الفرق بين المراجعتين ل"عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات/المقالة الأولى"

+نسخ +فهرس
(+نسخ من المساهمات)
(+نسخ +فهرس)
{{نثر}}
{{عنوان|المقالة الأولى في العلويات والنظر فيها في أمور}}
{{عنوان|===النظر الأول: فىفي حقيقة الأفلاك وأشكالها وأوضاعها حركتها بطريق الإجمال}}===
ذهب الحكماء إلى أنّ الفلك جسم بسيط كروي مشتمل على الوسط متحرك عليه ليس بخفيف ولا ثقيل ولا بارد ولا حار ولا رطب ولا يابس ولا قابل للخرق ولا للالتئام، ولهم على ذلك أدلة مذكورة في الكتب الحكمية، وكتابنا هذا ليس بصددها. والأفكلاك كراة محيطة بعضها ببعض حتى حصلت من جملتها كرة واحدة يقال لها العالم، وأدناه إلى العناصر فلك القمر، ثم فلك عطارد، ثم فلك الزهرة، ثم ذلك الشمس، ثم فلك المريخ، ثم فلك المشتري، ثم فلك زُحل ثم فلك الثوابت، ثم فلك الأفلاك، واعلم أن لكل فلك مكاناً لا ينتقل عنه، لكنه متحرك فيه بأجرامه لا يقف طرفة عين وسرعة حركاتها أسرع من كل شيء شاهده الإنسان حتى صح في الهندسة أنْ الفرس في حالة الركض الشديد من الوقت الذي يرفع يديه إلى أن يضعها
يتحرك الفلك الأعظم ثلاثة آلاف فرسخ. ثم إن الأفلاك منها ما يتحرك من المشرق إلى المغرب كالفلك الأعظم، ومنها ما يتحرك من المغرب إلى المشرق كفلك الثوابت وأفلاك السيارات، ومنها ما بتحرك بالنسبة إلينا دولابية، ومنها ما يتحرك حمائلية، ومنها رحوية، ومنها ما يشتمل على الوسط ولكن ليس مركزه مركز العالم كالأفلاك التسعة، ومنها ما يشتمل على الوسط، لكن مركزه مركز العالم كخارج المراكز، ومنها ما ليس مشتملاً على الوسط كأفلاك التداوير. وسيأتي إن شاء الله تعالى.
وجميع الحركات الموجودة في العالم بحسب ما عرف من آراء المتقدمين وأصحاب الأرصاد سيما بطليموس فإِنْ اعتماد القوم على رصده خمسة وأربعون حركة للفلك الأعظم وحركة لفلك الثوابت، وثمان عشرة لأفلاك الكواكب العلوية لكل واحد منها ست حركات، وحركتان لفلك الشمس، وست حركات لفلك الزهرة، وتسع حركات لفلك عطارد، وست حركات لفلك القمر، وحركتان لما دون كلك القمر، وهما حركتا الثقل والخفة، هذا ما بلغ إليه فهم العقلاء، وذهن الأذكياء، والله الموفق.
 
{{عنوان|===النظر الثانىالثاني فىفي ذلكفلك القمر}}===
وهو يحدّه سطحان كرويان متوازيان مركزهما مركز العالم، السطح الأعلى منهما لمقعر فلك عطارد، والأدنى لمحدب كرة النار، ويتم دورته في كل ثمانية وعشرين يوماً بحركته التي تختص به من المغرب إلى المشرق، وفلك تدويره يدور في الفلك الحاوي في كل أربعة عشر يوماً مرة، ففي الدورة الأولى يكون القمر بوجهه المملىء إلى مركز الأرض، ثم إن فلكه الكلى ينقسم إلى أربعة أفلاك: ثلاثة منها شاملة للأرض، وواحد صغير غير شامل، أما الشاملة فالأول منها يسمّى فلك الجوزهر، وهو الذي يماس السطح الأعلى منه السطح الأدنى من فلك عطارد، والثاني منها يماس السطح الأعلى منه مقعر فلك الجوزهر، والثالث منها فلك خارج المركز في الفلك المائل من مركزه خارج عن مركز العالم، مائل إلى جنب من الفلك الكلي بحيث يماس مقعر سطحيه السطح الأعلى من الفلك الكلي على نقطة مشتركة بينهما، ويسمّى الأوج، ويماس مقعر سطحيه السطح الأدنى من الفلك الكلي على نقطة مشتركة بينهما، ويسمى الحضيض، فيحصل سطحان مختلفا الثخن، أحدهما حاو للفلك الخارج المركز، والآخر محوي فيه ورقة الحاوي مما يلي الأوج، وغلظه مما يلي الحضيض، ورقة المحوي وغلظه بالعكس، يقال لكل واحد منهما المتمم، وأما الفلك الصغير فهو في ثخن الفلك الخارج المركز يقال له فلك التدوير، والقمر مركوز فيه يتحرك بحركته، وحركة هذا الفلك حركة مختصة مغايرة لحركة الفلك الكلي، وزعموا أن ثخن فلك القمر وهو بعد ما بين سطحه الأعلى وسطحه الأدنى مائة ألف وثمانية عشر ألفاً وستة وستون ميلاً ، وبطليموس قد ذكر ثخن الأفلاك ومقادير أجرام الكواكب، ودوائرها وأقطارها، ولا تستصعبن ذلك، فإنّه لا يصعب إلا على من لا دراية له بعلم الهندسة، وأما من حل الثانية من أقليدس فيسهل عليه ذلك إن كان فطناً.
 
'''في المجرة''': وهو البياض الذي يرى في السماء يقال لها شرج السماء إلى زماننا هذا لم يسمع في حقيقتها قول شافِ، زعموا أنها كواكب صغار متقاربة بعضها من بعض، والعرب تسمّيها أمْ النجوم لاجتماع النجوم فيها، وزعموا أن النجوم تقاربت من المجرة فطمس بعضها بعضاً، فصارت كأنها سحاب وهي ترى في الشتاء أَوْل الليل في ناحية من السماء، وفي الصيف أوّل الليل في وسط السماء ممتداً من الشمال إلى الجنوب، وبالنسبة إلينا تدور دوراً رحوياً فنراها نصف الليل ممتدة من المشرق إلى المغرب، وفي آخر الليل من الجنوب إلى الشمال، فما كان منها شمالياً يكون جنوبياً، وما كان جنوبياً يكون شمالياً، ولله أعلم بحقيقتها، وتكون على فلك يختص بها يدور بالنسبة إلينا رحوياً أو على شيء من الأفلاك المذكورة.
 
{{عنوان|===النظر الثالث فى فلك عطارد}} ===
وهو يحده سطحان كرويان متوازيان مركزهما مركز العالم السطح الأعلى منهما مماس لمقعر فلك الزهرة، والأدنى لمحدب فلك القمر، ويتم دورته التي تختص به من المغرب إلى المشرق في سنة واحدة، وينفصل عنه فلك خارج المركز بمتزلة الفلك الخارج المركز للقمر في داخل ثخن الفلك الكلي، ويقال له المدير، وينفصل عن فلك المدير فلك آخير خارج المركز يقال له خارج المركز الثاني، والكوكب في فلك التدوير، ويلزم أن يكون لعطارد أوجان، أحدهما ني الفلك الكلي، والثاني في المدير، ويكون له أيضاً حضيضان، وزعموا أنْ ثخْن فلك عطارد وهو مسافة ما بين سطحه الأعلى وسطحه الأدنى ثلاثمائة ألف وثمانمائة وثمانون ألفأً واثنان وثمانون ميلاً على رأي بطليموس صاحب الرصد. فإنّه استخرج ذلك بالبراهين الهندسية، والله أعلم.
 
وأمًا عطارد فسماه المنجمون منافقاً لكونه مع السعد سعدا ومع النحس نحساً على زعمهم وجرمه جزء من اثنين وعشرين جزءاً من جرم الأرض، ودورة جرمه مائتان وستة وثمانون فرسخاً، وقطر جرمه مائتان وثلاثة وسبعوثن ميلاً، ويبقى في كل برج سبعة وعشرين يوماً تقريبا، وهو كثير الرجعة والاستقامة، يدور حول الشمس.
 
{{عنوان|===النظر الرابع فى فلك الزهرة}} ===
وهو يحدّه سطحان متوازيان مركزهما مركز العالم، الأعلى منهما مماس لفلك الشمس، والأدني لفلك عطارد، وتتم دورته المختصة به من المغرب إلى المشرق في سنة واحدة مثل فلك الشمس، غير أنْ فلك تدويره يسرع تارة، فتصبر الزهرة قدام الشمس ويبطئ أخرى، فتصير الزهرة خلف الشمس. وثحن جرم فلك الزهرة وهو مسافة ما بين سطحه الأعلى والأدنى ثلاثة الاف وسبعمائة وخمسة وتسعون ميلاً، وصورته مشابهة لصورة فلك القمر سواء، وفلك الشمس على تقدير أن يكون جرم الشمس فلك التدوير من غير فرق.
 
