الفرق بين المراجعتين ل"المنصف للسارق والمسروق منه"

تتمة المنصف للسارق والمسروق منه
وسم: تعديل مصدر 2017
(تتمة المنصف للسارق والمسروق منه)
وسم: تعديل مصدر 2017
 
 
'''فشبه الضفائر المنشدة بالعلم وأحتاط بأن قال: كادت وأما إلهام نفسها فلا تشبه العذب'''
وقال ابن الرومي:
 
تطيرُ عليه لحيةٌ منه أصبحتْ ... لهُ رايةٌ يهدى بها الجيْش مطْردُ
 
فالضفائر واللحى أشبه بالأعلام والمطارد من إلهام.
 
وقال ابن المعتز:
 
ويجعلُ هامات أعدائِهِ ... قلانس يُلبسهُنَّ الرِماحا
 
وما في تشبيهه بعد وجميع هذه التشبيهات أصح وأرجح من تشبيهه وهم بالمعنى أحقّ.
 
وقال المتنبي:
 
مراتبُ صعدتْ والفكرُ يتبعُها ... فجازَ وهو على آثارها الشُّهبا
 
يقرب منه ابن الرومي:
 
وسمت هِمّتي فجاوزت العُي ... وق بعداً، وجازت العيّوقا
 
ويقرب منه قول البصير:
 
سَما بالأمير الفتح بيت مُشيد ... له فَوق أفلاك النجوم مَراتِبُ
 
(1/492)
 
 
وقال المتنبي:
 
محامدٌ نزفت شعري ليملأها ... فآل ما امتلأت مِنهُ ولا نضبَا
 
هذا يقرب منه وينظر إليه قول أبي تمام:
 
فلو كان يفنى الشّعر أفناه ما قرتْ ... حياضُكَ مِنهُ في العُصُور والذواهبِ
 
ولكنَّه صوب العُقول إذا انجلت ... سَحائبُ منهُ أعقبتْ بِسحائبِ
 
وقال ابن الرومي:
 
أصبحتَ بحر سماحٍ غير منتزفٍ ... لاقاه بحرُ ثناءٍ غير منترفِ
 
وما عبر عنه بأن نزف فقد نضب أو قارب النضوب، فهي عبارة رديئة.
 
وقال المتنبي:
 
مكارمٌ لك فُتّ العالمين بها ... مَنْ يستطيعُ لأمرٍ فائتٍ طلبا
 
ينظر إلى قول البحتري:
 
أيها المُبتغي مساجلةَ) الفت ... ح (تَبغيتَ نيلَ ما لا ينَال
 
(1/493)
 
 
وقال المتنبي:
 
بِكل أشعث يلقى الموتَ مُبْتَسماً ... حتّى كأنَّ لهُ في قتله أربا
 
هذا مثل قول أبي تمام:
 
يَستعذبونَ مناياهُم كأنَّهم ... لا ييأسونَ من الدُّنيا إذا قُتِلوُا
 
وقال الوائلي:
 
تأتي الوغى عجلاً كأنَّك تبتغي ... طُولَ البقاءِ من الفناء الأَعجل
 
فبيت أبي تمام وبيت المتنبي يدخلان في قسم التساوي، فأما قول الوائلي فذكر أنه يأتي الوغى كأن له طيب بشيء وأعذبه عنده من البقاء الفناء الأعجل فكلامه أرجح فهو أولى بما أخذ منه.
 
يليها قصيدة أولها:
 
فُؤادٌ ما تسليّه المُدامُ ... وعمرٌ مثلُ ما تهبُ اللئامُ
 
عجز هذا البيت من قول البحتري:
 
أرى غفلة الأيام إعطاءَ مانعٍ ... يصيبك أحياناً، وحلْمَ سَفيه
 
) فإعطاء مانع، مثل قوله: ما تهب اللئام، وقد قال جحظة:
 
يا ذل عرسة لنا بطعامٍ ... وشرابِ نزر كنيل البخيل
 
(1/494)
 
 
والبحتري أحق بالمعنى بزيادته تشبيهاً فقد زاد في كلامه ما هو من تمامه بقوله:) حلم سفيه (فصار أحق بقوله.
 
