الفرق بين المراجعتين لصفحة «سفر نامه»

تم إضافة 50٬353 بايت ،  قبل 14 سنة
 
شيدت مصر على ربوة وجانبها الشرقي جبلي يتكون من جبال حجرية غير عالية كالتلال وفي طرف المدينة جامع ابن طولون وهو مشيد على ربوة وله جداران محكمان ولم أر أعظم منهما غير جدار آمد وميافارقين وقد بناه أمير من أمراء العباسين كان حاكماً على مصر وفي أيام الحاكم بأمر الله جد هذا السلطان المستنصر باعه أحفاد ابن طولون بثلاثين ألف دينار مغربي وبعد مدة شرعوا في هدم المئذنة بحجة أنها لم تبع فأرسل لهم الحاكم قائلا بقد بعتموني هذا المسجد فكيف تهدمونه فأجابوا نحن لم نبع المئذنة فأعطاهم خمسة آلاف دينار ثمنا لها كان السلطان يصلي في هذا المسجد طوال شهر رمضان وأيام الجمع من بقية الشهور.
 
ومدينة مصر مشيدة على ربوة خشية فيضان الماء عليها وهذه الربوة كانت مغطاة في وقت ما بأحجار كبيرة جدا فكسرت وسويت ويقال إن للأماكن التي لم تسو عقبة وتبدو مصر كأنها جبل حين ينظر إليها من بعيد.
 
وبمصر بيوت مكونة من أربع عشرة طبقة وبيوت من سبع طبقات وسمعت من ثقات إن شخصاً غرس حديقة على سطح بيت من سبعة أدوار وحمل إليها عجلاً رباه فيها حتى كبر ونصب فيها ساقية كان هذا الثور يديرها ويرفع الماء إلى الحديقة من البئر وزرع على هذا السطح شجر النارنج والترنج والموز وغيرهما وقد أثمرت كلها كما زرع فيها الورد والريحان وأنواع الزهور الأخرى.
 
وسمعت من تاجر ثقة إن بمصر دوراً كثيرة فيها حجرات للاستغلال أي للإيجار ومساحتها ثلاثون ذراعاً في ثلاثين وتسع ثلاثمائة وخمسين شخصاً وهناك أسواق وشوارع تضاء فيها القناديل دائما لأن الضوء لا يصل إلى أرضها ويسير فيها الناس.
 
وفي مصر سبعة جوامع غير جوامع القاهرة والمدينتان متصلتان وفيهما معا خمسة عشر جامعاً مسجد جمعة وذلك لتلقى خطبة الجمعة والصلاة في كل حي منهما وفي وسط سوق مصر جامع يسمى باب الجوامع شيده عمرو بن العاص أيام إمارته على مصر من قبل عمر بن الخطاب وهذا المسجد قائم على أربعمائة عمود في الرخام والجدار الذي عليه المحراب مغطى كله بألواح الرخام الأبيض التي كتب القرآن عليها بخط جميل ويحيط بالمسجد من جهاته الأربع الأسواق وعليها تفتح أبوابه ويقيم بهذا المسجد المدرسون والمقرئون وهو مكان اجتماع سكان المدينة الكبيرة ولا يقل من من فيه في أي وقت عن خمسة آلاف من طلاب العلم والغرباء والكتاب الذين يحررون الصكوك والعقود وغيرها وقد اشترى الحاكم بأمر الله هذا المسجد من أبناء عمرو بن العاص وكانوا قد ذهبوا إليه وقالوا نحن فقراء معوزون وقد بنى جدنا هذا المسجد فإذا إذن السلطان نهدمه ونبيع أحجاره ولبناته فاشتراه الحاكم بمائة آلف دينار وأشهد على ذلك كل أهل مصر ثم أدخل عليه عمارات كثيرة عظيمة منها ثريا فضية لها ستة عشر جانباً كل جانب منها ذراع ونصف فصارت دائرتها أربعاً وعشرين ذراعاً.
 
ويوقدون في ليالي المواسم أكثر من سبعماية قنديل ويقال إن وزن هذه الثريا خمسة وعشرون قنطارا فضة كل قنطار مائة رطل وكل رطل أربعة وأربعون ومائة درهم ويقال إنه حين تم صنعها لم يتسع لها باب من أبواب المسجد لكبرها فخلعوا بابا وأدخلوها منه ثم أعادوا الباب مكانه ويفرش هذا المسجد بعشر طبقات من الحصير الجميل الملون بعضها فوق بعض ويضاء كل ليلة بأكثر من مائة قنديل. وفي هذا المسجد مجلس قاضي القضاة.
 
وعلى الجانب الشمالي للمسجد سوق يسمى سوق القناديل لا يعرف سوق مثله في أي بلد وفيه كل ما في العالم من طرائف ورأيت هناك الأدوات التي تصنع من الذبل كالأوعية والأمشاط ومقابض السكاكين وغيرها ورأيت كذلك معلمين مهرة ينحتون بلوراً غاية في الجمال وهم يحضرونه من المغرب وقيل انه ظهر حديثا عند بحر القلزم بلور ألطف وأكثر شفافية من بلور المغرب ورأيت أنياب الفيل أحضرت من زنجبار كان وزن كثير منها يزيد على مائتي من كما أحضر جلد البقر من الحبشة يشبه جلد النمر ويعملون منه النعال وقد جلبوا من الحبشة طائراً أليفاً كبيراً به نقط بيضاء وعلى رأسه تاج مثل الطاووس. وتنتج مصر عسلاً وسكراً كثيراً.
 
وفي اليوم الثالث من شهر دي القديم ديسمبر يناير من السنة الفارسية ست عشرة وأربعمائة رأيت في يوم واحد هذه الفواكه والرياحين الورد الأحمر والنيلوفر والنرجس والترنج والنارنج والليمون والمركب والتفاح والياسمين والريحان الملكي والسفرجل والرمان والكمثري والبطيخ والعطر والموز والزيتون والبليج الإهليلج والرطب والعنب وقصب السكر والباذنجان والقرع واللفت والكرنب والفول الأخضر والخيار والقثاء والبصل والثوم والجزر والبنجر.
 
