صفحة:تاريخ الفلسفة اليونانية (1936) يوسف كرم.pdf/76

صُححّت هذه الصفحة، لكنها تحتاج إلى التّحقّق.
–٧٠–

أن يبعثوا اتهامه وأن يؤيدوه أمام القضاء، فتقدموا بعريضة يدعون فيها «أنه ينكر آلهة المدينة ويقول بغيرهم ويفسد الشباب» ويطلبون الإعدام عقابًا له، هؤلاء الثلاثة هم: أنيتوس أحد رءوس الصناعة وزعماء الديمقراطية، وملاتوس شاعر شاب خامل، وليقون خطيب لا بأس به، أقام الدعوى ملاتوس وانضم إليه ووقع على عريضته الاثنان الآخران، ولكن المحرك الأصلي أنيتوس، أغرى صاحبيه بالمال واستغل حفيظتهما فإنه كان أقدر منهما على التأثير في سير الدعوى، فأسباب الاتهام شخصية وسياسية؛ لأن سقراط علاوة على تسفيه الشعراء والخطباء كثيرًا ما كان يحمل على النظام الديمقراطي، وينتقد ما يقوم عليه من مساواة مسرفة وقوة العدد وانتخاب بالقرعة، أما أركانه فهي أولًا: إنكار آلهة أثينا، وكان أكبر الكبائر عند الأثينيين؛ لأن كل مدينة كانت تعتبر آلهتها جزءًا لا يتجزأ من تقاليدها المقدسة، وترجع إليهم الفضل في نشوئها وحمايتها وترقيها، فالكفر بهم نكران للجميل واستنزال لغضبهم على المدينة وأهلها، ولكن سقراط كان يعتقد بالآلهة وعنايتهم، وكان يشترك في الشعائر الدينية فيلوح أن متهميه كانوا يتخذون حجة أنه فيلسوف، وقديمًا كان الفلاسفة متهمين في عقيدتهم، ثم إنهم كانوا يرمون إلى أن يستدرجوه لشرح رأيه في الآلهة فيثيروا العامة عليه. والركن الثاني من أركان الاتهام قوله بآلهة جدد، ويظهر أن المقصود به ذلك الصوت الذي كان سقراط يقول: إنه يسمعه في نفسه ينهاه عما اعتزمه من أفعال ضارة به وهو لا يدري، وكان يسميه بالروح الإلهي ولا ينسبه لإله معين. والركن الثالث إفساد الشباب؛ يقيمونه على أن سقراط يحدث تلاميذه ومستمعيه بآرائه في الآلهة، فينفرهم من الديانة الموروثة ويحضهم على التفكير الشخصي دون استناد إلى النقل والتقليد، فيضعف من طاعتهم لوالديهم ومن إخلاصهم للدولة.