الفرق بين المراجعتين لصفحة «القاموس المحيط/مقدمة المؤلف»

لا يوجد ملخص تحرير
<big>وَبَعْدُ، فَإِنَّ لِلْعِلْمِ رِيَاضًا وَحِيَاضًا، وَخَمَائِلَ وَغِيَاضًا، وَطَرَائِقَ وَشِعَابًا، وَشَوَاهِقَ وَهِضَابًا. يَتَفَرَّعُ عَنْ كُلِّ أَصْلٍ مِنْهُ أَفْنَانٌ وَفُنُونٌ، وَيَنْشَقُّ عَنْ كُلِّ دَوْحَةٍ مِنْهُ خِيطَانٌ وَغُصُونٌ، وَإِنَّ عِلْمَ اللُّغَةِ هُوَ الْكَافِلُ بِإِبْرَازِ أَسْرَارِ الْجَمِيعِ، الْحَافِلُ بِمَا يَتَضَلَّعُ مِنْهُ الْقَاحِلُ وَالْكَاهِلُ ، وَالْفَاقِعُ وَالرَّضِيعُ، وَإِنَّ بَيَانَ الشَّرِيعَةِ لَمَّا كَانَ مَصْدَرُهُ عَنْ لِسَانِ الْعَرَبِ، وَكَانَ الْعَمَلُ بِمُوجَبِهِ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِإِحْكَامِ الْعِلْمِ بِمُقَدَّمَتِهِ، وَجَبَ عَلَى رُوَّامِ الْعِلْمِ وَطُلَّابِ الْأَثَرِ، أَنْ يَجْعَلُوا عُظْمَ اجْتِهَادِهِمْ وَاعْتِمَادِهِمْ، وَأَنْ يَصْرِفُوا جُلَّ عِنَايَتِهِمْ فِي ارْتِيَادِهِمْ إِلَى عِلْمِ اللُّغَةِ وَالْمَعْرِفَةِ بِوُجُوهِهَا، وَالْوُقُوفِ عَلَى مُثُلِهَا وَرُسُومِهَا. وَقَدْ عُنِيَ بِهِ مِنَ الْخَلَفِ وَالسَّلَفِ فِي كُلِّ عَصْرٍ عِصَابَةٌ، هُمْ أَهْلُ الْإِصَابَةِ، أَحْرَزُوا دَقَائِقَهُ، وَأَبْرَزُوا حَقَائِقَهُ، وَعَمَرُوا دِمَنَهُ، وَفَرَعُوا قُنَنَهُ، وَقَنَصُوا شَوَارِدَهُ، وَنَظَمُوا قَلَائِدَهُ، وَأَرْهَفُوا مَخَاذِمَ الْبَرَاعَةِ، وَأَرْعَفُوا مَخَاطِمَ الْيَرَاعَةِ ، فَأَلَّفُوا وَأَفَادُوا، وَصَنَّفُوا وَأَجَادُوا، وَبَلَغُوا مِنَ الْمَقَاصِدِ قَاصِيَتَهَا، وَمَلَكُوا مِنَ الْمَحَاسِنِ نَاصِيَتَهَا، جَزَاهُمُ اللَّهُ رِضْوَانَهُ، وَأَحَلَّهُمْ مِنْ رِيَاضِ الْقُدْسِ مِيطَانَهُ .</big>
 
<big>هَذَا، وَإِنِّي قَدْ نَبَغْتُ فِي هَذَا الْفَنِّ قَدِيمًا، وَصَبَغْتُ بِهِ أَدِيمًا، وَلَمْ أَزَلْ فِي خِدْمَتِهِ مُسْتَدِيمًا، وَكُنْتُ بُرْهَةً مِنَ الدَّهْرِ أَلْتَمِسُ كِتَابًا جَامِعًا بَسِيطًا، وَمُصَنَّفًا عَلَى الْفُصَحِ وَالشَّوَارِدِ مُحِيطًا، وَلَمَّا أَعْيَانِي الطَّلَابُ، شَرَعْتُ فِي كِتَابِي الْمَوْسُومِ بِ " اللَّامِعِ الْمُعْلَمِ الْعُجَابِ، الْجَامِعِ بَيْنَ الْمُحْكَمِ وَالْعُبَابِ "، فَهُمَا غُرَّتَا الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَنَيِّرَا بَرَاقِعِ الْفَضْلِ وَالْآدَابِ، وَضَمَمْتُ إِلَيْهِمَا زِيَادَاتٍ امْتَلَأَ بِهَا الْوِطَابُ [الوِعاء] ، وَاعْتَلَى مِنْهَا الْخِطَابُ، فَفَاقَ كُلَّ مُؤَلَّفٍ فِي هَذَاالْفَنِّ هَذَا الْكِتَابُ.</big>
 