وكل من يفكر كيف تجتمع هذه الأشياء التي بعضها خريفي وبعضها ربيعي وبعضها صيفي وبعضها شتوي لا يصدق هذا ولكن ليس لي قصد فيما ذكرت ولم أكتب إلا ما رأيت وأما ما سمعته ثم كتبته فليست عهدته على فولاية مصر عظيمة الاتساع بها كل أنواع الجو من البارد والحار وتجلب كل الحاجيات لمدينة مصر من جميع البلاد ويباع بعضها في الأسواق.
ويصنعون بمصر الفخار من كل نوع وهو لطيف وشفاف بحيث إذا وضعت يدك عليه من الخارج ظهرت من الداخل وتصنع منه الكؤوس والأقداح والأطباق وغيرها وهم يلونونها بحيث تشبه البوقلمون فتظهر مختلف في كل جهة تكون بها ويصنعون بمصر قوارير كالزبرجد في الصفاء والرقة ويبيعونها بالوزن .
وسمعت من بزاز ثقة إن وزن الدرهم الواحد من الخيط يشترى بثلاثة دنانير مغربية وهي تساوي ثلاثة دنانير ونصف نيسابورية وقد سألت في نيسابور بكم يشترون أجود الخيط فقالوا إن الخيط الذي لا نظير له يشترى الدرهم منه بخمسة دراهم.
 
ومدينة مصر ممتدة على شاطئ النيل الذي بنيت عليه القصور والمناظر الكثيرة بحيث إذا احتاجوا إلى الماء رفعوه بالحبال من النيل أما ماء المدينة فيحضره السقاءون من النيل أيضاً يحمله بعضهم على الإبل وبعضهم على كتفه ورأيت قدورا من النحاس الدمشقي كل واحد منها يسع ثلاثين منا وكانت من الطلاوة بحيث تظنها من ذهب وقد حكوا لي إن امرأة تملك خمسة آلاف قدر وأنها تؤجر الواحد منها بدرهم في الشهر وينبغي إن يردها المستأجر سليمة.
 
وأمام مصر جزيرة وسط النيل كان عليها مدينة في وقت ما والجزيرة غربي المدينة وبها مسجد جمعة وحدائق وهي صخرة وسط النهر تقسمه قسمين كل منهما في اتساع جيحون ولكن أكثر هدوءا وبطأ في جريانه وثبت بين الجزيرة والمدينة جسر من ست وثلاثين سفينة.
 
ويقع جزء من مدينة مصر على جانب النيل الآخر ويسمونه الجيزلا وبها مسجد لصلاة الجمعة ولكن ليس لها جسر ولذا يعبر الناس بالزوار أو بالمعابر وهي كثيرة في مصر أكثر مما في بغداد أو البصرة .
 
وتجار مصر يصدقون في كل ما يبيعونه وإذا كذب أحدهم على مشتر فإنه يوضع على جمل ويعطى جرساً بيده ويطوف به في المدينة وهو يدق الجرس وينادي قائلا قد كذبت وها أنا أعاقب وكل من يقول الكذب فجزاؤه العقاب .
 
ويعطي التجار في مصر من بقالين وعطارين وبائعي خردوات الأوعية اللازمة لما يبيعون من زجاج أو خزف أو ورق حتى لا يحتاج المشتري إن يحمل معه وعاء.
 
ويستخرجون من بذور الفجل واللفت زيتا للمصابيح يسمونه الزيت الحار والسمسم هناك قليل وزيته عزيز وزيت الزيتون رخيص والفستق أغلى من اللوز ولا تزيد العشرة أمنان من اللوز المقشور على دينار واحد.
 
ويركب أهل السوق وأصحاب الدكاكين الحمر المسرجة في ذهابهم وإيابهم من البيوت إلى السوق وفي كل حي على رأس الشوارع حمر كثيرة عليها برادع مزينة يركبها من يريد نظير أجر زهيد وقيل إنه يوجد خمسون ألف بهيمة مسرجة تزين كل يوم وتكرى ولا يركب الخيل إلا الجند العسكر فلا يركبها التجار أو القرويون أو أصحاب الحرف والعلماء ورأيت كثيراً من الحمر البلق كالخيل بل أجمل. كان أهل مدينة مصر في غنى عظيم حين كنت هناك.
 
وفي سنة تسع وثلاثين وأربعمائة ولد للسلطان ولد فأمر الناس بإقامة الأفراح فزينت المدينة والأسواق زينة لو وصفتها لما اعتقد بعض الناس صحة ما أقول ولما صدقوني فقد كانت دكاكين البزازين والصرافين وغيرهم مملوءة بالذهب والجواهر والنقد والأمتعة المختلفة والملابس المذهبة والمقصبة بحيث لا يوجد فيها متسع لمن يريد إن يجلس.
وكان الناس جميعاً يثقون ب السلطان فلا يخشون الجواسيس ولا الغمازين معتمدين على إن السلطان لا يظلم أحد ولا يطمع في مال أحد ورأيت أموالا يملكها بعض المصرين لو ذكرتها أو وصفتها لما صدقني الناس في فارس فإني لا أستطيع إن أحدد أموالهم أو أحصرها أما الأمن الذي رأيته هناك فإني لم أره في بلد من قبل وقد رأيت هناك نصرانيا من سراة مصر قيل إن سفنه وأمواله وأملاكه لا يمكن إن تعد وحدث في سنه ما إن كان النيل ناقصاً وكانت الغلة عزيزة فأرسل الوزير إلى هذا النصراني وقال ليست السنة رخاء و السلطان مشفق على الرعية فأعط ما استطعت من الغلة إما نقداً وإما قرضا قال النصراني أسعد الله السلطان والوزير إن لدي من الغلة ما يمكنني من إطعام أهل مصر الخبز ست سنوات ولا شك إن سكان مصر في ذلك الوقت كانوا كثرين فإن سكان نيسابور خمسهم مع الإسراف في التقدير وكل من يستطيع الحكم يدرك كم ينبغي إن يكون لهذا الثري لتبلغ غلته هذا المقدار وأي سلام كانت فيه الرعية وأي عدل كان للسلطان بحيث تكون أحوال الناس على هذا الوضع وأموالهم بهذا القدر لم يكن السلطان يظلم أو يجور على أحد ولا كان أحد من الرعية يخفي أو ينكر شيئاً مما يملك.
 
