مجلة الرسالة/العدد 180/وحي المعرفة

مجلة الرسالة/العدد 180/وحي المعرفة

ملاحظات: بتاريخ: 14 - 12 - 1936



للأستاذ إسماعيل مظهر

لا أقصد به الوحي الذي ينزله الله وتعالى على المختارين من عباده، أو المصطفين من خلائقه، فإن ذلك الوحي بعيد عن أن تدرك العقول من ماهيته شيئاً، بل أعتقد أن جل ما تدرك منه إنما يتعلق بأعراضه وظواهره دون حقيقته وجوهره.

ولا أقصد به الوحي الذي يقول به الروحانيون، أولئك الذين يحاولون إثبات العلاقات بين الجواهر اللطيفة الروحانية، وبين المواد الغليظة الجسمانية، حتى بعد أن تفارق الأرواح الأبدان، وتنفصم تلك العروة التي تربط بين المبدأ العلوي الحال في الأجسام السفلية.

ولا أقصد به ذلك الوحي الذي حاول أوائلنا من السلف الصالح عليهم رحمة الله أن يثبتوا إن له بالأحلام وأضغاث الأحلام صلة ورابطة؛ ولا الوحي الذي يقول به بعض المحدثين من أنصار العلامة فرويد، أولئك الذين قلبوا آية الأحلام فجعلوا عالم الشهادة سبباً في الرؤى، بعد أن كانت الرؤى عند الأقدمين نذيراً بما سوف يقع في عالم الشهادة.

لا أقصد شيئاً من هذا ولا من غيره من الأشياء التي تجعل بين ما بعد الطبيعة والطبيعة رابطة، قد يدركها التصور، وقد ينفيها الإدراك الحسي، وإنما أقصد الوحي المادي، وحي المعرفة تلك التي تشعر ونعتقد أن لها بكياننا المادي علاقة السبب والمسبب، ورابطة العلة والمعلول. ذلك بأني أعتقد أن بعض العقول الممتازة، ولا أعلم كيف هي ممتازة، قد خصت بكفايات الوحي، مستمداً من المعرفة التي تستوعبها. وكذلك أعتقد أن لبعض العقول ميولاً أشبه بميولنا النفسية، وأن لبعضها دون بعض رباطاً بناحية معينة من نواحي المعرفة. فلبعضها رابطة بالعلم، ولبعضها رابطة بالأدب والفلسفة، ولبعضها رابطة بالفن، ولبعضها رابطة بالدين. تلك صدور من المعرفة، أو بالأحرى أشكال من المعرفة، لكل منها حدودها التي يعينها العقل تعييناً قد يبلغ بعض الأحيان مبلغ اليقين، وقد ينزل بعض الأحيان منزلة الشك؛ ولكنها على قدر ما نعلم من اختصاص العقول بالتبريز في ناحية من نواحيها لها حدودها المتفق عليها عند من يعنون بوضع الحدود والفروق بين كفايات العقل الإنساني.

أما وقد نعلم من طريق اختصاص العقول بالتبريز في نواح معينة من المعرفة أن لصور المعرفة من علم وأدب وفلسفة وفن ودين حدوداً معينة وتخوماً مقررة في شريعة العقل، نشك بجانب هذا في أن لكل عقل من العقول اختصاصاً في ناحية من نواحي المعرفة. نضيف إلى ذلك ظاهرة أخرى؛ هي أن لبعض العقول فوق اختصاصها في التبريز في ناحية معينة من نواحي المعرفة، قد خلقت وفيها موهبة خاصة تجعلها أكثر من غيرها استعداداً لتلقي نوع من أنواع الوحي، تظهر آثاره باستيعاب قدر خاص من المعلومات قلّ أم كثر، وهذه الآثار التي تتجلى في إدراك بعض العقول لحقائق أو نظريات، قد تظهر عند درسها أنها قد لا تكون نتاجاً لدرس عميق، ولا لأكباب على التفكير، ولا تعمل أو تمحل في إدراك حقائق الأشياء؛ بل غالباً ما تكون أشبه بالومضة السارية في الظلام أو الشعاع المنير يفلق بنوره غياهب الشك ويقضي على الجهالات.

