مجلة الرسالة/العدد 122/الكتب

مجلة الرسالة/العدد 122/الكتب

مجلة الرسالة - العدد 122
الكتب
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 04 - 11 - 1935

1 - البُحَاثة اللغوية

عن قاعة البحث اللغوي بدار العلوم

2 - القبس للإنشاء العربي

تأليف:

محمد رزق الدهشان - مدرس بالمدارس الثانوية

عبد الغني الصاوي - مدرس بالمدارس اثانوية

للأستاذ محمد سعيد العريان

في دار العلوم اليوم نهضة موفقة، يساهم فيها الشباب والشيوخ من أبناء هذه الدار التي قامت على العربية ستين عاماً، فأحسنت القوامة، ورعت الأمانة، وأدت حق العلم وحق اللغة أوفى أداء، وأثرت تأثيرها المبارك فيما ينتج الشعراء والكتاب من أدباء هذا الجيل؛ وهي نهضة حكيمة، بادية النشاط، بادية الأناة، تسير على سننها في رفق وقوة، وتمضي إلى غايتها في حماسة ووقار؛ فمن ثم لا تحاول أن تنسلخ جملة من ماضي التاريخ، وهي تأبى كذلك أن تصمّ أذنيها عن دعوة إلى الابتكار والتجديد.

وهذا أثر جديد، هو مجْلى من مجالى نشاطها الدائب؛ تحاول به أن تثبت للحاقدين من خصومها، والعاقِّين من بنيها، أن عندها هي وحدها تلتمس الأسبابُ لحياة هذه اللغة حياةً تكون بها بين اللغات ما كانت بينها في تاريخها المجيد.

ولقد أنشئت في دار العلوم منذ أكثر من عام (قاعة البحث اللغوي) لتكون ميداناً حراً لكل ذي فكر جديد، يتناول شأناً من شؤون اللغة. والعلم اليوم عرض وبحث ومذاكرة، لا تلقٍ وحفظٌ واستذكار؛ من أجل ذلك أنشئت هذه القاعة في دار العلوم، غير مسبوقة بمثال لها تتخذه قدوة وتسير على نهجه؛ على أنها قد أجدَّتْ فأجْدَتْ، واخترعتْ ففرعتْ؛ وهذا كتابها الثاني (البحاثة اللغوية) يدل على جهد مشكور، وعمل له ما وراءه.

وهو نهج جديد في فقه اللغة. وفقهُ اللغة عند القدماء أبوابٌ موضوعة، تضم من أشتات اللغة كلَّ معنى إلى ما يشاكله، وكل تعبير إلى ما يضاهيه، وكل لفظ إلى ما يرادفه؛ فهو عندهم معجم يرتِّب اللغة على أبواب المعاني لأعلى أبواب الحروف؛ وإذْ كانت اللغ تتطور، وحاجات العصر تطلب حقها من كل لغة، وأن تتعرف اسمها على كل لسان - كان همّ فقهاء اللغة من هذا الجيل أن يحاولوا الربط بين ألفاظ اللغة وحاجات العصر، وأن يكشفوا عن أوجه المشاكلة بين كل اسم ومسماه وما يتصل به، في أبواب يضعونها، وترتيب يخترعونه، إلا أنه لا يخرج في جملته ومعناه عن طريقة القدامى في الوضع والترتيب.

ولكن فقه اللغة شئٌ غير الكلمات الجديدة، وغير الجمع والترتيب والتبويب، وغير النحت والاشتقاق والترجمة - وإن يكن أولئك هو كل ما نطلبه من فقه اللغة لنساير بها حاجات العصر؛ إنما فقه اللغة أن نحاول الكشف عن أسرار اللغة، وتفهم طبيعتها، وفقه ألفاظها على حقيقتها وفي معناها الذي عناه الواضع الأول؛ ثم البحث في نشأة الكلمات، وتاريخها، واشتقاقها، وتطورها، وما استعملت فيه ودلت عليه من المعاني في مختلف العصور، وما صارت إليه وعرفت به في لغة الأحياء؛ ثم ما يهدي إليه هذا البحث مما تزيد به ثروة اللغة، ويصح به أسلوب الكلام.

وهذا هو ما رآه الأستاذ (محمد عبد الجواد) أستاذ فقه اللغة بدار العلوم، فدعا طلابه إليه، فهيأ لهم قاعة البحث اللغوي، فكان من عملهم هذه البحاثة اللغوية.

وهو كتاب دوريّ، سبقته البحاثة الأولى إلى الظهور باسم: أنابيش لغوية.

وهذه البحاثة كما يدلّ عليها اسمها والغرض منها هي خلاصة البحث اللغوي لطلاب دار العلوم في السنة الدراسية الماضية بتوجيه أستاذهم؛ ويبلغ الكتاب ثلثمائة صفحة، ثلثاها مما اختير من بحوث الطلاب أنفسهم في (رياضة لغوية في قراءة القاموس المحيط)؛ وقد نهج بهم أستاذهم منهجاً حسناً، هو يصفه في مقدمته لهذا الباب:

