مجلة الرسالة/العدد 171/نابليون وخطواته الأولى في سبيل المجد

مجلة الرسالة/العدد 171/نابليون وخطواته الأولى في سبيل المجد

مجلة الرسالة - العدد 171
نابليون وخطواته الأولى في سبيل المجد
ملاحظات: بتاريخ: 12 - 10 - 1936



للأستاذ عبد المجيد نافع

تتمة

وشبت نيران الثورة في باريس، ودعت الحاجة إلى قمعها، فأشاروا على باراس أن يعهد بإخمادها إلى نابليون، فعرض أن يوليه قيادة مجلس الأمة وأمهله ثلاث دقائق ليفكر في الأمر ملياً.

فيا عجباً للأقدار! ثلاث دقائق، ثم يتقرر مصير نابليون، ومستقبل فرنسا، لا بل مستقبل أوربا بأسرها.

واستعرض نابليون الموقف، فلم يتردد في القبول حين رأى خمسين ألف جندي من جنود النمسا يظهرون على أسوار ستراسبورج، والإنجليز يحاصرون ببوارجهم ثغر برست، وحينذاك نسي خصومة الخصوم، وعياءهم وعجزهم، واستلهم الوطنية الحق فألهمته أن الوطن إذا أحدق به الأعداء وجب دفن الخصومات، ودرس الحزازات، ووضع اليد في أيدي القائمين بالحكم مهما كانت صبغتهم وألوانهم ونزعات نفوسهم.

فقال نابليون لباراس: إني أقبل ولكني أنذرك بأني لن أرد السيف إلى غمده إلا بعد أن أعيد النظام إلى نصابه.

وكذلك تجلى نابليون في ثوب الوطني الصادق والمحارب الصحيح الذي لا يطيق بحال أن تعرقل مساعيه أعمال السياسيين.

وكان القبول في الساعة الواحدة صباحاً. فلما أقبل المساء إذا بباراس يعلن في المجلس انتصار جنوده. فإذا جاء الغد رقي نابليون إلى رتبة قائد قسم، وسمع الناس اسمه يتردد في جوانب المجلس، ثم يجتاز اسمه منبر الخطابة لينقش على صفحات الصحف فينفض عنه غبار الخمول الذي حجب اسمه عن الأسماع والأنظار ردحا من الزمن.

وتقلد بونابرت قيادة الجيش في الداخل، واتخذ (فان) سكرتيراً له، فكان هو الذي كتب أوامره حين بات قنصلاً وهو هو الذي، بعد أربعة عشر عاماً، كتب وثيقة تخليه عن عرش فرنسا.

وكان نابليون يختلف إلى صالون مدام تليان فرأى جوزفين فشغفته حباً، وملكت عواطفه؛ وكان في السابعة والعشرين، وكانت في الثانية والثلاثين، ولكنها كانت على جانب من الجمال والروعة فأضرمت نيران الغرام في صدره.

على أن الذين يحاولون تشويه شخصية نابليون بخلق البواعث غير الشريفة لأعماله، وابتداع الحوافز لمشاعره، تراهم يسارعون إلى القول بأن حبه لجوزفين إنما كان حباً مسرحياً، وإن أكبر همه، وغاية الغايات عنده أن يتذرع بذلك الزواج لتولي قيادة الحملة الإيطالية.

ولكنك قد رأيت كيف كان يتهالك وجداً على الزواج، وكيف داعب الأمل بالاقتران بكليري. وبعد فما هي العلالي والقصور التي كان يبنيها على الاقتران ببنت تاجر صابون!

ولو أنه لم يصادف هوى في قلب مدام دي بوهارنيه، إلا أنه وجد منها عند الزواج سميعاً ومجيباً؛ فقد كانت، على رغم موت زوجها، ووجود ولد وبنت لها، تحيا حياة خليعة، وتتردد على مدام تليان، وتغشى صالون باراس؛ ومن كانت في مثل حالتها كانت خليقة أن تستند إلى ذراع رجل قوي كنابليون الذي أصبح في طليعة القواد وأنقذ فرنسا من الأخطار التي تتهددها.

