الفرق بين المراجعتين لصفحة «البداية والنهاية/الجزء الأول/مقدمة»

ط
استرجاع إلى آخر تعديل من قبل محمد عصام
ط (استرجاع إلى آخر تعديل من قبل محمد عصام)
'''بسم الله الرحمن الرحيم '''
 
الحمد لله الأول الآخر,الآخر، الباطن الظاهر، الذي هو بكل شيء عليم، الأول فليس قبله شيء، الآخر فليس بعده شيء، الظاهر فليس فوقه شيء، الباطن فليس دونه شيء، الأزلي القديم الذي لم يزل موجودًا بصفات الكمال، ولا يزال دائمًا مستمرًا باقيًا سرمديًا بلا انقضاء ولا انفصال ولا زوال. يعلم دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، وعدد الرمال. وهو العلي الكبير المتعال، العلي العظيم الذي خلق كل شيء فقدره تقديرًا.
 
ورفع السماوات بغير عمد، وزينها بالكواكب الزاهرات، وجعل فيها سراجًا وقمرًا منيرًا وسوَّى فوقهن سريرًا، شرجعًا عاليًا منيفًا متسعًا مقبيًا مستديرًا - وهو العرش العظيم - له قوائم عظام، تحمله الملائكة الكرام، وتحفُّه الكروبيون عليهم الصلاة والسلام، ولهم زجل بالتقديس والتعظيم.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا ولد له ولا والد له، ولا صاحبة له، ولا نظير ولا وزير له ولا مشير له، ولا عديد ولا نديد ولا قسيم.
 
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وحبيبه وخليله، المصطفى من خلاصة العرب العرباء من الصميم، خاتم الأنبياء، وصاحب الحوض الأكبر الرواء، صاحب الشفاعة العظمى يوم القيامة، وحامل اللواء الذي يبعثه الله المقام المحمود الذي يرغب إليه فيه الخلق كلهم حتى الخليل إبراهيم {{صلى الله عليه وسلمصل}} وعلى سائر إخوانه من النبيين والمرسلين، وسلم وشرف وكرم أزكى صلاة وتسليم، وأعلى تشريف وتكريم.
 
ورضي الله عن جميع أصحابه الغر الكرام، السادة النجباء الأعلام، خلاصة العالم بعد الأنبياء. ما اختلط الظلام بالضياء، وأعلن الداعي بالنداء وما نسخ النهار ظلام الليل البهيم.
ثم نذكر ما بعد ذلك إلى زماننا، ونذكر الفتن والملاحم وأشراط الساعة. ثم البعث والنشور وأهوال القيامة، ثم صفة ذلك وما في ذلك اليوم، وما يقع فيه من الأمور الهائلة. ثم صفة النار، ثم صفة الجنان وما فيها من الخيرات الحسان، وغير ذلك وما يتعلق به، وما ورد في ذلك من الكتاب والسنة والآثار والأخبار المنقولة المعقولة عند العلماء وورثة الأنبياء، الآخذين من مشكاة النبوة المصطفوية المحمدية على من جاء بها أفضل الصلاة والسلام.
 
ولسنا نذكر من الإسرائيليات إلا ما أذن الشارع في نقله مما لا يخالف كتاب الله، وسنة رسوله {{صلى الله عليه وسلمصل}} وهو القسم الذي لا يصدق ولا يكذب، مما فيه بسط لمختصر عندنا، أو تسمية لمبهم ورد به شرعنا مما لا فائدة في تعيينه لنا فنذكره على سبيل التحلي به لا على سبيل الاحتياج إليه والاعتماد عليه. وإنما الاعتماد والاستناد على كتاب الله وسنة رسول الله {{صل}}، ما صح نقله أو حسن وما كان فيه ضعف نبيٍّنه. وبالله المستعان وعليه التكلان. ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم العلي العظيم.
 
فقد قال الله تعالى في كتابه { كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا } {{مردخ|طه: 99}}.
 