<big>غَيْرَ أَنِّي خَمَّنْتُهُ فِي سِتِّينَ سِفْرًا، يُعْجِزُ تَحْصِيلُهُ الطُّلَّابَ، وَسُئِلْتُ تَقْدِيمَ كِتَابٍ وَجِيزٍ عَلَى ذَلِكَ النِّظَامِ، وَعَمَلٍ مُفْرَغٍ فِي قَالَبِ الْإِيجَازِ وَالْإِحْكَامِ، مَعَ الْتِزَامِ إِتْمَامِ الْمَعَانِي، وَإِبْرَامِ الْمَبَانِي، فَصَرَفْتُ صَوْبَ هَذَا الْقَصْدِ عِنَانِي، وَأَلَّفْتُ هَذَا الْكِتَابَ مَحْذُوفَ الشَّوَاهِدِ، مَطْرُوحَ الزَّوَائِدِ، مُعْرِبًا عَنِ الْفُصَحِ وَالشَّوَارِدِ، وَجَعَلْتُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى زُفَرًا فِي زِفْرٍ ، وَلَخَّصْتُ كُلَّ ثَلَاثِينَ سِفْرًا فِي سِفْرٍ، وَضَمَّنْتُهُ خُلَاصَةَ مَا فِي " الْعُبَابِ "، وَ " الْمُحْكَمِ "، وَأَضَفْتُ إِلَيْهِ زِيَادَاتٍ مَنَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا وَأَنْعَمَ، وَرَزَقَنِيهَا عِنْدَ غَوْصِي عَلَيْهَا مِنْ بُطُونِ الْكُتُبِ الْفَاخِرَةِ، الدَّأْمَاءِ الْغَطَمْطَمِ ، وَسَمَّيْتُهُ " الْقَامُوسَ الْمُحِيطَ " ; لِأَنَّهُ الْبَحْرُ الْأَعْظَمُ.</big>
 
<big>وَلَمَّا رَأَيْتُ إِقْبَالَ النَّاسِ عَلَى " صِحَاحِ " الْجَوْهَرِيِّ، وَهُوَ جَدِيرٌ بِذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّهُ فَاتَهُ نِصْفُ اللُّغَةِ أَوْ أَكْثَرُ، إِمَّا بِإِهْمَالِ الْمَادَّةِ، أَوْ بِتَرْكِ الْمَعَانِي الْغَرِيبَةِ النَّادَّةِ، أَرَدْتُ أَنْ يَظْهَرَ لِلنَّاظِرِ بَادِئَ بَدْءٍ، فَضْلُ كِتَابِي هَذَا عَلَيْهِ، فَكَتَبْتُ بِالْحُمْرَةِ الْمَادَّةَ الْمُهْمَلَةَ لَدَيْهِ، وَفِي سَائِرِ التَّرَاكِيبِ تَتَّضِحُ الْمَزِيَّةُ بِالتَّوَجُّهِ إِلَيْهِ، وَلَمْ أَذْكُرْ ذَلِكَ إِشَاعَةً لِلْمَفَاخِرِ، بِلْ إِذَاعَةً لِقَوْلِ الشَّاعِرِ: "</big>
 
<big>كَمْ تَرَكَ الْأَوَّلُ لِلْآخِرِ".</big>
 
<big>وَأَنْتَ أَيُّهَا الْيَلْمَعُ الْعَرُوفُ، وَالْمَعْمَعُ الْيَهْفُوفُ ، إِذَا تَأَمَّلْتَ صَنِيعِي هَذَا، وَجَدْتَهُ مُشْتَمِلًا عَلَى فَرَائِدَ أَثِيرَةٍ، وَفَوَائِدَ كَثِيرَةٍ: مِنْ حُسْنِ الِاخْتِصَارِ، وَتَقْرِيبِ الْعِبَارَةِ، وَتَهْذِيبِ الْكَلَامِ، وَإِيرَادِ الْمَعَانِي الْكَثِيرَةِ فِي الْأَلْفَاظِ الْيَسِيرَةِ.</big>
 
<big>وَمِنْ أَحْسَنِ مَا اخْتَصَّ بِهِ هَذَا الْكِتَابُ: تَخْلِيصُ الْوَاوِ مِنَ الْيَاءِ ; وَذَلِكَ قِسْمٌ يَسِمُ الْمُصَنِّفِينَ بِالْعِيِّ وَالْإِعْيَاءِ. وَمِنْهَا: أَنِّي لَا أَذْكُرُ مَا جَاءَ مِنْ جَمْعِ فَاعِلِ الْمُعْتَلِّ الْعَيْنِ عَلَى فَعَلَةٍ، إِلَّا أَنْ يَصِحَّ مَوْضِعُ الْعَيْنِ مِنْهُ، كَجَوَلَةٍ وَخَوَلَةٍ، وَأَمَّا مَا جَاءَ مِنْهُ مُعْتَلًّا ; كَبَاعَةٍ وَسَادَةٍ، فَلَا أَذْكُرُهُ لِاطِّرَادِهِ.</big>
 
 
<big>وَمِنْ بَدِيعِ اخْتِصَارِهِ، وَحُسْنِ تَرْصِيعِ تِقْصَارِهِ : أَنِّي إِذَا ذَكَرْتُ صِيغَةَ الْمُذَكَّرِ، أَتْبَعْتُهَا</big>
 