وأما خواصها: فزعموا أنْ النظر إليها مما يوجب فرحاً وسروراً، وإذا كان بالناظر إليها حرارات السل تخفف عنه، وزعموا أنْ من شأنها الشبق والباه والألفة حتى لو نكح رجل امرأة والزهرة حسنة الحال وقع بينهما من المحبة والألفة ما يتعجب منه.
 
{{عنوان|===النظر الخامس في فلك الشمس}}===
وهو يحده سطحان كرويان مركزهما مركز العالم، الأعلى منهما مماس لمقعر فلك المريخ، والأدنى منهما مماس لمحدب فلك الزهرة، ودورته من المشرقٌ إلى المغرب تتم في ثلاثمائة وستين يوماً وربع يوم، وينفصل عنه فلك شامل للأرض مركزه خارج المركز كما مر ذكره فى أفلاك الكواكب الثلاثة من غير فرق، إلا أن الشمس ههنا بمتزلة فلك التدوير إذ ليس الشمس فلك التدوير، وذلك من لطف الله تعالى وعنايته بالعباد لأنّه لو كان لها فلك التدوير، كما لسائر الكواكب السيارة رجعت، وبرجعتها يتمادى الصيف ستة أشهر، وكذلك الشتاء فيؤدي إلى هلاك الحيوان والنبات لأنّ الشمس إذا بقيت مسامتة لرؤوس قوم ستة أشهر لتغير مزاج حيوانهم، واحترق نباتهم، وإن بعدت عن قوم ستة أشهر استولى البرد على مزاجهم وأنطفات حرارتهم وفسد نباتهم، وثخن جرم فلك الشمس ثلاثمائة ألفا وخمسة وخمسون ألفاً وأربعة وسبعون ميلاً.
 
ومنها ما زعمت البراهمة أن أوج الشمس في كل برج ثلاثة آلاف سنة، وتقطع الفلك في ستة وثلاثين ألف سنة، والآن في وقتنا هذا وهو إحدي وستّون وستمائة فى برج الجوزاء، زعموا أن الأوج إذا انتقل إلى البروج الجنوبية انقلبت أحوال الأرض وهيئاتها، فصار العامر غامراً والغامر عامراً، والبحر يابسأ واليبس بحراً، والجنوب شمالاً والشمال جنوباً.
 
{{عنوان|===النظر السادس في فلك المريخ}}===
وهو يحده سطحان متوازيان مركزهما مركز العالم، فالأعلى منهما مماس لفلك المشتري، والأدني مماس فلك الشمس، وتتم دورته التي تختص به من المغرب إلى المشرق فى سنة واحدة وعشرة أشهر واثنين وعشرين يوماً، وصورته كفلك القمر وفلك الزهرة من غير فرق ولا حاجة إلى إعادته، وكذلك فلك زُحل وعلى رأي بطليموس ثخن فلك المريخ، وهو المسافة التي بين سطحه الأعلى وسطحه الأسفل عشرون ألف ألف وثلائمائة ألف وستة وسبعون ألفأ وتسعمائة وثمانية وتسعون ميلاً.
 
والمنجمون يسمون المريخ النحس الأصغر لأنه دون زُحل في النحوسة، وأضافوا إليه البطش والقتل والقهر والغلبة، وجرم المريخ مثل جرم الأرض مرّة ونصف مرةٌ بالتقريب، وثخن جرمه تسعمائة ألف وثمانمائة وخمسة وثمانون ميلاً، ويبقى في كل برج إذا كان مستقيماً أربعين يوماً.
 
{{عنوان|===النظر السابع في فلك المشتري}}===
وهو يحدّه سطحان متوازيان، الأعلى منهما مماس لفلك زُحل، والأدنى مماس لفلك المريخ، مركزهما مركز العالم، ويتم دورته المختصة به من المغرب إلى المشرق في إحدى وعشرين سنة وعشرة أشهر وخمسة عشر يوماً، وصورته كصورة فلك المريخ والزهرة، وقد مضى ذكرهما، وثخن جرمه وهو المسافة التي بين سطحه الأعلى وسطحة الأسفل عشرون ألف ألف وثلاثمائة واثنان وثلاثون ألفاً وأربعمائة واثنان وثلاثون ميلاً بالتقريب.
 
وأمًا المشتري فسمّاه المنجّمون السعد الأكبر لأنّه فوق الزهرة فى السعادة، وأضافوا إليه الخيرات الكثيرة والسعادات العظيمة. وجرم المشتري مثل جرم الأرض أربعة وثمانون مرة وثلث وربع، وقطر جرم المشتري كقطر جرم الأرض أربع مرات وربعاً وسدساً يقطع في كل يوم خمس دقائق.
 
{{عنوان|===النظر الثامن في فلك زُحل}}===
وهو يحده سطحان متوازيان مركزهما مركز العالم، الأعلى منهما مماس لفلك الكواكب الثابتة، والأدنى منهما مماس لفلك المشتري، وتتم دورته المختصة به من المغرب إلى المشرق في تسع وعشرين سنة وخمسة أشهر وستة أيام، قال بطليموس: ثخن جرم فلك زُحل أحد وعشرون ألف ألف ميل وستمائة وستة وثلاثون ألفاً وستمائة وستة أميال.
 
وسماه المنجمون النحس الأكبر لأنه في النحوسة فوق المريخ، وأضافوا إليه الخراب والهلاك والهم والغم. وجرم زُحل كجرم الأرض إحدى وثمانين مرّة وقطره كقطر جرم الأرض أربعين مرّة وثلثي مرّة. زعموا أن النظر إليه يفيد غماً وحزناً، كما أن النظر إلى الزهرة يفيد فرحا وسروراً.
 
{{عنوان|===النظر التاسع في فلك الثوابت}}===
وهو يحده سطحان متوازيان مركزهما مركز العالم، فالأعلى منهما مماس للفلك الأعظم المحيط بجميع الأفلاك المحرك لكلها، والأدنى منهما مماس لفلك زُحل، وهذا الفلك أيضاً يتحرك من المغرب إلى المشرق حركة بطيئة، فيقطع في كل مائة سنة جزءاً من الأجزاء التي بها تكون الدائرة ثلاثماثة وستّين جزءاً ودورته تم في ستة وثلاثين ألف سنة وقطباها قطبا دائرة البروج التي ترسمها الشمس، وسيأتي ذكر ذلك إن شاء الله تعالى، وقد وجد في رصد بطليموس وأرصاد من كان قبله أن جميع الكواكب الثابتة مركوزة في جرم هذا الفلك، ولذلك لا تختاف أوضاعها، وكلها تتحرك بحركة فلكها البطيئة على محيط دائرته غير مفارقة لها، وهي كثيرة مختلفة الأقدار مثبتة في جميع جرم هذا الفلك، قال بطليموس: ثخن فلك الثوابت وهو المسافة التى بين سطحه الأعلى، وسطحه الأدنى أربعة وثلاثون ألفاً وسبعمائة وأربعة وأربعون ميلاً بالتقريب، وهذا المقدار هو قطر الكواكب الثابتة التي هي في العظم الأوّل، وجرم الكواكب الذي هر في العظم الأول مثل جرم الأرض أربعة وسبعين عرّة وخمس، وجرم أصغر الكواكب الثابتة وهو الذي يكون في العظم السادس مثل جرم الأرض ثماني عشرة مرّة، وقطر فلك الكواكب الثابتة وهو محدد فلك البروج مائة واحد وخمسون ألف ألف ميل وخمسمائة وسبعة وثلاثون ألفاً ومائة وأربعة وثمانون ميلاً، ولعل البعض يستبعد معرفة مقادير هذه الأجرام، ويخطر له أن الذي على سطح الأرض كيف يدري ثخن الفلك الثامن وأجرام كواكبه، فالأولى تركه الاستبعاد فإن الأمر الذي لا يعرفه هو لا يستحيل أن يعرفه غيره، ومن مارس علم الهندسة لا يتعذر عليه براهين هذه الأمور، فإن لكل عمل رجالاً، فسبحان من أبدع هذه الأجسام الرفيعة وزينها بهذه الأجسام المنيرة، وخص كل واحد منها بما شاء من المقدار، وأعطى الإنسان آلة يدرك بها هذه الأمور الغامضة، فقال تعالى: ﴿ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴾.
 
'''بطن الحوت:''' هي كواكب كثيرة في مثل حلقة السمكة، وتسمّى الرشاء أيضاً، وهي كواكب معترضة ذنبها نحو اليمن، ورأسها نحو الشام، وطلوعها لأربع ليال تخلو من نيسان، وسقوطها لخمس تمضي من تشرين الأول، وعند سقوطه ينتهي غور المياه، ويطلع بعده الشرطين، ويعود الأمر إلى ما كان عليه في السنة الأولى، وتقول العرب: إذا طلعت السمكة أمكنت الحركة. ورقيب بطن الحوت السماك، ونوءه غزير المطر قَلّما يخلف، وهو أوان حصاد الشعير بالجروم، قال أبو إسحاق الزجاجي: إِنّ السنة أربعة أجراء، كل جزء منها سبعة أنواء، كل نوء منها ثلاثة عشر يوماً، وزادوا فيها يوماً لتتم السنة ثلائمائة وخمسة وستّين يوماً وهو مقدار قطع الشمس فلك البروج، والله الموفق.
 
