مجلة الرسالة/العدد 214/أدب الميوعة والدلال

مجلة الرسالة/العدد 214/أدب الميوعة والدلال

مجلة الرسالة - العدد 214
أدب الميوعة والدلال
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 09 - 08 - 1937


للسيد ماجد الأتاسي

منذ أسابيع خلت نعى أستاذنا (الزيات) في مقاله البليغ (أدب السندوتش)، على أدباء هذا الجيل النابتين (جهلهم للغتهم، وتقصيرهم في تحصيل آدابها).

ثم على الأستاذ (المازني) على هذا المقال، وحدثنا عن شغفه بالكتب في أيام تحصيله الأولى، وعن جلده على القراءة والدرس، وقص علينا قصته مع كتبه يوم زواجه، وكيف آثر الخلوة إلى هذه (الضرة) صباح يوم الجلوة على الجلوس والتحدث إلى زوجه العروس التي لاقت من ضرتها كل ما يسوء ويضجر والتي نسأل الله لها الرحمة والرضوان وإلهامها أن تقابل ما تجد من اغتياب أستاذنا لها في شتى المناسبات، بالصفح والغفران، وهي آمنة مطمئنة في فسيح الجنان.

ثم تناول الأستاذ (احمد أمين) هذا الموضوع بالبحث والدرس، والتحليل والتعليل. ووعدنا أن يعود إليه - كرة أخرى - ليصف لنا طرق العلاج، وفنون الدواء من (صيدليته) ولعله يفعل.

وأخيراً عالج الأستاذ (العقاد) أدب (السندوتش) من - الوجهة العالمية - وأتى على عوامل شيوعه وتفشيه في آداب الأمم الأخرى المعاصرة.

وهكذا تداول أساتذتنا الأئمة هذا الموضوع من أكثر من ناحية - بالبحث والدرس، والتحليل والتعليل.

وما كان لي - وأنا أحبو على عتبات الأدب حبو الأطفال وأحمل في ميدانه أجسام الأقزام - أن يدفعني ما يلابس - عادةً - نفوس الشباب، من الغرور والصلف والتهور والنزق، إلى أن أزج بنفسي بين أرجل هؤلاء العمالقة الأئمة الأخيار.

ولكنني أحببت - ولست أدري لم - أن أصرف أستاذي (المازني) ساعة عن هذه (الضرة) الباقية التي يهيم بها، والتي لا يطيق لها هجراً ولا بعداً، وأن أثقل فأهذر - أمامه - حيناً، فعهدي به أنه محظوظ من جماعة الثقلاء، فلكم طرقوا بابه موهناً وهو يغط في نومه، وسحبوه من فراشه لسؤال أو مزاح. ثم إني - بعد هذا - أطمئن وأقول له إنني لست من هؤلاء الشباب (الناعمين) أبناء الجيل الجديد، الذين جاءوه زائرين، فأذاقهم (علقته) ورده إلى الباب مدحورين، ثم فضحهم وشهَّر بهم (في الرسالة) أمام الناطقين بالضاد أجمعين.

لئن نعى الأستاذ (الزيات) والأساتذة (المازني والعقاد وأمين) من بعده، على أدباء هذا الجيل الناجمين، جهلهم بلغتهم، وتقصيرهم في تحصيل آدابها، فما احقني إذن، أن أشغب على زملائي الناشئين - وعلى الكهول في سوريا أيضاً - فأنعى عليهم جميعاً: ضعف النفس، وضمور الشخصية، وقلة الاستعداد لحمل رسالة الفكر الحر، والعقيدة الثائرة؛ وأن أسمي هذا النوع من حملة الأقلام (أدباء الدلال) بعد أن أسمى أستاذي (الزيات) أدبهم (أدب السندوتش) هذا الذي تقوم ثقافته على (نتفات من الكتب، ولقفات من الصحف، وخطفات من الأحاديث) والذي نجد نتاجه (مختضراً معتسراً كجنين الحامل أسقطته قبل التمام).

