مجلة الرسالة/العدد 443/العامية والفقر

مجلة الرسالة/العدد 443/العامية والفقر

مجلة الرسالة - العدد 443
العامية والفقر
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 29 - 12 - 1941


للأستاذ عباس محمود العقاد

جاء في خطاب مطول من الأديب (عبد القادر العشماوي) يروى فيه مناقشة أدارتها جماعة (الرابطة المصرية ضد التدخين) وقالت فيها الأستاذة الفاضلة نعيمة الأيوبي - على رواية الأديب - (لنكن عاديين في أحاديثنا لنقدر أن نعبر عن شعورنا وأفكارنا ونتفاهم في أغراضنا وشؤون إصلاحنا، لا سيما مع الطبقات الفقيرة. ولنخلع عنا ذلك الرداء المزيف الصناعي الذي نلبسه كلما قابلنا عظيماً أو وقفنا في حفل للخطابة؛ فلا ندري أأخطأنا في التركيبات النحوية أم في التعبير عن أفكارنا. ولنتكلم الآن باللغة التي نستعملها في كل مناقشاتنا حتى في مرافعاتنا أمام القضاء، ألا وهي العامية).

قال الأديب عبد القادر العشماوى: (ثم نهض الأستاذ كامل الكيلاني عقب الدكتورة نعيمة الأيوبي وقال ما فحواه: (إنه لا يسمح بأية حال من الأحوال بالموافقة على نصرة العامية على اللغة العربية الفصحى. ومن لم يستطع التعبير بالعربية الفصحى فما هو بمستطيع أن يعبر عنها بالعامية. . .)

وهكذا إلى آخر ما ورد في خطاب الأديب. ثم قال سائلاً: (ما رأيكم في هذا الخلاف؟ وهل يمكن نصرة اللغة الفصحى في بلد سواده الأعظم من الأميين؟ وإذا خاطبت إنساناً فقيراً باللغة الفصحى لتسدي إليه النصح والإصلاح هل يفهمك أو يظن انك تسخر به فيحز ذلك في نفسه وينصرف عنك متألماً؟ وأرجو أستاذي إذا تفضل بالجواب أن يكون رده على صفحات مجلة (الرسالة) الزاهرة المحبة إلى نفوسنا، واليكم عظيم الاحترام. . . الخ)

تلك رواية الأديب، وهي لا تستلزم في الجواب عليها أن أتعرض لتفصيلات رأيين لم أقف منهما على غير هذه الإشارات التي لا تشمل كل ما يقوله صاحب الرأي في شرحه والدفاع عنه.

فحسبنا أن نحصر الكلام هنا في العلاقة بين الفقر والعامية، وهل من دواعي العطف على الفقير أو من دواعي النظر في مشكلة الفقر أن ننصر العامية على الفصحى، وأن نعبر عن آرائنا باللغة التي يتكلمها الفقراء؟

فالعامية قبل كل شئ هي لغة الجهل وليست بلغت الفاقة أو بلغة اليس وبين الأغنياء كثيرون لا يحسنون الكلام بغير العامية التي لا جمال لها ولا طلاوة على عباراتها

وبين الفقراء من يحسنون التعبير بالفصحى، أو يعبرون بالعامية تعبيراً يزينه جمالها وتبدو عليه طلاوتها

فإذا عطفنا على العامية فإنما نعطف على الجهل ونستبقيه ونستزيده، ولا نخفف وطأة الفقر ذرةً واحدة بتغليب عبارات الجهالة على العبارات التي تصاغ بها آراء المتعلمين والمهذبين

إن علاج مشكلة الفقراء هي أن ترفع طبقهم معيشة وتفكيراً وحديثاً ومنزلة من التعليم والتهذيب، وليس علاج تلك المشكلة أن نسجل عليها حالة من العجز والجهالة هي التي يشكون منها ويسألون المعونة على علاجها

وماذا يفيد الفقراء أن يسكن الأغنياء الأكواخ؟

وماذا يفيد الفقراء أن يتكلم المتعلمون لغة الجهلاء؟

وماذا يفيد الفقراء أن تساويهم في الحرمان من المال والعلم ومن الفصاحة وقدرة التعبير؟

إنما يفيد الفقراء أن تصبح أكواخهم قصوراً أو كالقصور في الإراحة وتصحيح الأبدان

وإنما يفيدهم أن يكون نصيبهم من اللغة كأحسن نصيب يتعلمه المتعلمون. فان لم يبلغوا هذا المبلغ فالفائدة ألا يكون نصيبهم منها أحقر نصيب، وألا نسجل عليهم هذه الحالة المزرية كأنهم لا يصلحون لغيرها ولا يطمحون إلى ما فوقها.

