مجلة الرسالة/العدد 122/من ضحايا الوطنية

مجلة الرسالة/العدد 122/من ضحايا الوطنية

مجلة الرسالة - العدد 122
من ضحايا الوطنية
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 04 - 11 - 1935


شارلوت كورداي

لتوماس كارليل

بقلم الأستاذ حسن عبد الحليم اليماني

يعي التاريخ مشهداً يذكره وسط الغموض والاضطراب اللذين لفا مدينة (كان) الفرنسية كما لفّا العالم بأسره في طليعة عهد الثورة الكبرى: أما مكانه فساحة مجلس (كان) النيابي، وأما أبطاله فرجل وفتاة أوشكا أن يفترقا بعد لقاءهما النائب باربارو وشارلوت كورداي ((دارمان) كما كانت أسرتها تلقب قبل الثورة التي ألغت رتب النبل وألقابه) كانت فتاة فارعة العود في عامها الخامس والعشرين، يتلألأ محياها جمالاً ووداعة؛ وكانت على أن ترحل إلى باريس في أمر ما، ولهذا تقابلت وباربارو فحملها توصية وتقدمة إلى صديقه الباريسي النائب دوبريه ذاكراً في خطابه (إنها لجمهورية الهوى من قبل أن ينادي بالثورة منادٍ، وإنها لم تكن في حاجة أبداً إلى الحماسة، ففي قلبها منها الكفاية). (أما الحماسة في رأيها فهي تلك العاطفة التي تدفع بالمرء إلى بذل روحه طائعاً في سبيل بلاده).

وقبيل ظهر الثلاثاء التاسع من شهر يولية من العام الرابع للثورة، اتخذت شارلوت مكانها من عربة بريد (كان) الراحلة إلى باريس مزودة بخطاب باربارو وبقليل من متاعها الخفيف. لم يكن في وداعها - كسنة السفار - أحد يتمنى لها رحلة طيبة موفقة، فهي قد بيتت عزيمتها بينها وبين نفسها مخلّفة لأبيها رقعة تفضي إليه فيها بأنها في طريقها إلى إنجلترا، وأنها ترجو أول ما ترجو أن يغفر لها فعلتها وأن ينساها إلى الأبد.

وزحفت عربة البريد بحملها، وكأنما لازمها نعاس ملح، ما زال يدفع بها وئيدة مهومة حتى بلغت جسر (نيلي)، وحتى لامست عجلاتها ثرى باريس في ضحى يوم الخميس 11 يولية، حيث شهدت عينا شارلوت مدينتها المنشودة تطالع السحاب بقبابها العديدة السوداء وفي فندق البروفدانس بشارع دي فيو أوجستين احتجزت لنفسها غرفة سرعان ما احتواها فراشها، وسرعان ما راحت في سبات عميق بقية النهار وطيلة الليل، فلم تستفق منه إلا وشمس الجمعة قد علت في الأفق.

غادرت شارلوت فندقها في ذلك الصباح لمقابلة النائب دوبريه، فلما سلمته رقعة صديقه باربارو علم منها أن لصاحبتها أوراقاً تتعلق بأسرتها، وأن صديقه يرجو مساعدتها حتى تحصل عليها من وزارة الداخلية. وأنالها دوبريه بغيتها وقضت نشدتها في اليوم نفسه، وغادرته ولم تشر بطرف إلى رحيل أو بقاء. وفي باريس طالعت نواحي عديدة وصوراً متباينة، ولكنها لم تهتد إلى لقاء (مارا والتحقق من قسمات وجهه فقد احتبسه المرض إذ ذاك في منزله.