وقال المتنبي:
 
ودهرٌ ناسهُ ناسٌ صِغارٌ ... وإن كانت لهم جُثثٌ ضِخَامُ
 
قال الحصني:
 
إذا اعترضوا فأجسامٌ ضِخام ... وإن عجموا فأخلاقٌ صِغارُ
 
ولا فرق بينهما في مبنى ولا معنى فالأول أحق بقوله.
 
وقال المتنبي:
 
وما أنا منهم بالعيش فيهم ... ولكن مَعدنُ الذَّهبِ الرَّغامُ
 
أخذه من قول علي بن بسام:
 
إذا ما المرء كانَ له خصالٌ ... تزينه وترقعُ منه عرضه
 
فَليس يصبر إن لم يعتقله ... فيزرعُ من ذوي الأحساب عضه
 
فأصل المعدنِ المطلوب صَخرٌ ... وفيه عروقه ذهبٌ وفضه
 
فالذهب معدنه الصخر لا التراب فقول علي بن محمد بن بسام أصح ولكن قول أبي الطيب أخصر.
 
وقال المتنبي:
 
ُأرانبُ غير أنهمُ ملوكٌ ... مفتحةٌ عيونهُمُ نِيامُ
 
هذا معنى فتحه أبو تمام بقوله:
 
انقطعت هاجعهُمْ وهل يغنيهُمُ ... سهرُ النواظِرِ والعيونُ نِيامُ
 
(1/495)
 
 
ويشبه قول القائل:
 
وخبرني البوابُ أنّك نائمٌ ... ولكن إذا استيقظت أيضاً فنائِمُ
 
وقال المتنبي:
 
خليلكَ أنتَ، لا من قلت خِلّي ... وإن كثر التجملُ والكلامُ
 
يقرب من قول القراطيسي:
 
وما أحد يكون أشد نُصحاً ... علمت مكانه مني لنفسي
 
وكلام المتنبي فيه شرح واضح ولفظ راجح فهو أولى بما أخذ.
 
وقال المتنبي:
 
ولو حِيز الحِفاظُ بغيرِ عقل ... تجنب عُنقَ صيقلِهِ الحُسامُ
 
يقول أبو الطيب: لو كان السيف بغير عقل له حفاظ لوجب أن يتوقى عنق صيقله لأنه هو الذي أرهفه وصيّره قاطعاً ولوجب أن يحفظ الصقل عنايته لجماله وتزينيه ولكنه لا يحفظ ذلك لكونه غير عاقل وإنما جعله تشبيهاً للإنسان الذي هو غير عاقل وقد أشار له إلى هذا المعنى ابن الرومي فقال:
 
قد يميط القذى عَنْه ويعض ... منا وليس في السيفِ عفو من صياقله
 
(1/496)
 
 
وقال المتنبي:
 
وشبهُ الشيء منجذب إليه ... وأشبُهنا بدنيانا الطَّغامُ
 
هذا يقرب من قول القائل:
 
دنيا تحيدُ عن الكرام وتنثني ... نحو اللئيم الساقط الوغَد
 
إن ساعدته فإِنّها أهل لهُ ... والقردُ مسلوك مع القرد
 
فكلام المتنبي جزل وهذا الكلام رذل فهو أحق بالبيت.
 
وقال المتنبي:
 
ولو لمْ يَعل إلا ذو مَحلٍّ ... تعالى الجَيشُ وانَحطّ القَتَامُ
 
هذا المعنى لم يبلغني من أين أخذه ولكن فتحه له ابن الرومي بقوله:
 
يا زماناً أحكامَهُ ... فَسروج الخيلِ تَعلوُها اللُّبودُ
 
وقد أكثر ابن الرومي في ارتفاع الوضيع وانحطاط الرفيع فمنه قوله:
 
دهرٌ علا قدرُ الوضيع بِه ... وغَدا الشريفُ يحطه شرفُهْ
 
كالبحر يرسبُ فيه لؤلؤه ... سِفلاً، ويعلو فوقه جِيفُه
 
وقال أيضاً:
 
طارَ قومٌ بخفَّة الوزنِ حتّى ... لحقوا رفعةً بقاب العقابِ
 
(1/497)
 