إن شأن اللغة في الأدب الفحل ثانوي بالقياس إلى نفس الأديب وشخصيته، وإن الجهل بها والتقصير في تحصيل آدابها، من السهل واليسر - إلى حد بعيد - أن نعالجهما ونبرأ منهما، إذا ما تعهدناهما بالإرادة القوية، والعزيمة الحازمة، والكدح الصابر، والمعاناة الجلدة.

ولكن اللغة بلا نفس تنفخ فيها الحياة، ولا شخصية تطبع هذه الحياة بطابع خاص، ودون فكرة تذاع، لا تكون إلا حطاماً تدوسه الأقدام، وقرقرة تعافها الآذان

كثيرون وكثيرون من الأدباء أوفوا في معرفة لغتهم على الغاية، وأشرفوا في تحصيل آدابها على الذروة، ولكن طبيعتهم التي لابستهم، وبيئتهم التي أخرجتهم، وعوامل أخرى، كل هذا لم يهيئ لهم النفس التي تهدم لتبني، والشخصية التي تستقل لتهيمن، فتهوروا وتدهوروا وانحدروا إلى الوادي بين جموع الناظمين والمنشئين واللاعبين، من حيث طفر إلى القمة أهل النفوس والشخصيات، فتبوءا قمم (أولمب) واستقروا في جنات (عبقر) ذلك لأن قوام الخلود في عالم الأدب، نصيب هذا الأدب من فيض الحياة وزخرها، وقسطه من معرفتها وخبرها. وهذه الحياة التي أعدت للرجال أهل العود الصلب واللسان العضب، محرمة على من ضعفت نفوسهم، وضمرت شخصيتهم، ولانت قناتهم، وموصدة أبوابها دون أولئك الذين يتهيبون مجاهلها، ويخافون جدها، ويجفلون من عثارها، ويعولون جياعاً على عتباتها، والذين لا تحملهم أقدامهم الرخوة للجري فوق شوكها، والوثب على صخورها

هؤلاء (الناعمون المدللون) أهل الدلال والدعة، هم طفيليات في هذه الحياة، وهم - بالتالي - متطفلون على موائد الأدب، وليس للمتطفلين في عالم الأدب بقاء بل أنا أذهب إلى أبعد من هذا، فأقول بأن أصحاب النفس الشديدة، والروح القوية، والشخصية الجبارة، يتهيأ لهم من حسن البيان، وجودة المقال والارتفاع بفنون الكلام، ما تتقطع دونه أقلام من تمكنوا من ناحية اللغة، وتفقهوا في أساليبها، وبصروا بنتاجها، من أهل البرودة والنعومة والدلال

ذلك لأن الفكرة في النفس القوية قوة، قوة عاصفة جامحة حرون، (تتكهرب) لها الأعصاب المرهفة، ويثور لحملها الوجدان، فما تجد النفس ترفيها وتنفيساً إلا في أن تقذف بها في أسلوب نير كومضة البرق، قوي كالحمم تنطلق من فوهة البركان، بليغ يرتفع في آفاق البلاغة والبيان إلى ما تتقطع دونه علائق الأحلام والأفهام

هذا هو الأستاذ البشري يقول: (إن السيد جمال الدين الأفغاني كان غريباً عن العربية، وإن قاسم أمين كان شبه غريب عنها، وإن حسين رشدي باشا كان قل أن تطرد على لسانه ثلاث كلمات عربية متواليات، ومع هذا كانوا يرتفعون بالعبارة أحياناً إلى ما يتخاذل من دونه جهد أعيان البين)

ولا عجب من هذا، ألا ترى إلى مقالنا، كيف يبين ويرتفع في سماء الوجدان ساعة ثورتنا وغضبتنا، إلى ما لا قدرة لنا عليه في ساعة الرضى والاطمئنان؟

كذلك هي النفس القوية، أبداً في ثورة عاصفة، وغضبة جامحة، وكذلك هي أبداً في تحفز للوثبة، وتأهب للطفرة والهجمة فان لم تجد أمامها ما تحطم، رجعت إلى قرارتها تثير حرباً عواناً بين خيرها وشرها، وحقها وباطلها، وتقاها وفجورها، لأن الهدوء والركون صور من صور الموت، والنفس القوية لا تعرف فترات الموت والبرودة والجمود، ما دامت تبصر النور، وتتنفس الهواء.

