الفرق بين المراجعتين لصفحة «سفر نامه»

أُزيل 189 بايت ،  قبل سنتين
ط
وحين يدخل السائر هذا الرواق متجهاً ناحية الشرق فالأيمن من هذين البابين هو باب الرحمة والإيسر باب التوبة ويقال إن هذا الباب هو الذي قبل الله تعالى عنده توبة داود عليه السلام وعلى هذا الرواق مسجد جميل كان في وقت ما دهليزاً فصيروه جامعاً وزينوه بأنواع السجاد وله خدم مخصصون ويذهب إليه كثير من الناس ويصلون فيه ويدعون الله تبارك و تعالى فإنه في هذا المكإن قبل توبة داود وكل إنسان هناك يأمل في التوبة والرجوع عن المعاصي ويقال إن داود عليه السلام لم يكد يطأ عتبة هذا المسجد حتى بشره الوحي بإن الله سبحانه تعالى قد قبل توبته فاتخذ هذا المكإن مقاماً وانصرف إلى العبادة وقد صليت أنا ناصر في هذا المقام ودعوت الله تعالى إن يوفقني لطاعته وإن يغفر ذنبي الله سبحانه و تعالى يهدي عباده جميعاً لما يرضاه ويغفر لهم ذنوبهم بحق محمد وآله الطاهرين .
وحين يمضي السائر بحذاء الجدار الشرقي إلى إن يبلغ الزاوية الجنوبية عند القبلة التي تقع على الضلع الجنوبي يجد أمام الحائط الشمالي مسجداً بهيئة السرداب ينزل إليه بدرجات كثيرة مساحته عشرون ذراعاً في خمس عشرة وسقفه من الحجر مرفوع على أعمدة الرخام وبهذا السرداب مهد عيسى عليه السلام وهو من الحجر حجمه كبير بحيث يصلي عليه الناس وقد صليت هناك وقد أحكم وضعه في الأرض حتى لا يتحرك وهو المهد الذي أمضى فيه عيسى طفولته وكلم الناس منه وهو في المسجد مكإن المحراب وفي الجانب الشرقي من هذا المسجد محراب مريم عليها السلام وبه محراب آخر لزكريا عليه السلام وعلى هذين المحرابين آيات القرإن التي نزلت في حق زكريا ومريم ويقال إن عيسى عليه السلام ولد بهذا المسجد وعلى حجر من عمده نقش أصبعين كان شخصاً أمسكه ويقال إن مريم أمسكته بأصبعيها وهي تلد ويعرف هذا المسجد بمهد عيسى عليه السلام وبه قناديل كثيرة من النحاس والفضة توقد كل مساءز حين يخرج السائر من هذا المسجد متبعاً الحائط الشرقي يجد عندما يبلغ زاوية المسجد الكبير مسجداً آخر عظيماً جداً أكبر مرتين من مسجد مهد عيسى يسمى المسجد الأقصى وهو الذي أسرى الله عز وجل بالمصطفى صلى الله عليه وسلم{{ص}} ليلة المعراج من مكة إليه ومنه صعد إلى السماء كما جاء في القرآن" سبحإن الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى" وقد بنوا به أبنية غاية في الزخرف وفرش بالسجاد الفاخر ويقوم عليه خدم مخصصون يعملون به دواماً.
 