ورأيت هناك خانا يسمى دار الوزير لا يباع فيه سوى القصب وفي الدور الأسفل منه يجلسن الخياطون وفي الأعلى الرفاءون وسألت القيم عن أجرة هذا الخان الكبير فقال كانت سنة عشرين ألف دينار مغربي ولكن جانبا منه قد تخرب وهو يعمر الآن فيحصل منه كل شهر ألف دينار يعني إثني عشر ألف دينار في السنة وقيل إن في هذه المدينة مائتي خان أكبر منه أو مثله.
 
==وصف مائدة السلطان==
 
يقيم السلطان مأدبة في كل من العيدين ويأذن بالاستقبال في قصره للخواص والعوام وتنصب مائدة الخواص في حضرته ومائدة العوام في سرايات أخرى وقد سمعت كثيراً عن هذه المآدب فرغبت في رؤيتها رأي العين فذهبت عند أحد كتاب السلطان وكنت قد صاحبته فتوطدت الصداقة بيننا وقلت له رأيت مجالس ملوك وسلاطين العجم مثل السلطان محمود الغزنوي وابنه السلطان مسعود وقد كانا ملكين عظيمين ذوي نعمة وجلال وأريد إن أرى مجالس أمير المؤمنين فنقل رغبتي إلى الموكل بالستار المسمى صاحب الستر وقد تفضل هذا فسمح لي بالذهاب في آخر رمضان سنة أربعين وأربعمائة 7مارس كان المجلس قد أعد لليوم الثاني وهو يوم العيد حيث يحضر السلطان بعد الصلاة فيجلس في صدر المائدة.
 
حين دخلت من باب السراي رأيت عمارات وصفف وإيوانات إن أصفها يطل الكتاب كان هناك اثنا عشر جناحاً أبنيتها مربعة وكلها متصلة بعضها ببعض وكلما دخلت جناحا منها وجدته أحسن من سابقه ومساحة كل واحد منها مائة ذراع في مائة عدا واحداً منها كانت مساحته ستين ذراعاً في ستين كان بهذا الأخير تخت يشغل عرضه بتمامه وعلوه أربع أذرع وهو مغطى بالذهب من جهاته الثلاث وعليه صور المصطاد والميدان وغيرهما كما إن عليه كتابة جميلة وكل ما في هذا الحرم من الفرش والطرح من الديباج الرومي والبوقلمون نسجت على قدر كل موضع تشغله وحول التخت درابزين من الذهب المشبك يفوق حد الوصف ومن خلف التخت بجانب الحائط درجات من الفضة وبلغ هذا التخت من العظمة أني لو قصرت هذا الكتاب كله على وصفه ما استوفيت الكلام وما كفى.
 
وقيل إن راتب السكر في ذلك اليوم الذي تنصب فيه مائدة السلطان خمسون ألف من وقد رأيت على المائدة شجرة أعدت للزينة تشبه شجرة الترنج كل غصونها وأوراقها وثمارها مصنوعة من السكر وعليها ألف صورة وتمثال مصنوعة كلها من السكر أيضاً.
 
ومطبخ السلطان خارج القصر ويعمل فيه دائما خمسون غلاماً ويصل القصر بالمطبخ طريق تحت الأرض وجرت العادة في مصر إن يحمل إلى دار الشراب السلطانية شرابخانة كل يوم أربعة عشر حملاً من الثلج كان لمعظم الأمراء والخواص راتب من هذا الثلج ويصرف منه لمن يطلبه من مرضى المدينة وكذلك كل من يطلب من أهلها مشروبا أو دواء من الحرم السلطاني فإنه يعطاه كما إن هناك زيوتا أخرى كزيت البلسان وغيره كان للناس كافة إن يطلبوها فلا تمنع عنهم.
 
==سيرة سلطان مصر==
 
بلغ أمن المصريين واطمئنانهم إلى حد إن البزازين وتجار الجواهر والصيارفة لا يغلقون أبواب دكاكينهم بل يسدلون عليها الستائر ولم يكن أحد يجرؤ على مد يده إلى شيء منها يحكى أنه كان بمصر يهودي وافر الثراء يتجر بالجواهر كان مقرباً من السلطان الذي كان يعتمد عليه في شراء ما يريد من الجواهر الكريمة وذات يوم اعتدى عليه الجنود وقتلوه فلما ارتكبوا هذا الجرم خشوا بطش السلطان فركب عشرون ألف فارس منهم وخرجوا إلى الميدان وهكذا خرج الجيش إلى الصحراء وخاف أهل المدينة مغبة هذه المظاهرة إذ ظل الجيش في الصحراء حتى منتصف النهار فخرج إليهم خادم القصر ووقف بباب السراي وقال إن السلطان يسأل إذا كنتم مطيعين أم لا فصاحوا صيحة واحدة نحن عبيد مطيعون ولكننا أذنبنا فقال الخادم يأمركم السلطان بأن تعودوا فعادوا في الحال.
 