وإنما يفيد الفقراء أن يساووا أحسن الناس لا أن يصبح أحسن الناس مثلهم في المعيشة والعمل والعلم والكلام

ولم يقل أحد أننا حين نبني القناطر والجسور والمستشفيات لعلاج داء الفقر ينبغي أن ننسى الهندسة لأن الفقراء لا يعرفونها

ولم يقل أحد أننا حين ندبر الطعام للمعوزين ينبغي أن نبطل أطايب الطعام لأن المعوزين لا يملكون أثمانها

فلماذا يقول قائل إن إهمال اللغة الفصحى واجب عند البحث في مشكلة الفقر والجهل لأن الفقراء والجهلاء لا يحسنون اللغة الفصحى، وأن المناقشة في تلك المشكلة ينبغي أن تدور بالعامية لأنها هي اللهجة التي يتكلمها الفقراء والجهلاء؟ يقول الأديب صاحب الخطاب (إذا خاطبت إنساناً فقيراً باللغة الفصحى لتسدي إليه النصح والإصلاح هل يفهمك أو يظن أنك تسخر به، فيحز ذلك في نفسه وينصرف عنك متألماً؟)

فمن اللازم أولاً أن نفرق بين اللغة الفصحى واللغة الصعبة التي لا يفهمها إلا الأقلون؛ إذ ليس كل فصيح صعباً ولا كل عامي ركيك سهلاً على سامعيه

ومتى فرقنا بين الفصاحة والسهولة أدركنا أن السهولة تتوافر للكلام الفصيح وتنفذ إلى أسماع الجهلاء غير حائل بينها وبين النفاذ إلى تلك الأسماع حركة الأعراب ولا صحة التركيب

هذا أولاً

أما (ثانياً) فمن اللازم أن نذكر أن العظات إنما تتلقى بالخشوع والتوقير كلما اقترنت في ذهن السامع بملابسات الخشوع والتوقير

والعظات التي تقترن في ذهن السامع بالمسجد وحلقات العلم أحرى أن تقترن بالنفوس الخاشعة والأسماع المصغية من عظات تحمل طابع السوق ومجالس اللهو والمزاح. وهذه المقارنة النفسية أشبه بمقارنة الهيبة التي تسري إلى قلوب السامعين وهم يصغون إلى الواعظ في المسوح ولا تسري إليهم وهم يصغون إليه في مباذل البيت وملابس السهرة وكسوة (الردنجوت)

أما شعور الجاهل الفقير وأنت تخاطبه بالفصحى فقد تختلف فيه الأقوال حسب اختلاف الأحوال، ولكنه لو أنصف لأمتعض ممن لا يخاطبه إلا وهو متنزل إلى لغة أوضع الطبقات، كأنه يترفع عن مخاطبته باللغة التي يخاطب بها أقرانه وزملاءه. وما أظن الجاهل الفقير يجب أن يترفع الأغنياء عن لقائه في حجرة الاستقبال التي يلقون فيها أقرانهم وزملائهم ليخرجوا له إلى المراء حيث يجلس بغير مقعد وبغير مهاد. . . فلماذا يحب الجاهل الفقير أن يتنزل مخاطبه من أسلوبه وأسلوب أقرانه وزملائه ليخاطبه بما هو دون ذلك الأسلوب؟

إننا لم نسمع أن أحداً تواضع حباً للفقير فخلع حذائه ليمشي حافياً أو يلبس النعال؛ فما بال أناس يتواضعون فيخلعون لغة المعرفة والثقافة لأنها كما يزعمون لغة لا يفهمها الفقراء؟

ما خلت الدنيا قط ولن تخلو من التعلم والتعليم، وإن اليوم الذي ننبذ فيه كل ما نتعلمه ونتعب في تعلمه لهو اليوم الذي ينحدر فيه الإنسان إلى الجهل الذي هو أشيع شئ بين الناس وأغناه عن معلمين ومتعلمين وعن جهد في التعليم والتحصيل

