الفرق بين المراجعتين ل"المنصف للسارق والمسروق منه"

لا يوجد ملخص تحرير
ط (إضافة تصنيف:شعر (باستخدام المصناف الفوري))
وسم: تعديل مصدر 2017
 
فهي كماويَّةٍ مطوّقةٍ ... جُرّد عنها غَشاؤها الأدمُ
'''هذا مولد من قول بعض الأعراب:'''
 
'''كأنّ هُلاله مرآة قَين لَها ... شطرُ يلوحُ مِن الغلافِ'''
 
'''وهذا من استخراج معنى من معنى أحتذي عليه، وإن فارق ما قصد به إليه، شبه أبو الطيب البحيرة بالمرآة، والروض بغشاء الأديم، وشبه هذا الهلال الذي هو دون كمال ببعض امرأة تبدت من غلافها، وكلاهما تشبيه حسن.'''
 
'''وقال المتنبي:'''
 
'''أبا الحسين أستمعْ، فمَدحكمُ ... في الفعلِ قَبْل الكلامِ مُنْتظِمُ'''
 
'''هذا من قول ابن الرومي:'''
 
'''لو سكتَ المادحونَ لأجتلب ... المدحُ له نفسه ولا انْتظما'''
 
'''وهذا يدخل في قسم المساواة.'''
 
'''وقال المتنبي:'''
 
'''أعِيذكُم من صُروفِ دَهْركُم ... فإِنَّه في الكِرامِ مُتَّهَمُ'''
 
'''قال ابن أبي فنن:'''
 
'''أودى الزمان بإِخواني ومزّقهم ... إِنَّ الزمانَ على الإِخوانِ مُتّهمُ'''
 
'''وقال الحصني:'''
 
'''ما زلتُ قيه لريب الدهر متهماً ... إِنَّ الزمانَ على الأحرارِ مُتهَمُ'''
 
'''وبيت الحصني أملح الأبيات لأنه قد ردّ أعجاز الكلام على صدوره'''
 
'''''(1/477)'''''
 
'''والأحرار أرجح من الإخوان) والكرام أرجح منهما (فهو أرجح كلام منهما وأولى بما سبق إليه.'''
 
'''يليها قصيدة أوّلها:'''
 
'''دمع جرى فقضى في الرّبع ما وجبا ... لأهله وشفى أنّاً ولا كربا'''
 
'''سرق هذا البيت من الوائلي وكانت معاملته متصلة في أخذ معانيه وذلك قوله:'''
 
'''سأشكر الدمع إنّ الربع كان له ... حقٌّ فقام له عند نَواجيه'''
 
'''وقال المتنبي:'''
 
'''عجباً فأذهبَ ما أبقى الفراقُ لنا ... من العُقُول وما ردَّ الَّذي ذَهَبا'''
 
'''ما طلب الباقي لم يردّ الماضي، وفي هذا الشعر شبيه بما أنشد فيه أبي رحمه الله قال: أنشدنا أبو الحسن جحطة وهو:'''
 
'''يا كبدُ أفنى الهوى جَلهاً ... مِنهُ بالذاعِ وإحراقِ'''
 
'''''(1/478)'''''
 
'''حتّى إِذا أنفسها ساعة ... كَرتْ يدُ البينِ على الباقيِ'''
 
'''وكأن البين أخذ ما بقي فيها يقارب المعنى والكلام أعذب من الكلام وإن كان أبو الطيب قد اختصر وجاء ببيتين في بيت واحد فنحن نجعل عذوبة اللفظ بازاء الاختصار والسابق أولى به وقال المتنبي:'''
 
'''سَقيتُه عبراتٍ ظَنّها مطراً ... سَوائلاً من جُفُونٍ ظَنَّها سُحُبا'''
 
'''الربع لا ظن له ولا يقين استعارة والمعنى من قول أبي تمام:'''
 
'''مطرٌ من العبرات خَدِّي أَرضُهُ ... حتَّى الصَّباحِ ومقلتاي سَماؤُه'''
 
'''فذكر الدموع وموقعها، وأين تقع، فَوَفّى الكلام أقسامه، ولم يذكر أبو الطيب إلا العبرات والجفون الذي يدل على المورد ولم يذكر المصدر وهذا ذكر المورد والمصدر فرجح وزاد في المعنى ما هو من تمامه.'''
 
