صفحة:تاريخ الفلسفة اليونانية (1936) يوسف كرم.pdf/27

صُححّت هذه الصفحة، لكنها تحتاج إلى التّحقّق.
– ٢١ –

على وجه الأرض، غير أن النار تخلص شيئًا فشيئًا مما تحولت إليه، فيأتي وقت لا يبقى فيه سوى النار، وهذا هو الدور التام أو «السَّنة الكبرى»1 تتكرر إلى غير نهاية بموجب قانون ذاتي ضروري («لوغوس») «فالمبادلة متصلة من الأشياء إلى النار، ومن النار إلى الأشياء، كما يستبدل الذهب بالسلع، وتستبدل السلع بالذهب. وهذا العالم لم يصنعه أحد من الآلهة أو البشر، ولكنه كان أبدًا وهو كائن وسيكون نارًا حية تستعر بمقدار وتنطفئ بمقدار» هذه النار هي الله. «والله نهار وليل، شتاء وصيف، حرب وسلم، وفرة وقلة، يتخذ صورًا مختلفة كالنار المعطرة تسمى باسم العطر الذي يفوح منها.» أما النفس الإنسانية فهي بخار حار — والحرارة ضرورية للحي — هى قبس من النار الإلهية تدبر الجسم كما تدبر النار العالم، فيجب عليها أن تعلم قانونها وأن تعمل به فلا تتشبث بالجسم ومطالبه، بل تضع ذاتها في التيار العام وتقمع الشهوة؛ لأن الشهوة توكيد للشخصية، والشخصية انتقاض على القانون الطبيعي ومعارضة للتغير، والدين الحق مطابقة الفكر الفردي للقانون الكلي («لوغوس») والفناء في النار العالمية.

د – فهرقليطس يقول بوحدة الوجود مثل فلاسفة ملطية، ويمتاز بشعوره القوي بالتغير، وإن الفكرتين لتستتبعان الشك حتمًا، فوحدة الوجود تعني أن شيئًا واحدًا هو الموجود، وأن ما عداه مظاهر وظواهر، والتغير يعني أن كل موجود جزئي فهو كذا وليس كذا في آنٍ واحد، أو هو نقطة تتلاقى عندها الأضداد وتتنازعها فيمتنع وصفه بخصائص دائمة ضرورية ويمتنع العلم، فلا عجب

  1. وتسمى بالكور: «إن للفلك وأشخاصه … أدوارًا كثيرة … ولأدوارها كور … أما الأكوار فهي استئنافاتها في أدوارها وعودتها إلى مواضعها مرة بعد أخرى» رسائل إخوان الصفاء طبعة القاهرة ١٩٢٨ ج٣ ص٢٤٣-٢٤٤.