{{عنوان|===النظر العاشر في فلك البروج}}===
اعلم أنّه ليس فلك كسائر الأفلاك، بل هو أمر موهوم، وذلك لأنّهم ذهبوا إلى أن لكل كوكب من الكواكب كرة تخصّه، وإِنّ لكل كرة حركة تخصّها، وأن الكوكب مركوز في جرم الفلك كنقطة، وأن كل كرة تتحرك على قطبين، وأنّ النقطة الى عليها برسم دائرة موهومة على سطح الكرة، فإذا تحرك فلك الشمس من المشرق إلى المغرب كانت حركته قسرية، وإنما حركة فلك الشمس المختصّة به من المغرب إلى المشرق فإذا تمت دورته حدثت من مركز الشمس دائرة عظيمة في فلك الشمس، وتتوهم هذه الدائرة قاطعة للعالم فتحدث في سطح الفلك الأعلى دائرة عظيمة مركزها مركر العالم، وهي الدائرة التي تسمّى فلك البروج، ثم إِنّ الدائرة التي هي أعظم الدوائر التي تمر بمركز العالم وتقطع العالم نصفين، وقطبها قطبا العالم اللذان يسميان الشمالي والجنوبي تسمّى دائرة معدل النهار. فنقول دائرة فلك البروج تقطع دائرة معدل النهار نصفين على نقطتين متقابلتين تسمّى إحداهما نقطة الاعتدال الربيعي، والأخرى نقطة الاعتدال الخريفي، ثم تتوهم دائرة أخرى تمر بنقطتي معدل النهار، وهما قطبا العالم ونقطتي فلك البروج فتقطع دائرة فلك البروج على نقطتين متقابلتين، إحداهما مما يلي الشمال، والأخرى مما يلي الجنوب، أمّا الشمالية فتسمى نقطة الاتقلاب الصيفى، وأمّا الجنوبية فتسمى نقطة الانقلاب الشتوي، فهاتان الدائرتان تقسمان فلك البروج أربعة أقسام متساوية. أما الربع الذي بين نقطتي الاعتدال الربيعي وبين الانقلاب الصيفي فهو الذي يحدثه زمان الربيع، لأنّ الشمس ما دامت بحركة فلكها الخاص مسامتة لهذا القوس يسمّى ذلك الزمان ربيعاً. وأمًا الربع الذي بين نقطتي الانقلاب الصيفى والاعتدال الخريفى فهو الذي يحدثه زمان الصيف لأن الشمس ما دامت مسامتة لهذا القوس يسمّى ذلك الزمان صيفاً. وأما الربع الذي بين نقطتي الاعتدال الخريفى والانقلاب الشتوي فهو الذي يحدثه زمان الخريف لأن الشمس ما دامت مسامتة لهذا القوس يسمّى الزمان خريفاً.
 
وأما الربع الذي بين نقطتي الانقلاب الشتوي والاعتدال الربيعي فهو الذي يحدثه زمان الشتاء لِأنّ الشمس ما دامت مسامتة لهذا القوس يسمّى الزمان شتاء، تتوهم أيضاً دائرتان عظيمتان تخرجان من قطبي دائرة البروج، فيقطعان الربع الربيعي ثلاثة أقسام متساوية، ويقطعان أيضاً الربع الخريفي المقابل لهذا الربع ثلاثة أقسام متساوية، وتتوهم أيضاً دائرتان عظيمتان تخرجان من قطبي دائرة البروج، وتقطلعان الربع الصيفي والربع الشتوي المقابل له، كل واحد منها ثلاثة أقسام متساوية، فتصير جملة الدوائر الخارجة من قطبي دائرة البروج ستة، فإذا ترهمنا ست دوائر قاطعة للعالم تمر بقطبي الدائرة بنقطتين متقابلتين، انقسم كل واحد من الأفلاك التسعة اثني عشر ر قسماً، يسمّى كل قسم منها برجاً، وكل برج منها مقسوم ُ ثلاثين قسماً، يسمى كل قسم منها درجة، فالدوائر بجملتها ثلائمائة وستون درجة، ثم قسموا فلك الثوابت بهذه الدوائر الست اثني عشر قسماً، في كل قسم كواكب متشكلة بأشكال مختلفة، ففى أحد هذه الأقسام كواكب متشكلة بشكل يشبه صورة الحمل، فسمّي ذلك القسم برح الحمل، ثم يلي هذه القطعة قطعة عليها كواكب متشكلة يصورة شبيهة بالثور، فيسمى هذا القسم برج الثور، وهكذا إلى آخر الأقسام، وذكر بطليموس أن دائرة البروج أربعمائة وستّة وثمانون ألف ألف ومائتان وتسعة وخمسون ألفاً وسبعمائة وأحد وعشرون ميلاً وسبع ميل، فطول كل برج تسعة وثلاثون ألف ألف وثلاثمائة وثمانية وثمانون ألفاً وثلاثمائة وعشرة أميال ونصف وسدس ميل، وعرض كل برج ألف ألف وثلاثمائة واثنان وعشرون ألفاً وتسعمائة وثلاثة وأربعون ميلاً وثلث ميل، والله الموفق للصواب.
 
{{عنوان|===النظر الحادي عشر في فلك الأفلاك}}===
سمّي بهذا الاسم لإحاطته بجميع الأفلاك وتحريكه كلها ويقال له الفلك الأعظم لأنه أكبر الأفلاك: ويقال له الفلك الأطلس لأنهم لم يعرفوا له كوكباً، وحركة هذا الفلك من المشرق إلى المغرب على قطبين ثابتين، ويقال لأحدهما القطب الشمالي، وللآخر القطب الجنوبي، وتتم دورته في أربع وعشرين ساعة، وبحركته تتحرك الأفلاك كلها مع كواكبها، وحركته أسرع من كل شيء شاهده الإنسان حتى صح في الهندسة أن الشمس تتحرك بحركتها القسرية، وهي حركة الفلك الأعظم في مقدار ما يرفع الإنسان قدمه للخطو إلى أن يضعها ثمانمائة فرسخ، ويشهد بصحة هذا ما روي عن رسول الله {{ص}} أنه سأل جبريل عليه السلام عن دخول وقت الصلاة، فقال: لا، نعم، فسأل رسول الله {{ص}} عن قوله لا نعم، فقال: من وقت قلت لا إلى أن قلت نعم مرت الشمس خمسمائة فرسخ.
 
وبحركة هذا الفلك يتكوّن الليل والنهار، فإذا طلعت الشمس بدوران هذا الفلك على جانب من الأرض أضاء جوّها وأشرق سطحها، وتحركت حيواناتها، وربا نباتها، وفاح نسيمها، وإذا غابت بدوران هذا الفلك عن جانب من الأرض أظلم جوها واسود وجهها، وسكنت حيواناتها، وذبل نباتها، فما دامت هذه الحركة محفوظة، فهذه الحالة موجودة، وأشار إليها يقوله تعالي : ﴿ وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾. والحكماء سمّوا هذا الفلك محدداً لاعتقادهم أن ليس وراء ذلك خلاء وملأ، وقال أبو عبد الله محمد بن عمر الرَازِي بعد ما أظهر فساد القول بالمحدد: من أراد أن يكتال مملكة الباري تعالى بمكيال العقل فقد ضلّ ضلالاً بعيداً، وقد أحب بعض السالفين التوفيق بين الآيات والأخبار، وقول الحكماء: فزعم أن الكرسي هو الفلك الثامن من الذي ذكرنا سعته وعجائبه، والعرش هو الفلك التاسع الذي هو أعظم الأفلاك، والله تعالى أعلم بصحة هذا القول أو فساده، ولا شك في وجود العرش والكرسي لنصوص الأيات، ولما رواه أبو الدرداء رضي الله عنه عن رسول الله {{ص}} أنه قال: « اما السمـٰوات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقأة في فلاة. وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة، وأمًا العرش فإنه مخلوق عظيم من مخلوقات الله تعالى قبلة لأهل السمـٰوات » كما أنْ الكعبة قبلة لأهل الأرض فسبحان العظيم.
 