 
ورسا الراجحونَ من جلّة النا ... سِ رُسُوّ الجبال ذات الهضابِ
 
لا وما ذاك للئام بفخرٍ ... لا، ولا ذاك للكرامِ بعابِ
 
هكذا الصخر راجح الوزن راسٍ ... وكذا الذُّر شائل الوزن هاب
 
جيف أنتنت فأضحت على الل ... جة والدر تحتها في حجاب
 
وغثاء علا عباباً من اليمّ ... وغاص المرجانِ تحت العبابِ
 
وجميع هذا من قول بعض العربيات:
 
قل للذي بصروف الدّهر غيرنا ... ما عاند الدهر إلاّ من له خَطَرُ
 
إنْ كان قدْ نشبت أيدي الزمان ... بنا ومسنا من تناهي صَفوه كدرُ
 
فقد نرى البحر تعلو فوقه جيفٌ ... ويستقر بأقصى قعره الدررُ
 
وفي السماء نجوم ما لها عددٌ ... وليس يكسفُ إلاّ الشمس والقمرُ
 
وبيت أبي الطيب من قسم ما احتذى عليه وإن فارق ما قصد به إليه.
 
وقال المتنبي:
 
إذا كانَ الشّباب السكر والشَّي ... بُ هُمّاً، فالحياةُ هي الحِمامُ
 
(1/498)
 
 
هذا بيت بني على صيغة بيت البحتري:
 
أبْرحَ العيشُ فالمشيبُ قذى في ... أعيُنِ البيض، والشَّبابُ جَمَالُ
 
وهو يساويه والبحتري بالتقدم أولى وأحق.
 
وقال المتنبي:
 
بأرض ما اشتهيتُ رأيتُ فيها ... فَليسَ يَفوتها للإّكِرَامُ
 
يقرب من قول فضيل الأعرج:
 
دُور تحاكي الجنان حُسناً ... لكن سُكانها خِساسُ
 
متى أرى الجيد ساكنيها ... وفي دهاليزها التِراس
 
وكلام أبي الطيب أجزل.
 
وقال المتنبي:
 
بِها الجبلان من فخرٍ وصخرٍ ... أنافا: ذا المغيث، وذا اللهام
 
هذا من الخروج المليح إلى ما أراد من المديح ولولا ما تبع هذا البيت كان قد هجا الممدوح لما قدم في البيت الأول الذي قبله من عوز الكرام بهذه الأرض ولكنه أحتاط في مدحه بقوله:
 
وليستْ من مواطنِهِ ولكن ... يَمُّر بها كما مَر الغمام
 
(1/499)
 
 
أخذه من أبي تمام في قوله:
 
إن حنَّ نجدٌ وأهلوه إليك فقد ... مررتَ فيه مرور العارضِ الهطل
 
فقد زاد أبو تمام في كلامه ما هو من تمامه لأن الغمام قد يمكن أن تزيد سرعته في المضي وهذا مرور العارض الهطل يريد أنه إحياء من مرّ به بجوده الكثير فهو أرجح وأحق به.
 
وقال المتنبي:
 
سَقى الله ابن مُنجيةٍ سَقاني ... بِدَرٍّ ما لراضعه فِطامُ
 
هذا من قول ابن الرومي:
 
وقالوا ما فَواصِلهُ فقلنا ... عطاء ما لراضعه فِطَامُ
 
فهذا يقارب اللفظ المدعى هو معناه معاً، فهو أقبح أقسام السرقات.
 
وقال المتنبي:
 
تَلَذُّ لهُ المروءةُ وهي تُؤذي ... ومَنْ يعشقُ يَلذّ لَهُ الغَرامُ
 
وأتبعه:
 
تعلّقها هَوى قَيسٍ لليلى ... وواصلها فليس به سقامُ
 
وهذا كلام مستوفي الأقسام مليح النظام أخبرنا بالتذاذه بالمروءة التي يثقل حملها على الناس وشبه ذلك بالتذاذ العاشق الغرام وذكر أن تعلقه لها قيس لليلى وهي في نهاية التعلق بها وذكر أنّ مواصلته لها تؤمنه السقام الذي يقع من المقاطعة. وقد قال ابن الرومي:
 
عشق العلا وعشقتهُ فكأنَّما ... وافى هوى لبنى هوى ابن ذَريح
 
(1/500)
 
 
وقال ابن الرومي أيضاً:
 
أتحجبُ عنّي عشرة قد ومقتها ... فشوقي إليها شَوق قيس إلى ليلى
 
فالتشبيه كالتشبيه ولكنه زاد بقوله وواصلها فليس له سقام زيادة استحق بها المعنى.
 