أي سر هذا؟ عقول تدرك بالومض كأنها اللوح الحساس وعقول تعجز عن إدراك ما تدرك تلك! عقول تنفذ إلى صميم الأشياء بلمحة سانحة، فتستخلص الحقائق الأولية وتنتزعها من تلك الأضغاث التي تراكمت حولها من فتنة الفكر وتحف الخيال، وأخرى تستوعب ما تستوعب من مبادئ العلم وصور الأدب ونظريات الفلسفة وتأريخ الفن وشرائع الدين، وتظل في جمودها تنظر إلى تلك الومضات التي تفيض بها الأولى مأخوذة بأن ما أدركت الأولى قريب مما استوعبت، ولكنه بعيد عن أحلامها قصي عن إدراكها!

يصعب على العلم أن يعلل هذا تعليلاً يصل به إلى حقيقة الأمر منه. بل ولا شك في أن الخيال والتصور يقفان أمام هذه الظاهرة وقفة العلم من حيث العجز عن إدراك السر فيه. وليس لنا أن نستوحي العلم أو نذهب مع الخيال نعلل حقيقة هذه الظاهرة. وإنما نريد أن نحصر بحثنا في بعض الظواهر التي ترجع إلى ما ندعوه وحي المعرفة.

إذا مثلت لتأريخ الفكر البشري بشريط طويل من اللون الأسود، وأردت أن تضع على مسافات معينة من هذا الشريط دوائر بيضاء، تمثل بها لتلك الومضات الوحيية التي جادت بها عقول ممتازة، وكان لها الأثر الدافع إلى غايات طلبها الإنسان وضرب في سبيل الوصول إليها، لرأيت أن الفراغات السود بين الدوائر البيض قد تطول حدودها حتى يخيل إليك أن الإنسانية منذ أبعد عصورها لم تستهد بغير عدد قليل من العقول التي وهبتها الطبيعة تلك الهبة السامية، هبة الوحي تستنزله المعرفة. ولا شك في أنك تقف عند فكرة التوحيد في عقل إخناتون، وفكرة الإنسان الكامل في عقل سقراط، وفكرة المنطق عند أرسطو طاليس، وفكرة دوران الأرض والسببية الطبيعة في عقل غليليو، وفكرة الأسلوب والشك في عقل ديكارت، وفكرة المثاليات في عقل اسبينوزا و (كانت)، وفكرة التطور في عقل دورين.

قد نجعل لمثل هذه العقول منزلة وحدها ونرفعها إلى مكانة من الفضل مفردة. فإذا نزلنا عن هذه الدرجة أمكننا أن نسرد من العقول الممتازة عدداً إن خص بهذه الموهبة فإن اختصاصها بالفن يرفعها إلى درجة الأولى، بل تلوح لنا كأنها التابع حيال المتبوع، أو الصورة الواضحة في المرآة الصافية. ثم تنزل من هذه درجة ثم إلى أخرى، حتى نبلغ حداً لا نميز فيه بين العقول، وحيث نأنس أن العلم بالأشياء وحفظ المتون ظهر الغيب ليس له من أثر في الابتكار، كأنما تلك العقول ليست أكثر من نسخة مكررة في كتاب واحد.

