مقدمة ابن خلدون/المقدمة السادسة في أصناف المدركين من البشر بالفطرة أو الرياضة و يتقدمه الكلام في الوحي و الرؤيا

ملاحظات:



المقدمة السادسة في أصناف المدركين من البشر بالفطرة أو الرياضة ويتقدمه الكلام في الوحي والرؤيا

عدل

اعلم أنّ الله سبحانه اصطفى من البشر أشخاصا فضّلهم بخطابه وفطرهم على معرفته وجعلهم وسائل بينهم وبين عباده يعرّفونهم بمصالحهم ويحرّضونهم على هدايتهم ويأخذون بحجزاتهم عن النّار ويدلّونهم على طريق النّجاة وكان فيما يلقيه إليهم من المعارف ويظهره على ألسنتهم من الخوارق والأخبار الكائنات المغيّبة عن البشر الّتي لا سبيل إلى معرفتها إلّا من الله بوساطتهم ولا يعلمونها إلّا بتعليم الله إيّاهم قال صلّى الله عليه وسلّم ألا وإنّي لا أعلم إلّا ما علّمني الله واعلم أنّ خبرهم في ذلك من خاصّيّته وضرورته الصّدق لما يتبيّن لك عند بيان حقيقة النّبوة وعلامة هذا الصّنف من البشر أن توجد لهم في حال الوحي غيبة عن الحاضرين معهم مع غطيط كأنّها غشي أو إغماء في رأي العين وليست منهما في شيء وإنّما هي في الحقيقة استغراق في لقاء الملك الرّوحانيّ بإدراكهم المناسب لهم الخارج عن مدارك البشر بالكلّيّة ثمّ يتنزّل إلى المدارك البشريّة إمّا بسماع دويّ من الكلام فيتفهّمه أو يتمثّل له صورة شخص يخاطبه بما جاء به من عند الله ثمّ تنجلي عنه تلك الحال وقد وعى ما القي إليه قال صلّى الله عليه وسلّم وقد سئل عن الوحي «أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشدّه عليّ فيفصم 1 عني وقد وعيت ما قال وأحيانا يتمثّل لي الملك رجلا فيكلّمني فأعي ما يقول» ويدركه أثناء ذلك من الشدّة والغطّ ما لا يعبّر عنه ففي الحديث كان ممّا يعالج من التّنزيل شدّة 2 وقالت عائشة كان ينزّل عليه الوحي في اليوم الشّديد البرد فيفصم عنه وإنّ جبينه ليتفصّد عرقا وقال تعالى «إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا 73: 5» ولأجل هذه الغاية في تنزّل الوحي كان المشركون يرمون الأنبياء بالجنون ويقولون له رئيّ أو تابع من الجنّ وإنّما لبّس عليهم بما شاهدوه من ظاهر تلك الأحوال ومن يضلل الله فما له من هاد. ومن علاماتهم أيضا أنّه يوجد لهم قبل الوحي خلق الخير والزّكاء ومجانبة المذمومات والرّجس أجمع وهذا هو معنى العصمة وكأنّه مفطور على التّنزّه عن المذمومات والمنافرة لها وكأنّها منافية لجبلته وفي الصّحيح أنّه حمل الحجارة وهو غلام مع عمّه العبّاس لبناء الكعبة فجعلها في إزاره فانكشف فسقط مغشيّا عليه حتّى استتر بإزاره ودعي إلى مجتمع وليمة فيها عرس ولعب فأصابه غشي النّوم إلى أن طلعت الشّمس ولم يحضر شيئا من شأنهم بل نزّهه الله عن ذلك كله حتّى إنّه بجبلته يتنزّه عن المطعومات المستكرهة فقد كان صلّى الله عليه وسلّم لا يقرب البصل والثّوم فقيل له في ذلك فقال إنّي أناجي من لا تناجون وانظر لما أخبر النّبي صلّى الله عليه وسلّم خديجة رضي الله عنها بحال الوحي أوّل ما فجأته وأرادت اختباره فقالت اجعلني بينك وبين ثوبك فلمّا فعل ذلك ذهب عنه فقالت إنّه