واسم هذا اليهودي المقتول أبو سعيد كان له ابن وأخ وقيل إنه لا يعرف مدى غناه إلا الله فقد كان على سقف داره ثلاثمائة جرة من الفضة زرع في كل منها شجرة كأنها حديقة وكلها أشجار مثمرة وقد كتب أخوه لما ملكه من الفزع رسالة للسلطان يقول فيها إني أقدم للخزانة مائتي ألف دينار مغربي حالا فأمرالسلطان بعرض الرسالة على الناس وتمزيقها على الملأ وقال كونوا آمنين وعودوا إلى بيوتكم فليس لأحد شإن بكم ولسنا بحاجة لمال أحد واستمالهم إليه.
 
وكان لكل مسجد في جميع المدن والقرى التي نزلت بها من الشام إلى القيروان نفقات يقدمها وكيل السلطان من زيت السرج والحصير والبوريا وسجاجيد الصلاة ورواتب القوام والفراشين والمؤذنين وغيرهم وكتب والي الشام في بعض السنين إلى السلطان بان الزيت قليل ثم استأذن في إن يصرف للمساجد الزيت الحار المستخرج من بذور الفجل واللفت فأجيب إنك مأمور لا وزير وليس من الجائز إن تغير أو تبدل في شيء يتعلق ببيت الله.
 
ويتقاضى قاضي القضاة ألفي دينار مغربي في الشهر ومرتب كل قاض على قدر مرتبته ذلك حتى لا يطمع القضاة في أموال الناس أو يظلمونهم والعادة في مصر إن يقرأ مرسوم السلطان في المساجد في منتصف رجب وهو: يا معشر المسلمين حل موسم الحج وسيجهز ركب السلطان كالمعتاد وسيكون معه الجنود والخيل والجمال والزاد وينادى بذلك في شهر رمضان أيضاً ويبدأ الناس في السفر ابتداء من أول ذي القعدة وينزلون في موضع معين ثم يسيرون في منتصف هذا الشهر ويبلغ خرج الجيش الذي يرافق السلطان ألف دينار مغربي في اليوم هذا عدا عشرين ديناراً مرتبة لكل رجل فيه ويبلغون مكة في خمسة وعشرين يوماً ويمكثون بها عشرة أيام ثم يعودون إلى مصر في خمسة وعشرين يوما ونفقاتهم في الشهرين ستون ألف دينار مغربي عدا التعهدات والصلات والمشاهرات وثمن الجمال التي تنفق في الطريق .
 
وقد قرى على الناس سنة تسع وثلاثين وأربعمائة المرسوم التالي من سجل السلطان: يقول أمير المؤمنين أنه ليس من الخير إن يسافر الحجاج للحجاز هذا العام فإن به قحطاً وضيقاً وقد هلك به خلق كثيرون وأني أقول هذا شفقة بالمسلمين فلم يسافر الحجاج كان السلطان يرسل الكسوة للكعبة كالمعتاد لأنه يرسلها مرتين كل سنة فلما سافرت الكسوة مع وفد السلطان عن طريق القلزم سافرت معهم فخرجت من مصر أول ذي القعدة وبلغت القلزم في الثامن منه ومن هناك أقلعت السفينة فبلغنا بعد خمسة عشر يوماً مدينة تسمى الجار في الثاني والعشرين من ذي القعدة وقمنا من هناك فبلغنا مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أربعة أيام.
 
==المدينة==
والمدينة بلد على حافة الصحراء أرضها رطبة وملحة يجري بها ماء قليل وهي كثيرة النخل والقبلة هناك ناحية الجنوب ومسجد الرسول عليه الصلاة والسلام قدر المسجد الحرام ومقامه عليه الصلاة والسلام بجانب المنبر يسار المصلين وهو متوجهون ناحية القبلة فحين يذكر الخطيب وهو فوق المنبر النبي عليه السلام ويصلي عليه يلتفت ناحية اليمين ويشير إلى المقام الشريف وهذا المقام مخمس ترتفع حوائطه من بين أعمدة المسجد ويحيط به خمسة أعمدة كان في آخره حظيرة أحيطت بسياج حتى لا يدخلها أحد وأسدل على الجزء المكشوف منها شبكة حتى لا تدخلها الطيور وبين قبر الرسول والمنبر مسافة من الرخام تشبه الساحة وتسمى الروضة ويقال إنها روضة من رياض الجنة كما قال رسول الله عليه الصلاة والسلام ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة ويقول الشيعة إن هناك قبر فاطمة الزهراء عليها السلام وللمسجد باب واحد وخارج المدينة ناحية الجنوب صحراء بها مقبرة فيها قبر أمير المؤمنين حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه يسمونها قبور الشهداء .
 
وقد أقمنا يومين بالمدينة ثم غادرناها لضيق الوقت فسرنا شرقاً وعلى منزلين منها جبل ومضيق يشبه الوادي يسمى الجحفة وهناك ميقات حجاج المغرب والشام ومصر والميقات هو الموضع الذي يحرم منه الحجاج ويقال إن الحجاج نزلوا هناك في سنة ما وكانوا كثيرين فنزل عليهم السيل فجأة فأهلكهم لذلك سمي هذا المكان الحجفة وبين مكة والمدينة مائة فرسخ من الصخر قطعناها في ثمانية أيام.
 
وقد بلغنا مكة في يوم الأحد السادس من ذي الحجة ونزلنا عند باب الصفا كان بمكة قحط فكانت الأربعة أمنان من الخبز بدينار نيسابوري وقد هاجر منها المجاورون ولم يفد عليها حاج من أي بلد وقد أدينا فريضة الحج لله الحق سبحانه و تعالى يوم الأربعاء في عرفات ولبثنا بمكة يومين قد خرج من الحجاز خلق كثير مما أصابهم من الجوع والفقر وتفرقوا في البلاد.
 
ولا أذكر مناسك الحج ووصف مكة الإن سأذكر ذلك عند ذكر آخر نوبة للحج حين بقيت ستة أشهر بمكة مجاوراً وسأشرح ما رأيت.
 