<big>الْمُؤَنَّثَ بِقَوْلِي: وَهِيَ بِهَاءٍ، (وَلَا أُعِيدُ الصِّيغَةَ) ، وَإِذَا ذَكَرْتُ الْمَصْدَرَ مُطْلَقًا، أَوِ الْمَاضِيَ بِدُونِ الْآتِي، وَلَا مَانِعَ ; فَالْفِعْلُ عَلَى مِثَالِ كَتَبَ، وَإِذَا ذَكَرْتُ آتِيَهُ بِلَا تَقْيِيدٍ، فَهُوَ عَلَى مِثَالِ ضَرَبَ. عَلَى أَنِّي أَذْهَبُ إِلَى مَا قَالَ أَبُو زَيْدٍ: إِذَا جَاوَزْتَ الْمَشَاهِيرَ مِنَ الْأَفْعَالِ الَّتِي يَأْتِي مَاضِيهَا عَلَى فَعَلَ، فَأَنْتَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بِالْخِيَارِ: إِنْ شِئْتَ قُلْتَ يَفْعُلُ بِضَمِّ الْعَيْنِ، وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ يَفْعِلُ بِكَسْرِهَا (وَكُلُّ كَلِمَةٍ عَرَّيْتَهَا عَنِ الضَّبْطِ ; فَإِنَّهَا بِالْفَتْحِ، إِلَّا مَا اشْتُهِرَ بِخِلَافِهِ اشْتِهَارًا رَافِعًا لِلنِّزَاعِ مِنَ الْبَيْنِ) وَمَا سِوَى ذَلِكَ، فَأُقَيِّدُهُ بِصَرِيحِ الْكَلَامِ، غَيْرَ مُقْتَنِعٍ بِتَوْشِيحٍ الْقِلَامِ ، مُكْتَفِيًا بِكِتَابَةِ: ع، د، ة، ج، م، عَنْ قَوْلِي: مَوْضِعٌ، وَبَلَدٌ، وَقَرْيَةٌ، وَالْجَمْعُ، وَمَعْرُوفٌ. فَتَلَخَّصَ، وَكُلُّ غَثٍّ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - عَنْهُ مَصْرُوفٌ.</big>
 
<big>ثُمَّ إِنِّي نَبَّهْتُ فِيهِ عَلَى أَشْيَاءَ رَكِبَ فِيهَا الْجَوْهَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ خِلَافَ الصَّوَابِ، غَيْرَ طَاعِنٍ فِيهِ، وَلَا قَاصِدٍ بِذَلِكَ تَنْدِيدًا لَهُ، وَإِزْرَاءً عَلَيْهِ، وَغَضًّا مِنْهُ، بَلِ اسْتِيضَاحًا لِلصَّوَابِ، وَاسْتِرْبَاحًا لِلثَّوَابِ، وَتَحَرُّزًا وَحِذَارًا مِنْ أَنْ يُنْمَى إِلَيَّ التَّصْحِيفُ، أَوْ يُعْزَى إِلَيَّ الْغَلَطُ وَالتَّحْرِيفُ. عَلَى أَنِّي لَوْ رُمْتُ لِلنِّضَالِ إِيتَارَ الْقَوْسِ، لَأَنْشَدْتُ بَيْتَيِ الطَّائِيِّ حَبِيبِ بْنِ أَوْسٍ وَلَوْ لَمْ أَخْشَ مَا يَلْحَقُ الْمُزَكِّيَ نَفْسَهُ مِنَ الْمَعَرَّةِ وَالدَّمَانِ ، لَتَمَثَّلْتُ بِقَوْلِ أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ ; أَدِيبِ مَعَرَّةِ النُّعْمَانِ .</big>
 
<big>وَلَكِنْ أَقُولُ كَمَا قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمُبَرِّدُ فِي " الْكَامِلِ "، وَهُوَ الْقَائِلُ الْمُحِقُّ: لَيْسَ لِقِدَمِ الْعَهْدِ يُفَضَّلُ الْقَائِلُ، وَلَا لِحِدْثَانِهِ يُهْتَضَمُ الْمُصِيبُ، وَلَكِنْ يُعْطَى كُلٌّ مَا يَسْتَحِقُّ.</big>
 
<big>وَاخْتَصَصْتُ كِتَابَ الْجَوْهَرِيِّ مِنْ بَيْنِ الْكُتُبِ اللُّغَوِيَّةِ، مَعَ مَا فِي غَالِبِهَا مِنَ الْأَوْهَامِ الْوَاضِحَةِ، وَالْأَغْلَاطِ الْفَاضِحَةِ، لِتَدَاوُلِهِ وَاشْتِهَارِهِ بِخُصُوصِهِ، وَاعْتِمَادِ الْمُدَرِّسِينَ عَلَى نُقُولِهِ وَنُصُوصِهِ.</big>
 
<big>وَهَذِهِ اللُّغَةُ الشَّرِيفَةُ، الَّتِي لَمْ تَزَلْ تَرْفَعُ الْعَقِيرَةَ غِرِّيدَةُ بَانِهَا، وَتَصُوغُ ذَاتُ طَوْقِهَا بِقَدْرِ</big>