الحياة سفر الأديب الموهوب: وهي صراع دائم بين الغي والرشد، والحق والباطل، والجمال والقبح، والهدى والضلال، والحب والبغض؛ فالأديب الحق هو الذي ينزل إلى ميدان هذه المعركة المحتدمة، يقاتل ويناضل ويصاول في سبيل الرشد والحق والهدى والحب والجمال، إلى أن يحطم أصنام الشر والبطل، ويهدم حصون الضلال والقبح، أو يتحطم هو على أقدام الحق الذي ناضل في سبيله، وتحت ظل الراية. التي نافح عنها، وهكذا يلفظ النفس، راضي النفس، مطمئن الضمير، هادئ الخاطر، يبتسم لأحلام القبر كما نسعى إلى الفراش إذا مسنا اللغب وأثقل جفوننا النعاس، فنسحب اللحاف، ونسبله علينا. هادئين باسمين لنستسلم إلى الأحلام.

هذه هي الحياة؛ وهذه هي رسالة الأدب: قطع الصخر. وتجرع الصاب، وتحطيم الأصنام. والطفرة على حطامها إلى قمم المجد، وسماء الخلود.

فهل أعد أدباؤنا الناشئون - والكهول أيضاً - نفوسهم ومهجهم وأدمغتهم لهذه المعركة التي وقودها النفوس الطامحة، والقلوب الراغبة، والضمائر الحرة، والعقول النيرة؟

اللهم لا! اللهم لا!

من يمتري في هذا فلا ينعى على أدبائنا الناجمين - وعلى الكهول عندنا - رخاوة العصب. والدلال والدعة والأنوثة واللين؟

من يمتري في هذا، فلا ينعى عليهم ضيق الأفق، وقحط الخيال، وقصر المدى، وضعف الجنان، وتهيب القديم لأنه قديم، وحب الجديد لأنه جديد، والحرص على السلامة والمسالمة، والراحة والركون، والنفرة من المصاولة والمعاركة وقلة الجلد على حياة الجهد والتعب والضوضاء، والتهيب من التجربة والإقدام، وضعف التعلق بالحق والمثل الأعلى والجمال؟

أن حياة الأدباء أصبحت مضرب المثل، ووحدة القياس، في خمول النفس، وكسل العقل، وضعف الاستعداد للحياة؛ فإذا قيل لك: هذا أديب فاعلم أنه من هؤلاء الذين يخرجون إلى الشارع، والفراش على أكتافهم (والمخدة) فوق ظهورهم.

أجل! إننا لا نرى من ينقطع إلى الأدب من شبابنا إلا الذين خانتهم أقدامهم في الوثوب إلى مراقي المجد، والطفرة إلى قمم الظفر والذين نزلوا إلى ميادين الحياة، فلما بلوها وبلتهم، وعجموها وعجمتهم ولوحت لهم بسياطها من بعيد هرولوا وارتدوا على أعقابهم ناكصين حائلة ألوانهم، مرتعدة فرائصهم، ثم انتحوا جانبا قصياً من الطريق، بعيداً عن مواطن أهل الرجولة الإقدام، على غرار العاجزين المتسولين الذين يقبعون في زوايا الشوارع القذرة، أمام أهل الأعمال.

ها هم أولاء شبابنا الذين يخفقون في الشهادات (والبكالوريات) تسألهم: ما تصنعون؟ فيقولون: ندرس الأدب. وهكذا أصبحت دراسة الأدب صناعة العجز، ودليل الخور، وبرهان الفقر في المواهب، أو الضعف في النفس. وقد ينتهي هؤلاء إلى شيء ما في دراستهم هذه، فتراهم يصيحون نائحين في مآتم الموتى، أم مهرجين في حفلات الأحياء، أو خارقين للبخور أمام أهل الجاه

ولا عجب من هذا، فهم لا يصلحون للحياة، ومن لا يصلح للحياة لا يصلح لحمل القلم، والوقوف في صفوف الأدباء