'''وقال المتنبي:'''
 
'''ناءيتُه فَدنى، أدْنيتُه فَنأى ... جَمَّشتُهُ فَنبا، قَبلته فأبَى'''
 
'''قوله:) قبلته فأبى (إنما كان يجب أن يقول أردت تقبيله فأبى فيشتق وقوع الفعل للإباء، ولو قال قائل وقع يريد الضرب فأمتنع لم يكن كلام له حقيقة إنما الكلام أريد ضربه فأمتنع ولكنه على المجاز والتسامح يجوز وقد قال ابن بسام:'''
 
'''''(1/479)'''''
 
'''فأشربُ على الوردِ مِنْ وَرديةٍ عَب ... قتْ كأنّها خَدُ ريمٍ ريْمَ فأمتنعا'''
 
'''فقد أجتمع في هذا البيت مجانسة مليحة وألفاظ صحيحة فهو أرجح كلاماً من كلامه.'''
 
'''وقال المتنبي:'''
 
'''هامَ الفؤادُ بأعرابيةٍ سكنتْ ... بيتاً من القلبِ لمْ تحدد لهُ طُنُبا'''
 
'''أما معنى: سكنت بيتاً من القلب فكثير، من ذلك قول أبي تمام:'''
 
'''متى أنتَ عن ذُهْلِيّةِ الحَيِّ ذاهِلُ ... وصَدْركَ مِنْها مُدَّة الدَّهْرِ آهِلُ'''
 
'''فخبر عن سناها صدره وقال الآخر:'''
 
'''شطَتْ منازلُ مَنْ في القلبِ منازله ... وحلّ في كبدي ما لشيب أحْمِلهْ'''
 
'''ظَبيٌ تسبّب لي هجراً بلا سببٍ ... قَدْ حرم الله ما مني يحلَلهْ'''
 
'''هذا هو المستعمل فأما بيت من) في (القلب بلا طنب فغير مفيد.'''
 
'''وقال المتنبي:'''
 
'''مظلومةُ القدّ في تَشبيهه غُصناً ... مظلومةُ الرّيق في تَشبيههِ ضَرَبا'''
 
'''مظلومة لفظة مليحة، وقد قلت أنا في معناها:'''
 
'''تجاوزَ الإِسرافَ في ظْلمهِ ... حتى لقدْ هَمَّ بإِسْرافهِ'''
 
'''''(1/480)'''''
 
'''فثغرهُ مظلومٌ مِسواكهِ ... وَخصره مظلومٌ أردافهِ'''
 
'''مِنْ ظْلمه جار على نَفْسِه ... كيف أرجِّي حُسْنَ إِنصافهِ'''
 
'''وقد قال ابن الجهم:'''
 
'''إِذا نَحْنُ شبَّهناك بالبدر طالعاً ... بَخسناكَ حظّاً أنت أبهى وأجْملُ'''
 
'''ونظلمُ إنْ قسناك بالليثِ مرّةً ... فإِنّكَ أحمى للحريمِ وأبْسَلُ'''
 
'''وقال آخلا:'''
 
'''قالت ظلوم وما جارتْ ولا ظلمت ... إنّ الذي قاسني بالبدر قد ظلما'''
 
'''وهذا البيت فيه من أسمها وفعلها مجانسة مليحة أو قد حشا البيت حشواً حسناً من قوله:) ما جارت ولا ظلمت (وهذا من الحشو السديد في المعنى المفيد وشاعره أحق به.'''
 
