الفرق بين المراجعتين ل"عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات/المقدمات الأربع"

+فهرس
(تقسيم: نسخ من المساهمات في عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات)
 
(+فهرس)
 
وسميته '''«عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات»''' ولا بد من ذكر مقدمات أربع في شرح هذه الألفاظ، ليتبين منها مقصود الكتاب، والله الموفق للصواب.
 
{{عنوان|===المقدمة الأولى}}===
'''في شرح العجب''': قالوا العجب حيرة تعرض للإنسان لقصوره عن معرفة سبب الشئ أو عن معرفة كيفية تأثيرة فيه مثاله أنْ الإنسان إذا رأى خليّة النحل ولم يكن شاهده قبل لكثرته حيره لعدم معرفة فاعله، فلو علم أنه من عمل النحل لتحيّر أيضاً من حيث أنَّ ذالك الحيوان الضعيف كيف أحدرث هذه السدسات المتساوية الأضلاع الذي عجر عن مثلها المهندس الحاذق مع الفرجات والمسطرة، ومن أين لها هذا الشمع الذي اتخذت منه بيوتها المتساوية التى لا تخالف بعضها بعضاً كأنها أفرغت في قالب واحد، ومن أين لها هذا العسل، الذي أودعته فيها ذخيرة للشتاء، وكيف عرفت أن الشتاء يأتيها وأنّها تفقد فيه الغذاء، وكيف اهتدت إلى تغطية خزانة العسل بغشاء رقيق ليكون الشمع محيطأً بالعسل من جميع جوانبه، فلا ينشفه الهواء ولا يصيبه الفأر، ويبقى كالبرنية المنضمة الرأس، فهذا معنى العجب، وكل ما فى العالم بهذه المثابة.
 
وعجائب السمـٰوات والأرض كما قال تعالى: ﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ بحار لا يدرى سواحلها ولا يعرف أوائلها ولا أواخرها، والله الموفق للصواب.
 
{{عنوان|===المقدمة الثانية}}===
'''في تقسيم المخلوقات''': المخلوق كل ما هو غير الله سبحانه وتعالى وهو إما أن يكون قائماً بالذات أو قائماً بالغير، والقائم بالذات إما أن يكون متحيزاً أو لم يكن، فإن كان متحيّزاً فهو الجسم، وإن لم يكن فهو الجوهر الروحاني، وهو إنا أن يكون متعلقاً بالأجسام تعلق التدبير، وهر النفس، أو لا يكون، وهو إمًا أن يكون سليماً عن الشهوة والغضب وهو الملك أو لا يكون وهو الجن. والقائم بالغير، إن كان قائماً بالمتحيّزات فهو الأعراض الجسمانية، وإن كان قائماً بالمفارقات فهو الأعراض الروحانية كالعلم والقدرة، والأعراض الجسمانية إما أن يلزم من صدقها حصول صدق النسبة، أو صدق فبول النسبة أولا هذا ولا ذاك، فإن كان الأول، فالنسبة إِما حصول في المكان وهو الأبن أو في الزمان وهو الشيء أو نسبة متكرّرة وهو الإضافة أو تأثير الشيء في الشيء وهو الفعل، أو تأثر الشيء عن الشيء وهو الانفعال وكون الشىء محيطاً بالشىء يجب أن يتتقل المحيط بانتقال المحاط به وهو الملك أو هيئة حاصلة بمجموع الجسم يسبب حصول النسب بين أجزاء بعضها إلى بعض، وبين أجزائه والأمور الخارجية وهو الوضع. وإن كان يلزم من حصولها صدق قبول النسبة، فهو إما أن يكون بحيث لا يحصل بين أجزائه حدود مشتركة وهو العدد، أو يحصل وهو المقدار، وإن كان لا يلزم من حصولها صدق قبول النسبة، فِإمًا أن يكون مشروطاً بالحياة أو لم يكن فإن كان فإِمًا أن يتوقف على الشهوة والنقرة وهو التحريك أو لا يتوقف، وهو الإدراك، ثم الإدراك إِما إدراك الكليّات وهو العلوم والظنون والجهالات أو إدراك الجزئيات، وهو الحواس الخمس، وإن لم يكن مشروطاَ بالحياة فهو الأعراض المحسوسة بالحواس الخمس، أمّا المحسوسات بالقوة الباصرة فكالأضواء والألوان وأمًا المحسوسات بالقوة الشامة فكالطيب والنتن، وأما المحوسات بالقوة السامعة. فالاأصوات والحروف وأمًا المحسوسات بالقَوّة اللامسة فكالحرارة والبرودة والرطوية واليبوسة والثقل والخفة والصلابة واللين والخشونة والملاسة. فهذه جملة أقسام الممكنات، وسيأتي الكلام في كل قسم منها إن شاء الله تعالى.
 
ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿ أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ﴾. وأحكم جلت قدرته خلق المجموع في سّتة أيام. قال بعض العلماء إن اليوم في اللغة الكون الحادث والأيام ههنا مراتب مصنوعاته لأنَّ قبل الزمان لا يمكن تجدد الزمان من الأيام الستة يوم لمادة الأرض ويوم لصورتها ويوم لمادة السماء ويوم لصورتها ويوم لمكملاتها من الجبال والكواكب والنفوس وغيرها. وقال أيضاً كل ما فوق الأرض فهو سماء في طريق اللغة يقولون: ما علاك فهو سماؤك، وما دون فلك القمر فهو بالنسبة إلى الأفلاك أرض، قال تعالى: ﴿ خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ ﴾ يعني سبعاً، فالأوّل كرة النار والثانية كرة الهواء والثالثة كرة الماء والرابعة كرة الأرض وثلاث طبقات ممتزجات بين الأربعة الأولى من النار والهواء والثانية من الهواء والماء والثالثة من الماء والأرض، ثم دبر بعنايته بعد الجماد أمر المعادن الداخلة في الجماد ثم النبات ثم الحيوان، فهذا هو القول الكلي في المخلوقات، وسياتي القول في جرئياتها في مقالتين إن شاء الله تعالى. والله الموفق للصواب.
 
{{عنوان|===المقدمة الثالثة}}===
'''في معنى الغريب''': الغريب كل أمر عجيب قليل الوقوع مخالف للعادات المعهودة والمشاهدات المألوفة، وذلك إِمّا من تأثير نفوس قوية، وتأثير أمور فلكية أو أجرام عنصرية، كل ذلك بقدرة الله تعالى وإرادته.
 
ومنها ظهور نبت بأرض لا عهد للناس بوجوده عناك كظهور الترنجبين بأرض ساوة. ومنها تولد حيوان غريب الشكل لم ير مثله، كما روي عن الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه رأى باليمن إنساناً من وسطه إلى أسفله بدن امرأة، ومن وسطه إلى فوق بدنان مفترقان بأربع أياد ورأسين ووجهين، وهما يأكلان ويشربان ويختصمان ويصطلحان، وذكر أن امرأة بكلوسامان من قرى بلخ ولدت شخصاً له نصف بدن ونصف رأس، ويد واحدة ورجل واحدة على صورة النسناس الذي يوجد في غياض الشجر باليمن، ثم حملت مّرة أخرى فولدت بدن له رأسان، وزعم الحكماء أنهم وجدوا ثلاثة معان من الأمور غريبة، وقد وضعوا لكل معنى اسماً، وأحد هذه المعاني: الآثار النفسانية والانفعالات التابعة للتصورات من غير واسطة أمر طبيعي، فاستعمال تلك التصورات في الخير معجرة من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وكرامة من الأولياء عليهم الرحمة والرضوان واستعمالها في الشر سحر من النفوس الشرية، وثانيها: أمور غريبة تحدث من قوى سماوية وأجسام عنصرية مخصوصة بهيئات وأشكال وأوضاع تسمّى الطلسمات، وثالثها: أمور غريبة تحدث من أجساد أرضية كجذب المغناطيس الحديد، وتسمّى النيرنجات، وهذا هو القول الكلي في الأمور الغريبة: وسيأتي الككلام في جزئياتها إن شاء الله تعالى.
 
{{عنوان|===المقدمة الرابعة}}===
'''في تقسيم الموجودات''': كل موجود سوى الواحد سبحانه مخلوق وكل ذرّة من جوهر وعرض وصفة وموصوف فيها غرائب وعجائب يظهر فيها حكم الله تعالى وقدرته، وإحصاء ذلك غير ممكن، لكنا نشير إلى ذلك وتقول إجمالا فنقول: الموجودات منقسمة إلى ما لا نعرف أصلها، ولا يمكننا النظر فيها، فكم من موجود لا نعلمه كما قال الله تعالى: ﴿ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ وإلى ما نعرف جملها ولا تعرف تفصيلها، وهي منقسمة إلى ما لا يدرك بالبصر كالعرش والكرسي والملائكة والجن والشياطين وغيرها، فمحال النظر فيها، ولا يمكن أن يقال فيها إلا ما صح بالنصوص والأخبار والآثار. وأمًا المدركات بالبصر كالسمـٰوات والأرض وما بينهما، والسمـٰوات مشاهدة بكواكبها وشمسها وقمرها ودورانها، والأرض مشاهدة بما فيها من جبالها وبحارها وأنهارها ومعادنها ونباتها وحيوانها وما بين السماء والأرض، وهو الجو مدرك بغيومها وأمطارها وثلوجها ورعودها وبروقها وصواعقها وشهبها وعواصف أرياحها، فهذه هي أجناس المشاهدات من السمـٰوات والأرض وما بينهما، وكل جنس منها ينقسم إلى أنواع، وكل نوع ينقسم إلى أصناف، وكل صنف ينقسم إلى أقسام، ولا نهاية لاستيعاب ذلك، وانقسامها في اختلاف صفاتها وهيئاتها ومعانيها الظاهرة والباطنة، وفي جميع ذلك مجال البصر، فلا تتحرك ذرة في السمـٰوات والأرض إلا وفي تحريكها حكمة، أو حكمتان أو عشرة أو ألف، وكل ذلك دليل على وحدانيته وعظمته، كما قال بعضهم:
{{بداية قصيدة}}