مجلة الرسالة/العدد 797/القصص

مجلة الرسالة/العدد 797/القصص

ملاحظات: الأنموذج Le Modèle هي قصة قصيرة بقلم غي دو موباسان نشرت عام 1883. نشرت هذه الترجمة في العدد 797 من مجلة الرسالة الذي صدر بتاريخ 11 أكتوبر 1948



الأنموذج

للكاتب الفرنسي جي دي موباسان

ترجمة الأديب محمد فتحي عبد الوهاب

كانت بلدة (أترات) الهلالية الشكل ذات الجرف الأبيض، والبحر الأزرق والرمل الذهبي، تنام في هدوء تحت شمس شهر يوليو المشرقة، وقد برز على طرفي الهلال قوسان من الصخور مدليان على الماء السكن، أصغرهما واقع إلى الشمال كأنه قدم قزم، وأكبرهما إلىالجنوب كأنه ساق عملاق.

واحتشد الناس على طول الساحل راقدين على الرمل يتأملون المستحمين، وازدحمت شرفة (الكازينو) بالقاعدين أو السائرين المتنزهين، فبدت ملابس السيدات المزركشة ومظلاتهن الحريرية الموشاة كأنها حقل منسق الزهور. وأبتعد البعض عند آخر الشرفة يتجول هنا وهناك ويتمتع بالطقس الهادئ اللطيف بعيداً عن ثرثرة البعض الآخر.

ومشى جان سمر الرسام الشاب المعروف بجانب مقعد متحرك يدفعه الخادم، جلست عليه زوجه المقعدة تحدق في حزن إلى صفاء السماء تارة، والى الحشد المبتهج الجالس تحت الشمس الزاهية تارة أخرى. كانا صامتين لا ينظر أحدهما إلى الآخر.

وأخيراً قالت السيدة إلى زوجها - دعنا نقف هنا لحظة. كان كل من مر عليهما ويراهما صامتين ينظر اليهما نظرة إشفاق. كانوا يعرفون قصة غرامهما، تلك التي أصبحت أسطورة البلدة. لقد عقد عليها الرسام على الرغم من عاهتها.

وجلس على مسافة غير بعيدة منهما رجلان يتحدثان ويتطلعان إلى البحر، وتابع أحدهما حديثه قائلاً كلا، هذا غير صحيح. إني أعرف جان سمر جيداً.

- إذا لماذا تزوجها؟ لقد كانت مقعدة عندما عقد عليها أليس كذلك؟

- أجل، أنها الحقيقة. لقد تزوجها. . . حسناً. . . تزوجها كأي رجل يتزوج، لأنه كان مجنوناً.

- ولكن لا بد وأن هناك سبباً آخر.

- سبب آخر يا صديقي؟! لا يوجد هناك سبب آخر. إن الرجل مجنون لأنه مجنون. أنت تعرف أن الرسامين مشهورين بالغريب من الزواج. إنهم غالباً ما يتزوجون الفتيات اللاتي يرسمونهم، وقد كن قبل الزواج خليلات لغيرهم من الرجال. أنهن سلع قديمة بمعنى الكلمة!.

لماذا يتزوجونهن؟ سؤال لا يستطيع أحد أن يجيب عليه إجابة شافية. وقد يظن المرء أن الاختلاط الدائم بهن يجعلهم يعافون مثل هذا النوع من النساء. ولكنه ظن غير صحيح. فانهم بعد أن يرسمونهن يتزوجونهن. حبذا لو قرأت كتاب (زوجات الفنانين) لألفونس دوديه إنه كتاب ثمين واقعي قاسي النقد

ان زواج هذين الاثنين قد حدث بطريقة محزنة غير مألوفة. وفي الحق، لقد مثلت الفتاة مهزلة أو قل مأساة، وقامرت بكل شئ في ضربة واحدة. هل كانت تحب جان؟ لا يستطيع أحد أن يتكهن بذلك في مثل هذه الحالات. من ذا الذي يستطيع أن يتحدث عن مقدار عنصر القسوة، ومدى عنصر الإخلاص اللذين يدخلان في أعمال المرأة؟ إنهن دائماً لغز لا يستطيع الرجل حله. فنحن طالما نسأل أنفسنا. هل هن مخلصات، أم هن يغلبن علينا دوراً؟ يا رفيقي العزيز، إنهن مخلصات وغير مخلصات لأن ذلك جزء من طبيعتهن. فكر في الوسائل التي يتخذها أمهرهن للحصول على كل ما يرغبنه منا. أنها وسائل نستنتجها، وبسيطة لأننا بعد ما نقع في الشرك لا نملك إلا أن نتعجب دهشة ونسأل أنفسنا (حسناً. . . هل هن حقيقة خدعتنا بمثل هذه السهولة؟ وهن دائماً يسلكن الطريق الذي رسمنه لأنفسهن. خصوصاً عندما يرغبن في الزواج. على أية حال إليك قصة سمر).