ثم هذه هي المقاهي، ودور البطالة واللهو والعبث، أصبحت ملاجئهم يلجئون إليها كما يلجأ العجزة إلى دورهم وملاجئهم، ويفرون إليها من زحمة الحياة، وهم يقرقرون ويموءون وينقنقون

أعرف أديباً كهلاً - أو على الأصح متأدباً -: أفتدري يا صاحبي ما هي رسالة أدبه؟ رسالته - بالضبط - رسالة (عميان الجنائز) والنائحات اللاتي يستأجرن في المآتم للندب واللطم والشق والعويل، أو رسالة (البرابرة) الذين يستأجرون في مصر لتأديب المآدب، وتنظيم الحفلات

يسمع أن صديقه فلاناً قد مرض ولزم الفراش؛ وقد يكون ما به لفحة حر، أو زكام طفيف، فهو - منذ أيام المرض الأولى - يعد لصديقه العزيز مرثيته العصماء ليبكي فيه - إذا ما مات وأظنه يريده أن يموت ليرثه - ليبكي فيه النجم الذي أفل، والبحر الذي نضب، والرحمة التي رفعت، والرجولة التي فقدت. ويسمع أن (فلانا) وهو من أهل الجاه الطويل العريض - سيؤم المدينة بعد أيام؛ فإذا قدم كان صاحبنا الأديب الخالد أول المستقبلين والمرحبين، وكان أول الخاطبين بين يديه والمادحين؛ وقد يكون هذا العين ممن لا يعرفهم صاحبنا إلا (بالسلام) وقد يكون من هذه الطبول المنفوخة الجوفاء التي نقع عليها في طريقنا صباح مساء؛ وقد يكون ممن كان يشهر بهم أديبنا آناء الليل وأطراف النهار؛ وقد يكون من هؤلاء المجرمين الذين يروحون ويجيئون أمامنا بأثواب القديسين والأقطاب، فنسجد لهم ونحملهم على الأعناق؛ قد يكون هذا العين من كل هؤلاء، ولكن أديبنا لا يتحرج إذ يخلع عليه الألقاب، وإذ يغرقه بالتحيات، ويجعله في البلاغة سحبان وإن كان أعيا من بإقل، وفي الكرم حاتماً وإن كان أبخل من أشعب، وفي الشجاعة عنترة وإن كان أجبن من أبي دلامة وليت هذا الرثاء وهذا المديح كانا من وحي الخاطر، ومن بنات القريحة؛ وإنما هما سرقات من الكتب رصفت رصف الحصى، ونتفات من الدواوين ركبت تركيب (اللعبة)

أعرف أديباً آخر - أو على الأصح متأدباً - أفتدري يا صاحبي ما رسالته؟ رسالته هي مهمة (سماسرة) القطن في مصر أو (سماسرة) البصل والثوم عندنا في سوريا. إذا كان الصباح يدعو إلى الانتداب، ويتغنى بمآثره و (يسمسر) له؛ وإذا كان الضحى، وكان الحكم الوطني ملأ الجو بالتصفيق، وحطم الآذان بقصائده ينشر فيها مجد بني عبد شمس، ويذيع فيها صنيع أبناء عدنان؛ وهو (يسمسر) للحكم الوطني لأن بيد الحاكمين مناصب الدولة، ورياسة ديوان وزارة المعارف؛ وهو عند الأصيل معارض للحكومة الوطنية، متحمس في معارضته، مسرف فيها، لأنهم طردوه ولم يقبلوه، وهو أخيراً في المساء رجل مسالم يقف بعيداً (على الحياد) لا يدعو إلى شيء ولا يؤمن بشيء لأنهم لوحوا له من بعيد بالسوط، مهرول إلى عقر داره، مضطرب النفس، مهتز القلب؛ وآثر السكوت والرضى بالواقع على الشغب المغرض، والنعيب المضجر

أعرف متأدباً قيل له ذات يوم (لم لا تنتسب إلى هذا الحزب ومبادئه كيت وكيت؟) فقال: (إنني أؤمن بمبدئه، وأرضى عن منهجه، وأطمئن إلى برامجه، ولكن خصومه أصدقائي وصحبي، فلا قدرة لي على خصامهم!. . وعلى أن أكون حرباً على هذا الحزب بين صفوفهم!. .)