ملك وليس بشيطان ومعناه أنّه لا يقرب النّساء وكذلك سألته عن أحبّ الثّياب إليه أن يأتيه فيها فقال البياض والخضرة فقالت إنّه الملك يعني أنّ البياض والخضرة من ألوان الخير والملائكة والسّواد من ألوان الشّرّ والشّياطين وأمثال ذلك. ومن علاماتهم أيضا دعاؤهم إلى الدّين والعبادة من الصّلاة والصّدقة والعفاف وقد استدلّت خديجة على صدقه صلّى الله عليه وسلّم بذلك وكذلك أبو بكر ولم يحتاجا في أمره إلى دليل خارج عن حاله وخلقه وفي الصّحيح أنّ هرقل حين جاءه كتاب النّبي صلّى الله عليه وسلّم يدعوه إلى الإسلام أحضر من وجد ببلده من قريش وفيهم أبو سفيان ليسألهم عن حاله فكان فيما سأل أن قال بم يأمركم فقال أبو سفيان بالصّلاة والزّكاة والصّلة والعفاف إلى آخر ما سأل فأجابه فقال إن يكن ما تقول حقّا فهو نبيّ وسيملك ما تحت قدميّ هاتين والعفاف الّذي أشار إليه هرقل 3 هو العصمة فانظر كيف أخذ من العصمة والدّعاء إلى الدّين والعبادة دليلا على صحّة نبوته ولم يحتج إلى معجزة فدلّ على أنّ ذلك من علامات النّبوة. ومن علاماتهم أيضا أن يكونوا ذوي حسب في قومهم وفي الصّحيح ما بعث الله نبيّا إلّا في منعة من قومه وفي رواية أخرى في ثروة من قومه استدركه الحاكم على الصّحيحين وفي مسألة هرقل لأبي سفيان كما هو في الصّحيح قال كيف هو فيكم فقال أبو سفيان هو فينا ذو حسب فقال هرقل والرّسل تبعث في أحساب قومها ومعناه أن تكون له عصبة وشوكة تمنعه عن أذى الكفّار حتّى يبلّغ رسالة ربّه ويتمّ مراد الله من إكمال دينه وملّته. ومن علاماتهم أيضا وقوع الخوارق لهم شاهدة بصدقهم وهي أفعال يعجز البشر عن مثلها فسمّيت بذلك معجزة وليست من جنس مقدور العباد وإنّما تقع في غير محلّ قدرتهم وللنّاس في كيفيّة وقوعها ودلالتها على تصديق الأنبياء خلاف فالمتكلّمون بناء على القول بالفاعل المختار قائلون بأنّها واقعة بقدرة الله لا بفعل النّبيّ وإن كانت أفعال العباد عند المعتزلة صادرة عنهم إلّا أنّ المعجزة لا تكون من جنس أفعالهم وليس للنّبيّ فيها عند سائر المتكلّمين إلّا التّحدّي بها بإذن الله وهو أن يستدلّ بها النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قبل وقوعها على صدقه في مدّعاه فإذا وقعت تنزّلت منزلة القول الصّريح من الله بأنّه صادق وتكون دلالتها حينئذ على الصّدق قطعيّة فالمعجزة الدّالّة بمجموع الخارق والتّحدّي ولذلك كان التّحدّي جزءا منها وعبارة المتكلّمين صفة نفسها وهو واحد لأنّه معنى الذّاتيّ عندهم والتّحدّي هو الفارق بينها وبين الكرامة والسّحر إذ لا حاجة فيهما إلى التّصديق فلا وجود للتّحدّي إلّا إن وجد اتّفاقا وإن وقع التّحدّي في الكرامة عند من يجيزها وكانت لها دلالة فإنّما هي على الولاية وهي غير النّبوة ومن هنا منع الأستاذ أبو إسحاق وغيره وقوع الخوارق كرامة فرارا من الالتباس بالنّبوءة عند التّحدّي بالولاية وقد أريناك المغايرة بينهما وإنّه يتحدّى بغير ما يتحدّى به النّبيّ فلا لبس على أنّ النّقل عن الأستاذ في ذلك ليس صريحا وربّما حمل على إنكار لأن تقع خوارق