'''وقال المتنبي:'''
 
'''بيضاءَ تُطمعُ فيما تحت حُلَّتِها ... وعزَّ ذلك مطلوباً إِذا طَلبا'''
 
'''هذا يشبه قول القائل:'''
 
'''سألتكَ حاجة فَأَجَبْتَ عنها ... بأسرع ما يكون من الجوابِ'''
 
'''فلما رمتها رمت الثريا ... وأبعدُ ما يكون من السحابِ'''
 
'''وهذا المعنى غير أن المتنبي قد جاء باللفظ الطويل في الموجز القليل'''
 
'''''(1/481)'''''
 
'''فهو أحق به ويشبه هذا أيضاً.'''
 
'''تحسبن من لين الحديث ذوائباً ... ويصدهن عن الخنا الإِسلام'''
 
'''وهذا البيت يدخل في قسم التساوي.'''
 
'''وقال المتنبي:'''
 
'''كأنّها الشّمسُ يُعيي كفَّ قابضِهِ ... شُعاعُها، ويراه الطَّرف مُقْتربا'''
 
'''هذا مأخوذ من جماعة منهم ابن أبي عيينة قال:'''
 
'''فقلتُ لأصحابي هي الشمس ضَوؤها ... قريبٌ ولكن في تناولها بُعْدُ'''
 
'''وقال آخر:'''
 
'''فأضحت مكان الشمس يقرب ضوؤها ... ويا بعدها عن ملمس المتناول'''
 
'''وقال المتنبي:'''
 
'''هي الشُمس يغشاني سُناها وَضوؤها ... ويعجز لمسي حين يطلبُها لمسي'''
 
'''''(1/482)'''''
 
'''وقال البحتري:'''
 
'''دانٍ على أيدي العُفاةِ وشاسعٌ ... عن كل ندٍّ في الورى وضريب'''
 
'''كالبدر أفرط في العلوّ وضوؤُه ... للعُصبة السارينِ جدُّ قريبُ'''
 
'''وأعاد المعنى فقال:'''
 
'''دنوت تواضعاً، وبعدت قَدْراً ... فشأناك: أنحدار وأرتفاعُ'''
 
'''فذاك الشمس تُبعدُ أن تُسامى ... ويدنو الضوء مِنْها والشُّعاعُ'''
 
'''وجميع هؤلاء في المعنى أشعر منه لأن جميعهم جعل القرب للضوء والشعاع والبعد للجرم يقرب ضوؤها ويبعد لمسها والضوء عرض والشمس جرم لا يقع إلا على الأجسام، وأبو الطيب تعجب من عجز القابض شعاعها، ومن توهم أن الشعاع مما يمكن قبضه فهو مختل وهذا من رجحان كلام المسروق منه على كلام من أخذ عنه.'''
 
'''وقال المتنبي:'''
 
'''مَرّتْ بنا بين تربيها فقلت لها ... من أين جَانَسَ هذا الشَّادِنُ العَربَا'''
 
'''سؤاله لها: من أين جانس هذا الغزال العرب يشبه قول الحسين العرجي:'''
 
'''بالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاي مِنْكنَّ؟ أمْ ليلى من البَشرِ'''
 
'''''(1/483)'''''
 
'''ثم أتبع أبو الطيب بقوله:'''
 
'''فاستضحكت ثم قالت كالمغيث يرى ... ليث الشَّرى وهو من عجلٍ إِذا انتسبا'''
 
'''هذا من الخروج المليح إلى ما أراد من المديح ولا تعرفه الأعراب إنما قولها دع ذا وامدح فلاناً وقد تقدم أمثلته من أشعار المحدثين يساوي هذا.'''
 