هذه خطوط هي إلى اللمحات الخاطفات أقرب منها إلى الصور الجامعات، أوردناها - على عجل - لتلمس أيها القارئ نواحي من هذه الحياة التي يضطرب فيها جماعة الأدباء، والتي هي ضرب من ضروب الجمود بل الموت.

يزعم أدباؤنا أن سماءنا غائمة ليس لها روعة الإيحاء والإلهام، وأن آفاقنا ضيقة ليس لها القدرة على تفتيق الأذهان والأحلام، وأن حياتنا جامدة ليس فيها من فيض الحياة ما يحرك المشاعر والأوتار.

لا! لا! لم تغم السماء لكن عيونكم حسرى ما ترتفع، ولم تضق الآفاق ولكن أذهانكم لم تفتق، ولم تتجمد حياتكم ولكن أوتار قلوبكم ما تتحرك.

ها هنا زعماء يرقصون على قبور الأمة، ويرتفعون على أشلاء الشهداء، ويتناصرون لاقتسام الغنائم تناصر الذئاب الجائعة أمام الجيف في أقصى الصحراء، والناس - على رغم هذا - يحملونهم على الأعناق، ويحرقون أمامهم البخور، ويهتفون باسمهم أطراف الليل وأناء النهار

في كل مكان مرجفون يرجفون، ومضللون يكذبون، وغادرون يغدرون، وماكرون يمكرون، وجاهلون يتعالمون، وأغبياء يرتفعون، ومجرمون في ثياب الأقطاب والأولياء، وبين الهتاف والتصفيق يروحون ويجيئون.

والحقيقة في كل هذا تشرد فلا مأوى ولا مصير، والفضيلة تستغيث وتستجير فلا مجير ولا نصير.

أليس في هذا، ما يلهب الحقد والضغينة في صدر الأديب ويحوله إلى طاغية غشوم، يبطش بلا رحمة ولا هوادة، في أهل المجد المزيف المجرم، والجاه الملوث الكاذب؟

في كل مكان أمة تصنع لقمتها من دمها ودمعها وقطع كبدها ثم ترفعها بيدها المرتعشة المشلولة إلى فمها لتسد رمقها، فإذا اليد القوية تمتد إليها وتتخطفها، وهي على شفتيها، والسوط يهتز في يسراها.

في كل مكان نعاج رواقص على سكينة الجزار، وسياط هاويات على ظهور المستضعفين من العباد، وعذارى يشردن ويبعدن عن أوطان الآباء والأخوة والأمهات، وشذاذ الآفاق يشترون الضمير البشري بالأصفر الرنان، وذئاب (جنيف) تعصف بها غرائز الوحشية والجشع، فتنتشر في بقاع الأرض الآمنة المطمئنة، تثير الفتنة، وتبعث الروع، وتستنزف الدماء، ومن ورائها الخبث الأوربي يحارب في سبيل السلام، ويبغض في سبيل الحب، ويرهب في سبيل التأديب، ويسرق في سبيل الإطعام، ويوقظ الفتنة في سبيل الأمان!

أليس في كل هذا ما يشعل النخوة في رءوسكم، ويحرك المروءة في نفوسكم، ويثير الغيرة في قلوبكم، ويدفعكم إلى إغماد أقلامكم في أفئدة هذه الذئاب، وصوغها أسرّة لهذه العذارى المشردات، وإرسالها سهاماً في صدور الظالمين الطغاة، ورفعها أعلاماً خفاقة للحق والخير والجمال؟

أين أنتم يا أصحاب المشاعر الرهيفة، والقلوب الرقيقة؟ يقولون (الأدب نزيف القلب: طاهرة ورجسة، ونشيد الشعور: نبيلة وخسيسة؛ ومعيار القوة فيه أن ينزف القلب فيتفجر، وأن ننشد فنبدع.) إذن، لم لا تسمعوننا دقائق من زئيركم، إلى جانب الشهور الطوال من نحيبكم نحيب الأطفال، ونواحكم نواح العجائز؟

ستقولون: (هذا ما يجري على اللسان، وما يفيض عن القلب) وسنقول لكم: (إنكم مرضى في أعصابكم، يا أنصاف الرجال، وأشباه النساء.)