الأنبياء لهم بناء على اختصاص كل من الفريقين بخوارقه. وأمّا المعتزلة فالمانع من وقوع الكرامة عندهم أنّ الخوارق ليست من أفعال العباد وأفعالهم معتادة فلا فرق وأمّا وقوعها على يد الكاذب تلبيسا فهو محال أمّا عند الأشعريّة فلأنّ صفة نفس المعجزة التّصديق والهداية فلو وقعت بخلاف ذلك انقلب الدّليل شبهة والهداية ضلالة والتّصديق كذبا واستحالت الحقائق وانقلبت صفات النّفس وما يلزم من فرض وقوعه المحال لا يكون ممكنا وأمّا عند المعتزلة فلأنّ وقوع الدّليل شبهة والهداية ضلالة قبيح فلا يقع من الله. وأمّا الحكماء فالخارق عندهم من فعل النّبيّ ولو كان في غير محلّ القدرة بناء على مذهبهم في الإيجاب الذّاتيّ ووقوع الحوادث بعضها عن بعض متوقّف على الأسباب والشّروط الحادثة مستندة أخيرا إلى الواجب الفاعل بالذّات لا بالاختيار وإنّ النّفس النّبويّة عندهم لها خواصّ ذاتيّة منها صدور هذه الخوارق بقدرته وطاعة العناصر له في التّكوين والنبيّ عندهم مجبول على التّصريف 4 في الأكوان مهما توجّه إليها واستجمع لها بما جعل الله له من ذلك والخارق عندهم يقع للنّبيّ سواء كان للتّحدّي أم لم يكن وهو شاهد بصدقة من حيث دلالته على تصرّف النّبيّ في الأكوان الّذي هو من خواصّ النّفس النّبويّة لا بأنّه يتنزّل منزلة القول الصّريح بالتّصديق فلذلك لا تكون دلالتها عندهم قطعيّة كما هي عند المتكلّمين ولا يكون التّحدّي جزأ من المعجزة ولم يصحّ فارقا لها عن السّحر والكرامة وفارقها عندهم عن السّحر أنّ النّبي مجبول على أفعال الخير مصروف عن أفعال الشّرّ فلا يلمّ الشّرّ بخوارقه والسّاحر على الضّدّ فأفعاله كلّها شرّ وفي مقاصد الشّرّ وفارقها عن الكرامة أنّ خوارق النّبيّ مخصوصة كالصّعود إلى السّماء والنّفوذ في الأجسام الكثيفة وإحياء الموتى وتكليم الملائكة والطّيران في الهواء وخوارق الوليّ دون ذلك كتكثير القليل والحديث عن بعض المستقبل وأمثاله ممّا هو قاصر عن تصريف الأنبياء ويأتي النّبيّ بجميع خوارقه ولا يقدر هو على مثل خوارق الأنبياء وقد قرر ذلك المتصوّفة فيما كتبوه في طريقتهم ولقّنوه عمّن أخبرهم وإذا تقرّر ذلك فاعلم أنّ أعظم المعجزات وأشرفها وأوضحها دلالة القرآن الكريم المنزّل على نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم فإنّ الخوارق في الغالب تقع مغايرة للوحي الّذي يتلقّاه النّبيّ ويأتي بالمعجزة شاهدة بصدقة والقرآن هو بنفسه الوحي المدّعي وهو الخارق المعجز فشاهده في عينه ولا يفتقر إلى دليل مغاير له كسائر المعجزات مع الوحي فهو أوضح دلالة لاتّحاد الدّليل والمدلول فيه وهذا معنى قوله صلّى الله عليه وسلّم «ما من نبيّ من الأنبياء إلّا وأتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر وإنّما كان الّذي أوتيته وحيا أوحي إليّ فأنا أرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» يشير إلى أنّ المعجزة متى كانت بهذه المثابة في الوضوح وقوّة الدّلالة وهو كونها نفس الوحي كان الصّدق لها أكثر لوضوحها فكثر المصدّق المؤمن وهو التّابع والأمّة.