ولكن هل كانت جوزفين خليلة لباراس؟ إن بعض الكتاب المعاصرين يتبرعون بهذا التأكيد. على أن الذي يسترعي النظر أن جوزفين لم تظهر في بيت باراس إلا باعتبارها صديقة لمدام تليان. والمنطق والبداهة يتضافران على أن الأخيرة لم تكن لتسمح لكائنة من كانت أن تنازعها هوى الرجل القابض بكلتا يديه على مصاير فرنسا.

وإذا كانت جوزفين، قبل الزواج، شاءت أن تستوثق من باراس، سواء بنفسها أم بواسطة مدام تليان، أن زوجها المقبل سوف يكون موضع رعاية حكومة الدير كتوار، بل إذا كانت لمحت إلي أن مكانة الحق أن يكون على رأس الحملة الإيطالية، فكل أولئك لا ينبغي أن يكون مثاراً للدهشة ما دامت جوزفين قد أرادت بهذا الزواج وجه المصلحة لا وجه نابليون.

ولما كاشفت جوزفين نابليون بحديث باراس وعزمه على تقليده قيادة الحملة الإيطالية قال لها لا تحسبي أني ألتمس حمايتهم بل على العكس من ذلك هم الذين سوف يشعرون بالسعادة حين أظلهم بحمايتي. إن سيفي إلى جانبي، وبه سأصل إلى أبعد الغايات.

ولو أتيح لك أن تطالع الرسائل التي خطها نابليون إلى جوزفين لقرأت فيها آيات الحب مسطورة، ذلك الحب المضطرم الذي ظلت حرارته متأججة من يوم أن عرفها وهو يحبو في طريق المجد إلى يوم بات في ذروة القوة وقمة السلطان.

على أن وضع الخطة لاجتياز جبال الألب والانحدار إلى سهول لومبارديا والانقضاض على الجيوش النمساوية وسحقها سحقاً، كل أولئك قد استغرق وقت نابليون واستنفد جهوده حتى قلت زيارته لجوزفين. ولم تكن إلا تكن إلا في شهر يناير من عام 1796 حيث تقدم لها بطلب الزواج ولقي ذلك الطلب قبولاً.

وكانت جوزفين لا تزال مترددة، فأحبت أن تفزع إلى نصيحة موثق العقود الأستاذ راجيدو، فلما أقبلت على مكتبه توسلت إلى نابليون أن ينتظرها في غرفة الاستقبال، ولم يكن من شأن نصيحة كاتب العقود أن تنتشل جوزفين من غمرة التردد إذ قال لها: (إيه لك! أو تتزوجين بجنرال لا يملك غير الكبود والسيف؟ فإذا صح أنه يملك شيئاً فإنما يملك كوخاً حقيرا! إنه لجنرال صغير، لا اسم له، ولا مستقبل! تجيء مرتبته وراء مراتب جميع قواد الجمهورية! إنه لخير لك أن تقترني بمورد للجيش!).

ولم يكن نابليون يسترق السمع؛ على أن الباب كان نصف مغلق، وبذلك تطاير إلى سمعه حديث موثق العقود، فملك عواطفه ولم ينبس ببنت شفة؛ ثم استطاع أن يثأر لكرامته الجريح بعد ثماني سنين. ففي غداة حفلة التتويج، استدعى الرجل الطيب راجيدو إلى قصر التويلري وأعطاه مكاناً في الصف الأول بكنيسة نوتردام حيث تقام حفلة تتويجه إمبراطوراً لفرنسا، وبذلك يتاح له أن يرى بعينيه التي في رأسه إلى أية ذروة من ذرى المجد يستطيع الجنرال الصغير الذي لا مستقبل له أن يسمو بموكلة موثق العقود الأستاذ راجيدو!

وفي 23 فبراير نودي ببونابرت قائداً عاماً للحملة الإيطالية، وحدد للزواج يوم 9 مارس سنة 1796. وفي أوراق الزواج أنقصت جوزفين من عمرها أربع سنين سوياً، وزاد نابليون في عمره سنة كاملة! فالتقى الزوجان في العمر وإن لم يتلاقيا في الحب!

على أن حملة المتهجمين على نابليون لا تقف عند حد. لذلك نرى جمهرة المؤرخين يملئون أفواههم بأن قيادة الحملة الإيطالية كانت هي البائنة (الدوطة) التي أعطاها باراس إلى جوزفين.

