلاث مرات فليرجع إلى غيرها وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول نصب المقادير بالرأى لا يكون ولا مدخل للقياس فيه فيكون طريق معرفته الاجتهاد والرجوع إلى من له علم في ذلك الباب قال الله تعالى فاسألوا أهل الذكران كنتم لا تعلمون وهذا لان احتمال الشبع كما يكون في المرة يكون في المرات (وروى) الحسن عن أبى حنيفة رحمهما الله مثل قولهما في التقدير بالثلاث الا أن في تلك الرواية أبو حنيفة يقول يؤكل الصيد الثالث وهما يقولان لا يؤكل الصيد الثالث لانه انما حكم بكونه معلما حين ترك الاكل من الثلاث وآخره لهذا الصيد كان قبل ذلك فلا يؤكل منه وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول انما يحكم بكونه معلما بطريق تعيين امساكه الثالث على صاحبه وإذا حكمنا بأن يمسكه على صاحبه وقد أخذه بعد ارسالإرسال صاحبه حل التناول منه كالرابع. قال (وإذا أخذ الرجل الصيد من الكلب ثم وثب عليه الكلب فانتهش منه قطعة ورمى بها صاحبها إليه فأكلها لم يفسدهما عليه) لانه قد تم امساكه على صاحبه حين لم يأكل منه حتى وصل إلى يد صاحبه وبعد ذلك انتهاشه منه ومن لحم آخر في مخلاة صاحبه سواء فلا يخرج به من أن
[ 245 ]
1٬371

تعديل