ولنذكر الآن تفسير حقيقة النبوة على ما شرحه كثير من المحققين ثم نذكر حقيقة الكهانة ثم الرؤيا ثم شان العرافين وغير ذلك من مدارك الغيب فنقول اعلم. أرشدنا الله وإيّاك أنّا نشاهد هذا العالم بما فيه من المخلوقات كلّها على هيئة من التّرتيب والإحكام وربط الأسباب بالمسبّبات واتّصال الأكوان بالأكوان واستحالة بعض الموجودات إلى بعض لا تنقضي عجائبه في ذلك ولا تنتهي غاياته وأبدأ من ذلك بالعالم المحسوس الجثمانيّ وأوّلا عالم العناصر المشاهدة كيف تدرج صاعدا من الأرض إلى الماء ثمّ إلى الهواء ثمّ إلى النّار متّصلا بعضها ببعض وكلّ واحد منها مستعدّ إلى أن يستحيل إلى ما يليه صاعدا وهابطا ويستحيل بعض الأوقات والصّاعد منها ألطف ممّا قبله إلى أن ينتهي إلى عالم الأفلاك وهو ألطف من الكلّ على طبقات اتّصل بعضها ببعض على هيئة لا يدرك الحسّ منها إلّا الحركات فقط وبها يهتدي بعضهم إلى معرفة مقاديرها وأوضاعها وما بعد ذلك من وجود الذّوات الّتي لها هذه الآثار فيها ثمّ انظر إلى عالم التّكوين كيف ابتدأ من المعادن ثمّ النّبات ثمّ الحيوان على هيئة بديعة من التّدريج آخر أفق المعادن متّصل بأوّل أفق النّبات مثل الحشائش وما لا بذر له وآخر أفق النّبات مثل النّخل والكرم متّصل بأوّل أفق الحيوان مثل الحلزون والصّدف ولم يوجد لهما إلّا قوة اللّمس فقط ومعنى الاتّصال في هذه المكوّنات أنّ آخر أفق منهامستعدّ بالاستعداد الغريب 5 لأن يصير أول أفق الّذي بعده واتّسع عالم الحيوان وتعدّدت أنواعه وانتهى في تدريج التّكوين إلى الإنسان صاحب الفكر والرّويّة ترتفع إليه من عالم القدرة 6 الّذي اجتمع فيه الحسّ والإدراك ولم ينته إلى الرّويّة والفكر بالفعل وكان ذلك أوّل أفق من الإنسان بعده وهذا غاية شهودنا ثمّ إنّا نجد في العوالم على اختلافها آثارا متنوّعة ففي عالم الحسّ آثار من حركات الأفلاك والعناصر وفي عالم التّكوين آثار من حركة النّموّ والإدراك تشهد كلّها بأنّ لها مؤثّرا مباينا للأجسام فهو روحانيّ ويتّصل بالمكوّنات لوجود اتّصال هذا العالم في وجودها ولذلك هو النّفس المدركة والمحرّكة ولا بدّ فوقها من وجود آخر يعطيها قوى الإدراك والحركة ويتّصل بها أيضا ويكون ذاته إدراكا صرفا وتعقّلا محضا وهو عالم الملائكة فوجب من ذلك أن يكون للنّفس استعداد للانسلاخ من البشريّة إلى الملكيّة ليصير بالفعل من جنس الملائكة وقتا من الأوقات في لمحة من اللّمحات وذلك بعد أن تكمل ذاتها الرّوحانيّة بالفعل كما نذكره بعد ويكون لها اتّصال بالأفق الّذي بعدها شأن الموجودات المرتّبة كما قدّمناه فلها في الاتّصال جهتا العلوّ والسّفل وهي متّصلة بالبدن من أسفل منها وتكتسب به المدارك الحسّيّة الّتي تستعدّ بها للحصول على التّعقّل بالفعل ومتّصلة من جهة الأعلى منها بأفق الملائكة ومكتسبة به المدارك العلميّة والغيبيّة فإنّ عالم الحوادث موجود في تعقّلاتهم من غير زمان وهذا على ما قدّمناه من التّرتيب المحكم في الوجود باتّصال ذواته وقواه