وقال الخليع الحراني.
 
ما زال يوعدك التعشق لِلعُلى ... والمجد منية عروة بن حزام
 
هَب ذاك أغرمهُ الفراق فأنت لم ... أو المجد خدنك كنت خدن غرام
 
معنى هذا الكلام أن العشق إذا كان غراماً كان سقاماً إنما يحدث عن مقاطعة ويقول له فأنت مواصل فمن أين أتاك الغرام، وبالجملة فكلام المتنبي أرجح من جميع هذا كله وهو أحق بما) أخذ (.
 
وقال المتنبي:
 
يَروعُ ركانة، ويذوبُ ظرفاً ... فما تَدري: أشيخٌ أن غُلامُ؟
 
هذا يحسن أن يقال: لو كان كل شيخ ركيناً وكل غلام ظريفاً وإلا احتاج إلى أن يستظهر نبغت فيقول ما يدري أشيخ ركين أم غلام ظريف وقد أتى بهذا المعنى أبو تمام فقال:
 
غلامٌ حوى في أريحه دَهره ... ذكاءُ الفتى الزاكي وأبهةُ الكهل
 
فاحتاط على الفتى الزاكي ولم يحتط في الكهل، وقال ابن الرومي:
 
هو كهل الكهول حزماً وعزماً ... وهو ظرفاً يدعي فتى الفتيان
 
فاحتاط في الأمرين جميعاً بأن جعله كهل الكهول وفتى الفتيان وشرح
 
(1/501)
 
 
ولم يدع بقية قوله:
 
فتى ... إذا شِئت لا جهلاً ولا سفهاً كهلاً إذا شئت لا شيباً ولا جلحا
 
فتاهُ شرخ شبابي وكهله ... حلم، إذا شالَ حلم ناقص رجحا
 
وقال آخر:
 
وفتيانيهُ الظرفاءِ فيه ... وأبَّهة الكبير بغيرِ كبر
 
وجميع معانيهم أو في من معنى المتنبي، وفي البيت الأخير من لفظ الكبير والكبر مجانسة وزيادة من قول قائله هي من تمامه، وقد قال ابن الرومي:
 
نهتُ جَهلي نها وشيبتني ... لهاه فها أنا الشيخ الغلامُ
 
وقال المتنبي:
 
وقبضُ نوالِهِ شرفٌ وعزٌّ ... وقبضُ نوالِ بعض القومِ ذَامُ
 
أخذه من قول أبي خالد المهلبي:
 
شرفٌ للشريف مِنكَ نوالٌ ... رُبّ نيلٍ تعافهُ الأحرارُ
 
المعنى متساو ولأبي خالد زيادة في قوله:) للشريف (لأنه أبلغ في المدح لأنه قد يأخذ نواله وضيع فلا ينقصه أخذ ما أخذ، وقد أتى بهذا المعنى أبو تمام فقال:
 
تُدعى عطاياهُ وفراً وهي إن شُهرتْ ... كانت فخاراً لمن يعفوُهُ مؤتنقا
 
(1/502)
 
 
ما زلتُ منتظراً أعجوبةً عنفاً ... حتى رأيتُ نوالاً يقتضي شرفاً
 
فالبيتان مشتملان على معنى واحد من أنّ نواله شرف ولم يخبرنا عن نوال غيره واستوفى أبو الطيب في بيته معنى البيتين فهو أحق بما أخذ.
 
