افتح القائمة الرئيسية

مجموع الفتاوى/المجلد السادس/فصل: الرد على الرازي في قصة الخليل إبراهيم وقوله لا أحب الآفلين

فصل: الرد على الرازي في قصة الخليل إبراهيم وقوله لا أحب الآفلينعدل

قال الرازي: الحجة الثالثة: قصة الخليل عليه الصلاة والسلام: {لا أُحِبُّ الآفِلِينَ} [1] والأفول عبارة عن التغير. وهذا يدل على أن المتغير لا يكون إلها أصلا. والجواب من وجوه:

أحدها: أنا لا نسلم أن الأفول هو التغير، ولم يذكر على ذلك حجة، بل لم يذكر إلا مجرد الدعوى.

الثاني: أن هذا خلاف إجماع أهل اللغة والتفسير، بل هو خلاف ما علم بالاضطرار من الدين، والنقل المتواتر للغة والتفسير، فإن الأفول هو المغيب. يقال: أفلت الشمس تأفُل وتأفِل أفولا إذا غابت، ولم يقل أحد قط: إنه هو التغير، ولا أن الشمس إذا تغير لونها يقال: إنها أفلت، ولا إذا كانت متحركة في السماء يقال: إنها أفلت، ولا أن الريح إذا هبت يقال: إنها أفلت، ولا أن الماء إذا جرى يقال: إنه أفل، ولا أن الشجر إذا تحرك يقال: إنه أفل، ولا أن الآدميين إذا تكلموا أو مشوا وعملوا أعمالهم يقال: إنهم أفلوا، بل ولا قال أحد قط: إن من مرض أو اصفر وجهه أو احمر يقال: إنه أفل.

فهذا القول من أعظم الأقوال افتراء على الله، وعلى خليل الله، وعلى كلام الله عز وجل وعلى رسوله ﷺ المبلغ عن الله، وعلى أمة محمد جميعًا، وعلى جميع أهل اللغة، وعلى جميع من يعرف معاني القرآن.

الثالث: أن قصة الخليل عليه السلام حجة عليكم، فإنه لما رأى كوكبًا وتحرك إلى الغروب فقد تحرك، ولم يجعله آفلا، ولما رأى القمر بازغًا رآه متحركًا، ولم يجعله آفلا، فلما رأى الشمس بازغة علم أنها متحركة، ولم يجعلها آفلة، ولما تحركت إلى أن غابت والقمر إلى أن غاب لم يجعله آفلا.

الرابع: قوله: إن الأفول عبارة عن التغير، إن أراد بالتغير الاستحالة، فالشمس، والقمر، والكواكب لم تستحل بالمغيب، وإن أراد به التحرك، فهو لا يزال متحركًا، وقوله: {فَلَمَّا أَفَلَ} دل على أنه يأفل تارة ولا يأفل أخرى. فإن {لما} ظرف يقيد هذا الفعل بزمان هذا الفعل، والمعنى: أنه حين أفل {قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ} [2]، فإنما قال ذلك حين أفوله.

وقوله: {فَلَمَّا أَفَلَ} دل على حدوث الأفول وتجدده، والحركة لازمة له، فليس الأفول هو الحركة، ولفظ التغير والتحرك مجمل. إن أريد به التحرك أو حلول الحوادث، فليس هو معنى التغير في اللغة، وليس الأفول هو التحرك ولا التحرك هو التغير، بل الأفول أخص من التحرك، والتغير أخص من التحرك.

وبين التغير والأفول عموم وخصوص، فقد يكون الشيء متغيرًا غير آفل، وقد يكون آفلا غير متغير، وقد يكون متحركًا غير متغير، ومتحركًا غير آفل.

وإن كان التغير أخص من التحرك على أحد الاصطلاحين، فإن لفظ الحركة قد يراد بها الحركة المكانية، وهذه لا تستلزم التغير. وقد يراد به أعم من ذلك، فالحركة في الكيف والكم، مثل حركة النبات بالنمو، وحركة نفس الإنسان بالمحبة، والرضا، والغضب، والذكر.

فهذه الحركة قد يعبر عنها بالتغير، وقد يراد بالتغير في بعض المواضع الاستحالة.

ففي الجملة الاحتجاج بلفظ التغير إن كان سمعيا فالأفول ليس هو التغير، وإن كان عقليا، فإن أريد بالتغير الذي يمتنع على الرب محل النزاع، لم يحتج به. وإن أريد به مواقع الإجماع فلا منازعة فيه.

وأفسد من هذا قول من يقول: الأفول هو الإمكان، كما قاله ابن سينا: إن الهوى في حضيرة الإمكان أفول بوجه ما، فإنه يلزم على هذا أن يكون كل ما سوى الله آفلا، ولا يزال آفلا، فإن كل ما سواه ممكن، ولا يزال ممكنا، ويكون الأفول وصفًا لازمًا لكل ما سوى الله، كما أن كونه ممكنًا وفقيرًا [3] إلى الله وصف لازم له.

وحينئذ، فتكون الشمس، والقمر، والكواكب، لم تزل ولا تزال آفلة وجميع ما في السموات والأرض، لا يزال آفلا. فكيف يصح قوله مع ذلك: {فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ} [4].

وعلى كلام هؤلاء المحرفين لكلام الله تعالى وكلام خليله إبراهيم ﷺ عن مواضعه، هو آفل قبل أن يبزغ، ومن حين بزغ، وإلى أن غاب.

وكذلك جميع ما يرى وما لا يرى في العالم آفل، والقرآن بين أنه لما رآها بازغة قال: {هّذّا رّبٌَي} فلما أفلت بعد ذلك. قال: {لا أُحِبُّ الآفِلِينَ}، والله أعلم.