بعضها ببعض ثمّ إنّ هذه النّفس الإنسانيّة غائبة عن العيان وآثارها ظاهرة في البدن فكأنّه وجميع أجزائه مجتمعة ومفترقة آلات للنّفس ولقواها أمّا الفاعليّة فالبطش باليد والمشي بالرّجل والكلام باللّسان والحركة الكلّيّة بالبدن متدافعا وأمّا المدركة وإن كانت قوى الإدراك مرتّبة ومرتقيّة إلى القوّة العليا منها ومن المفكّرة الّتي يعبّر عنها بالنّاطقيّة فقوى الحسّ الظّاهرة بآلاته من السّمع والبصر وسائرها يرتقي إلى الباطن وأوّله الحسّ المشترك وهو قوّة تدرك المحسوسات مبصرة ومسموعة وملموسة وغيرها في حالة واحدة وبذلك فارقت قوّة الحسّ الظّاهر لأنّ المحسوسات لا تزدحم عليها في الوقت الواحد ثمّ يؤدّيه الحسّ المشترك إلى الخيال وهي قوة تمثّل الشّيء المحسوس في النّفس كما هو مجرّد عن الموادّ الخارجة فقط وآلة هاتين القوتين في تصريفهما البطن الأوّل من الدّماغ مقدّمه للأولى ومؤخّره للثّانية ثمّ يرتقي الخيال إلى الواهمة والحافظة فالواهمة لإدراك المعاني المتعلّقة بالشّخصيّات كعداوة زيد وصداقة عمرو ورحمة الأب وافتراس الذّئب والحافظة لإيداع المدركات كلّها متخيّلة وهي لها كالخزانة تحفظها لوقت الحاجة إليها وآلة هاتين القوتين في تصريفهما البطن المؤخّر من الدّماغ أوّله للأولى ومؤخّره للأخرى ثمّ ترتقي جميعها إلى قوّة الفكر وآلته البطن الأوسط من الدّماغ وهي القوّة الّتي يقع بها حركة الرّؤية والتّوجّه نحو التّعقّل فتحرّك النّفس بها دائما لما ركب فيها من النّزوع للتّخلّص من درك القوّة والاستعداد الّذي للبشريّة وتخرج إلى الفعل في تعقّلها متشبّهة بالملإ الأعلى الرّوحانيّ وتصير في أوّل مراتب الرّوحانيّات في إدراكها بغير الآلات الجسمانيّة فهي متحرّكة دائما ومتوجّهة نحو ذلك وقد تنسلخ بالكلّيّة من البشريّة وروحانيّتها إلى الملكيّة من الأفق الأعلى من غير اكتساب بل بما جعل الله فيها من الجبلة والفطرة الأولى في ذلك.

أصناف النفوس البشرية

عدل

إنّ النّفوس البشريّة على ثلاثة أصناف: صنف عاجز بالطّبع عن الوصول فينقطع بالحركة إلى الجهة السّفلى نحو المدارك الحسّيّة والخياليّة وتركيب المعاني من الحافظة والواهمة على قوانين محصورة وترتيب خاصّ يستفيدون به العلوم التّصوّريّة والتّصديقيّة الّتي للفكر في البدن وكلّها خياليّ منحصر نطاقه إذ هو من جهة مبدئه ينتهي إلى الأوّليّات ولا يتجاوزها وإن فسد فسد ما بعدها وهذا هو في الأغلب نطاق الإدراك البشريّ الجسمانيّ وإليه تنتهي مدارك العلماء وفيه ترسخ أقدامهم. وصنف متوجّه بتلك الحركة الفكريّة نحو العقل الرّوحانيّ والإدراك الّذي لا يفتقر إلى الآلات البدنيّة بما جعل فيه من الاستعداد لذلك فيتّسع نطاق إدراكه عن الأوّليّات الّتي هي نطاق الإدراك الأوّل البشريّ ويسرح في فضاء المشاهدات الباطنيّة وهي وجدان كلّها نطاق من مبدئها ولا من منتهاها وهذه مدارك العلماء الأولياء أهل العلوم الدّينيّة والمعارف الرّبّانيّة وهي الحاصلة بعد الموت لأهل السّعادة في البرزخ.