{{عنوان|===النظر الثاني عشر في سكان السمـٰوات وهم الملائكة}}===
زعموا أنّ الملك جوهر بسيط ذو حياة وفطر وعقل، والاختلاف بين الملائكة والجن والشياطين كالاختلاف بين الأنواع، واعلم أن الملائكة جواهر مقدسة عن طلب الشهوة، وكدورة الغضب لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، طعامهم التسبيح، وشرابهم التقديس، وأُنسهم بذكر الله تعالى، وفرحهم بعبادته، خلقوا على صور مختلفة، وأقدار متفاوتة لإصلاح مصنوعاته وإسكان سمـٰواته وقال {{ص}}: « أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها قدر شبر إلا وفيه ملك راكع أو ساجدة ». وقال بعض الحكماء: إن لم يكن في فضاء الأفلاك وسعة السمـٰوات خلائق، فكيف يليق بحكمة الباري جلت قدرته تركها فارغة مع شرف جوهرها، فإنه لم يترك قعر البحار المالحة المظلمة فارغاً حتى خلق فيه أجناس الحيوانات وغيرها، ولم يترك جو الهواء الرقيق حتى خلق أنواع الطير، ولم يترك البراري اليابسة والآجام والجبال حتى خلق فيها أجناس الهوام والحشرات. وأمًا أصناف الملائكة فلا يعرفهم غير خالقهم كما قال تعالى : ﴿ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ﴾ غير أن صاحب الشرع أعلم ببعضهم، وبحسب وقوع الحوادث اهتدى العقل إلى بعضهم حتى قيل: ما من ذَرّةَ من ذرَات العالم إلا وقد وُكَل بها ملك أو ملائكة، وما من قطرة إلا ومعها ملك ينزل بها من السحاب، ويدعها في المكان الذي قدر الله تعالى، هِذا حال الذرّات والقطرات فما ظنك بالأفلاك والكواكب والهواء والغيوم والرياح والأمطار والجبال والقفار والبحار والعيون والأنهار والمعادن والنبات والحيوان، فبالملائكة صلاح العالم، وكمال الموجودات بتقدير العزيز العليم، ولنذكر بعض من أخبر بهم صاحب الشريعة صلوات الله عليه وسلامه وهم الملائكة المقرّبون عليه وعليهم الصلاة والسلام.
 
فنقول إنّ جزءاً من الغذاء لا يصير جزءاً من المغتذي حتى يعمل فيه عدّة من الملائكة، ومعنى التغذي أن يصير جزء من الغذاء جزءاً من المغتذي، فَإِنّ الغذاء جماد لا يصير دما ولحماً وعظماً بنفسه، كما أنّ البر لا يصير طحيناً وعجيناً ورغيفاً حتى تعمل قيه الصناع، فصناع الظاهر أناس وصناع الباطن الملائكة، فقد أسبغ الله عليك نعمه ظاهرة وباطنة، وأقول أوّلا لا بد من ملك يجذب الغذاء إلى جوار اللحم والعظم، إن الغذاء لا يتحرك بنفسه، ولا بد من ثان يمسكه حتى تعمل فيه الحرارة، ثم لا بد من ثالث يلبسها صورة الدم ثم، لا بد من رابع يدفع القدر الفاضل عن الغذاء، ثم لا بد من خامس يميّز العظم واللحم والعروق وما يليق بها ثم لا بد من سادس يلصق ما اكتسب صورة العظم بالعظم وما اكتسب صورة اللحم باللحم ثم لا بد من سابع يراعي المقادير في الإلصاق فيلحق بالمستدير ما لا يبطل استدارته، وبالعريض ما لا يبطل عرضه، وبالمجوف ما لا يبطل تجويفه، ويحفظ على كل واحد مقدار حاجته ويدفع الزائد فإنّه لو جمع على الأنف من الغذاء مقدار ما يجمع للفخذ لتشؤهت الصورة، بل ينبغي أن يسوق إلى الأجفان رقيقها وإلى الحدقة صافيها وإلى الأفخاذ غليظها وإلى العظم صلبها مع مراعاة القدر والشكل وإلا بطلت الصورة، فلو لم يراع هذا الملك هذا القسط فساق الغذاء إلى جميع البدن، ولم يسق إلى رجل واحدة مثلاً لبقيت تلك الرجل كما كانت في أيام الصغر وكبر جميع البدن فترى شخصاً في ضخامة رجل له رجل كأنّها رجل صبي ولا ينتفع بنفسه البتة، فمراعاة هذه الهندسة مفوّضة إلى هذا الملك، فهذا حال بعض الملائكة الموكلين ببدن بني آدم، نهم مشتغلون بك وأنت في النوم أو تتردد في الغفلة وهم يصلحون بدنك ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾ وهكذا حال جميع الكائنات، فما من شيء إلا وقد وكل الله به ملكا أو ملائكة، والله الموفق.
 
{{عنوان|===النظر الثالث عشر في الزمان}}===
زعموا أن الزمان مقدار حركة الفلك وهذا على رأي أرسطاطاليس وأصحابه، وعند غيره مرور الأيام والليالي، ثم مقدار حركة الفلك ينقسم إلى القرون، والقرون إلى السنين، والسنون إلى الشهور، والشهور إلى الأيام، والأيام إلى الساعات والزمان أنفس رأس مال به تكتسب كل سعادة، وإِنّه يضمحل شيئاً فشيئاً، وزمانك عمرك وهو معلوم القدر عند الله تعالى، وإن لم يكن معلوماً عندك وما مثله إلاّ كمسافة ساع يسعى في قطعها قوي على السير لا يفتر طرفة عين، فما أعجل انقطاعها، وإن كانت بعيدة، وما أسرع زوالها وإن كانت كعمر لقمان مدّة مديدة، ولنذكر شيئأ من خواصها وعجيبها.
 
|}
قال جعفر الصادق رضى الله عنه: إذا أشكل عليك أوّل شهر رمضان فعد الخامس من الشهر الذي صمته في العام الماضي، فإنه أول يوم من شهر رمضان الذي في العام المقبل وقد امتحنوا ذلك خمسين سنة، فكان صحيحاً.
 
{{عنوان|فصل: في شهور الروم}}
وهي مختلفة العدد لأنهم أرادوا أن تكون شهورهم مساوية لمسير الشمس، وحركات الشمس مختلفة في أرباع السنة، فبعضها أكثر أياماً من البعض على ما نطقت به الأرصاد القديمة والحديثة، فلهذا جعلوا بعض الشهور ثلاثين وبعض الشهور واحدا وثلاثين وبعضها ثمانية وعشرين، فأعطوا كل شهر ما يستحقه حتى صار المجموع ثلاثمائة وستين يوماً، وجعلوا يوماً في آخر السنة، وهذا مجموع أيام سنتهم، وقد وضعوها على هذا الوجه:
{| class="wikitable" style="text-align:center;"
|-
|تشرين الأوّل || تشرين الثاني || كانون الأوّل || كانون الثاني || شباط || أذار ||نيسان ||أيار || حزيران || تموز || آب || أيلول
|-
| لا || ل || لا || لا || كح || لا || ل || لا || ل || لا || لا || ل
|}
 
وقد جمعها الشاعر في هذين البيتين فقال:
{{بداية قصيدة}}
{{بيت|فتشرينكم الثاني|كأيلول ونيسان}}
{{نهاية قصيدة}}
ثلاثون ثلاثون أتوا بعد حزيران شباط خص بالنقص وذاك النقص يومان وباقيها
ثلاثون ويوم واحد كاني
 
'''تشرين الأول:''' أحد وثلاثون يوماً، في اليوم الأول تهيج الصبا، وفي الثالث عبد دير الثعالب، وفي الخامس عيد كنيسة القيامة ببيت المقدس، يزعمون أنْ ناراً من السماء تنزل وتسرج الشمع هناك، وفى السابع عيد التباريك، وفي الثالث عشرة تفور المياه ويقوم سوق أذرعات، ويضطرب البحر، وفي الخامس عشر يبرد الزمان وتكثر الرياح، و يصرم النخل، وإذا قطع خشب لم بنخر خشبه، ولم يسوس، وفي الثامن عشر ينقص النيل، وفي الحادي والعشرين يزرع على نيل مصر، وفي الثاني والعشرين يبتدىء الهواء بالبرد، وفي الثلاثين تذهب الحدأ والرخم والخطاطيف إلى الغور، ويسكن النمل جوف الأرض.
 
'''تشرين الأخر:''' ثلاثون يوماً، في اليوم الأول تهب الجنوب، وفي الثاني أوّل أوقات المطر، وفي الخامس تخفى الهوام، وفي السابع لقط الزيتون بالشام، وكثرة الغيوم واضطراب البحر فلا نجري فيه جارية، وفي الثامن غليان البحر وفي التاسع أوّل المرور في بحر فارس، وفي الثالث عشر ابتداء اضطرابه، وإن قطع فيه خشب لا تقع فيه الأرضة والسوس، وفي السابع عشر ابتداء صوم الميلاد وهو أربعون يوماً، وفي العشرين تموت كل دابة لا عظم لها، وفي الثاني والعشرين ينهى عن شرب الماء البارد بالليل، وفي الثالث والعشرين لقط الزيتون عند القبط، وفي الثامن والعشرين امتداد أمواج البحر.
 
'''كانون الأوّل:''' أحد وثلاثون يوماً، في اليوم الأول منه يقوم سوق ثوما بدمشق، ويغرس قضيب البان، وفي الحادي عشر قيام سوق الأردن، والرابع عشر أَوّل الأربعينات، والسابع عشر ينهى غن تنارل لحم البقر والأترنج، وشرب الماء بعد النوم، وعن الحجامة وطلي النورة، ويسمّون هذا اليوم الميلاد الأكبر، يعنون به الانقلاب الشتوي ويقولون إن فيه مخرج النور من حد النقصان إلى حد الزيادة، وتأخذ الإنس في النشوء والنماء والجن في الذبول والفناء، وفي التاسع عشر غاية طول الليل وقصر النهار، وفي الثالث والعشرين تنتهي زيادة النبل، وتكثر الأنداء ويسقط ورق الأشجار، وفي الخامس والعشرين ميلاد المسيح عليه السلام، وفي التاسع والعشرين ينهى عن شرب الماء عند النوم، ويقولون إِنّ الجن تتقيّأ في الماء ومن شربه يغلب عليه البله.
 