ومهما يكن هذا القول جارحاً لذاعاً فإنه يتجافى مع الحقيقة. فليس يجوز في عقل عاقل أن رجلاً مثل باراس يجازف بتسليم القيادة إلى قائد لا يقوى على الاضطلاع بأعبائها فيغامر بأقدس المصالح، لا بل يقامر بمستقبل فرنسا.

على أن الوقائع تهدم هذه الدعوى من أساسها، وتضع قصة زواج نابليون بجوزفين في نصابها الحق؛ فلم يكن باراس يملك التصرف وحده في مصير قيادة الحملة الإيطالية بل كان لابد من موافقة الأغلبية في حكومة الدير كتوار، وقد كانت مؤلفة من كارنو وباراس وليبو وريبل ولوتورنور.

وإذا جاز لنا أن نستصرخ ضمير رجل، أو نفزع إلى عدالة شاهد، فأولى لنا ثم أولى أن نفزع إلى ريفيير لوبو وقد كان لنابليون من ألد الخصوم؛ وهو في ذلك يقول: (لقد قيل إن زواجه بأرملة بوهارنية كان شرطاً لا يستطيع بدونه أن يحصل على القيادة التي جعلها مناط آماله. إن ذلك لم يكن! والذي أستطيع أن أؤكده هو أن الاختيار الذي تم من حكومة الدير كتوار لم يكن تحت تأثير باراس ولا شخص غيره).

كيف إذن سبيل بونابرت إلى تولي القيادة؟ ينبغي لنا أن نذكر أن الجنرال الصغير قد وضع خطة لغزو بيمون في 19 يناير وأن تلك الخطة قد أرسلت إلى القائد العام شيرير، فتلاها ثم بعث بها في الحال إلى حكومة الدير كتوار معلنا أنها من عمل مجنون، وأنه لابد من استدعاء هذا المجنون وتكليفه بتنفيذها.

فاختلط الأمر على حكومة الدير كتوار، واحتدم وطيس الجدل بين أعضائها، وما لبثت الغالبية وقوامها ليبو وكارنو وباراس أن جنحت إلى جانب نابليون، وانحازت إليه لترجيح كفته، فعهدت إليه بإنفاذ الخطة التي وضعها.

وفي الحق، فما كان نابليون مدينا بتلك القيادة لا إلى زواجه، ولا إلى باراس، وإنما كان مدينا بها إلى كفاية كارنو الحربية التي أمكنته من التعمق في درس الخطة التي وضعها نابليون، وتفهم روحها، فأتيح له أن يصل إلى مكان الإقناع من نفوس زملائه.

وما لبث نابليون أن انتزع نفسه من بين أحضان المرأة التي أحبها من أعماق قلبه ليبدأ سلسلة المعارك الدموية التي خاض غمراتها عشرين عاماً.

ومضى في طريق المجد صعدا، لا يلوي على شيء، ولا يقف في وجهه سهل ولا جبل، حتى تألبت عليه أوربا بأسرها، وظاهرتها في تألبها شر أنواع الخيانات.

والآن نسأل: ماذا كان أثر ذلك المجد في نفس نابليون؟ لقد كان يمكن أن ينسى نشأته، ويتنكر لعائلته، ولا يأبه لعوز المعوزين، ولا يحفل ببؤس البائسين. على أن شيئاً من ذلك لم يكن، وظل نابليون في حاضر مجده، كما كان في ماضي بؤسه، ينطوي على أصدق الود لذوي قرباه؛ لا ينسى يد الصنيعة لمن اصطنعها، ولا تفتر حرارة إخلاصه لأصدقائه؛ يشعر قلبه حب الواجب، ولا يتطرق إلى إرادته الوهن أو تصيب عزيمته الكلال.

ما كان نابليون في مصاف الملائكة كما تخيله أنصاره، ولا كان في عداد الوحوش الضارية كما تصوره خصومه، وإنما كان رجلاً عظيماً خالداً في التاريخ، وإنساناً له عواطفه وأهواؤه، ورذائله وفضائله.

عبد المجيد نافع المحامي