الوحي

عدل

وصنف مفطور على الانسلاخ من البشريّة جملة جسمانيّتها وروحانيّتها إلى الملائكة من الأفق الأعلى ليصير في لمحة من اللّمحات ملكا بالفعل ويحصل له شهود الملإ الأعلى في أفقهم وسماع الكلام النّفسانيّ والخطاب الإلهيّ في تلك اللّمحة وهؤلاء الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم جعل الله لهم الانسلاخ من البشريّة في تلك اللّمحة وهي حالة الوحي فطرة فطرهم الله عليها وجبلة صوّرهم فيها ونزّههم عن موانع البدن وعوائقه ما داموا ملابسين لها بالبشريّة بما ركّب في غرائزهم من القصد والاستقامة الّتي يحاذون بها تلك الوجهة وركّز في طبائعهم رغبة في العبادة تكشف بتلك الوجهة وتسيغ نحوها فهم يتوجّهون إلى ذلك الأفق بذلك النّوع من الانسلاخ متى شاءوا بتلك الفطرة الّتي فطروا عليها لا باكتساب ولا صناعة فلذا توجّهوا وانسلخوا عن بشريّتهم وتلقّوا في ذلك الملإ الأعلى ما يتلقّونه، وعاجوا به على المدارك البشريّة منزّلا في قواها لحكمة التّبليغ للعباد فتارة يسمع أحدهم دويّا كأنّه رمز من الكلام يأخذ منه المعنى الّذي ألقي إليه فلا ينقضي الدّويّ إلّا وقد وعاه وفهمه وتارة يتمثّل له الملك الّذي يلقي إليه رجلا فيكلّمه ويعي ما يقوله والتّلقّي من الملك والرّجوع إلى المدارك البشريّة وفهمهما ألقي عليه كلّه كأنّه في لحظة واحدة بل أقرب من لمح البصر لأنّه ليس في زمان بل كلّها تقع جميعا فيظهر كأنّها سريعة ولذلك سمّيت وحيا لأنّ الوحي في اللّغة الإسراع واعلم أنّ الأولى وهي حالة الدّويّ هي رتبة الأنبياء غير المرسلين على ما حقّقوه والثّانية وهي حالة تمثّل الملك رجلا يخاطب هي رتبة الأنبياء المرسلين ولذلك كانت أكمل من الأولى وهذا معنى الحديث الّذي فسّر فيه النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم الوحي لمّا سأله الحارث بن هشام وقال: كيف يأتيك الوحي؟ فقال: «أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشدّه عليّ فيفصم عني وقد وعيت ما قال وأحيانا يتمثّل لي الملك فيكلّمني فأعي ما يقول» وإنّما كانت الأولى أشدّ لأنّها مبدأ الخروج في ذلك الاتّصال من القوّة إلى الفعل فيعسر بعض العسر ولذلك لمّا عاج فيها على المدارك البشريّة اختصّت بالسّمع وصعب ما سواه وعند ما يتكرّر الوحي ويكثر التّلقّي يسهل ذلك الاتّصال فعند ما يعرّج إلى المدارك البشريّة يأتي على جميعها وخصوصا الأوضح منها وهو إدراك البصر وفي العبارة عن الوعي في الأولى بصيغة الماضي وفي الثّانية بصيغة المضارع لطيفة من البلاغة وهي أنّ الكلام جاء مجيء التّمثيل لحالتي الوحي فمثّل الحالة الأولى بالدّويّ الّذي هو في المتعارف غير كلام وأخبر أنّ الفهم والوعي يتبعه غبّ انقضائه فناسب عند تصوير انقضائه وانفصاله العبارة عن الوعي بالماضي المطابق للانقضاء والانقطاع ومثّل الملك في الحالة الثّانية برجل يخاطب ويتكلّم والكلام يساوقه الوعي فناسب العبارة بالمضارع المقتضي للتّجدّد. واعلم أنّ في حالة الوحي كلّها صعوبة على الجملة وشدّة قد أشار إليها القرآن قال تعالى: «إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا 73: 5» وقالت عائشة: «كان ممّا يعاني من التّنزيل شدّة» 7 وقالت: «كان ينزّل عليه الوحي في اليوم الشّديد البرد فيفصم عنه وإنّ جبينه ليتفصّد عرقا» . ولذلك كان يحدث عنه في تلك الحالة من الغيبة والغطيط ما هو معروف وسبب ذلك أنّ الوحي كما قرّرنا مفارقة البشريّة إلى المدارك الملكيّة وتلقّي كلام النّفس فيحدث عنه شدّة من مفارقة الذّات ذاتها وانسلاخها عنها من أفقها إلى ذلك الأفق الآخر وهذا هو معنى الغطّ الّذي عبّر به في مبدإ الوحي في قوله «فغطّني حتّى بلغ منّي الجهد ثمّ أرسلني فقال اقرأ فقلت ما أنا بقارئ وكذا ثانية وثالثة» . كما في الحديث وقد يفضي الاعتياد بالتّدريج فيه شيئا فشيئا إلى بعض السّهولة بالقياس إلى ما قبله ولذلك كان تنزّل نجوم القرآن وسوره وآيه حين كان بمكّة أقصر منها وهو بالمدينة وانظر إلى ما نقل في نزول سورة براءة في غزوة تبوك وأنّها نزّلت كلّها أو أكثرها عليه وهو يسير على ناقته بعد أن كان بمكّة ينزّل عليه بعض السّورة من قصار المفصل في وقت وينزّل الباقي في حين آخر وكذلك كان آخر ما نزّل بالمدينة آية الدّين وهي ما هي في الطّول بعد أن كانت الآية تنزّل بمكّة مثل آيات الرّحمن والذّاريات والمدثّر والضّحى والفلق وأمثالها. واعتبر من ذلك علامة تميّز بها بين المكّيّ والمدنيّ من السّور والآيات والله المرشد إلى الصّواب. هذا محصّل أمر النّبوة.

الكهانة

عدل

وأمّا الكهانة فهي أيضا من خواصّ النّفس الإنسانيّة وذلك أنّه قد تقدّم لنا في جميع ما مرّ أنّ للنّفس الإنسانيّة استعدادا للانسلاخ من البشريّة إلى الرّوحانيّة الّتي فوقها وأنّه يحصل من ذلك لمحة للبشر في صنف الأنبياء بما فطروا عليه من ذلك وتقرّر أنّه يحصل لهم من غير اكتساب ولا استعانة بشيء من المدارك ولا من التّصوّرات ولا من الأفعال البدنيّة كلاما أو حركة ولا بأمر من الأمور إنّما هو انسلاخ من البشريّة إلى الملكيّة بالفطرة في لحظة أقرب من لمح البصر وإذا كان كذلك وكان ذلك الاستعداد موجودا في الطّبيعة البشريّة فيعطى التّقسيم العقليّ وإنّ هنا صنفا آخر من البشر ناقصا عن رتبة الصّنف الأوّل نقصان الضّدّ عن ضدّه الكامل لأنّ عدم الاستعانة في ذلك الإدراك ضدّ الاستعانة فيه وشتّان ما بينهمافإذا أعطي تقسيم الوجود إلى هنا صنفا آخر من البشر مفطورا على أن تتحرّك قوّته العقليّة حركتها الفكريّة بالإرادة عند ما يبعثها النّزوع لذلك وهي ناقصة عنه بالجبلة عند ما يعوّقها العجز عن ذلك تشبّث بأمور جزئيّة محسوسة أو متخيّلة كالأجسام الشّفّافة وعظام الحيوانات وسجع الكلام وما سنح من طير أو حيوان فيستديم ذلك الإحساس أو التّخيّل مستعينا به في ذلك الانسلاخ الّذي يقصده ويكون كالمشيّع له وهذه القوّة الّتي فيهم مبدأ لذلك الإدراك هي الكهانة ولكون هذه النّفوس مفطورة على النّقص والقصور عن الكمال كان إدراكها في الجزئيّات أكثر من الكلّيّات ولذلك تكون المخيّلة فيهم في غاية القوّة لأنّها آلة الجزئيّات فتنفذ فيها نفوذا تامّا في نوم