'''كانون الثانى:''' أحد وثلاثون يوماً في اليوم الأوّل منه يرجي المطر وفيه القلفداس بالشام يوقدون ناراً عظيمة، وفي السادس عبد الذبح زعموا أن فيه ساعة تصير فيها المياه المالحة عذبة، وفي العاشر صوم العذاري، وفي السابع عشر يذهب البرد ببلاد فارس، وفي الثاني والعشرين تنتهي الأربعينات، وفي الرابع والعشرين يدور العشب في الأرض وتتزاوج الطيور، وفي الخامس والعشرين يزرع القطن والبطيخ، وتغرس الأشجار بأرض الروم، وتكسح الكروم بأرض مصر، وتغتلم فحول الإبل.
 
'''شباط:''' ثمانية وعشرون يوماً، في السابع منه تسقط الجمرة الأولى، وفي الثالث عشر يجري الماء في العود من أسفله إلى أعلاه، وتنق الضفادع، وفي الرابع عشر صوم النصارى، وتسقط الجمرة الثانية، وفي العشرين يخرج الذئب، وتتحرك البراغيث، وفي الخامس والعشرين تزرع القثاء والبطيخ وتلد الوحش، ويصوت الطير وتطير الخطاطيف ويلد الماعز، ويغرس شجر الورد، ويزرع الياسمين والنرجس، ويورق الكرم، ويكثر العنب، وفي الحادي والعشرين سقوط الجمرة الثالثة، ومعني سقوط الجمرات أنّ الناس كانوا يتّخذون في قديم الزمان أخبية ثلاثة في الشتاء محيطاً بعضها بالبعض، وكانت دوايهم الكبار كالإبل والبقر في البيت الأول، ودوابهم الصغار كالغنم في البيت الثاني، وهم كانوا في البيت الثالث، وكانوا يشعلون جمرات النار في كل بيت ويتخذون الجمر للاصطلاء، فلمّا كان السابع من شباط أخرجوا دوابهم الكبار إلى الصحراء، وجعلوا الصغار مكانها، وهم سكنوا مكان الصغار، فحينئذ سقطت من الجمرات الثلاث جمرة، فإذا مضى أسبوع آخر أخرجوا الخنم أيضاً إلى الصحراء، وهم سكنوا مكانها، فسقطت جمرة أخرى، فإذا مضى أسبوع آخر خرجوا إلى الصحراء وتركوا إشعال النار لقَلهٌ البرد وطيب الهواء، فسقطت الجمرات الثلائة، وفي الخامس والعشرين يظهر الدفا وتهب الرياح اللواقح، وتكسح الكروم، وفي السادس والعشرين أول أيام العجوز، وأيام العجوز سبعة أيام ثلاثة من شباط وأربعة من آذار، قيل إنها سميت أيام العجوز لأنّ الله تعالى أهلك قوم عاد في هذه الأيام، فتخلفت منهم عجوز كانت تنوح عليهم كل سنة في هذه الأيام، فهذه الأيام لا تخلو من برد أو رياح، أو كدورة، فذهب بعضهم إلى أنّها من الأمور الطبيعية وأنّ البرد يشدد في آخر الشتاء كما أن الحر يشتد في آخر الصيف، وذلك يجري مجرى السراج الذي فنيت رطوبته، فإنّه عند اتطفائه يشْيد ضوءه دفعات.
 
'''َآذار:''' أحد وثلاثون يوماً، في اليوم الأول يخرج الجراد والدبيب، وفي الرابع منه آخر أيام العجوز، وذهب بعضهم إلى أنّها انّما سميت أيام العجوز لأنّ عجوزاً كاهنة من العرب أخبرت قومها ببرد شديد في آخر الشتاء يسوء أثره على المواشي، فلم يكترثوا بقولها وجزّوا أغنامهم واثقين بإقبال الربيع، فإذا هم ببرد شديد أهلك الزرع والضرع، فنسبوا تلك الأيام إليها، وفي السابع اختلاف الرياح العواصف، وفي الثاني عشر يؤمر بالحجامة، وفي الثالث عشر تظهر الخطاطيف والحدأ وفي السادس عشر تفتح الحيات أعينها في أيام البرد لأنها تجتمع في باطن الأرض، فيظلم بصرها وفي الثامن عشر يعتدل الليل والنهار وهو أوّل ربيع العجم وخريف الصين، ويغلظ ماء البحر أن الشمس تبخر لطيف أجزائه، قالوا إن العقيم من الرجال إذا نظر فى ليلة هذا اليوم إلى الشهر ثم جامع أهله ولدت، وفي هذا اليوم تهب الرياح اللواقح، وتسنبل الحنطة، ويدرك النبق والباقلاء، و يعقد اللوز والمشمش، ويورق الشجر، ويغرس الكرم، ويخاف التمساح بمصر، وفي الخامس والعشرين غليان البحر.
 
'''نيسان:''' ثلاثون يوماً، في اليوم الأول منه يرجي المطر وفي الرابع الشعانين، وفي الحادي عشر منه عيد النصارى، وفي العشرين منه تهيج الرياح الشرقية، ويفرخ الطير، وفي الحادي والعشرين قيام سوق فلسطين، وفي الثاني والعشرين هبوب الجنوب، وامتداد الأدوية، وفى فى الثالث والعشرين موسم دير أيوب بالشام، وفي التاسع والعشرين يمتلىء الفرات، وفي التاسع والعشرين يهيج الدم، وتعنقد الثمار، ويدرك اللوز.
 
'''أيار:''' أحد وثلاثون يوماً، في ثاني يوم منه عيد دير الثعالب، دفي السابع عيد الصليب، وفي الحادي عشر أوّل البوارح، وفي الخامس عشر عيد الورد المستحدث، وفي السادس عشر تهيج الصبا، ويطيب ركوب البحر، وفي الرابع والعشرين يرتفع الطاعون بإذن الله و يخضر الزرع، ويركب البجر، وتبدو السمائم، وتهب الشمال ويسوّد العنب، وتبين زيادة نيل مصر، وتهب الدبور، وفي الخامس والعشرين منه عيد الورد، وفريك السنبل، وفي التاسع والعشرين سبت القيامة.
 
'''حزيران:''' ثلاثون يوماً في الحادي عشر منه نوروز الخليفة ببغداد فيه اللعب ورش الماء وغيرها مما هو مشهور، وفي السادس عشر يتنفس نيل مصر، وتفور المياه، وفي الثامن عشر غاية طول النهار، و قصر الليل وهو الأمتلاء الأكبر يعظمه العرب والعجم، وهو الأنقلاب الصيفي، وفي الثاني والعشرين يوضع المنجل في الزرع، وتدرك الفاكهة والبطيخ والتين والعنب، ويشتد الحر، وفي الخامس والعشرين مولد يحيى بن زكريا عليهما السلام، وابتداء السمائم بالهبوب وهي أحد وخمسون يوماً ويمتلك جيحون، وفي الثامن والعشرين آخر البوارح، وفي التاسع والعشرين ينظر أصحاب التجارب بمصر، فإن كثر فيه الندى قالوا: يمتد النيل وإن لم يكثر قالوا لا يمتد.
 
'''تموز:''' أحد وثلاثون يوماً، في الخامس تطلع الشعرى وبطلوعهايعرفون صلاح الزروع وفسادها،‏ وذلك أنّ أصحاب الفلاحة من العجم أخذوا لوحاً قبل طلوع الشعرى وضعوا ذلك اللوح على موضع عال لا يحول بينه بين السماء شيء، فما أصبح مخضراً من ذلك النبات فهو الذي صلح في تلك السنة، وما أصبح مصفراً فهو الذي فسد، وفي السابع يموت الجراد، وفي العاشر يقوم سوق بصرى، وفي الثامن عشر أوّل أيام الباحور، وهي سبعة أيام متوالية يستدلون بكل يوم منها على شهر من أشهر الخريف والشتاء من تغيرات وتلون، وزعموا أنها للسنة كأيام البحران المريض، وأنْ كل شهر من تلك الأشهر حاله كحال يوم عن تلك الأيام أوّلها كأولها وآخرها كآخرها في التغيرات، وفي الرابع والعشرين تشتد صولة الحر، ويرتفع الطاعون، ويكثر الرمد ويزرع البطيخ الشتوي والجزر والذرة، وفي الخامس والعشرين ينهى عن الجماع لشدة الحر، وفي السابع والعشرين يحمر البسر ويقطف العنب والقصب النبطي، وتفور المياه وتنضج الفواكه كلها، وفي الثلائين عيد كنيسة مريم عليها السلام.
 