(. . . رأينا أن توزع عليهم أوراق من القاموس المحيط للبحث فيها واستخراج كنوزها ودفائنها، كي يوجه النظر إلى استعمالها، والانتفاع بها في حركة التجديد اللغوي. . . وقد طلب إليهم قراءتها بإمعان وتدبر، ووضع خط بالقلم الرصاصي تحت ما يصح أن يوضع لمسمى لم يعرف له اسم عربي، أو كلمات يتوهم أنها عامية وهي عربية، أو ما خرج به التحريف أو التصحيف عن عربيته الخ، أو أية لفظة يرى أنها جديرة بالنشر. وإذا كان لأحدهم مقترح، أو أراد التوسع في بحثه، شفع ما قرأ من الأوراق بتوضيح كتابيّ. . .) ولقد كانت رياضة لغوية مثمرة، تدل على جدوى هذا النهج الجديد في دراسة فقه اللغة؛ وإننا لنرى فيها جهد الطلاب ظاهراً قوياً، وقد وفق الكثير منهم توفيقاً يدعو إلى الإعجاب والرضى ويبعث على كثير من الاطمئنان والأمل؛ على أنه من التواضع أن يسمى كل هذا الجهد (محاولة)؛ فما أغلو إذا ادعيت أنه قد أضاف إلى العربية ثروة جديدة، وكشف عن دفائن تزيدها قوة وغنى.

على أن في الكتاب غير ذلك بحوثاً طريفة، وأبواباً قيمة، وطرائف من اللغة تروق الأدباء والمتأدبين. وإذا كان لنا أن نأخذ شيئاً على الكتاب، فذلك أنه كان في حاجة إلى العناية بترتيبه وتقسيم فصوله خيراً مما رُتِّب وقُسِّم، ليتأتى للمستفيد أن يقع منه على ما يريد من غير عناء، ولكننا نحب أن نعتذر عنهم من ذلك، بأنهم أرادوه ليكون أشبه بسجلّ يصوِّر مجهودهم، أكثر مما أرادوه كتاباً يتناوله القراء للبحث والانتفاع، وإن كان هو عندنا لأكثر من ذاك.

القبس للإنشاء العربي

وهذا كتاب آخر للإنشاء العربي، متين العبارة، قويّ الأسلوب، جميل التقسيم، أنشأه مؤلفاه الفاضلان ليستعين به التلاميذ في دروس الإنشاء العربي، فجاء وافياً بما يريدان من قوة السبك، وحسن الأداء، ودقة التقسيم.

ولكننا نعود فنسأل عن مدى استفادة التلاميذ مما يسمونه (كتب الإنشاء)؟

ليس من شك في أن تعليم اللغة تلقين ومحاكاة، يهيئان التلميذ من بعدُ للخلق والابتكار، ولكن وسائل التلقين ليست هي هذه الكتب التي توضع بين أيدي التلاميذ لغرض واحد، هو أن يقرءوها فيحاكوها، أو ينبشوها فيقتبسوا منها، والتي لا ينظرون فيها إلا على نية الأخذ عنها، والاستعانة بها على تجويد العبارة وصقل الكلام؛ إنما ينبغي أن يلقن التلميذ من حيث لا نشعره أنه يلقن: بأن نحمله على القراءة في كتب شتى، ونبعث فيه الشوق إلى المطالعة والنظر في كل كتاب، ونعوده حسن الاستماع لجيّد الكلام؛ فما يقبل التلميذ على مثل كتب الإنشاء هذه بقلبه وعقله، بل بحافظته؛ فمن ثم لا تراه ينظر فيها إلا ليسترق أو يقلد، فيؤول ذلك إلى أن تكون كتابته أشبه بطبع الرواسم (الأكلشيهات): عبارات محفوظة، وربط سقيم، وفكر بليد؛ ثم هي تجعل التلميذ لا يحاول أن يطالع أو أن يقرأ، إلا إذا طلب إليه أن يكتب أو أن ينشئ، للمدرس، أو للامتحان؛ لأنه لم يتعود أن يقرأ ليلذ نفسه ويرضي عاطفته، بل ليستعين على أداء تكليف ثقيل. . .!

وهذه الكتب الكثيرة للإنشاء، أثرٌ من إيحاء مناهج الدراسة ونظم التعليم في بلادنا، هذه النظم التي تقيس العلم بعدد الناجحين ونسبة النجاح، ومن ثم كانت أكثر محاولات المدرسين في مدارسنا للوصول إلى هذه الغاية؛ أما تربية الملكات، وصقل العقل، وإرهاف الحس، فذلك شئ قلما ترى من يحاوله منهم، ولعل لهم عذراً كبيراً من ذاك. . .!

ولقد يكون من الخير الكثير لو أن المؤلفين الذين يحاولون تأليف الكتب للإنشاء اتجهوا في ذلك اتجاهاً آخر، فوضعوا همهم وجهدهم في تأليف كتب أخرى مما يروق التلاميذ صغاراً وكباراً، ويشوقهم إلى قراءته غير محمولين عليه، مثل: القصص، والرحلات المشوّقة، وغيرها، ثم ليجعلوا في ثنايا ذلك ما يريدون أن يضيفوه إلى ثروة التلاميذ اللغوية والعلمية. فلعلهم إن فعلوا ذلك يكونون قد أضافوا إلى اللغة ثروة جديدة من أدب الأطفال، وعوَّدوا الأطفال أن يقرءوا التماساً للذة العقلية ومتاع الروح، بدل أن يقرءوا رغبة في النجاح وحسب.

وما نعني بهذه الكلمة - هذا الكتاب الجديد وحده، فلعله من خير ما أُلف في موضوعه، وإنما هو رأي نحب أن يسمعه كل القائمين على تعليم الإنشاء في المدارس المصرية.

محمد سعيد العريان