ثم توجهنا ناحية مصر فبلغناها بعد خمسة وسبعين يوما وقد هاجر إليها من الحجاز في هذا العام خمسة وثلاثون ألف آدمي فكساهم السلطان وأجرى عليهم الرزق سنة كاملة وقد كانوا جميعاً جائعين عرايا ولما أمطرت السماء في بلادهم وكثر فيها الطعام كساهم السلطان صغيرهم وكبيرهم وأغدق عليهم الصلات ثم رحلهم إلى الحجاز وفي شهر رجب سنة أربعين وأربعمائة ديسمبر سنة قرأوا على الناس مرة أخرى مثالا للسلطان بان في الحجاز قحطا وليس من الخير إن يسافر الحجاج فلينفقوا المال على أنفسهم وليفعلوا ما أمر الله به وفي هذه السنة أيضاً لم يسافر الحجاج ولكن السلطان لم يقصر البتة في إرسال ما كان يرسله كل سنة من الكسوة وأجور الخدم والحاشية وأمراء مكة والمدينة وصلة أمير مكة وقد كانت ثلاثة آلاف دينار في الشهر وكانت ترسل إليه الخيول والخلع مرتين في السنة وعهد بهذا في هذه السنة إلى رجل اسمه القاضي عبد الله من قضاة الشام وقد ذهبت معه من طريق القلزم وقد بلغت السفينة الجار في الخامس والعشرين من ذي القعدة كان موعد الحج قد قرب كثيراً كان الجمل يؤجر بخمسة دنانير فذهبنا مسرعين .
بلغت مكة في الثامن من ذي الحجة وأديت فريضة الحج بعون الله سبحانه و تعالى وقد حدث إن قافلة عظيمة أتت للحج من بلاد المغرب وفي أثناء عودة حجاجها عند باب المدينة المنورة طلب العرب الخفارة منهم فقامت الحرب بينهم وقتل من المغاربة أكثر من ألفي رجل ولم يعد كثير منهم إلى المغرب وفي هذه الحجة أيضاً قام جماعة من أهل خراسان عن طريق الشام ومصر فبلغوا المدينة في سفينة وقد بقي عليهم إن يقطعوا مائة فرسخ وأربعة حتى عرفات وهم في السادس من ذي الحجة فقالوا إن كلا منا يدفع أربعين دينارا لمن يرحلنا إلى مكة في هذه الأيام الثلاثة الباقية لنلحق الحج فجاء الأعراب وأوصلوهم إلى عرفات في يومين ونصف يوم وأخذوا أجورهم ذهباً وكانوا قد شدوهم إلى جمال سريعة وأتوا بهم من المدينة إلى عرفات وقد هلك اثنان منهم وكانوا موثقين على الجمال كان أربعة منهم نصف أموات وقد بلغوا عرفات ونحن هناك ساعة صلاة العصر وكانوا لا يستطيعون الوقوف أو الكلام قالوا إنا توسلنا كثيراً في الطريق إن يأخذ هؤلاء الأعراب الذهب الذي اشترطنا وإن يتركونا فإنه لا طاقة لنا على مواصلة السفر ولكنهم لم يسمعوا لنا وساقونا على هذا النحو ومهما يكن فقد حج هؤلاء الأربعة وعادوا عن طريق الشام.
 
وبعد إن أكملت الحج توجهت نحو مصر فقد كانت لي بها كتب ولم يكن في نيتي إن أعود إليها وقد صحبت أمير مكة إلى مصر هذا العام فقد كان له رسم على السلطان يعطاه كل سنة لقرابته من أبناء الحسين بن علي صلوات الله عليهما فركبت السفينة معه حتى مدينة القلزم ومن هناك سرنا إلى مصر. في سنة إحدى وأربعين وأربعمائة وأنا بمصر جاء الخبر إن ملك حلب قد شق عصا الطاعة على السلطان كان تابعاً له كان آباؤه ملوكا على حلب كان للسلطان خادم اسمه عمدة الدولة هو أمير المطالبين كان عظيم الجاه والمال ويسمى مطالباً من يبحث عن تلال مصر عن الكنوز والدفائن ويأتي لهذا الأمر رجال من المغرب وأديار مصر والشام ويتحمل كل منهم المشاق وينفق المال الكثير في تلال مصر ومحاجرها وكثيرا ما لا يجدون الدفائن والكنوز وكثيراً ما ينفقون المال ولا يهتدون إلى شيء منها فإنهم يقولون إن أموال فرعون مدفونة في هذه المواضع ويأخذ السلطان خمس ما يكشفه المطالب والباقي له قصارى القول إن السلطان بعث هذا الخادم إلى حلب وأمده بقوة ليشد أزره وأعطاه كل ما ينبغي للملوك من الدهاليز والسرر فلما بلغ حلب وقاتل وقتل وكانت أمواله من الكثرة بحيث استغرق نقلها من خزائنه إلى خزائن السلطان شهرين كان من جملتها ثلاثمائة جارية أكثرهن كالبدور وبعض سراريه وقد أمر السلطان بان يكن مخيرات فمن رغبن في الزواج منهن زوجهن ومن لم يردن أعدن إلى بيوتهن وصرفت إليهن أموالهن كاملة فلم تجبر واحدة منهن على شيء.
 