'''وقال المتنبي:'''
 
'''لو حلَّ خاطرهُ في مقعدٍ لمشى ... أو جاهلٍ لصحا أو أخْرسٍ خطبا'''
 
'''أما صدره فينظر إلى قول القائل:'''
 
'''ومقعدُ قومٍ قد مشى من شرابنا ... وأعمى سقيناه مليّاً فأبصرا'''
 
'''فقوله:) أو جاهل لصحا (كان ينبغي أن يقول أو سكران لصحا أو جاهل لعقل فأما قوله:) أو أخرس خطبا (فكلام بليغ لأنه لو قال: أو أخرس نطق كان جيداً فأما خطب فنهاية لأنه ليس كل ناطق خطيباً وهذا المعنى موجود في قول ابن الرومي:'''
 
'''دعا الناس حتى أسمع الصمَّ لفظه ... وأنْطق حتى قال فيه الأَخارسُ'''
 
'''وهذا البيت قد شتت شمله من فرق جمعه على بيتين أحدهما المتقدم، وهو:) لو حل خاطره في مقعد لمشى ('''
 
'''''(1/484)'''''
 
'''والثاني بيت له آخر آخره) وأسمعت كلماتي من به صمم (فصار مقسم الجملة وإن كان لأبي الطيب بالخطابة زيادة يستحق بها المعنى.'''
 
'''وقال المتنبي:'''
 
'''إِذا بدا حجبت عينيك هيبته ... وليس يحجبه ستر إِذا احتجبا'''
 
'''ذكر أنه يحجب العيون عن رؤيته بالهيبة ولا يحجبه الحجاب لنور وجهه وقد قال مسلم:'''
 
'''حجبُ العيون فما يكادُ يبينه ... مِنْ وجههِ الإِهلال والتكبيرُ'''
 
'''فما زاد عن ذكر الهيبة، ولأبي الطيب رجحان يذكر معنى النور، وقد ولد هذا البحتري فقال: فأراني دونه الحجاب فما تستر عنهم آلاءه حجبه فالبحتري يقول: إنه محتجب غير محتجب الآلاء، وذكر أبو الطيب أنّه محجوب بالهيبة غير محجوب لنور وجهه فهذا من استخراج معنى من معنى أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه وقال المتنبي:'''
 
'''بياضُ وجٍ يريكَ الشمس كالحةً ... ودرُّ لفظٍ يريك الدُّرَّ مخْشَلبا'''
 
'''''(1/485)'''''
 
'''جعل أبو الطيب كلام العامة لغة وأصلاً يبني عليه ويستند إليه أي عربي عرف المخشلب قط وفي أي شعر ورد الفصيح أو مولد حتى يجيز له.'''
 
'''وقال المتنبي:'''
 
'''عُمْرُ العدوّ إِذا لاقاهُ في رهجٍ ... أقلُّ من عُمْرِ ما يحوي إِذا وهَبَا'''
 
'''هذا بيت كثير الحشو لأنه إذا ذكر اللقاء فقد وجب أن يقل عمره إذا لاقى الممدوح وكان في رهج أو ضده، وجعل عمر ماله قليلاً بشرط وهو أن يهب وكان إمساكه عن أن يقول إذا وهب أعمّ وأتمّ لأنه يدل على بقاء ما يحويه كل زمان وعلى ضيّة في كل أوان إلا في الحين الذي يسخ له أن يهبه فهذا حشو غير مفيد ولا معنى سديد، والمعنى موجود في قول الوائلي:'''
 
'''إِنْ سمته كفر نعمى لا بقيتُ إِذاً ... إِلاّ بقاءَ لُهاهُ أو مُحَاربه'''
 
'''''(1/486)'''''
 
'''اللهم لا يكون إلا من مال فكأنّه قال: إلاّ بقاء ماله أو محاربه. فقد جمع المعنيين في عجز بيته فصار بالاختصار أولى بما قال.'''
 
'''وقال المتنبي:'''
 
'''تَوقَّه فمتى ما شئت تبلوَهُ ... فكُنْ مُعَاديهُ أو كُنْ لَهُ نَشَبا'''
 
'''هذا تكرير لمعنى الوائلي وفيه إلمام بقول مسلم:'''
 
'''تَظّلمَ المالُ والأعداءُ من يدهِ ... لا زالَ للمالِ والأعداءِ ظلاّما'''
 
'''وقال أبو نواس:'''
 
'''ليتَ من كان عَدُوي ... كانَ لإِْبراهيمٍ مالا'''
 
'''هذا المعنى يقارب قول مسلم غير أن في بيت أبي نواس ضعفاً في نظامه وركاكة في كلامه، وبيت أبي الطيب أجزل وأفصح وأوفى وأرجح.'''
 