وحين يعود السائر إلى الحائط الجنوبي على مائتي ذراع من تلك الزاوية لا يجد سقفاً وهناك ساحة المسجد وأما الجزء المسقوف من المسجد الكبير والذي به المقصورة فيقع عند الحائطين الجنوبي والغربي وطول هذا الجزء عشرون وأربعمائة ذراع وعرضه خمسون ومائة ذراع وبه ثمانون ومائتا عمود من الرخام على تيجانها طيقإن من الحجارة وقد نقشت تيجإن الأعمدة وهياكلها وثبتت الوصلات فيها بالرصاص في منتهى الإحكام وبين كل عمودين ست أذرع مغطاة بالرخام الملون الملبس بشقاق الرصاص والمقصورة في وسط الحائط الجنوبي وهي كبيرة جداً تتسع لستة عشر عموداً وعليها قبة عظيمة جداً منقوشة بالميناء على نسق ما وصفت وهي مفروشة بالحصير المغربي وبها قناديل ومسارج معلقة بالسلاسل ومتباعد بعضها عن بعض وبها محراب كبير منقوش بالميناء وعلى جانبيه عمودإن من الرخام لونهما كالعقيق الأحمر وإزار المقصورة كله من الرخام الملون وعلى يمينه محراب معاوية وعلى يساره محراب عمر رضي الله عنه وسقف هذا المسجد مغطى بالخشب المنقوش المحلى بالزخارف وعلى باب المقصورة وحائطها المطلإن على الساحة خمسة عشر رواقاً عليها أبواب مزخرفة ارتفاع كل منها عشرة أذرع وعرضه ست عشرة من هذه الأبواب تفتح على الجدار الذي طوله عشرون وأربعمائة ذراع وخمسة منها على الجدار الذي طوله خمسون ومائة ذراع وقد زين باب منها غاية الزينة وهو من الحسن بحيث تظن أنه من ذهب وقد نقش بالفضة وكتب عليه اسم الخليفة المأمون ويقال انه هو الذي أرسله من بغداد وحين تفتح الأبواب كلها ينير المسجد حتى لتظن أنه ساحة مكشوفة أما حين تعصف الريح وتمطر السماء وتغلق الأبواب فإن النور ينبعث للمسجد من الكوات وعلى الجوانب الأربعة من الحرم المسقوف صناديق من مدن الشام والعراق يجلس بجانبها المجاورون كما هو الحال في المسجد الحرام بمكة شرفها الله تعالى .
وإذا سار السائر من مصر شرقاً يبلغ بحر القلزم والقلزم مدينة على شاطئ البحر بينها وبين مصر ثلاثون فرسخاً وهذا البحر فرع من محيط يتفرع عند عدن ويتجه نحو الشمال فإذا بلغ القلزم انقطع ويقال إن عرضه مائتا فرسخ ويفصله عن مصر جبال وصحراء لا ماء فيها ولا نبات.
 
ومن يريد الذهاب إلى مكة من مصر يلزمه الاتجاه نحو الشرق فإذا بلغ القلزم وجد طريقين أحدهما بري والآخر بحري وهو يبلغ مكة عن الطريق الأول في خمسة عشر يوماً في صحراء طولها ثلاثمائة فرسخ وتذهب عن هذا الطريق معظم القوافل الآتية من مصر فإذا سار عن طريق البحر يبلغ الجار في عشرين يوماً وهي مدينة صغيرة من الحجاز تقع على شاطئ البحر ومنها إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم{{ص}} ثلاثة أيام ومن المدينة إلى مكة مائة فرسخ.
 
فإذا جاوز الجار وواصل السير في البحر بلغ ساحل اليمن ومن هناك إلى ساحل عدن فإذا جاوزه ينتهي إلى الهند وهكذا حتى الصين وإذا سار من عدن إلى الجنوب مائلاً نحو الغرب فإنه يذهب إلى زنجبار والحبشة وسأشرح ذلك في مكانه .
ويتقاضى قاضي القضاة ألفي دينار مغربي في الشهر ومرتب كل قاض على قدر مرتبته ذلك حتى لا يطمع القضاة في أموال الناس أو يظلمونهم والعادة في مصر إن يقرأ مرسوم السلطان في المساجد في منتصف رجب وهو: يا معشر المسلمين حل موسم الحج وسيجهز ركب السلطان كالمعتاد وسيكون معه الجنود والخيل والجمال والزاد وينادى بذلك في شهر رمضان أيضاً ويبدأ الناس في السفر ابتداء من أول ذي القعدة وينزلون في موضع معين ثم يسيرون في منتصف هذا الشهر ويبلغ خرج الجيش الذي يرافق السلطان ألف دينار مغربي في اليوم هذا عدا عشرين ديناراً مرتبة لكل رجل فيه ويبلغون مكة في خمسة وعشرين يوماً ويمكثون بها عشرة أيام ثم يعودون إلى مصر في خمسة وعشرين يوما ونفقاتهم في الشهرين ستون ألف دينار مغربي عدا التعهدات والصلات والمشاهرات وثمن الجمال التي تنفق في الطريق .
 
وقد قرى على الناس سنة تسع وثلاثين وأربعمائة المرسوم التالي من سجل السلطان: يقول أمير المؤمنين أنه ليس من الخير إن يسافر الحجاج للحجاز هذا العام فإن به قحطاً وضيقاً وقد هلك به خلق كثيرون وأني أقول هذا شفقة بالمسلمين فلم يسافر الحجاج كان السلطان يرسل الكسوة للكعبة كالمعتاد لأنه يرسلها مرتين كل سنة فلما سافرت الكسوة مع وفد السلطان عن طريق القلزم سافرت معهم فخرجت من مصر أول ذي القعدة وبلغت القلزم في الثامن منه ومن هناك أقلعت السفينة فبلغنا بعد خمسة عشر يوماً مدينة تسمى الجار في الثاني والعشرين من ذي القعدة وقمنا من هناك فبلغنا مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم{{ص}} بعد أربعة أيام.
 