ولما قتل عمدة الدولة خاف ملك حلب إن يرسل له السلطان جيشا فبادر بإرسال ابنه وهو في السابعة من عمره مع زوجه ومعهما كثير من التحف والهدايا للسلطان وذلك ليعتذرا عما فعل فلما جاءا مكثا ما يقرب من شهرين خارج مصر ولم يؤذن لهما بالدخول ولم تقبل تحفهما إلى إن شفع لهما الأئمة والقضاة عند السلطان وتوسلوا إليه إن يقابلهما ففعل ثم رجعا بالتشريف والخلع ومن جملة ما رأيت في مصر أنه إذا أراد أحدهم غرس حديقة يستطيع ذلك في أي فصل من فصول السنة فإنه يحصل دائما على الشجر الذي يريد فيزرعه مثمراً أو بغير ثمر وهناك تجار لذلك يقدمون كل ما يطلب منهم فقد زرعوا الأشجار في أصص ووضعوها فوق الأسطح وكثير من سقوف بيوتهم حدائق أكثرها مثمر من النارنج والترنج والرمان والتفاح والسفرجل والورد والريحان والزهر فإذا اشترى أحدهم شجرا حمل الحمالون الأصص بالشجر بعد شدها على لوح من خشب ونقلوها إلى حيث يشاء ثم يحفر الزراع الأرض لغرس الشجر إما بكسر الأصص أو بنزع الشجر منها من غير إن يضار الشجر بهذا ولم أر هذا النظام في أي مكان آخر كما أني لم أسمع به والحق أنه نظام جميل جداً.
 
==العودة إلى خراسان عن طريق الصعيد الأعلى وبلاد العرب والعراق==
 
والآن أعود إلى وطني من مصر عن طريق مكة حرسها الله تعالى من الآفات أقول أديت صلاة العيد في القاهرة وغادرت مصر في سفينة يوم الثلاثاء الرابع عشر من ذي الحجة سنة إحدى وأربعين وأربعمائة إبريل واتجهنا نحو الصعيد الأعلى وهو ولاية مصرية في الجنوب يأتي منها ماء النيل إلى مصر وأكثر رغدها منه وهناك على ضفتي النيل كثير من المدن والقرى يطول وصفها.
 
وقد بلغنا مدينة تسمى أسيوط يزرع فيها الأفيون وهو الخشخاش وحبه أسود حين تنمو الشجرة تكسر ويربط كيس في موضع الكسر فيخرج منه عصير يشبه اللبن فيجمعونه ويحفظونه وهو الأفيون وبذور هذا الخشخاش صغيرة مثل الكمون وينسجون في أسيوط عمائم من صوف الخراف لا مثيل لها في العالم والصوف الدقيق الذي يصدر إلى بلاد العجم والمسمى الصوف المصري كله من الصعيد الأعلى لأنهم لا ينتجون الصوف بمدينة مصر نفسها وقد رأيت في أسيوط فوطة من صوف الغنم لم أر مثلها في لهاورأو ملتان وهي من الرقة بحيث تحسبها حريراً.
 
ومن هناك بلغنا مدينة تسمى قوص رأيت فيها أبنية عظيمة من الحجارة تبعث على العجب في نفس من يراها وهي مدينة قديمة محاطة بسور من الحجر وأكثر أبنيتها من الحجارة الكبيرة التي يزن الواحد منها عشرين أو ثلاثين ألف من والعجيب أنه ليس على مسافة عشرة أو خمسة عشر فرسخاً منها جبل أو محجر فمن أين وكيف نقلوا هذه الحجارة؟ ومن قوص بلغت مدينة تسمى إخميم وهي مدينة واسعة عامرة رجالها أشداء لها سور حصين وبها نخل وبساتين كثيرة وقد أقمت بها عشرين يوما وفي هذه الجهة طريقان أحدهما صحراوي لا ماء فيه والثاني طريق النيل وقد ترددنا أي الطريقين نسلك وأخيراً سرنا في طريق النيل وبلغنا مدينة أسوان.
 
عند الجانب الجنوبي من أسوان جبل يخرج من وسطه النيل ويقال إن السفن لا تستطيع المضي في النيل وراء هذا الجبل لأن الماء هناك ينحدر من شلالات عظيمة وعلى مسافة أربعة فراسخ من هذه المدينة طريق ولاية النوبة وهي ولاية أهلها جميعا نصارى ويرسل ملوكها من قديم الهدايا لسلطان مصر وبين البلدين عهود ومواثيق فلا يذهب جيش السلطان هناك ولا يؤذي أهلها ومدينة أسوان محصنة جدا بحيث لا يستطيع أحد إن يقصدها من النوبة وبها جيش دائم للمحافظة عليها وعلى ولايتها ويقابل المدينة جزيرة وسط النيل كأنها حديقة فيها نخل وزيتون وأشجار أخرى وزرع كثير ويروى زرعها بالسواقي وقد لبثت بها واحداً وعشرين يوماً كان أمامنا حتى شاطئ البحر صحراء فسيحة طولها أكثر من مائتي فرسخ .
 
وكان حينذاك الموسم الذي يعود فيه الحجاج على الجمال فانتظرناهم لنستأجرها ونذهب بها وهي راجعة وكنت عرفت وأنا في أسوان رجلاً تقياً صالحاً يعرف شيئاً من علم المنطق اسمه عبد الله محمد بن فليج وقد عاونني في اكتراء الجمل واختيار الرفيق وغير ذلك وقد استأجرت جملاً بدينار ونصف دينار ورحلت عن هذا البلد في الخامس من ربيع الأول سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة يوليو كان الطريق يتجه نحو الجنوب.
 