'''وقال المتنبي:'''
 
'''تَحْلو مذاقتُهُ حتى إِذا غَضَبا ... حالتْ فلو قطرتْ في الماءِ ما شَرِبا'''
 
'''جعل المذاقة تقطر وهي من عذوبة ألفاظه وهذا من الاستعارات وهو يشبه القائل:'''
 
'''''(1/487)'''''
 
'''لو أنْ ما تبتلني الحادثاتُ به ... يصبُّ في الماءِ لم يشرب من الكَدرِ'''
 
'''وقال ابن الرومي:'''
 
'''حلا لشفاه الذائقين وأنَّهُ ... على لَهواتِ الآكلين لَعلْقَمُ'''
 
'''وقال المتنبي:'''
 
'''وتغبطُ الأرضَ منها حيثُ حلَّ به ... وتحسدْ الخَيْلُ منها أيَّها رَكِبا'''
 
'''عجزه عن قول علي بن الجهم:'''
 
'''وتَطْربُ الخيلُ إِذا ما علا ... مُتونَها، فالخيلُ تَسْتبشرُ'''
 
'''ونظر صدره إلى قول أبي تمام:'''
 
'''مَضى طاهرُ الأثوابِ لم تَبْق روضةٌ ... غداة ثَوى إِلاّ اشْتَهت أنّها قَبْرُ'''
 
'''غير أن أبا الطيب اختصر في بيت ما ورد في بيتين فهو بالاختصار أولى، وقال ابن دريد:'''
 
'''ومَنْ له تَخْشع الملوك ومَنْ ... تزهى به الخيلُ حين يركبُها'''
 
'''وقال المتنبي:'''
 
'''وكُلمّا لقي الدِّينارُ صاحِبُه ... في مِلْكه افْترقا من قبل يَصْطحبا'''
 
'''هذا يدل على أن الممدوح لا يجتمع عنده مال يجود به حمله إنما يفرق ديناراً دينارا وإنما يفرق'''
 
'''''(1/488)'''''
 
'''ديناراً دينارا لأن الدينار يفارق صاحبه قبل الصحبة، والعجيب أنه خبر بلقاء الدينار للدينار وسماه صاحباً له، واعلم بافتراق بتقدم الصحبة، وكيف يسمى صاحباً من لم يصحب وكيف يجتمع اللقاء والفراق في حال واحدة، وأصح من هذا قول مسلم:'''
 
'''تأتي البُدور فتُقنيها ضائِعُه ... وما يُدنّسُ منها كَفُّ مُنْتقِد'''
 
'''لا يعرف المال إِلا عند ناقله ... ويوم يجمعه للنِّهْبِ والبرد'''
 
'''وواهب البدور المجتمعة أجود من واهب الدينار بعد الدينار وقد دلّ بقوله:) لا يدنس منها كف منتقد (، لأنه إنما يأمر بنقدها ليخبرها وهي عند مجيئها توهب فلا معنى لنقده وزاد) بأنه (بقوله: -) لا يعرف المال إِلا عند ناقله (.'''
 