باتت ليلتها في الفندق، حتى إذا أسفر الصبح غادرته حوالي الساعة الثامنة لتشتري خنجراً، ثم لتأخذ عربة من ميدان الانتصارات ميممة مسكن مارا بشارع مدرسة الطب رقم 44، حتى إذا بلغته حال مرضه دون لقائها، فأهمها أن تفشل في وسيلة ركزت فيها كل آمالها وأحلامها. يالشارلوت الجميلة المنكودة! ويالمارا القبيح المنكود! أي قدر يسعى بفتاة من (كان) في أقصى الغرب، وبرجل من نيوشاتل في أقصى الشرق ليلتقيا؟ وأي شأن يربط بين حظيهما فيجذبهما إلى أن يصطدما؟

وإذ عادت إلى فندقها بعثت إليه بورقة تحمل اسمها واسم بلدتها: (كان مهد الثورة)، وتحمل فوق هذا رجائها ولهفتها إلى لقائه، حتى تدفع إليه (ما يعينه على أن يسدي لفرنسا يداً) ولكنها لم تتلقى عليها جواباً، فخطت إليه أخرى أقوى من سابقتها رجاء وعاطفة، وحملتها بنفسها إلى مسكنه في مساء اليوم نفسه 13 يولية.

كان مساء شاحباً، وقد مضى على المساء الذي سقط فيه الباستيل أربعة أعوام كاملة، ذلك المساء الذي وقف فيه مارا على رأس جموع الشعب، طالباً من رجال فرقة الهوسار - حرس الباستيل وكانت قلوبهم مع الشعب - أن يخلوا أمكنتهم وأن يلقوا بأسلحتهم. وبهذا الحدث ارتفع مارا إلى الذروة - ذروة البطولة والوطنية، وها قد مضت أربعة أعوام حافلة - فأية طريق اشتقها مارا إلى المجد وأية طريق دفع بنفسه في شعابها؟

لقد كان في الآونة التي يممت فيها شارلوت صوب داره، ينتقع في حوض استحمامه، وقد تجرد من ملابسه إلا قليلاً، وكانت الساعة حوالي منتصف الثامنة مساءاً، وكان منهوكاً محطماً يحمل في يده قصاصات من الورق، وأمامه منضدة مثلثة القوائم، يتكئ عليها كلما هم بالكتابة. كان وحيداً في مسكنه اللهم إلا إذا اعتبرنا خادمه الشوهاء رفيقة تطرد الوحدة وتخفف أثقالها. فهل انتهى به الطريق إلى أن يلقى خاتمته على هذا الوضع وفي تلك الصورة؟

قُرع الباب وتكرر القرع، ونفذ إلى مسمعيه صوت ليّن حلو، يرفض صاحبه أن يغادر مكانه من الباب أو تقضى حاجته. كانت صاحبته هي المواطنة شارلوت كورداي، تلك التي تريد (أن تعينه حتى يسدي للوطن يداً) - عرف (مارا) من كلماتها تلك أنها صاحبة الرقعة الأولى التي وصلته، فنادى خادمه: أن دعيها تدخل؛ ودخلت شارلوت قائلة: (أيها المواطن مارا! إنني من (كان) مهد الثورة، وأريد أن أفضي إليك بأمر).

فرد عليها قائلاً: (اجلسي يا طفلتي! ما وراءك من أخبار كان وأخبار خونتها؟ ومن ترى فيها من النواب الآن؟).

ولما سمت له شارلوت بعض النواب، زمجر (صديق الشعب) قائلاً: (ستطاح رؤوسهم في مدى أسبوعين)؛ واجتذب المنضدة إليه ثم أخذ يكتب (باربارو، بتيون. . .) واستدار في الحوض مصلحاً من جلسته (بتيون. . . لوفيه و. . .)، وفي أسرع من اللمح استلت شارلوت خنجرها من غمده، ثم أهوت به إلى قلبه. لم تمهله حشرجة الموت طويلاً؛ فلم يستطع إلا صرخة واحدة: (إليّ يا عزيزي - الغوث يا عزيزي!) سارعت الخادم إليه فإذا به لقي لا روح فيه، وقد انكفأ على وجهه الذي بدا مغيظاً محنقاً. . . وهكذا قضى مارا (صديق الشعب) وليس إلى جواره صديق!