وقال المتنبي:
 
أقامت في الرّقاب لهُ أيادٍ ... هي الأطواقُ والناسُ الحمام
 
قال أبو تمام:
 
مِنَنٌ منكَ في رقابِ أُناسٍ ... هي فيها أبقى من الأطواقِ
 
معنى أبي تمام: أنّ بقاء منن الممدوح كبقاء الأطواق في رقاب الحمام غير أنه ذكر الأطواق واكتفى بذلك عن ذكر الحمام فكان أبو الطيب أشرح كلاماً، وقد قال علي بن محمد بن بسام:
 
أبا علي لقد طوقتني نعماً ... طوقُ الحمامةِ لا تبلى على القدم
 
فهو يساوي أبا الطيب، وقال محمد بن حازم يصف أبياته:
 
(1/503)
 
 
وهًنّ إذا وسمتُ بهن قوماً ... كأطواق الحمائم في الرُقابِ
 
وهنّ وإن أقمت مسافراتٌ ... تهاداها الرّواة مع الرّكابِ
 
وهذا النوع مما أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه.
 
وقال المتنبي:
 
إذا عد الكرامُ فتلكَ عِجْلٌ ... كما الأنواءُ حينَ تُعدُّ عامُ
 
وهذا كما قال ابن الرومي:
 
جمعن العُلا بالجودِ بعد افتراقها ... إلينا كما الأيام يَجمعها الشهرُ
 
فهذا من قسم ما أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه.
 
وقال المتنبي:
 
ولو يمّمتهُمْ في الحشر تَجدو ... لأعطوك الذي صَلّوا وصامُوا
 
يقال جداه تجدوه، وفي هذا المعنى قول أبي تمام:
 
ولو قصرتْ أموالهُ عن سماحةٍ ... لقاسم من يجدوه شطر حَياتهِ
 
فإِنْ لم يجد في شركة العُمر حيلةً ... وجاز له الإِعطاء من حسناتهِ
 
لجادَ بها من غير كفرٍ لربّهِ ... وآساهُمُ في صَومهِ وصلاتِهِ
 
فالمعنى المعنى ولكنه في تطويل وتضمين وبيت أبي الطيب قد جمع الطويل في الموجز القليل فهو أحق بما أخذ وإن كان قد أطلق عليهم السماحة بصلاتهم وصيامهم فهي مبالغة يمكن الطعن عليهم بها لأنها تدل على سماحهم بأديانهم واحتاط أبو تمام فقال:) من غير كفر لربه (فدّل على صحة الدين والجود معاً.
 
وقال المتنبي:
 
فإِن حلموا فإنّ الخيل فيهم ... خفافٌ والرّماحُ بها عُرامُ
 
(1/504)
 
 
قصد الحلم السفه والجهل وضد الحلم عند أبي الطيب الخفة وليس كذلك إلا على التسامح في العبارة والمجازفة في الاستعارة ولو قال:
 
فإِن ثَقلوا فإِنّ الخيل فيهم ... خِفافٌ والرّماحُ بها عُرامُ
 
كان قد طابق بين الثقل والخفة والذي قاله أبو تمام:
 
عَليه مُطعن بطل حليم ... سَفيه السيف ذُو رُمحٍ جَهولُ
 
فجعل الحلم للرجل والسفه للسيف، والجهل للرمح ووفى مطابقته أقسامها ورجح كلامه فهو أحق بما سبق إليه.
 
وقال المتنبي:
 
نُصرّعهُمْ بأعيننا حياءً ... وتنبوُ عن وجوههِم السّهامُ
 
فتصريعهم بالحياء حسن، نبوّ السهام عن وجوههم بلا علة توجيه إلاّ صلابة بشراتهم فهذا في الهجاء أدخل لما قال بعض الشعراء:
 
اللؤمُ أَكرمُ من وبرٍ ووالدِهِ ... واللّؤمُ أكرمُ من وبرٍ وما ولدا
 
لو أنّ حافرَ برذوني كأوجههمْ ... بني الزواني لما أنعلتهُ أبدا
 
فأما قول ابن الرومي:
 
فتى يتقي لحظَ العيون ويرعوي ... ويغشى رماح الحظّ مُشتبكات
 
أخذه من العكوك في قوله:
 
فتى يتقي مأثور ما يتقي الفتى ... ويغشى المنايا والرماح دَواني
 
فالمعنيان يدلان على أن القوم ممدوحون بالحياء والشجاعة فأما نبو السهام
 
(1/505)
 
 
عن وجوههم فلا نصيب له في المدح، وينظر إلى قول العكوك وابن الرومي قول أبي دلف:
 
نحنُ قومٍ تذيبنا الحدقُ النحل ... على أننا نذيبُ الحديدا
 
لا نصدّ الوجوه من خشية الناس ... ونخشى من الغواني الصدودا
 
وهذا من قسم ما أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه.
 