'''وذكر أنه يجمعه ليبدده فذهب إلى معنى قول ابن الجهم:'''
 
'''ولا يجمعُ الأموالَ إِلاّ لبذْلِها ... كما لا يُساق الهَدْيُ إِلاّ إلى النحر'''
 
'''وقال النضر بن جؤيه:'''
 
'''قالتْ طريفةُ ما تبقى دَرَاهِمُنَا ... وما بنا سَرفٌ فيها ولا خُرُقُ'''
 
'''إِنّا إِذا اجتمعتْ يوماً دَراهُمنا ... ظلّت إلى طُرقِ المعروفِ تَسْتَبِقُ'''
 
'''فذكر اجتماعاً يقع بعده تفريق وذكر أنها تستبق إلى طرق المعروف فاحتاط لأنها قد تنصرف في تبذير وشهرة محرمة ولم يحتط أبو الطيب فكلام ابن جؤية أرجح فإن قال قائل قد قال بعد هذا:'''
 
'''''(1/489)'''''
 
'''ما يسكنُ الدرهمُ المنقوش صُرَّتنا ... إلا يمرُّ عليها ثُمّ ينطلقُ'''
 
'''قيل له قد خبر عن الدرهم أنه قد يسكن صرته فقد قارب معنى أبي الطيب لأنه يريد الجنس لقول العرب قل الدينار والدرهم في أيدي الناس فيكتفي بالواحد الدليل على جنسه من الجمع فهذا مراده، فإن قال قائل: كيف يكثر عندهم ما ليس في صرّتهم، قيل لهم جمع المال في الصرار يصلح للاقتناء وإنما يريد أن المال إذا جاءهم فرّقوه لوقته قبل ذلك.'''
 
'''وقال المتنبي:'''
 
'''مالٌ كأنَّ غُرابُ البينِ يَرقُبهُ ... فكلّما قيلَ هذا مُجتدٍ تَعبا'''
 
'''قال بعض النحويين المحققين بتفسير كلام أبي الطيب: إن معنى هذا البيت أن غراب البين متصل الصياح كاتصال عطاء هذا الممدوح وليس النحو من صناعة الشعر، وإنما يقع على معاني الشعر فطن الذهناء وتستخرجه قرائح العقلاء كما قلت أنا في بعض النحويين:'''
 
'''عليك بالنحو لا تعْرضْ لصنْعِتنا ... فإِنَّ شِعْركَ عِنْدي أشْهَرُ الشُّهرِ'''
 
'''لوْ كان بالنّحو قولُ الشَّعرُ مكتسباً ... كانَ الخليلُ به أحْظى من البشرِ'''
 
'''وإنما أراد أبو الطيب: أنّ غراب البين إنما ينعب لفراق، فإذا رأى الغراب'''
 
'''''(1/490)'''''
 
'''مجتدياً علم أنّ أبياته سبب لفراق المال فنعب لذلك، وليس ما ذهب إليه النحوي بشيء.'''
 
'''وقال المتنبي:'''
 
'''هَزّ اللّواءَ بَنُو عجلٍ به فَغَدا ... رأساً لهمْ وغدا كلٌّ لهُمْ ذَنبا'''
 
'''هذا من قول الحطيئة:'''
 
'''قومٌ هم الأنفُ والأذنابُ غيرهُمُ ... فَمِنْ يساوي بأنفِ الناقةِ الذَّنبَا'''
 
'''قال أبو دلف:'''
 
'''لا تحسبيني ذَنباً لِمَنْ غلب ... نَحنُ رؤوس الناسِ والناسُ ذَنْبُ'''
 
'''وقال ابن الرومي:'''
 
'''قومٌ هم الرأس إذ حسّادهم ذنبٌ ... ومن يُمثّلُ بين الرأْس والذنب'''
 
'''وكل هذه المعاني متساوية.'''
 
'''وقال المتنبي:'''
 
'''مُبرقعي خَيلهم بالبيضْ مُتّخذي ... هامِ الكُماةِ على أرماحِهم عَذَبا'''
 
'''يشبه قول أبي تمام:'''
 
'''مِنْ كلّ ذي لِمّةٍ غَطَّتْ ضفائرُها ... صَدر القناةِ فقد كادت تُرى عَلما'''
 
'''فشبه الضفائر المنشدة بالعلم وأحتاط بأن قال: كادت وأما إلهام نفسها فلا تشبه العذب'''
[[Category:75%]]
[[Category:شعر]]