وإذا كنا نحتج لبقاء اللغة العامية بأنها اللغة التي يعرفها الجاهل بغير تعلم فلماذا لا نحتج لكل جهل بمثل هذا الاحتجاج؟ وأي شئ أحق من العقل الإنساني ومن النفس الإنسانية بأن نفهمها على الوجه الأمثل حين نفهم اللغة الصالحة لإبداع أشرف المعاني وأرفع الصور الذهنية وأحقها بالبقاء والتخليد

واللغة العامية بطبيعتها لغة وقت محدود وجهة محدودة، فهي لا تصلح لبقاء أثر من الآثار التي تستحق البقاء. ولن نكسب شيئاً ولا الفقراء يكسبون بصيانة حديث العامة وإهمال الحديث الذي يخلد المتنبي والمعرى وابن الرومي وشكسبير وهوميروس وسوفكليس وفرجيل

وما ارتقى العامة قط لأنهم فهموا نظام الصحة وقواعد الحكم وهم جهلاء أميون، ولكنهم يرتقون حين يتعلمون ويقتدرون على فهم الكلام في لغة المعرفة والإرشاد. أما وهم أميون جهلاء فلن يفهموا ما يقال، ولو قيل لهم بلغة الجهال

وأنها لبدعة عجيبة تلك التي سرت في الزمن الأخير وتعلق بها أناس منا مخلصين وأناس منا مخدوعين وأناس منا يسيئون النية وهم على علم بالغرض مما يدعون إليه

فالدعوة إلى تغليب العامية إنما تنبع في مصدرها الأول من جانبين متناقضين وإن اتفقا في غرض واحد

فجانب الشيوعيين المنكرين للعقائد والأديان يحقدون على اللغة الفصحى كحقدهم على كل امتياز وارتفاع، وغرامهم بكل ما يهبط إلى مرتبة الصعاليك؛ ثم هم لا ينسون أن القضاء على العربية الفصحى فيه قضاء على دين المسلمين الذي يحاربونه كما يحاربون كل دين

وجانب المبشرين لا يعنيهم من الأمر إلا أن يحاربوا الدين بين الأمم العربية، فلا يعنيهم في بلادهم أن يغلبوا الكلام المسف المبتذل على الكلام المهذب الفصيح.

ومما يكشف عن سوء نية هؤلاء وهؤلاء انهم يفضلون الكتب التي تؤلف بكلام العامة فيما يختارونه للترجمة إلى اللغات الأوربية؛ مع أن الترجمة لا تظهر فرقاً بين أسلوب العوام وأسلوب الخواص، ولا يدري من يقرأها وهو لا يعرف الأصل أهي من الكلام الدارج منقولة أم هي منقولة من كلام تلتزم فيه الفصاحة وحركات الأعراب.

فهو إذن تشجيع للعامية في وطنها وليس بتشجيع للعامية في اللغات الأخرى، ومن هنا ينكشف سوء النية الذي أومأنا إليه.

فرأي فيما سأل عنه الأديب أن تغليب لغة الجهل كارثة على الأمة العربية وعلى العقل الإنساني لا تقل عن كارثة الفقر وسوء العيش، وإن علاج مسألة الفقر لن يتوقف في وجه من وجوهه على ترك الكلام الفصيح وتقديم الجهالة الكلامية، ولن يختلف الأمر هنا بين طب الأمراض البدنية وطب الأمراض الاجتماعية. فلا الطبيب مضطر إلى إهمال لغة الطب وهو يعالج مريضه، ولا المصلح الاجتماعي مضطر إلى إهمال لغة المعرفة وهو يعالج الفقر أو الجهالة، وليس ما يفهمه الفقير الجاهل من عبارات العامة بأكثر مما يفهمه من لغة الخاصة إذا كانت الصعوبة في الإدراك أو كانت الصعوبة في الموضوع. فلو نقلت أر سطو إلى أوضع اللهجات لما سهلت فهمه إلى أقل تسهيل، بل لملك تزيد الصعوبة بإقحام المعاني الرفيعة في لغة لم تتهيأ لتمثيلها منذ زمن بعيد.

ولنرحم الفقير الجاهل برفعه إلى طبقة اليسار والمعرفة، والتسوية بينه وبين من يفصحون ويفقهون

أما رحمته بإبقائه حيث هو في عمله وكلامه ومداركه فتلك هي القسوة التي لا يشيعها الرحماء.

عباس محمود العقاد