==المدينة==
===جدة===
 
وجدة مدينة كبيرة لها سور حصين تقع على شاطئ البحر وبها خمسة آلاف رجل وهي شمال البحر الأحمر وفيها أسواق جميلة وقبلة مسجدها الجامع ناحية المشرق وليس بخارجها عمارات أبداً عدا المسجد المعروف بمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم{{ص}} ولها بوابتان إحداهما شرقية تؤدي إلى مكة والثانية غربية تؤدي إلى البحر ويبلغ السائر من جدة جنوبا على شاطئ البحر اليمن ومدينة صعدة والمسافة إلى هناك خمسون فرسخاً وإذا سار شمالاً بلغ الجار وهي تابعة للحجاز وليس في جدة شجر ولا زرع وكل ما يلزمها يحضرونه إليها من القرى وبينها وبين مكة إثنا عشر فرسخاً وأمير جدة تابع لأمير مكة تاج المعالي بن أبي الفتوح الذي هو أمير المدينة أيضاً وقد ذهبت إلى أمير جدة فأكرم وفادتي وأعفاني مما كان يجب علي من المكس ولم يطلبه وهكذا خرجت من البوابة في سلام وقد كتب إلى مكة يقول عني هذا رجل عالم فلا يجوز إن يؤخذ منه وفي يوم الجمعة بعد صلاة العصر قمت من جدة فبلغت باب مكة يوم الأحد سلخ جمادى الثاني كان قد حضر إلى مكة للعمرة خلق كثيرون من نواحي الحجاز واليمن في أول رجب وهو موسم عظيم مثل عيد رمضان وهم يحضرون وقت الحج ولأن طريقهم قريب وسهل يأتون إلى مكة ثلاث مرات كل سنة.
 
===وصف مكة===
والحسا مدينة في الصحراء ولبلوغها عن أي طريق ينبغي اجتياز صحراء واسعة والبصرة أقرب البلاد الإسلامية التي بها سلطنة إلى الحسا وبينهما خمسون ومائة فرسخ ولم يقصد سلطان من البصرة الحسا أبداً.
 
والحسا مدينة وسواد أيضاً وبها قلعة ويحيط بها أربعة أسوار قوية متعاقبة من اللبن المحكم البناء بين كل اثنين منها ما يقرب من فرسخ وفي المدينة عيون ماء عظيمة تكفي كل منها لإدارة خمس سواق ويستهلك كل هذا الماء بها فلا يخرج منها ووسط القلعة مدينة جميلة بها كل وسائل الحياة التي في المدن الكبيرة وفيها أكثر من عشرين ألف محارب وقيل إن سلطانهم كان شريفاً وقد ردهم عن الإسلام وقال إني أعفيتكم من الصلاة والصوم ودعاهم إلى إن مرجعهم لا يكون إلا إليه وأسمه أبو سعيد وحين يسألون عن مذهبهم يقولون إنا أبو سعيديون وهم لا يصلون ولا يصومون ولكنهم يقرون بمحمد المصطفى صلى الله عليه وسلم{{ص}} وبرسالته وقد قال لهم أبو سعيد إني أرجع إليكم يعني بعد الوفاة وقبره داخل المدينة وقد بنوا عنده قبراً جميلاً وقد أوصى أبناءه قائلاً يرعى الملك ويحافظ عليه ستة من أبنائي يحكمون الناس بالعدل وللقسطاس ولا يختلفون فيما بينهم حتى أعود ولهؤلاء الحكام الآن قصر منيف هو دار ملكهم وبه تخت يجلسون هم الستة عليه ويصدرون أوامرهم بالاتفاق وكذلك يحكمون ولهم ستة وزراء على تخت آخر ويتداولون في كل أمر كان لهم في ذلك الوقت ثلاثون ألف عبد زنجي حبشي يشتغلون بالزراعة وفلاحة البساتين وهم لا يأخذون عشوراً من الرعية وإذا افتقر إنسان أو استدان يتعهدونه حتى يتيسر عمله وإذا كان لأحدهم دين على آخر لا يطالبه بأكثر من رأس المال الذي له وكل غريب ينزل في هذه المدينة وله صناعة يعطى ما يكفيه من المال حتى يشتري ما يلزم صناعته من عدد وآلات ويرد إلى الحكام ما أخذ حين يشاء وإذا تخرب بيت أو طاحون أحد الملاك ولم تكن لديه القدرة على الإصلاح أمروا جماعة من عبيدهم بان يذهبوا إليه ويصلحوا المنزل أو الطاحون ولا يطلبون من المالك شيئاً وفي الحسا مطاحن مملوكة للسلطان تطحن الحبوب للرعية مجانا ويدفع فيها السلطان نفقات إصلاحها وأجور الطحانين وهؤلاء السلاطين الستة يسمون السادات ويسمى وزراؤهم الشائرة وليس في مدينة الحسا مسجد جمعة ولا تقام بها صلاة أو خطبة إلا إن رجلاً فارسياً اسمه علي بن أحمد بنى مسجداً وهو مسلم حاج غني كان يتعهد الحجاج الذين يبلغون الحسا والبيع والشراء والعطاء والأخذ يتم هناك بواسطة رصاص في زنابيل يزن كل منها ست آلاف درهم فيدفع الثمن عددا من الزنابيل وهذه العملة لا تسري في الخارج وينسجون هناك فوطاً جميلة ويصدرونها للبصرة وغيرها وإذا صلى أحد فإنه لا يمنع ولكنهم أنفسهم لا يصلون ويجيب السلاطين من يحدثهم من الرعية برقة وتواضع ولا يشربون مطلقاً وعلى باب قبر أبي سعيد حصان مهيأ بعناية عليه طوق ولجام يقف بالنوبة ليلاً ونهاراً يعنون بذلك إن أبا سعيد يركبه حين يرجع إلى الدنيا ويقال إنه قال لأبنائه حين أعود ولا تعرفونني إضربوا رقبتي بسيفي فإذا كنت أنا حييت في الحال وقد وضعت هذه الدلالة حتى لا يدعي أحد أنه أبو سعيد.
 