وقال المتنبي:
 
قبيلٌ أنت أنت وأنت منهم ... وجدّك بِشرٌ الملكُ الهُمامِ
 
فذكر أنه على شرفه واحد منهم وهو على الانفراد قبيلٌ وحده، وأحسن من هذا قول ابن الرومي:
 
قالوا أبو الصقر من شَيبان قُلت لهم ... كلا لعمري ولكن مِنه شيبان
 
وكم أبٍ قد علا بأبن ذرى شرفٍ ... كما علا برسول الله عدنان
 
تَسمو الرجال بآباء وآونة ... تَسمو الرجال بأبناء وتزدان
 
جعل شيبان منه ولم يجعله منهم ذهاباً به عن الإضافة إلى أحد وذكر أنها على ارتفاعها ترتفع به، وأبو الطيب إضافة إليهم وابن الرومي أرجح كلاماً وأبلغ في معناه فهو أحق بقوله.
 
وقال المتنبي:
 
لقد حسنتُ بك الأيام حتى ... كأنّك في فم الزَّمنِ ابتسامُ
 
(1/506)
 
 
يشبه قول ابن الرومي:
 
قعدت بِك الدنيا وما ظلمت ... مفترة عَنْ كل مبتسم
 
وقال البحتري:
 
فأبقَ أنساً لهُ فما ضحِكَ الدَّه ... رُ إلينا إلاّ وعَنْكَ إفترِارُهْ
 
وقال ابن الرومي أيضاً:
 
أناسٌ إذا دهرٌ تبسم ضاحكاً ... فعنهم وعن آبائهم يبتسمُ
 
فذكر الابتسام ولم يذكر فماً وهي استعارة يجوز فيها أن يراد بها بهجة الدهر وبشاشته، وأبو الطيب جعل للدهر فماً وشبه بابتسامة فحقق المعنى وملح فرجع كلامه.
 
ويتلو هذه قصيدة أولّها:
 
لجنّيةٍ أم غادةٍ رُفِعَ السجفُ ... لوحشية؟ لا. ما لوحشيةٍ شَنْفُ
 
(1/507)
 
 
معلوم أن هذا الكلام سؤال متباله يسأل من أي الجنسين هي، وهو يعلم أنها بشر ولا أعلم من خبره أنّ الجن لأحسن منظراً من الأنس حتى يسأل من أي الجنسين هي، فأما قوله:) لوحشيّة؟ لا ما لوحشية شنف (.
 
فمستعمل من ذلك قول أبي تمام:
 
لم يُخطك الجيدُ مِنْ غَزال ... لو عطّلوه من السحابِ
 
فأنكر هذا الشنف كما أنكر هذا السحاب، وقد أنشدني أبي رحمه الله قال: أنشدنا ابن دريد:
 
أعنْ الشّمس عشاءً ... كشفَتْ تلك السجوفُ
 
أمْ على لبتي غزال ... عُلّقت تلك الشُّنوفُ
 
فسأل هل كشف السجوف عن الشمس، وهل تعلق الشنوف على لبتي الغزال لتشابه المعنيين عنده، فهو تباله مليه مع علم ليدل على قوة الشبه بين المشتبهين، والقرط ما كان في شحمة الأذن من أسفل، والشنف ما كان في حياز الأذن من فوق.
 