وقد قصَّ الله على نبيه {{صلى الله عليه وسلمصل}} خبر ما مضى من خلق المخلوقات، وذكر الأممم الماضين، وكيف فعل بأوليائه، وماذا أحل بأعدائه. وبين ذلك رسول الله {{صلى الله عليه وسلمصل}} لأمته بيانًا شافيًا، سنورد عند كل فصل ما وصل إلينا عنه، صلوات الله وسلامه عليه. من ذلك تلو الآيات الواردات في ذلك فأخبرنا بما نحتاج إليه من ذلك، وترك ما لا فائدة فيه مما قد يتزاحم على علمه ويتراجم في فهمه طوائف من علماء أهل الكتاب مما لا فائدة فيه لكثير من الناس إليه. وقد يستوعب نقله طائفة من علمائنا ولسنا نحذو حذوهم ولا ننحو نحوهم ولا نذكر منها إلا القليل على سبيل الاختصار ونبين ما فيه حق مما وافق ما عندنا وما خالفه فوقع فيه الإنكار.
 
فأما الحديث الذي رواه البخاري رحمه الله في (صحيحه) عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله {{صلى الله عليه وسلمصل}} قال:
 
« بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، وحدثوا عني ولا تكذبوا علي ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار »، فهو محمول على الإسرائيليات المسكوت عنها عندنا. فليس عندنا ما يصدقها ولا ما يكذبها، فيجوز روايتها للاعتبار. وهذا هو الذي نستعمله في كتابنا هذا فأما ما شهد له شرعنا بالصدق فلا حاجة بنا إليه استغناء بما عندنا. وما شهد له شرعنا منها بالبطلان فذاك مردود لا يجوز حكايته، إلا على سبيل الإنكار والإبطال.
 
فإذا كان الله، سبحانه وله الحمد، قد أغنانا برسولنا محمد، {{صلى الله عليه وسلمصل}}، عن سائر الشرائع، وبكتابه عن سائر الكتب، فلسنا نترامى على ما بأيديهم مما وقع فيه خبط وخلط، وكذب ووضع، وتحريف وتبديل، وبعد ذلك كله نسخ وتغيير.
 
فالمحتاج إليه قد بيَّنه لنا رسولنا، وشرحه وأوضحه. عرفه من عرفه، وجهله من جهله. كما قال علي بن أبي طالب:
كتاب الله فيه خبر ما قبلكم، ونبأ ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل. من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله.
 
وقال أبو ذر، رضي الله عنه: لقد توفي رسول الله {{صلى الله عليه وسلمصل}} وما طائر يطير بجناحيه إلا أذكرنا منه علمًا.
 
وقال البخاري في كتاب بدء الخلق: وروي عن عيسى بن موسى غنجار عن رقية عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال سمعت عمر بن الخطاب يقول:
 
قام فينا رسول الله {{صلى الله عليه وسلمصل}} مقامًا فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم. وأهل النار منازلهم. حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه.
 
قال أبو مسعود الدمشقي في أطرافه: هكذا قال البخاري، وإنما رواه عيسى غنجار عن أبي حمزة عن رقية.
وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله في (مسنده): حدثنا أبو عاصم حدثنا عزرة بن ثابت، حدثنا علباء بن أحمر اليشكري: حدثنا أبو زيد الأنصاري، قال:
 
« صلَّى بنا رسول الله {{صلى الله عليه وسلمصل}} صلاة الصبح، ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت الظهر، ثم نزل فصلى الظهر. ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى العصر ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى غابت الشمس فحدثنا بما كان، وما هو كائن فأعلَمُنا أحفظنا »
 
انفرد بإخراجه مسلم فرواه في كتاب الفتن من (صحيحه) عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي وحجاج بن الشاعر، جميعًا عن أبي عاصم الضحاك بن مخلد النبيل عن عزرة عن علباء عن أبي زيد عمرو بن أخطب بن رفاعة الأنصاري رضي الله عنه عن النبي {{صلى الله عليه وسلمصل}} بنحوه.
 
{{البداية والنهاية/الجزء الأول}}
 
[[تصنيف:البداية والنهاية:الجزء الأول|{{صفحة فرعية}}]]