(كانت الفتاة أنموذجاً عنده. وكانت حسناء ساحرة ذات جمال فتان. ووقع الرسام في شراك حبها كأي رجل يقع في حب فتاة جذابة كثيرة التردد عليه. وخيل إليه أنه يحبها حقيقة. إن تلك ظاهرة عجيبة. فإنه حالماً يرغب رجل في امرأة يقتنع في قرارة نفسه اقتناعا تاماً أنه لا يستطيع من بعدها عيشاً. ولكن الرسام كان يدرك تمام الادراك أن ما حدث قد حدث له من قبل، وأنه عندما تشبع الرغبة يعقبها التقزز. وكان يعرف أنه لكي يقضي سني حياته مع مخلوق بشري آخر، فإنها ليست العاطفة الحيوانية البدائية الزائلة هي ما يحتاج اليه، وإنما التشابه الروحي والتآلف في الشعور والطباع، وأنه يجب عليه أن يكون قادراً على التمييز - وسط الجاذبية التي تؤثر عليه - فيما إذا كان ذلك الانجذاب نتيجة عوامل طبيعية محصنة، أو هو نوع من الخيال، أو نتيجة اتحاد روحي متين.

ومع ذلك فقد ظن الرسام أنه يحبها، وتعهد مئات المرات وأقسم على الاخلاص لها وألا ينظر إلى امرأة غيرها وكانت في الحق رشيقة؛ رشاقة فتيات باريس. وكانت تثرثر وتتحدث بعبارات جنونية في صور مسلية. وتومئ إليه بحركات جذابة؛ وتف أمامه وقفات فاتنة تسر كل فنان.

ولم يدرك جان مدة ثلاثة أشهر بأنها في قرارة نفسها لا تختلف عن أية فتاة أخرى من طرازها. بل أستأجر لها داراً في (أندرس) لقضاء فصل الصيف. وكنت هناك ذات مساء عندما ابتدأت أولى الشكوك تفرض نفسها فرضاً على نفس صديقي. كانت ليلة بديعة، فقررنا التنزه على ضفة النهر. وكان القمر يرقص على صفحة الماء المتألق، فتلألأ صورته بتأثير تيار الماء الجاري.

كنا نسير على طول الضفة، وقد تملكنا شعور مبهم من السعادة، تلك السعادة التي كثيراً ما تغمرنا في مثل ذلك المساء الكامل. وشعرنا بأننا نستعرض منظراً ساحراً، وبأننا وقعنا في حب سماوي مع ما صورته لنا مخيلتنا الشاعرية. كنا ندرك في عجب هذه الأحاسيس الغريبة المثيرة. وسرنا صامتين متأثرين من هذا الهدوء وبهجة هذه الليلة. وظهر القمر كأن ضوءه يخترق ذاتنا؛ يخترق الجسد فيغرق الروح في حمام شذي من الرضا. وفجأة انفلتت من جوزفين - وكان هذا أسم الفتاة - صيحة وهب تقول - هل رأيت السمكة الكبيرة وهي تقفز هناك؟

فأجاب الرسام دون أن ينظر إليها أو يعي كلماتها - نعم يا عزيزتي.

ففقدت هدوءها وقالت: كلا إنك لم ترها؛ فأنت تستدبرها

فأبتسم وقال: إنك على حق. إن المساء من الجمال حتى لا أستطيع أن أفكر إلا فيه.

فلم تفه بكلمة فترة من الزمن، ثم قالت أخيراً وكأنها شعرت بأنها في حاجة إلى الكلام - ألن نذهب غداً إلى باريس؟

- لست أدري.

فقطبت قائلة - هل تعتبر ذهابك إلى نزهة دون أن نتحدث نوعاً من التسلية؟ حتى الأغبياء يتحدثون!

فلم يجبها. ثم أدركت ببديهة المرأة المتمردة أنها أثارته، فطفقت تغني أغنية شائعة. فتمتم قائلاً - أصمتي أرجوك.

فردت في حنق - ولماذا أصمت؟

فأجاب - إنك تفسدين علينا لذة التمتع بجمال الليلة.

ثم حدث ما لا يستطيع تجنبه في مثل هذه الظروف، ذلك المنظر الكريه. ابتداء بتوبيخات أعقبتها اتهامات ثم بكاء. وأخيراً عادا إلى الدار وتركها تصيح دون أن يقاطعها.