بلى! يا طلاب الأدب الباكي النائح، يا عجائز الفن

هؤلاء هم آباؤكم وأمهاتكم وأبناء عشيرتكم، يزجون في السجون، ويرسفون في القيود، وتتلظى رقابهم على شفرات منجل الجلاد؛ ترتعش جفونهم المثقلة لتلمح ومضات النور، وتلهث صدورهم من خناق الكهوف، ويغلي في صدورهم الشوق إلى مروج الحياة الحرة، حيث ترقص عرائس الأحلام والآمال في أحضان الربيع. . .

أليس من جمود الحس، وبلادة الشعور، وغلظ القلب، أن تشربوا كأسكم على قبور الآباء، وأن ترقصوا في مآتم الأمهات، وألا تحرك أوتار قلوبهم هذه الأماني المشتركة الطوال العراض، وألا يهيمن على نفوسكم هذا الموقف الذي تتمازج فيه الأنوار بالظلمات، والآلام بالآمال، والضجر بالرغبات؟ فما نراكم إلا مالئين بنحيبكم جو الرجال، وقارعين آذانهم بنواح (الدلع) والدلال؟

المجد، والشهرة، والنبوغ، والخلود: كل هذا من عرائس القلب، وحسان الخيال.

لم لا يوقظ الحب في قلوبكم، وتلهب الشهوة في جسومكم عرائس هذه العواطف العليا اللاتي يرقصن على أكف النجوم عاريات، وينمن على ظهور القرون غافياتٍ، ويضربن على أوتار التاريخ منشداتٍ، ويقطفن أكاليل الغار من رياض الجنان، ليعصبن بها رءوس المجانين من أهل العشق والغرام؟

لم لا تترامون على أقدام هذه العرائس التي يشع منها نور الرجولة، وتتفتح تحتها أزهار الحياة، بدل أقدام غانياتكم التي يفوح منها روائح الرجس والخزي والعار، والتي مصيرها إلى فجوة قذرة في جوف التراب؟ أليس في اختطاف الرجال ورغباتهم من يد الأقدار، وركوبهم مراكب الهول في سبيل الآمال، وتبوئهم عروش النصر مضمخة بالدماء، أليس في كل هذا ما يبعث فيكم عواطف الرجولة والشدة والبأس، بدل الأنوثة والبرودة والقنوع والدلال؟ أيها السبعة، يا شباب الشيوخ، ويا شيوخ الشباب

ابعثوا الثورة والتمرد في نفوس الناشئين من الأدباء؛ قولوا لهم: (إن حياة الأديب لا تكون إلا في ميادين الطعن والضرب والعراك؛ ولا تهنأ إلا تحت ظلال الحق والحب والخير والجمال!)

قولوا لهم: (إن القلم الذي تحملونه أعد لتغمدوه في قلوب الباطشين الظالمين، والمجرمين الحاكمين، والأتقياء المزيفين، فان لم تفعلوا فاغمدوه في قلوبكم فما خلقت الحياة لنذل جبان رعديد، وفي القبور مراد للاغبين)

إذا فعلتم هذا، أيها السبعة الأئمة، في العالم العربي جميعه، تصبح معضلة الضعف في اللغة من الهنات الهينات؛ وتقر عيونكم بأدباء على غراركم: هم أهل لحمل القلم ومجده، وهم أهل لأن يقولوا عن أنفسهم ما قال (فولتير) عن نفسه (ما يمنعني عن أن أكون ملكا، وإن لم يزن مفرقي تاج؟!)

أجل! آنئذ يصبحون ملوكاً على عروش الأدب والبيان؛ ملوكا تتحطم تحت أقدامهم عروش ملوك البطش والجاه، وتحمل عروشهم الخالدة أعناق القرون والدهور والآباء.

(حمص سورية)

ماجد الأتاسي