أكثر أولئك الذين نسميهم علماء أو ننعتهم أدباء أو مفكرون، هم من طبقة الذين نطلق عليهم طبقة (النسخة المكررة من الكتاب الواحد). يعيشون في حدود ما قرءوا؛ وقد يجيدون حفظ الكتاب إجادة تبلغ الكمال، ويفكرون على الأسلوب الذي رسمه الكتاب، بل قلما يجيدون التفكير على ذلك الأسلوب فيفسدون ما قرءوا في الكتاب وينزلون به درجة بعد درجة حتى تمسخ عقولهم ما قرءوا وما حفظوا، فيصبحون بذلك نسخة مبدلة من كتاب قرءوه، أو فرض عليهم أن يقرءوه ليؤدوا بقراءته غرضاً لا يعترف به العلم، ولا هو من شريعة الفهم في شئ.

قد يكون السبب في ذلك راجعاً إلى أن عقول هؤلاء قد صرفت مقسورة عن تنمية الموهبة التي أعدتها الطبيعة فيها؛ وقد يكون للنشأة في ذلك أثرها وللبيئة طابعها الثابت؛ وقد يكون لنظرة ما ينظر من ناحيتها في الحياة أثر في العقل ينتج ذلك الجمود العلمي والتحجر العقلي؛ قد يكون للخلق وللشهوات عوامل خفية تؤثر في اتجاه العقول.

قد يكون ذلك وقد يكون أكثر منه. والحق أن من يفكر في مثل هذا الأمر يشعر بالعجز عن بلوغ الغاية في تعليله تعليلاً علمياً يقبله العقل، ولكن لنا أن نقول إن للوارثات المختلفة وحالات الحياة الأثر الأول في حدوث هذه الظواهر العجيبة.

على أننا إلى جانب هذا لا نستطيع أن ننكر أن هذه الملكة، ملكة الوصول إلى غايات من العلم والأدب والفن تكاد تظهر كأنها الوحي، هي من الملكات التي يمكن أن تنميها التربية، وتصححها النشأة، وتقويها طرق التعليم. ذلك بأن العقل الإنساني في ذاته يكاد يكون في أشياء الطبيعة بمثابة الوحي في جمود الحيوانية وموت الجمادات. قسه مثلاً على غرائز الحيوان أو تفاعل الجمادات الكيميائي، وأنت واجد أنه في ظواهر الطبيعة نسيج وحده وطابع لا يتكرر. وهذا العقل بكفاياته وملكاته، تصبه البيئة والتعاليم والنشأة في قوالب تظهر بها مرونته وقدرته على التشكل في أشغال كثيرة، واستعداده إلى قبول حالات جديدة ليست له من قبل. وما تلك الأشكال وهذه الحالات إلا آثار مختلفة يخلقها ما يحيط بالعقل من عوامل التدرج نحو بلوغ الغايات العليا من المعرفة؛ تلك الغايات التي تنتهي إلى تلك الومضات الوحيية التي جادت بها على البشرية عقول ننعتها بأنها فذة وأنها بلغت من سمو الإدراك.

لما كان للتربية والبيئة خاصة التأثير في تكوين العقول، ولما كان لهما ذلك الأثر البالغ، كان علينا ألا ننكر إن همَّ المصلحين يجب أن يتجه أولاً إلى وضع التربية والتنشئة الأولى في موضع من الاعتبار يجعل لها القيمة العليا في أشياء الجمعيات الإنسانية كما يجب عليهم أن ينظروا في تأثير البيئات التي تكتنف النشء، وأن يسيطروا عليها إلى الحد الذي يباح فيه إلى للحكومات أن تحد في بعض النظم والمعاهد اتقاء لما تنشئ من بيئات مصطنعة بعيدة عما تتطلبه التربية السامية وقواعدها المقررة وأصولها المعروفة.

ففي البيت وفي المدرسة وفي الحياة العامة، ينبغي أن تقوم تلك البيئات التي تساعد على تنشئة العقل وتدريبه على النظر في الأشياء نظرات تنفذ إلى صميمها، وأول خطوة في هذه السبيل يجب أن تقوم على هدم الأوهام ومحو الأضاليل، وما محو الأوهام وهدم الأضاليل، إلا نتيجة أولية لتحرير العقل.

إسماعيل مظهر