وظل ثلاثة اشهر يناضل في يأس في سبيل الفكاك من الأغلال التي كانت تقيده بها. وكانت قد استغلت عاطفتها المسيطرة عليه لتجعل من حياته بؤساً وجحيماً. . ولذلك كانا يتشاجران ليل نهار. . وأخيراً قرر أن يضع حداً لكل ذلك ويهرب. . . فباع لوحاته وأقترض مالاً وتركه وخطاب وداع على حافة المدفأه، ثم التجأ إلى منزلي.

وقبيل الساعة السادسة بعد الظهر قرع الجرس فذهبت وفتحت الباب. . . فبدأ لي وجه امرأة نحتني جانباً ثم اقتحمت طريقها إلى مرسمي. كانت جوزفين. وهب الرسام واقفاً عند ما دلفت إلى الغرفة وألقت برسالته والنقود تحت قدميه في اشمئزاز ظاهر، ثم صاحت في جفاء - إليك نقودك -. لست في حاجة إليها.

كانت ترتجف وقد شحب لونها وهي في حالة تدفعها إلىارتكاب أي شئ. أما الرسام فكان منفعلا شاحب الوجه غيظاً وكمدا. فسألها - ما الذي تريدينه؟

فأجابت - إني لا أود أن تعاملني كعاهرة. لقد أردتني فاستجبت لرغبتك. ولم أطلب منك شيئاً. إنك لا تستطيع أن تندبني.

فضرب الأرض بقدمه وقال - كلا. . إن هذا لكثير. إذا كنت تعتقدين أن. . .

فأمسكت بذراعه وقلت له - لا تقل شيئاً يا جان. دع الأمر لي.

وجعلت أتحدث معها في لباقة، واستعملت كل ما وعاه عقلي من مناقشة خليقة بهذا الموقف، فاصغت إليّ دون أن تتحرك وهي تحدق أمامها صامتة عنيدة. أخيراً بعد أن قلت كل ما استطعت قوله، وبعد أن أيقنت أنه لا توجد ذرة من الأمل في السلام، فكرت في إطلاق آخر سهم من جعبتي فقلت: - إنه لا يزال يحبك يا عزيزتي. ولكن عائلته ترغب أن تزوجه. أنت تعرفين ما أعني.

فاضطربت وقالت - آه. . . لقد بدأت أدرك الآن.

ثم التفتت إليه وقالت - إنك. . انك ستتزوج؟ فأجاب قس شراسة - نعم.

وتقدمت خطوة نحوه ثم قالت - إذا تزوجت سأقتل نفسي. أتفهم ذلك؟

فهز كتفيه وقال - حسناً. . . اقتلي نفسك.

أتقول. . . أتقول. . أعد ذلك مرة أخرى.

فردد قائلا - حسناً. . . أقتلي نفسك إن أردت.

فقالت وقد أزداد شحوب وجهها - لا تعتقد أني لا أعني ما أقوله. سألقي بنفسي من هذه النافذة. فجعل يضحك، ثم ذهب إلى النافذة، وفتحها. وأخيراً انحنى لها في احترام قائلاً في أدب ساخر - من هذا الطريق. . . بعدك يا سيدتي.

فنظرت إليه هنيهه وقد ظهر وميض من الجنون في عينيها. ثم. . . ثم اسرعت كأنها في سبيل اجتيازها سياج حقل، وانطلقت أمامنا، ثم تخطت حاجز الشرفة، واختفت عن أنظارنا.

لن أنسى ما حييت تأثير تلك النافذة المفتوحة، عندما شاهدت الفتاة تسقط أمامي. وتراجعت بدون وعي إلى الخلف خشية أن أنظر إلى أسفل، كأني سأسقط أنا الآخر. ووقف جان دون حراك ينظر في ذهول.

وحملت الفتاة مكسورة الساقين، وأصبحت عاجزة عن السير بعد ذلك. وجن عشيقها تحت تأنيب ضميره. وكأنه شعر بأنه مسئول عما حدث، فعاد إليها وتزوجها.

. . . هذه هي القصة بحذافيرها يا صديقي)

كانت الشمس على وشك المغيب، وشعرت الفتاة ببرودة الجو، فرغبت في العودة إلى الدار. وأبتدأ الخادم يدفع المقعد صوب البلدة. وسار الرسام بجانب زوجه بعد أن مكثا ساعتين دون أن يفوه أحدهم بكلمة.

(الإسكندرية)

محمد فتحي عبد الوهاب.