هامش

  1. [الأنعام: 76]
  2. [الأنعام: 76]
  3. [في المطبوعة ممكن وفقير والصواب ما أثبتناه]
  4. [الأنعام: 76]


مجموع الفتاوى لابن تيمية: المجلد السادس
فصل: تقرب العبد إلى الله | وقال الشيخ رحمه الله تعالى | فصل: ما قاله الشيخ في إثبات القرب وأنواعه | فصل: هل يتحرك القلب والروح إلى محبوبها | سئل عمن يقول إن النصوص تظاهرت ظواهرها على ما هو جسم | فصل قول القائل: كلما قام دليل العقل على أنه يدل على التجسيم كان متشابها | فصل في جمل مقالات الطوائف في الصفات | فصل الأشياء العينية والعلمية واللفظية والرسمية | فصل طريقة اتباع الأنبياء هي الموصلة إلى الحق | سئل عن تفصيل الإجمال فيما يجب لله من صفات الكمال | المقدمة الأولى أن الكمال ثابت لله | المقدمة الثانية لا بد من اعتبار أمرين | فصل ما جاء به الرسول هو الحق الذي يدل عليه المعقول | فصل قول الملاحدة أن اتصافه بهذه الصفات إن أوجب له كمالا فقد استكمل بغيره | فصل: قول القائل لو قامت به صفات وجودية لكان مفتقرا إليها | فصل: قول القائل الصفات أعراض لا تقوم إلا بجسم مركب | فصل: قول القائل لو قامت به الأفعال لكان محلا للحوادث | فصل: نفي النافي للصفات الخبرية المعينة | فصل: قول القائل المناسبة لفظ مجمل فقد يراد بها التولد والقرابة | فصل قول القائل الرحمة ضعف وخور في الطبيعة | فصل: قول القائل الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام | فصل: قول القائل إن الضحك خفة روح | فصل قول القائل التعجب استعظام للمتعجب منه | فصل قول القائل لو كان في ملكه ما لا يريده لكان نقصا | فصل: قول منكري النبوات ليس الخلق أهلا أن يرسل الله إليهم رسولا | فصل قول المشركين إن عظمته تقتضي ألا يتقرب إليه إلا بواسطة | فصل: قول القائل لو قيل لهم أيما أكمل | فصل: قول القائل الكمال والنقص من الأمور النسبية | فصل قوله تعالى: ولله الأسماء الحسنى | فصل القاعدة العظيمة في مسائل الصفات والأفعال | رد الإمام أحمد على ما أنكرت الجهمية من أن الله كلم موسى | فصل قال القاضي: قال أحمد في رواية حنبل لم يزل الله متكلما عالما غفورا | فصل: ولا خلاف عن أبي عبد الله أن الله كان متكلمًا بالقرآن قبل أن يخلق الخلق | فصل مما يجب على أهل الإيمان التصديق به أن الله ينزل إلى سماء الدنيا | فصل ومما يجب التصديق به مجيئه إلى الحشر يوم القيامة | القول في القرآن | قاعدة في الاسم والمسمى | فصل الذين قالوا إن الاسم غير المسمى | سئل عمن زعم أن الإمام أحمد كان من أعظم النفاة للصفات | فصل في الصفات الاختيارية | فصل في الإرادة والمحبة والرضا | فصل في السمع والبصر والنظر | فصل في دلالة الأحاديث على الأفعال الاختيارية | فصل المنازعون النفاة منهم من ينفي الصفات مطلقا | فصل: رد فحول النظار حجج النفاة لحلول الحوادث | فصل في اتصافه تعالى بالصفات الفعلية | فصل فيما ذكره الرازي في مسألة الصفات الاختيارية | فصل: الرد على الرازي في قصة الخليل إبراهيم وقوله لا أحب الآفلين | قاعدة أن جميع ما يحتج به المبطل من الأدلة إنما تدل على الحق | فصل: مسلك طائفة من أئمة النظار الجمع بين أدلة الأشاعرة والفلاسفة | فصل: الحجة الثانية لمن قال بقدم الكلام | فصل: فيما احتج به الفلاسفة والمتكلمون في مسألة حدوث العالم | فصل في دلالة ما احتجوا به على خلاف قولهم | سئل عن جواب شبهة المعتزلة في نفي الصفات | الرسالة المدنية في الحقيقة والمجاز والصفات | فصل المعترض في الأسماء الحسنى | سئل عن قول النبي: الحجر الأسود يمين الله في الأرض | حديث: رؤية المؤمنين ربهم في الجنة | فصل هل ترى المؤمنات الله في الآخرة | سئل عن لقاء الله سبحانه هل هو رؤيته أو رؤية ثوابه | فصل: قول السائل: كيف يتصور منا محبة ما لا نعرفه | فصل قول السائل إذا كان حب اللقاء لما رآه من النعيم فالمحبة للنعيم | رسالة إلى أهل البحرين في رؤية الكفار ربهم | قوله في حديث: نور أنى أراه | فصل الذي ثبت: رأى محمد ربه بفؤاده | سئل عن أقوام يدعون أنهم يرون الله بأبصارهم في الدنيا | سئل عن حديث إن الله ينادي بصوت | فصل قول القائل لا يثبت لله صفة بحديث واحد | الرسالة العرشية | سئل هل العرش والكرسي موجودان أم مجاز | سئل عن رجلين تنازعا في كيفية السماء والأرض | سئل عن خلق السموات والأرض وتركيب النيرين والكواكب | سئل هل خلق الله السموات والأرض قبل الليل والنهار | سئل عن اختلاف الليل والنهار