'''آب:''' أحد وثلاثون يوماً في الأول وفاة مريم عليها السلام، وفي السادس أوّل عيد التجلي، وفي التاسع تختلف الرياح، وفي العاشر يقوم سوق عمان، وفي الثاني عشر يبدو هواء العراق، وفي السابع عشر آخر عيد التجلي، وفي الثامن عشر تهيج الرياح البوارح، ويكثر الرمان، ويصفر الأترنج، وفي العشرين آخر السموم، وفي الثاني والعشرين فتور الحر، وفي السادس والعشرين يهيج الدم، وفي الثامن والعشرين يطيب الماء، ويكثر الرطب والعنب، ويسقط الطل والمن والسلوى بالشام.
 
'''أيلول:''' ثلاثون يوماً، في الأول عيد رأس السنة وتمامها، ويكون سوق منبج، وفي الثالث يبتدأ بإيقاد النار في البلاد الباردة، وفي الثاني عشر يفصد ويشرب الدواء، وفي الثالث عشر تنتهي زيادة النيل في مصر وعيد كنيسة القيامة، وفي الرابع عشر عيد الصليب، وفي السادس عشر فطام الأطفال، وفي الثامن عشر اعتدال الليل والنهار وهو أوّل الخريف عند العجم والربيع عند الصينيين، وزعموا أنّ المطر في السحاب الذي يرتفع فيه يصبي الروح ويبرىء الجسد، وفي العشرين يرجع الماء من أعالي الشجر إلى عروقه، وفي الرابع والعشرين زعم أصحاب التجارب أنه تهب الريح وتأتي الغربان البقع في أكثر البلاد، وهذه أمور تتكرر في كل سنة على رأي أصحاب التجارب في الأوقات المذكورة.
 
{{عنوان|فصل: في شهور الفرس}}
وهي متساوية في العدد لأنّ أيام سنتهم عددها ثلاثمائة وخمسة وستّون يوماً، فجعلوا كل شهر ثلاثين يوماً ووضعوا في آخر السنة خمسة أيام، والشهر عندهم لا يكون على أسابيع كما هو عند العرب بل هو عندهم من أوّل الشهر إلى آخبره، ولكل يوم اسم يعرف به ذلك اليوم ويتميّز به عن غيره من الأيام؛ وهذه أسمائها:
 
( هرمز - بهمن - ارديبهشت - شهرير - اسفندارمذ - اردا - مرداذ - دى بآذر - آذر - آبان - خور - ماه - تير - جوش - دى بمهر - مهر - سروش - رشن - فروردين - بهرام - رام - باذ - دى بدين - دين أرد - اشتاذ - آسمان - زامياذ - مارسفند - أنيران )
 
وإنما وضعوا لكل يوم من الأيام اسماً لأنّ لهم في كل يوم مأكولاً وملبوساً ومشموماً تخالف غيرها، ولهم أعياد منها ما هو موضوع لأمور دنياوية ومنها ما هو لأمور دينية، أمّا الدنياوية فقد وضعها ملوك الفرس ليتوصّلوا بها إلى سرور النفس مع اكتساب الدعاء والحمد والثناء، أخذها الخلف عن السلف تيمّناً وتفاؤلاً، وأما الدينية فقد وضعها أرباب الديانات والمطلوب مها الخيرات والسعادات الأخروية فيما يرونه ونحن نذكر ما كان في كل شهر إن شاء الله تعالى، وبالله التوفيق.
 
'''فروردين ماه:''' اليوم الأول منه النيروز، وهو أوّل يوم من السنة واسمه بالفارسية يعطي هذا المعنى، وزعموا أن االله تعالى في هذا اليوم أدار الأفلاك وسيّر الشمس والقمر وسائر الكواكب، واسم هذا اليوع هرمز، وهو اسم من أسماء الله تعالى، وقالوا: في هذا اليوم قسم الله السعادات لأهل الأرض من ذاق صبيحة هذا اليوم قبل الكلام السكر وتدهن بالزيت رفع عنه البلاء في عامة سنته ويتفاءلون بما وقع لهم في هذا اليوم، وكان الملك يجلس في هذا اليوم ويأتيه كل واحد من خدمه وحشمه بطرفة عجيبة، وإذا استيقظ من نومه أوّل ما تقع عينة على غلام حسن الوجه على فرس حسن، على يده بازي حسن، فإنَ هذا الشكل أحسن الأشكال قد أهدي إلى بعض خواصه، والسابع عشر منه يروش روز وسروش اسم ملك هو رقيب الليل، قيل إِنّه جبريل عليه السلام وهو أشد الملائكة على الجن والسحرةء فيطلع
على الخلق بالليل ثلاثاً، بالأولى يبرد الجو وتعذب المياه، وبالمرة الأخيرة طلوع الفجر، واعتزاز النبات ونماء الزهر، وترويح العليل، وصدق الرؤيا التاسع عشر فردورميز روز عيد يسمّى فردوميز جان لموافقة اسمه اسم الشهرة، وذلك جار في كل شهر، يعني إذا كان اسم اليوم يوافق اسم الشهر كان عيداً، وملوك النفرس اتخذوا هذا الشهر كله أعياداً وجعلوه أسداساً، كل سدس خمسة أيام، فالأوّل للملوك والثاني للأشراف والثالث لحرم الملوك والرابع للحاشية والخامس للعامة والسادس للرعاة.
 
وكان من رسم الأكاسرة أن يأمروا بإعلام الناس بجلوسه لهم عامة، وفي اليوم الثاني لمن هو أرفع مرتبة كالدهاقين والمشايخ وأرباب البيوت، وفي اليوم الثالث لأساررته وعظمائه، وفي اليوم الرابع لأهل بيته وخاصته، وفي اليوم الخامس لأولاده، وكان يوصل إلى كل أحد في كل يوم ما يستحقه من الإنعام والإكرام، وفي اليوم السادس كان فارغاً عن قضاء الحقوق لم يصل إليه إلا أهل أنسه، وكان يأمر بإحضار الهدايا يتأمّلها.
 
'''اردیبهشت ماه:''' اليوم الثالث منه اردیبهشت روز غيد يسمّى اردبيهشت كان لاتفاق العيدين واردبيهشت اسم ملك النار والنور وكله الله تعالى بذلك على زعمهم، وبإزالة العلل والأمراض بالأدوية والأغذية واليوم السادس منه هو اشتاذ روز وهو أوّل الكهنيار والكهنيارات ستّة كل واحد خمسة وهي أيام عبادات للمجوس وضعها زرادشت نبي المجوس.
 
'''خردادماه:''' اليوم السادس منه خرداد ماه روز، سمّى خرداد كان لاتفاق الإسمين وهو اسم الملك الموكل بالنبات والأشجار يربيها ويدفع النجاسات عن المياه وهو اليوم السادس والعشرون وهو اشتاذ روز أوّل الكهنيار الرابع، فيه تعلق الله النبات والأشجار، واليوم الثلاثون هو نيران روز وهو آب ريز كان يعني عيد الاغتسال.
 
'''تيرماه:''' اليوم السادس منه وهو يوم خرداد عيد يسمّى جشن نیلوفر وهو مستحدث، واليوم الثالث عشر منه نيروز، يسمّى النير كان لاتفاق الإسمين ذكروا أنّ في هذا اليوم طلب منوجهر من افراسيان لما تغلب على إيران شهر أن يردها عليه، فأنعم عليه بها، وكان منوجهر متحصّناً بطبرستان، واليوم السادس عشر مهر روز، ومهر اسم الشمس هو أوّل الكهنيار الخامس، زعموا أنه يوم خلق الله تعالى فيه البهائم.
 
'''شهريورماه:''' السادس عشر منه مهر روز عيد عظيم الشأن يعرف بالمهرجان لأنّ اسمه موافق لاسم الشهر، وكانت الأكاسرة في هذا اليوم يلبسون أبناءهم تاج الذهب الذي كان عليه صورة الشمس، وعجلتها الدائرة عليها لأنْ مهر اسم الشمس، وذكروا أن هذا اليوم خروج افريدون بعد أن أهلك الضحاك بيوراسف كل من كان ينسب إلى جمشيد وفريدون وضعته أمّه في غار وتركته، وكانت تأتيه بقرة وحش فترضعه حتى وثب على الضحاك وطرده، وأخرج أفريدون ونزلت الملائكة لعونه، وذكروا أن في هذا اليوم دحا الله الأرض، وجعل الأجساد قرار الأرواح، وقالوا من أكل يوم المهرجان شيئاً من الرمان وشم ماء الورد دفع عنه آفات كثيرة، واليوم الحادي والعشرون هو رام روز وهو اليوم الذي ظفر فيه أفريدون بالضحاك وأسره، فقال لأفريدون لا تقتلني، فأجابه إلى ذلك وحبسه بجبل نهاوند مسلسلاً في غار فيه.
 
'''آبان ماه:''' اليوم العاشر منه أبان روز يسمّى أبان كان لاتفاق الإسمين، قالوا فيه أمر بعمارة الأرض وحفر أنهارها واتصل الخبر بالأقاليم السبعة والخمسة الأخيرة من هذا الشهر أوّلها اشناد روز وتسمّى الفزورجان فيها، وكانوا يصنعون فيها الأطعمة والأشربة في النواويس على ظهورها يزعمون أنّ أرواح موتاهم تخرج في هذه الأيام من مواضع ثوابها وعقابها، فتأتيها ونتشف قوتها ويدخنون بيوتهم بالراس لتستلذ الموتى برائحته.
 