وقد ذهب أحد هؤلاء السلاطين بجيش إلى مكة أيام خلفاء بغداد فاستولى عليها وقتل من كان يطوف بالكعبة وانتزع الحجر الأسود من مكانه ونقله إلى الحسا وقد زعموا إن هذا الحجر مغناطيس يجذب الناس إليه من أطراف العالم ولم يفقهوا إن شرف محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم{{ص}} وجلاله هما اللذان يجذبان الناس فقد لبث الحجر الأسود في الحسا سنين عديدة ولم يذهب إليها أحد وأخيراً اشتري منهم الحجر الأسود وأعيد إلى مكانه.
 
وفي الحسا تباع لحوم الحيوانات كلها من قطط وكلاب وحمير وبقر وخراف وغيرها وتوضع رأس الحيوان وجلده بقرب لحمه ليعرف المشتري ماذا يشتري وهم يسمنون الكلاب هناك كما تعلف الخراف حتى لا تستطيع الحركة من سمنها ثم يذبحونها ويبيعون لحمها.
وينصب السوق في البصرة في ثلاث جهات كل يوم ففي الصباح يجري التبادل في سوق خزاعة وفي الظهر في سوق عثمإن وفي المغرب في سوق القداحين والعمل في السوق هكذا كل من معه مال يعطيه للصراف ويأخذ منه صكا ثم يشتري كل ما يلزمه ويحول الثمن على الصراف فلا يستخدم المشتري شيئاً غير صك الصراف طالما يقيم بالمدينة حين بلغنا البصرة كنا من العري والفاقة كانا مجانين وكنا قد لبثنا ثلاثة شهور لم نحلق شعر رأسنا فأردت إن أذهب إلى الحمام التمس الدفء فقد كان الجو باردا ولم يكن علينا ملابس كنت أنا وأخي كلانا نلبس فوطة بالية وعلى ظهرينا خرقة من الصوف متدلية من الرأس حتى قلت لنفسي من الذي يسمح لنا الآن بدخول الحمام فبعت السلتين اللتين كانت بهما كتبي ووضعت بعض دراهم من ثمنها في ورقة لأعطيها للحمامي عسى إن يسمح لنا بوقت أطول في الحمام لنزيل ما علينا من كدر فلما قدمت إليه هذه الدريهمات نظر إلينا شذراً وظن أننا مجانين وانتهرنا قائلاً اذهبوا فالآن يخرج الناس من الحمام ولم يأذن لنا بالدخول فخرجنا في خجل ومشينا مسرعين كان بباب الحمام أطفال يلعبون فحسبونا مجانين فجروا في أثرنا ورشقونا بالحجارة وصاحوا بنا فلجأنا إلى زاوية وقد تملكنا العجب من أمر الدنيا كان الأعرابي يطلب منا الثلاثين ديناراً مغربياً ولم نكن نعرف وسيلة للسداد كان بالبصرة وزير ملك الأهواز واسمه أبو الفتح علي بن أحمد وهو رجل أخلاق وفضل يجيد معرفة الشعر والأدب كان كريماً وقد جاء البصرة مع أبنائه وحاشيته وأقام بها ولم يكن لديه ما يشغله وكنت عرفت رجلاً فارسياً فاضلاً من أصدقاء الوزير والمترددين عليه كل وقت كان هذا الفارسي فقيراً لا وسعة عنده لإعانتنا فقص على الوزير قصتنا فلما سمعها أرسل إلي رجلاً ومعه حصان إن أركب وأحضر عندي كما أنت فخجلت من سوء حالي وعريي ولم أر الذهاب مناسباً فكتبت رقعة معتذراً وقلت فيها إني سأكون في