صفحة:تاريخ الفلسفة اليونانية (1936) يوسف كرم.pdf/66

صُححّت هذه الصفحة، لكنها تحتاج إلى التّحقّق.
–٦٠–

وتتناقض: «أليس يحدث أن هواء بعينه يرتعش منه الواحد ولا يرتعش الآخر، ويكون خفيفًا على الواحد عنيفًا على الآخر؟ فماذا عسى أن يكون في هذا الوقت الهواء في ذاته؟ هل نقول: إنه بارد أم نقول: إنه ليس باردًا؟ أم نسلم أنه بارد عند الذي يرتعش، وأنه ليس ببارد عند الآخر؟»1 «وإذن فلا يوجد شيء هو واحد في ذاته وبذاته، ولا يوجد شيء يمكن أن يسمى أو يوصف بالضبط؛ لأن كل شيء في تحول مستمر» فما نحسه هو موجود على النحو الذي نحسه وما ليس في حِسِّنَا فهو غير موجود، وعلى ذلك تبطل الحقيقة المطلقة لتحل محلها حقائق متعددة بتعدد الأشخاص وتعدد حالات الشخص الواحد، ويمتنع الخطأ؛ إذ يمتنع أن نتصور غير ما نتصور في وقت ما، والنتيجة المنطقية أن ما يصدق على المعرفة يصدق أيضًا على العمل، وأن الفرد مقياس النفع والضر والخير والشر والعدل والظلم، غير أن هذا لا يعني ترك الأمور فوضى وإنكار الحكمة والحكيم، فإن من التصورات ما بعضه «خير» من بعض، فالطبيب حكيم إذ يستخدم العقاقير لاستبدال تصورات الصحيح بتصورات المريض، والأولى «خير» من الثانية، والسوفسطائي أو تلميذه حكيم؛ إذ يحدث في السياسة مثل هذا الانقلاب، فما يسمى حقًّا في العمل هو النافع في وقت معين وظروف معينة2.

ج – ويتابع أرسطو أفلاطون في تأويل عبارة بروتاغوراس3، على أن لأفلاطون محاورة اسمها «بروتاغوراس» أقدم من «تيتياتوس» يصور فيها السوفسطائي حيًّا يرزق غير شاكٍّ لا كثيرًا ولا قليلًا بينما هو يقول عنه في المحاورة الأخرى: إنه مات من زمن طويل، ويورد «مذهبه» على أنه «رأي خاص»


  1. لهذا دعا الإسلاميون مذهبه بالعندية: رأي كل فرد حق «عنده» وبالقياس إليه.
  2. محاورة «تيتياتوس» ص١٦٦–١٦٨.
  3. ما بعد الطبيعة م٤ ف٥.