وقال المتنبي:
 
وخُيِّلَ مِنها مرطُها، فكأنَّما ... تَثنّى لنا خوطُ ولاحَظنا خِشْفُ
 
فتخيل مرطها إياها يعمل لها حركة في قدها يشبه بها الخوط ولا عمل لتخييل مرطها في لحظها وهذه صفات متداولة منها قول ابن الرومي:
 
(1/508)
 
 
إن أقبلتْ فالبدر لاح، وإنْ مشتْ ... فالغصنُ مال، وإن رنت فالرّيمُ
 
فإن كان الناظر في كتابنا يحتسب بهذه الشبهات المتداولات المستعملات فبيت ابن الرومي لا مطعن في أقسامه، وأبو الطيب لم يذكر في شعره غير لحظها وقدها وذكر ابن الرومي وجهها وقدّها ولحظها فكلامه أرجح وهو أولى بما سبق إليه.
 
وقال المتنبي:
 
زيادةُ شيبٍ وهي نقص زيادتي ... وقوةُ عشقٍ وهي من قُوّتي ضَعفُ
 
صدره من قول عبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي:
 
الشوقُ يزدادُ كُلَّ يومٍ ... إليك والجسمُ في انتقاصِ
 
ومثله قول القائل:
 
زيادةُ عمر المرء نقص حياته ... فَما عجب من نُقصانِه من تَمامه
 
ويقرب منه قول البحتري:
 
أدلّةُ المرء أيّامٌ عددنَ لهُ ... يرينهُ الفضل تقويماً وإرشاداً
 
وقدْ يُطالبن ما قدّمنَ من سلف ... فيه وينقصهُ الفضل الذي ازدادا
 
وينظر إلى قوله قول ابن الحاجب:
 
أكرهُ الموت والزيادة في أيام ... عمري نقصان عُمر السواد
 
وقد أتفق لأبي الطيب من ذكر الزيادة والنقصان والقوة والضعف ما صار به
 
(1/509)
 
 
أجود صنعة بالزيادة في كلامه ما هو من تمامه وهذه معان تدخل في قسم المساواة.
 
وقال المتنبي:
 
هراقَتْ دمي من بي من الوجد ما بها ... من الوجد بي والشوق لي ولها حَلفُ
 
هذا يشبه قول الشاعر:
 
وجدتُ بي ما وجدتُ بها ... فكِلانا مغرمٌ دَنِفُ
 
وعلى الأيام مظلمتي ... هلْ من الأيام منتصفُ
 
وقال المتنبي:
 
ومَنْ كلما جرّدتها من ثيابها ... كَساها ثياباً غيرها الشّعرُ الوحفُ
 
من بلغ إلى تجريد محبوبه من ثيابه فقد بلغ نهاية مناه وبغية هواه فلم يهرق دمه، فأما المعنى فقد قال أبو تمام:
 
من كلّ فتنانة تَردّى ... بِثوبِ فينانها الأثيثِ
 
فقد تساوى المعنى ولكن أبا الطيب أكثر إبانة وأرجح بالإبانة والجزالة فهو أحق بالمعنى.
 
وقال المتنبي:
 
وقابلني رُمّانتا غُصن بانةٍ ... يميلُ به بدرٌ ويمسكُهُ حِقْفُ
 
إضافته الرّمانتين إلى غصن البانة يدل على أنّ أغصان ألبان من ثمرها الرمان، وقد عرفنا مقصده إنما شبه الثديين بالرمانتين وقدها بالغصن وأرانا جمع حلقها غرائب لا تجتمع ولا تقع إلا فيه ولو أمكنه أن يقول:) رمانتان في غصن بانة (
 
(1/510)
 
 
.....، كان أسوغ في مقصده، كما قال ابن الرومي:
 
أغصان بانٍ عليها الدهر فاكهة ... وما الفواكه مما يحمل ألبان
 
فكل تعجب مما ليس في العادة إجماعه، فأما إطلاق اللفظ على الرمان أنه من ثمر ألبان بغير مقدمة توضح مراده فلا أستحسنه هاهنا وقوله:) يميل به بدر (فالبدر وجهه وليس يميل وجهه بقده لأن إذا مال مال بوجهه حيث يميل، وابن الرومي أشعر منه في إتيانه أن الفواكه ليس مما يحمل ألبان، فدل على أن المراد التشبيه لا الحقائق وهو أولى بقوله.
 