إلى هنا تمَّ لشارلوت ما دبَّرت وأنّى لها أن تلقى جزاء عاجلاً محتوماً. . . فقد تدفق الجيران على صرخة مارا الأخيرة والتفوا بشارلوت التي قاومت قليلاً، حتى إذا حضر الشرطة أسلمت نفسها لهم طائعة. واقتيدت لتوها إلى سجن (أباي حيث احتوتها إحدى غرفه هادئة ساكنة، وقد ماجت باريس حول محبسها، ودَوَّت أصوات الشعب في خليط يتذبذب بين الدهشة والغضب والإعجاب.

بعد أيام أربعة، طالعت الجموع المحتشدة في قصر العدالة، حيث تعقد محكمة الثورة، وجه شارلوت جميلاً هادئاً كعادته، وما إن دخلت القاعة حتى سرت فيها همهمة ليس من السهل أن نستبين العاطفة التي أوحتها! - وهنالك وقف تنقيل ليقيم الدعوى مستعيناً بالشهود وببائع الخنجر الذي حضر المحكمة ليدلي بالواقعة أمامها، ولكن شارلوت قاطعته قائلة (لا حاجة بكم إلى هذه التفاصيل

(إنني أنا القاتلة)

(وبإيحاء من؟)

(لم يوح إلي أحد)

(إذاً فما الدافع؟)

(جرائمه) ثم زادت في صوت صاخب مرتفع (لقد قتلت فرداً لأنقذ مئات الألوف، مجرماً لأنجي أبرياء، حيواناً مفترساً لأريح بلداً بأسره! لقد اعتنقت مبادئ الجمهورية قبل أن تقوم للثورة قائمة، ولم أكن أبداً في حاجة إلى الحماسة أو التشجيع!).

وهكذا قطعت عليهم كل سبيل إلى الكلام، وحملق الجمهور مشدوهاً بينما أتم القضاة إجراءاتهم في صمت وسكون، وصدر الحكم بإعدامها لجريمة القتل فتلقته هادئة، وفي لهجة رقيقة تشف عن روح نبيلة عالية شكرت محاميها، كما شكرت القسيس الذي أحضروه لها معتذرة له في لطف بأنها ليست في حاجة إلى شئ من بضاعته!

وفي مساء ذلك اليوم نفسه خرج سكان باريس - على بكرة أبيهم - إلى الطرقات والمنافذ ليلقوا على شارلوت نظرة أخيرة. . وظهرت عربة السجن المشئومة تحمل تلك المخلوقة الصغيرة في ملابس الإعدام الحمراء، حلوة وادعة، غضت الإهاب ريانة الغصن تسعى إلى حتفها وحيدة وسط هذا العالم الصاخب! كثير هم أولئك الذين حيوها في احترام برفع قبعاتهم، فأي قلب لا يمس هذا المشهد قرارته؟ بينما طاوعت بعض الآخرين نفوسهم فزمجروا وهدرت أصواتهم لدى رؤيتها!

وفي (ميدان الثورة) حيث ينتظرها الموت، لم يتسلل إلى أساريرها الجميلة الهادئة أي شحوب أو فرق، بل حافظت على ثباتها وحيويتها؛ ولما تقدم الجلادون لقيد ساقيها، احتجت متذمرة، وقد حسبت أنهم إنما يفعلون ذلك رأفة بها، وقد لحظوا في أنوثتها ضعفاً لا يقوى على مجابهة الموت إلا مكبلاً! حتى إذا أفهموها أنها إجراءات تتبع في كل حالة اعتذرت لهم باسمة وخضعت راضية!

وفي المشهد الأخير عندما جردوا عنقها من لفائفه وهيأوه لسيف الجلاد، تمشت في عنقها ووجهها الجميل حمرة من خجل العذارى ضلت تصبغ خديها النديين حتى بعد أن رفع الجلاد رأسها المفصول ليراه جمهور النظارة!

فيا للجمال ويا للقبح ممثلين في شارلوت ومارا! يصطدمان فيلاشي كلاهما الآخر! ويالكما من منكودين أنهلهما العدم كأسه مترعة! فلتناما في أحضان أمكما الأرض، تلك التي حملتكما معاً!

حسن عبد الحليم اليماني