'''آذرماه:''' اليوم الأول منه هو يوم هرمز فيه ركوب الكوسج، وهو سنة لهم كان يركب في هذا اليوم رجل كوسج حماراً في أطمار من الثياب وقد تناول الأطعمة الحارة والأشربة المسخنة وطلى بدنه بالأدوية، وفي يده مروحة يتروح بها ويقول الحر الحر والناس يتضاحكون ويرمونه بالثلج والجمد، فيصيب بذلك خيراً من الناس، وبقي بذلك في عقبه إلى أن ضرب السلطان على ذلك ضربته، وكان مع الكوسج نقيع المغرة وهي طين أحمر يلطخ به ثياب من لم يسمح له بشيء، وفي هذا اليوم استخرج اللؤلؤ من البحر ولم يكن يعرف قبل ذلك، قالوا إنه يوم قضى الله فيه الخير والشر، وزعموا أن من طعم صبيحة هذا اليوم قبل الكلام سفرجلاً وشم اترنجاً سعد في سائر سنته، واليوم التاسع هو آذر روز عيد يسمّى آذرجشن لافاق الإسمين، وفيه أصطلوا بالنار، وآذر اسم الملك الموكل بجميع النيران، وقد أمر زرادشت أن تزار في هذا اليوم بيوت النيران، وتقرّب القرابين ويشاور في أمور العالم.
 
'''دي ماه:''' و يسمى أيضا جرماه اليوم الأول منه يسمى حزم روز وهو اسم اللّه تعالى وكان الملك في هذا اليوم ينزل عن سرير الملك، ويلبس الثياب البيض يرفع الحجاب ويترك هيئة الملك وينظر في مصالح الناس ويخاطبه كل من شاء من الوضيع والشريف ويجالس الدهاقين‏ والمزارعين ويواكلهم ويقول: أنا كواحد منكم ولا قوام للدنيا إلا بالعمارة التي تجري على أيديكم، وقوام العمارة بالملك لا غنى لأحدهما عن الآخر، ونحن كأخوين متلازمين، واليوم الحادي عشر أول الكهنبار الأول وفيه خلق اللّه السمـٰوات، واليوم الرابع عشر زور كوش، فيه عيد يسمى عيد سيرسو يتناول فيه الثوم والخمر، ويطبخ فيه النبات باللحم التي يتحرز به عن الشياطين وبها يتداوى من العلل المنسوبة إلى الأرواح السوء، واليوم الخامس عشر وهو سمهور روز عيد يتخذ فيه شخص من عجين أو طين على هيئة إنسان ويوضع في مدخل الأبواب ويخدم خدمة الملوك ثم يحرق وفي هذا اليوم اتفق فطام أفريدون وركوب الثور وزعموا أن من أطعم صبيحة هذا اليوم قبل الكلام تفاحاً وشم نرجساً عاش سنته بخير وخصب، وأن التدخين في ليلته بالسوسن أمان في العام من القحط والفقر، واليوم السادس عشر هو مهر روز عيد كاوكيل، زعموا أن جمعا من الفرس تخلصوا في هذا اليوم من بلاد الترك وساقوا البقر التي سبيت منهم، وزعموا أن في ليلة هذا اليوم يظهر ثور عجلة القمر وهو ثور قرناه من ذهب وقوائمه من فضة، يظهر ساعة ثم يغيب، والموفق لرؤيته مجاب الدعوة في ساعة النظر إليه.
 
'''بهمن ماه:''' اليوم الثاني منه بهمن روز عيد يسمى بهمنجة لاتفاق الاسمين، وهو الملك الموكل بالبهائم التي يحتاج الناس إليها للعمارة، وأهل فارس كانوا يطبخون فيه قدورا يجمعون فيها من كل حب ولحم، ويشربون فيه اللبن، ويزعمون أن ذلك يصلح للحفظ، ولهذا اليوم خاصية في لقط الأدوية من الجبال والأودية واتخاذ الأدهان وتهيئة البخور والدخن، وزعموا أن ذلك وضع جاماسب الوزير ونفعها بين واليوم الخامس وهو يوم اسفندار مد عيد يسمى نوسدة، ومعناه البندق الجديد وهو من مآثر هوراسف، واليوم العاشر وهو أبان يسمى أبان عيد، ويسمى السدق وتفسيره المائة، وقيل: إنه إنما سمي سدقا لأنه بقي إلى آخر السنة مائة يوم، وقيل: لأنه تم في هذا اليوم عدد المائة من الآب الأول وهو كيومرت، قالوا: إن الشتاء يخرج من جهنم إلى الدنيا في هذا اليوم والناس في هذا اليوم يوقدون نيراناً وينحرون قرابين لدفع مضرته حتى صار من رسم الملوك في هذه الليلة إيقاد النيران وإرسال الطيور والوحش، وقد شدوا فيه باقات من الشوك مشتعلة مع الشرب والتلهي، واليوم الثلاثون و هو أنيران روز عيد يسمى إبريز، كان بأصبهان وتفسيره صب الماء والسبب فيه أن القطر احتبس في زمان فيروز جدأنو شروان وأجدب الناس، فترك فيروز الخراج وفتح الخزائن واستدان من بيوت النيران‏ وجاد بها على الرعية و تفقدهم تفقد الوالد الولد حتى لم يمت في تلك السنين أحد جوعا ثم صلى ودعا اللّه تعالى بإزالة ذلك عن الخلق ودخل بيت النار وأدار يده و ساعده حوالي اللهيب، وضمه إلى صدره ثلاث مرات ضم الصديق صديقه، وبلغ اللهب لحيته ولم تحترق وكان ذا لحية كثة ثم قال: اللهم إن كان هذا الاحتباس من أجلي وسوء سيرتي فبين لي حتى أخلع نفسي، وإن كان لغيري فبين لي وأزل عن أهل الدنيا ذلك وجد عليهم بالمطر، ثم خرج من بيت النار فارتفعت سحابة وأبلت بأمطار لم يعهد مثلها غزارة، فأيقن فيروز بإجابة دعائه، وجرت المياه في الخيام والسرادقات وكان الناس يصب بعضهم على بعض فرحا وسرورا فصار ذلك سنة لهم إلى هذا الوقت.
 
'''اسفندارمذ ماه:''' اليوم الخامس وهو اسفندارمذ روز عيد لاتفاق الاسمين وهو اسم الملك الموكل بالأرض والمرأة الصالحة المحبة لزوجها، وهذا عيد خاص للرجال والنساء يحسن بعضهم إلى بعض ويتخذون فيما بينهم العهود، وقد بقي هذا بأصبهان يسمونه مرزكيران، وهذا اليوم تكتب فيه الرقاع لدفع الهوام والحشرات، فيكتبون من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس الرقية المعرفة، ويلصقون ثلاثة منها على الجدران الثلاثة من البيت، ويتركون الجدار المقابل لصدر البيت.
 
{{عنوان|القول في فصول السنة}}
السنة عند العرب اثنا عشر شهراً وعند العجم كذلك إلا أن العرب تجعل شهورها على مدار الأهلة وأيّامها ثلاثمائة وأربعة و خمسون يوماً، وأما العجم فجعلوا شهورهم على مدار الشمس، وأيامها ثلاثمائة وخمسة وستون يوماً، وفي هذه المدة تقطع الشمس دائرة الفلك فسنو العرب قمرية، وسنو العجم شمسية والتفاوت بينهما كل مائة سنة ثلاث سنين، قال اللّه تعالى: ﴿ وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا ﴾ بحساب العرب، وأول السنة الشمسية مسامته الشمس لنقطة الاعتدال الربيعي، ثم تتحرك متوجهة نحو الشمال حتى تبلغ غايتها في الشمال ثم ترجع متوجهة إلى نقطة الاعتدال الخريفي حتى تصير مسامته لها، ثم تتحرك متوجهة نحو الجنوب حتى تبلغ غايتها في الجنوب، ثم ترجع متوجهة إلى نقطة الاعتدال الربيعي فلهذا الاعتبار قسموا السنة أربعة أقسام كل قسم فصل ومن جملة لطف اللّه تعالى أن أعطى كل فصل طبقة مغايرة لما بعده في كيفية أخرى ليكون ورود الفصول على الأبدان بالتدريج، فلو انتقل من الصيف إلى الشتاء دفعة واحدة لأدى ذلك إلى تغيير عظيم في الأبدان، فحسبك ما ترى من تغيير الهواء في يوم واحد من الحر إلى البرد كيف يظهر مقتضاه في الأبدان فكيف إذا كان مثل هذا التغيير في الفصول، فسبحانه ما أعظم شأنه وأكثر امتنانه.
 