بعد ثمانية فراسخ من رحلتنا بلغنا جهة تسمى ضيقة وهي واد في الصحراء على جانبيه حائطان من الجبال وسعته مائة ذراع وقد حفر فيه بئر يخرج منه ماء كثير ولكنه ليس عذبا وبعد إن تركنا ضيقة سرنا خمسة أيام في صحراء لا ماء فيها كان مع كل منا قربة ماء ثم بلغنا منزلا يسمى الحوض وهو جبل حجري فيه عينان يتفجر منهما ماء عذب يستقر في حفرة ولم يكن بد من إن يذهب رجل إلى حيث العينان ليحضر الماء لشرب الإبل التي مضى عليها سبعة أيام لم تشرب فيها ولم تأكل إذ إن علفها قد نفد كله وكانت تستريح مرة في الأربع وعشرين ساعة وذلك من الوقت الذي تشتد فيه حرارة الشمس حتى صلاة العصر وتسير بقية الوقت والمنازل التي ينزلون بها معلومة فليس ممكنا النزول في أي مكان لتعذر وجود ما توقد به النار أما في هذه المنازل فإنهم يجدون بعر الإبل فيتخذونه وقودا يطبخون عليه ما تيسر كان الإبل تعلم أنها إن أبطأت ماتت عطشا فهي تسير غير محتاجة لأن يسوقها أحد متجهة من تلقاء نفسها ناحية المشرق في هذه الصحارى حيث لا أثر أو علامة تدل على الطريق وهناك أمكنة يقل فيها الماء مسافة خمسة عشر فرسخاً ويكون ملحا وأمكنة لا يوجد فيها ماء قط مسافة ثلاثين أو أربعين فرسخاً.
وفي العشرين من ربيع الأول سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة أغسطس بلغنا مدينة عيذاب ومن أسوان حتى عيذاب التي بلغناها بعد خمسة عشر يوما مائتا فرسخ بالتحديد ومدينة عيذاب هذه تقع على شاطئ البحر وبها مسجد جمعة وسكانها خمسمائة وهي تابعة لسلطان مصر وفيها تحصل المكوس على ما في السفن الوافدة من الحبشة وزنجبار واليمن ومنها تنقل البضائع على الإبل إلى أسوان في هذه الصحراء التي اجتزناها ومن هناك تنقل بالسفن إلى مصر في النيل وعلى يمين عيذاب ناحية القبلة جبل من خلفه صحراء عظيمة بها مراع واسعة وخلق كثيرون يسمون البجة وهم قوم لا دين لهم ولا ملة لا يؤمنون بنبي أو إمام وذلك لبعدهم عن العمران وهم يسكنون الصحراء طولها أكثر من ألف فرسخ وعرضها ثلاثمائة فرسخ وليس في هذه المسافة الشاسعة سوى مدينتين صغيرتين تسمى الأولى بحر النعام والثانية عيذاب وتمتد هذه الصحراء من مصر إلى الحبشة وذلك من الشمال إلى الجنوب وعرضها من بلاد النوبة حتى بحر القلزم وذلك من الغرب إلى الشرق ويقيم بها البجة وهم ليسوا أشرار فهم لا يسرقون ولا يغيرون بل يشتغلون بتربية ماشيتهم ويسرق المسلمون وغيرهم أبناءهم ويحملونهم إلى المدن الإسلامية ليبيعوهم فيها وبحر القلزم هذا خليج يتفرع من المحيط عند ولاية عدن ويسير شمالا حتى مدينة القلزم الصغيرة ويسمى هذا البحر بكل مدينة تقع عليه فمرة يسمى القلزم ومرة عيذاب ومرة بحر النعام وقيل إن به أكثر من ثلاثمائة جزيرة تأتي السفن منها محملة بالزيت والكشك وقيل إن هناك بقراً وخرافاً كثيرة والناس هناك مسلمون بعضهم تابع لمصر وبعضهم لليمن وليس في مدينة عيذاب الصغيرة غير ماء المطر فلا بئر فيها ولا عين فإذا لم تمطر السماء أحضر البجة الماء وباعوه وقد بقينا هناك ثلاثة أشهر وكنا نشتري قربة الماء بدرهم أو بدرهمين وسبب بقائنا هذه المدة إن السفينة لم تقلع إذ كانت الريح شمالية كان ينبغي لرحلتنا ريح الجنوب وحينما رآني الناس طلبوا إلي إن أكون خطيبهم فلم أردهم وخطبت لهم تلك المدة حتى أتى الموسم ثم سارت السفينة شمالاً إلى إن بلغنا جدة ويقال إن الجمال النجيبة لا توجد في مكان آخر غير هذه الصحراء وهي تنقل منها إلى مصر والحجاز .
 
وقد حكى لي رجل أعتمد على قوله من مدينة عيذاب قال كنت في سفينة محملة بالجمال لأمير مكة فمات جمل منها فرموه في البحر فابتلعنه سمكة في الحال ولم يبق خارج فمها غير رجله فجاءت سمكة أخرى وابتلعت هذه السمكة بالجمل ولم يظهر عليها أي أثر من ذلك ويسمى هذا السمك بالقرش.
ورأيت في هذه المدينة جلد سمك يسمونه في خراسان الشفق ويظنون انه نوع من الضب ولكني رأيت في عيذاب أنه سمك وله كل ما للسمك من زعانف.
 
حينما كنت في أسوان كان لي صديق ذكرت اسمه قبلاً وهو أبو عبد الله محمد بن فليج فلما ذهبت من هناك إلى عيذاب كتب من إخلاصه لي لوكيله بها كتابا يقول فيه إعط ناصراً ما يريد وهو يعطيك صكا للحساب فلما بقيت بها ثلاثة أشهر وأنفقت ما معي اضطررت إن أعطي هذه الورقة للوكيل فأكرمني وقال إن له والله لدي أشياء كثيرة وإني معطيك ما تريد واعطني صكا به فتعجبت من حسن صنع هذا الرجل محمد ابن فليج الذي أظهر كل هذه الطيبة بغير سابقة مني إليه ولو كنت رجلا دنيئا واستحللت لنفسي إن آخذ لأخذت بهذه الورقة أشياء كثيرة وقد أخذت منه مائة منّ من الدقيق وهو مقدار كبير هناك وأعطيته صكاً به أرسله إلى أسوان وقبل رحيلي من عيذاب ورد خطاب من محمد فليج لوكيله يقول فيه أعط ناصراً كل ما يريد مهما تكن قيمته مما لي عندك وإذا أراد فأعطه من مالك وأنا أعطيك عوضاً عنه فقد قال أمير المؤمنين على بن أبي طالب صلوات الله عليه المؤمن لا يكون محتشماً ولا مغتنماً وقد كتبت هذا الخبر حتى يعرف القارئ إن الرجل يعتمد على الرجل وإن الكرم في كل مكان وإن أهله كانوا وسيكونون دائما.
 
