الفرق بين المراجعتين ل"إحياء علوم الدين/كتاب آداب النكاح/الباب الأول"

ط
(صفحة جديدة: {{لا فهرس}} {{ترويسة |عنوان=إحياء علوم الدين |مؤلف= أبو حامد الغزالي |باب=<br>[[إحياء علوم الدين/كتاب ...)
 
ط (إضافة تصنيف:إحياء علوم الدين (باستخدام هوت كات))
 
فإن قلت: فلم ترك عيسى عليه السلام النكاح مع فضله? وإن كان أفضل التخلي لعبادة الله فلم استكثر رسولنا صلى الله عليه وسلم من الأزواج? فاعلم أن الأفضل الجمع بينهما في حق من قدر ومن قويت منته وعلت همته فلا يشغله عن الله شاغل، ورسولنا عليه السلام أخذ بالقوة، وجمع بين فضل العبادة والنكاح، ولقد كان مع تسعة من النسوة متخلياً لعبادة الله، وكان قضاء الوطر بالنكاح في حقه غير مانع، كما لا يكون قضاء الحاجة في حق المشغولين بتدبيرات الدنيا مانعاً لهم عن التدبير، حتى يشتغلون في الظاهر بقضاء الحاجة وقلوبهم مشغوفة بهممهم غير غافلة عن مهماتهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلو درجته لا يمنعه أمر هذا العالم عن حضور القلب مع الله تعالى، فكان ينزل عليه الوحي وهو في فراش امرأته،ومتى سلم مثل هذا المنصب لغيره فلا يبعد أن يغير السواقي ما لا يغير البحر الخضم، فلا ينبغي أن يقاس عليه غيره. وأما عيسى صلى الله عيه وسلم فإنه أخذ بالحزم لا بالقوة، واحتاط لنفسه، ولعل حالته كانت حالة يؤثر فيها الاشتغال بالأهل، أو يتعذر معها طلب الحلال، أو لا يتيسر فيها الجمع بين النكاح والتخلي للعبادة فآثر التخلي للعبادة، وهم أعلم بأسرار أحوالهم وأحكام أعصارهم في طيب المكاسب وأخلاق النساء، وما على الناكح من غوائل النكاح وما له فيه، ومهما كانت الأحوال منقسمة حتى يكون النكاح في بعضها أفضل وتركه في بعضها أفضل، فحقنا أن ننزل أفعال الأنبياء على الأفضل في كل حال والله أعلم.
 
[[Category:إحياء علوم الدين]]