وقال المتنبي:
 
أرددُ) ويلي (لو قضى الويل حاجةً ... وأكثر) لهفي (لو شفى غلةً لهفُ
 
يشبه قول البحتري:
 
فيا أسفاً لو قابلَ الأسفُ الجوى ... ولهفاً لو أَن اللهف في ظالمٍ يُجدي
 
وهذا من قسم المساواة، وقال ابن الرومي:
 
أسفي لو أنّ قولي أسفي ... كان يشفيني من حر الأسف
 
وقال المتنبي:
 
ضَنَىً في الهوى كالسُّم في الشَّهد كامناً ... لذذت به جهلاً وفي اللّذةِ الحتفُ
 
هذا من قول إبراهيم بن المهدي:
 
يشوب بنادي النصح غِشّاً يسره ... كما خيض بالسم الرحيقِ المُشعشع
 
(1/511)
 
 
وقال أبو تمام:
 
أعلى يا ابن الجهم أنَّك دقت لي ... خمراً وسماً في إناءٍ واحدِ
 
ويقرب من هذا قول القائل:
 
إذا استوحشتَ مِنْ رجلٍ ... فكُن منه على وجَلِ
 
ولا يغرركَ ظاهرُهُ ... فباطنُهُ على دَغَلِ
 
فقد يُلفي حِمامُ المو ... تِ بين السمِّ والعَسلِ
 
فجاء بالسم والعسل كما جاء به وهذا من قسم ما أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه، ومثله لأبي الشيص:
 
أعلّلُ آمالي بكانت ولم تكن ... وذلك طعمُ السمِّ والسهد في الكأسِ
 
وبيت أبي الطيب أفصح وأرجح.
 
وقال المتنبي:
 
فأفنى وما أفنته نفسي كأنَّما ... أبو الفرجِ القاضي لهُ دونها كَهفُ
 
الهاء في) أفنته (عائدة على أفنى، أي نفسي ولا أفنيه كأن الممدوح كهف للضنى دون أن تفنيه نفسي، فقد أراد الخروج المليح إلى المديح ولم يظفر بمعنى فائق ولا جاء بحفظ رائق.
 
وقال المتنبي:
 
قليلُ الكرى لو كانت البيضُ والقنا ... كآرائهِ ما أغنتْ البيضُ والزَّغفُ
 
(1/512)
 
 
قال أبو تمام:
 
وأستلَّ من آرائِهِ الشُّعلَ التي ... لو أنهُنَّ طُبعنَ كُنَّ سُيوفا
 
لم يزد أبو تمام على أنّ أراهم لو طبعن كدن سيوفاً، وأبو الطيب يذكر أن السيوف لو كنّ كآرائه ما أغنت البيض والزغف أي لقطعن ما لا تقطع السيوف فلفظه أرجح فهو أولى بما أخذ.
 
وقال المتنبي:
 
يقومُ مقامَ الجيشِ تقطيبُ وجههِ ... ويستغرق الألفاظ مِنْ لفظهِ حَرفُ
 
قال البحتري:
 
وإذا خِطابُ القوم في الخطبِ اعتلى ... فَصل القضيةَ في ثلاثةِ أحرفِ
 
فقد جاء أبو الطيب في صدر بيته بمعنى، وجاء في عجز البحتري ونقصنا حرفين فهو أرجح وأولى بما أخذ.
 
وقال المتنبي:
 
وإن فَقَدَ الإِعطاء حنت يمينُهُ ... إليه حنينَ الإِلفِ فارقَهُ الإِلفُ
 
وهذا يقارب معنى أبي تمام:
 
واجدٌ بالجميل من رُحاءِ الشّ ... وقِ وجدانَ غَيرِهِ بالحبيبِ
 
فأما قول البحتري:
 
يحنُّ إلى المعروف حتى يُنيلَهُ ... كما حنَّ إلف مستهامٌ إلى إلفِ
 
فهذا أخذ واضح يكاد يدخل في أخذ اللفظ المدعى هو ومعناه معاً والبحتري أحقّ بقوله.
 
وقال المتنبي:
 
أديبٌ رستْ للعلمِ في أرض صَدرِهِ ... جبالٌ، جبالُ الأرضِ في جنبها قُفُّ
[[Category:75%]]
[[Category:شعر]]