صفحة:تاريخ الفلسفة اليونانية (1936) يوسف كرم.pdf/25

صُححّت هذه الصفحة، لكنها تحتاج إلى التّحقّق.
– ١٩ –


١٠ – هرقليطس

أ – وُلد في أفسوس من أسرة عريقة في الحسب، ولكنه زهد كل جاه وتوفر على التفكير؛ إلا أنه ظل أرستقراطيًّا بكل معنى الكلمة، يعتد بنفسه، ويباعد بينه وبين الناس، يحتقر العامة ومعتقداتها الدينية، وعباداتها السخيفة، ومعارفها التقليدية، وينقم من هوميروس وهزيود أنهما ثبتا فيها الخرافات والأضاليل، ويستخرج من حكمها السياسي الشواهد على جهلها وعبثها، فيشبهها تارة بالأطفال، وأخرى بالكلاب، وثالثة بالحمير، بل إن كبرياءه تعدى العامة إلى العلماء؛ فكان يزدري العلم الجزئي «الذي لا يثقف العقل» وينعي على فيثاغورس وأكسانوفان اشتغالهما به فلم يحسب، ولم يرسم، ولم يجرِ التجارب، ولكنه كان يعتبر العلم الجدير به التفكير العميق في المعاني الكلية، يخلع عليها أسلوبًا فخمًا مبهمًا كثير الرمز والتشبيه حتى لقب بالغامض، وقد قال هو نفسه في أسلوبه: «إنه لا يفصح عن الفكر ولا يخفيه، ولكن يشير إليه.» وإن الشذرات المائة والثلاثين التي بقيت لنا من كتابه لتدل على ذلك دلالة كافية؛ غير أن ازدراءه العلم الجزئي تركه جاهلًا بالطبيعة جهلًا فاضحًا وهبط به إلى صف العامة؛ فقد اعتقد مثلًا أن غروب الشمس انطفاؤها في الماء، وأنها تتجدد كل يوم، وأن قطرها قدم واحدة كما يبدو للبصر، وغير ذلك من الأوهام، أما فلسفته فعميقة قوية هي التي خلدت اسمه وكان لها أثر بعيد.

ب – «الأشياء في تغير متصل» هذا قوله الأكبر وملخص مذهبه، وهو يمثل له بصورتين: إحداهما جريان الماء فيقول: «أنت لا تنزل النهر الواحد مرتين، فإن مياهًا جديدة تجري من حولك أبدًا.» والصورة الأخرى اضطرام النار وهي أحب لديه من الأولى؛ لأن النار أسرع حركة وأدل على التغير، ولأنه