==وصف بلاد العرب==
 
===جدة===
 
وجدة مدينة كبيرة لها سور حصين تقع على شاطئ البحر وبها خمسة آلاف رجل وهي شمال البحر الأحمر وفيها أسواق جميلة وقبلة مسجدها الجامع ناحية المشرق وليس بخارجها عمارات أبداً عدا المسجد المعروف بمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولها بوابتان إحداهما شرقية تؤدي إلى مكة والثانية غربية تؤدي إلى البحر ويبلغ السائر من جدة جنوبا على شاطئ البحر اليمن ومدينة صعدة والمسافة إلى هناك خمسون فرسخاً وإذا سار شمالاً بلغ الجار وهي تابعة للحجاز وليس في جدة شجر ولا زرع وكل ما يلزمها يحضرونه إليها من القرى وبينها وبين مكة إثنا عشر فرسخاً وأمير جدة تابع لأمير مكة تاج المعالي بن أبي الفتوح الذي هو أمير المدينة أيضاً وقد ذهبت إلى أمير جدة فأكرم وفادتي وأعفاني مما كان يجب علي من المكس ولم يطلبه وهكذا خرجت من البوابة في سلام وقد كتب إلى مكة يقول عني هذا رجل عالم فلا يجوز إن يؤخذ منه وفي يوم الجمعة بعد صلاة العصر قمت من جدة فبلغت باب مكة يوم الأحد سلخ جمادى الثاني كان قد حضر إلى مكة للعمرة خلق كثيرون من نواحي الحجاز واليمن في أول رجب وهو موسم عظيم مثل عيد رمضان وهم يحضرون وقت الحج ولأن طريقهم قريب وسهل يأتون إلى مكة ثلاث مرات كل سنة.
 
===وصف مكة===
 
تقع مكة بين جبال عالية ولا ترى من بعيد من أي جانب يقصدها السائر وأقرب جبل منها هو جبل أبي قبيس وهو مستدير كالقبة لو رمي سهم من أسفله لبلغ قمته وهو شرقي مكة فترى الشمس من داخل المسجد الحرام وهي تشرق من فوقه في شهر دي ديسمبر وقد نصب على قمته برج من الحجر يقال إن إبراهيم عليه السلام رفعه عليه.
 
وتشغل هذه المدينة الوادي الذي بين الجبال والذي لا تزيد مساحته عن رمية سهمين في مثلها والمسجد الحرام وسط هذا الوادي ومن حوله مكة والشوارع والأسواق وحيثما وجدت ثغرة بين الجبال سدت بسور قوي وضعت عليه بوابة وليس بمكة شجر أبداً إلا عند باب الغربي للمسجد الحرام المسمى باب إبراهيم حيث يوجد كثير من الشجر الكبير الذي يرتفع على حافة البئر.
 
وعند الجانب الشرقي للمسجد سوق تمتد من الجنوب إلى الشمال وفي أولها ناحية الجنوب جبل أبي قبيس الذي تقع الصفا على سفحه وتبدو على هذا السفح درجات كبيرة من الحجارة المستوية التي يصعد الحجاج عليها ويدعون ربهم والمروة في نهاية السوق شمالي الجبل وهي أقل ارتفاعاً في وسط مكة وقد شيدت عليها منازل كثيرة وما يسمى السعي بين الصفا والمروة هو المسعى في هذه السوق من أولها لآخرها ويجد من يرغب العمرة وهو آت من بعيد أبراجاً ومساجد على مسافة نصف فرسخ حول مكة فيحرم منها للعمرة والإحرام هو نزع الملابس المخيطة من على الجسد وشد المحرم وسطه بإزار ولف جسده بإزار أو وشاح آخر وصياحه بصوت عال إن لبيك اللهم لبيك ثم يسير نحو مكة فإذا أراد حاج إن يعتمر وهو بمكة فإنه يذهب إلى تلك الأبراج ويرتدي ثوب الإحرام ويهتف لبيك ويدخل مكة بنية العمرة فحين يبلغ مكة يدخل المسجد الحرام ويسير نحو الكعبة ثم يطوف ناحية اليمين بحيث تكون هذه على يساره ويتوجه إلى الركن الذي به الحجر الأسود فيقبله ثم يمضي ويستمر في الطواف حتى يعود إلى الحجر الأسود مرة أخرى فيقبله وبهذا يكون قد أتم طوفة واحدة وعلى هذا النحو يطوف سبع مرات ثلاثاً منها بسرعة وأربعاً على مهل وبعد إتمام الطواف يتوجه نحو مقام إبراهيم عليه السلام وهو أمام الكعبة فيقف خلفه بحيث يكون المقام بينه وبين الكعبة وهناك يصلي ركعتين هما صلاة الطواف ثم يذهب إلى حيث بئر زمزم فيشرب من مائها أو يمسح بها وجهه ثم يخرج من المسجد الحرام من باب الصفا الذي سمي كذلك لأن جبل الصفا يقع خارجه فيصعد على عتبات الصفا موليا وجهه شطر مكة ويدعو بالدعاء المعلوم ثم ينزل ويتجه ناحية المروة ماراً بالسوق التي يسير فيها من الجنوب إلى الشمال وعليه إن ينظر إلى أبواب الحرام حين يمر بها وإن يحث الخطى في المسافة التي سعاها الرسول عليه الصلاة والسلام مسرعاً والتي أمر الناس باجتيازها مسرعين وهي خمسون خطوة وعلى طرفي هذا الموضع الذي يسار فيه بسرعة أربع منارات على الجانبين فإذا بلغ الحاج الآتي من
2٬050

تعديل