'''أما الربيع:''' فهو نزول الشمس أول دقيقة من برج الحمل، فعند ذلك استوى الليل والنهار في الأقاليم، واعتدل الزمان، وطاب الهواء، وهب النسيم، وذابت الثلوج، وسالت الأودية، ومدت الأنهار، ونبعت العيون، وارتفعت الرطوبات، إلى أعلى فروع الأشجار، وتلألأ الزمر، وأورق الشجر، وتفتح النوار، واخضر وجه الأرض، وتكونت الحيوانات ونتجت البهائم، ودرت الضروع وطاب عيش أهل الزمان، وأخذت الأرض زخرفها وازينت الدنيا كأنها جارية شابة تجلت وتزينت للناظرين. فلا يزال كذلك دأبها ودأب أهلها إلى أن تبلغ الشمس آخر الجوزاء فحينئذ ينتهي الربيع ويقبل الصيف.
 
'''وأما الصيف:''' فهو نزول الشمس أول السرطان، فعند ذلك تناهى طول النهار وقصر الليل، ثم أخذ في الزيادة، واشتد الحر وسخن الهواء، وأدركت الثمار، وجفت الحبوب، و قلت الأنداء، وأضاءت الدنيا، وسمنت البهائم، واشتدت قوة الأبدان، وانتشرت الحيوانات على وجه الأرض بعموم الخير، وطاب عيش أهل الزمان، وكثرت السموم، ونقصت الأنهار، ونضبت المياه، وأدرك الحصاد، ودرت الأخلاق، واتسع للناس القوت، وللطير الحب، وللبهائم العلف، وتكامل زخرف الأرض، وصارت الدنيا كأنها عروس حسناء ذات جمال كثيرة العشاق ولا تزال كذلك إلى أن تبلغ الشمس آخر السنبلة، فعند ذلك انتهى الصيف‏، وأقبل الخريف.
 
'''وأما الخريف:''' فهو وقت نزول الشمس في أول الميزان فعند ذلك استواء الليل والنهار ومرة أخرى، ثم ابتداء الليل بالزيادة، كما ذكرنا أن الربيع زمان استواء الأشجار وربو النبات وظهور الأزهار، فبالخريف ذبول النبات وتغير الأشجار وسقوط أوراقها، فحينئذ برد الماء، وهبت الشمال وتغير الزمان، ونقصت المياه، وجفت الأنهار، وغارت العيون، ويبست أنواع النبات، وماتت الهوام، وانحجزت الحشرات، وانصرف الطير والوحش لطلب البلدان الفيئة، وادخر الناس قوت الشتاء ودخلوا البيت، ولبسوا الجلود الغليظة من الثياب وتغير الهواء وصارت الدنيا كهلة تولت عن أيام الشباب، ولا تزال كذلك إلى أن تبلغ الشمس آخر القوس‏، وقد انتهى الخريف وأقبل الشتاء.
 
'''وأما الشتاء:''' فهو وقت نزول الشمس أول الجدي فعند ذلك تناهى طول الليل وقصر النهار، ثم أخذ النهار في الزيادة واشتد البرد، وخشن الهواء وتعرى الأشجار عن الأوراق، وانحجزت الحيوانات في أطراف الأرض، وكهوف الجبال من شدة البرد و كثرة الندى، وأظلم الجو، وكلح وجه الزمان، وهزلت البهائم وضعفت قوى الأبدان ومنع البرد الناس عن التصرف ومن عيش أكثر الحيوان وبرد الماء الذي هو مادة الحياة، وانقطع الذباب والبعوض، وعدمت ذوات السموم من الهوام وطاب الأكل والشرب، وهو زمان الراحة والاستماع، كما أن الصيف زمان الكد والتعب، قيل: من لم يغل دماغه في الصيف، لم يغل قدره في الشتاء، وصارت الدنيا كأنها عجوز هرمة دنا موتها، فلا تزال كذلك إلى أن تبلغ الشمس آخر الحوت، وقد انتهى الشتاء وأقبل الربيع مرة أخرى، ولا يزال كذلك إلى أن يبلغ الكتاب أجله.
 
{{عنوان|في بعض العجائب المتعلقة يتكرار السنين}}
قال بعض العلماء إن اللّه تعالى يبعث في لك ألف سنة نبيّا بمعجزات غريبة واضحة لرفع أعلام دينه القويم و ظهور صراطه المستقيم، ويجوز أن يكون ما بين النبيين أكثر من ألف سنة أو أقل، وكان في الألف الأول آدم أبو البشر عليه السلام، وفي الألف الثاني إدريس عليه السلام، ثم نوح عليه السلام، على الترتيب المذكور، وفي الثالث إبراهيم عليه السلام، و في الرابع موسى عليه السلام، وفي الخامس سليمان عليه السلام، وفي السادس عيسى عليه السلام، وفي السابع محمد {{ص}}، ثم ختمت به النبوة، وانتهت آلاف الدنيا بألفه، لما روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي اللّه عنهم أن الدنيا جمعة من جمع الآخر سبعة آلاف سنة، وقد مضي ستة آلاف ومائة، وليأتين عليها سنون، وعلى رأس كل مائة من مبعث نبينا محمد {{ص}} يظهر صاحب علم يرفع أعلام العلم، فعلى رأس المائة الأولى عمر بن عبد العزيز، وعلى الثانية محمد بن إدريس الشافعي‏ رضي اللّه عنه، وعلى الثالثة أبو العباس أحمد بن شريح‏، وعلى الرابعة أبو بكر بن الخطيب الباقلاني، وعلى الخامسة أبو حامد الغزالي‏، وعلى السادسة أبو عبداللّه الرازي‏ رحمة اللّه عليهم. وعن أنس بن مالك رضي اللّه عنه قال: من عمره اللّه أربعين سنة كف عنه أنواعاً من البلاء، منها الجذام والبرص وجنون الشيطان، ومن عمره اللّه خمسين سنة في الإسلام خفف حسابه يوم القيامة، ومن عمره اللّه ستين سنة رزقه الإنابة إليه بما يحب له عز وجل، ومن عمره سبعين سنة أحبه أهل السمـٰوات وأهل الأرض، ومن عمره ثمانين سنة محى سيئاته وكتب حسناته، ومن عمره تسعين سنة غفر له ذنوبه وكان أسير اللّه في الأرض، وشفع في أهل بيته.
 
وذهب العلماء إلى أن تكرر الأعوام يرى فيه حوادث عجيبة الشكل غريبة غير معهودة، ويحسب اختلاف الأهوية معادن غريبة ونبات وأشجار بديعة، وربما يصير العمر غامرا والغامر عامراً، والبر بحراً والبحر برّا، والسهل جبلا والجبل سهلاً، كل ذلك بتقدير العزيز العليم. و لنختم هذا الفصل بحكاية عجيبة.
 
وهي ما روي أنه كان من بني إسرائيل شاب عابد، وكان الخضر عليه السلام يأتيه، فسمع بذلك ملك زمانه فأحضره بين يديه وقال، إذا جاءك الخضر فائتني به وإلا قتلتك، فقال الشاب: ويحكم أآتيك بالخضر؟ قال: نعم وإلا قتلتك، فرجع الشاب إليمكانه متفكرا في أمره حتى جاءه الخضر عليه السلام، فحدثه بحديث الملك، فقال: امض بي إليه، فلما دخلا على الملك قال له الملك: أنت الخضر؟ قال: نعم، قال: حدثني بأعجب شي‏ء رأيته، فقال الخضر عليه السلام: رأيت كثيرا من عجائب الدنيا وأحدثك بما حضرني الآن، كنت في اجتيازي مررت بمدينة كثيرة الأهل والعمارة سألت رجلا من أهلها متى بنيت هذه المدينة؟ فقال: هذه مدينة عظيمة ما عرفنا مدة بنائها نحن ولا آباؤنا، ثم اجتزت بها بعد خمسمائة سنة فلم أر للمدينة أثرا ورأيت هناك رجلا يجمع العشب فسألته متى خربت هذه المدينة، فقال: لم تزل هذه الأرض كذلك فقلت: أما كانت هاهنا مدينة؟ فقال: ما رأينا هاهنا مدينة ولا سمعنا عن آبائنا، ثم مررت بها بعد خمسمائة عام، فوجدت بها بحرا فلقيت هناك جمعا من الصيادين فسألتهم متى صارت هذه الأرض بحرا؟ فقالوا مثلك يسأل عن هذا إنها لم تزل كذلك، قلت: أما كان قبل ذلك يبسا؟ قالوا: ما رأينا ولا سمعنا به عن آبائنا ثم اجتزت بعد خمسمائة عام وقد يبست فلقيت بها شخصا يختلي‏، فقلت: متى صارت هذه الأرض يبسا؟ فقال: لم تزل كذلك، فقلت له: أما كان بحرا قبل هذا؟ فقال: ما رأيناه ولا سمعنا به قبل هذا، ثم مررت بها بعد خمسمائة عام فوجدتها مدينة كثيرة الأهل والعمارة أحسن مما رأيتها أولا، فسألت بعض أهلها متى بنيت هذه المدينة؟ فقال: إنها عمارة قديمة ما عرفنا مدة بنائها نحن ولا آباؤنا، فقال الملك: إني أريد أن أتبعك وأفارق ملكي فقال له: إنك على ذلك ولكن اتبع هذا الشاب فإنه يدلك على الرشاد، واللّه الموفق للصواب.
 
تمت المقالة الأولى في العلويات والحمد للّه رب العالمين.
 
[[تصنيف:عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات]]