خدمته بعد وصول ورقتي إليه كان قصدي من الكتابة شيئين إن يعرف فقري وعلمي حين يطلع على كتابتي وإن يقدر أهليتي وذلك حتى لا أخجل من زيارته وقد أرسل إلي في الحال ثلاثين دينارا لشراء كسوة فاشتريت حلتين جميلتين وفي اليوم الثالث ذهبت لمجلس الوزير فرأيته رجلاً كاملاً أديباً فاضلاً جميل الخلقة متواضعاً ديناً حلو الحديث وله أربعة أبناء أكبر هم شاب فصيح أديب عاقل اسمه الرئيس أبو عبد الله أحمد بن علي بن أحمد كان شاعراًوكاتباً فيه فتوة الشباب ورجاحة العقل ومظاهر التقوى وقد أضافنا الوزير عنده من أول شعبان إلى نصف رمضان ثم أمر بإعطاء الأعرابي الذي استأجرنا جمله الثلاثين ديناراً التي له علي فكفاني مؤونة هذا الدين اللهم تباركت وتعاليت فرج ضيق المدينين من عبيدك من هم القرض بحق الحق وأهله ولما أردنا السفر رحلنا عن طريق البحر بعد إن أفاض علينا بنعمه وأفضاله فبلغنا فارس في كرامة وهدوء ببركة هذا الرجل الحر رضي الله عز وجل عن الرجال الأحرار.
 
وفي البصرة ثلاثة عشر مشهداً باسم أمير المؤمنين على بن أبي طالب صلوات الله عليه يقال لأحدها مشهد بني مازن وذلك إن أمير المؤمنين عليا صلى الله عليه وسلم{{ص}} جاء إلى البصرة في ربيع الأول سنة خمس وثلاثين سبتمبر655 من هجرة النبي عليه الصلاة والسلام وكانت عائشة رضي الله عنها قد أتت محاربة وقد تزوج أمير المؤمنين عليه السلام ليلى بنت مسعود النهشلي كان هذا المشهد بيتها وقد أقام أمير المؤمنين اثنين وسبعين يوماً ثم رجع إلى الكوفة وبجانب المسجد الجامع مشهد آخر يسمى مشهد باب الطيب ورأيت في مسجد البصرة عموداً من الخشب طوله ثلاثون ذراعاً وسمكه خمسة أشبار وأربعة أصابع كان أحد طرفيه أسمك من الطرف الآخر قيل إنه من أخشاب بلاد الهند استولى عليه أمير المؤمنين علي عليه السلام وأحضره للبصرة والأحد عشر مشهدا الأخرى كل منها بموضع وقد زرتها كلها .
بعد إن أيسرنا ارتدينا ملابسنا وذهبنا يوماً إلى ذلك الحمام الذي لم يسمح لنا بدخوله من قبل فوقف الحمامي عند دخولنا من الباب وكذلك وقف كل من الحاضرين حتى دخلنا ثم جاء المدلك والقيم وقاما بخدمتنا فلما فرغنا ودخلنا غرفة الملابس وقف كل من بها ولم يجلسوا حتى لبسنا ثيابنا وخرجنا وفي أثناء ذلك كان الحمامي يقول لصاحب له هذان هما الرجلان اللذان لم ندخلهما الحمام يوم كذا كان يظن أنني لا أعرف لغته فقلت له بالعربية حقا ما تقول فنحن اللذان كنا نلبس خرقة من الصوف على ظهرنا فخجل الرجل واعتذر كان بين هذين الحالين عشرون يوماً وقد ذكرت هذا الفصل حتى يعرف الناس أنه لا ينبغي التذمر من أزمات الزمان واليأس من رحمة الخالق جل جلاله وعم نواله فإنه تعالى رحيم.
51٬499

تعديل