أو يقظة وتكون عندها حاضرة عتيدة تحضرها المخيّلة وتكون لها كالمرآة تنظر فيها دائما ولا يقوى الكاهن على الكمال في إدراك المعقولات لأنّ وحيه من وحي الشّيطان وأرفع أحوال هذا الصّنف أن يستعين بالكلام الّذي فيه السّجع والموازنة ليشتغل به عن الحواسّ ويقوى بعض الشّيء على ذلك الاتّصال النّاقص فيهجس في قلبه عن تلك الحركة والّذي يشيّعها من ذلك الأجنبيّ ما يقذفه على لسانه فربّما صدق ووافق الحقّ وربّما كذب لأنّه يتمّم نقصه بأمر أجنبيّ عن ذاته المدركة ومباين لها غير ملائم فيعرض له الصّدق والكذب جميعا ولا يكون موثوقا به وربّما يفزع إلى الظّنون والتّخمينات حرصا على الظّفر بالإدراك بزعمه وتمويها على السّائلين وأصحاب هذا السّجع هم المخصوصون باسم الكهّان لأنّهم أرفع سائر أصنافهم وقد قال صلّى الله عليه وسلّم في مثله «هذا من سجع الكهّان» فجعل السّجع مختصّا بهم بمقتضى الإضافة وقد قال لابن صيّاد حين سأله كاشفا عن حاله بالأخبار كيف يأتيك هذا الأمر؟ قال: «يأتيني صادقا وكاذبا» فقال: «خلط عليك الأمر» يعني أنّ النّبوة خاصّتها الصّدق فلا يعتريها الكذب بحال لأنّها اتّصال من ذات النّبيّ بالملإ الأعلى من غير مشيّع ولا استعانة بأجنبيّ والكهانة لما احتاج صاحبها بسبب عجزه إلىالاستعانة بالتّصوّرات الأجنبيّة كانت داخلة في إدراكه والتبست بالإدراك الّذي توجّه إليه فصار مختلطا بها وطرقه الكذب من هذه الجهة فامتنع أن تكون نبوة وإنّما قلنا إنّ أرفع مراتب الكهانة حالة السّجع لأنّ معنى السّجع أخفّ من سائر المغيّبات من المرئيّات والمسموعات وتدلّ خفّة المعنى على قرب ذلك الاتّصال والإدراك والبعد فيه عن العجز بعض الشّيء وقد زعم بعض النّاس أنّ هذه الكهانة قد انقطعت منذ زمن النّبوة بما وقع من شأن رجم الشّياطين بالشّهب بين يدي البعثة وأنّ ذلك كان لمنعهم من خبر السّماء كما وقع في القرآن والكهّان إنّما يتعرّفون أخبار السّماء من الشّياطين فبطلت الكهانة من يومئذ ولا يقوم من ذلك دليل لأنّ علوم الكهّان كما تكون من الشّياطين تكون من نفوسهم أيضا كما قرّرناه وأيضا فالآية إنّما دلّت على منع الشّياطين من نوع واحد من أخبار السّماء وهو ما يتعلّق بخبر البعثة ولم يمنعوا ممّا سوى ذلك. وأيضا فإنّما كان ذلك الانقطاع بين يدي النّبوة فقط ولعلّها عادت بعد ذلك إلى ما كانت عليه وهذا هو الظّاهر لأنّ هذه المدارك كلّها تخمد في زمن النّبوة كما تخمد الكواكب والسّرج عند وجود الشّمس لأنّ النّبوة هي النّور الأعظم الّذي يخفى معه كلّ نور ويذهب. وقد زعم بعض الحكماء أنّها إنّما توجد بين يدي النّبوة ثمّ تنقطع وهكذا كلّ نبؤه وقعت لأنّ وجود النّبوة لا بدّ له من وضع فلكيّ يقتضيه وفي تمام ذلك الوضع تمام تلك النّبوة الّتي دلّ عليها ونقص ذلك الوضع عن التّمام يقتضي وجود طبيعة من ذلك النّوع الّذي يقتضيه ناقصة وهو معنى الكاهن على ما قرّرناه فقبل أن يتمّ ذلك الوضع الكامل يقع الوضع النّاقص ويقتضي وجود الكاهن إمّا واحدا أو متعدّدا فإذا تمّ ذلك الوضع تمّ وجود النّبيّ بكماله وانقضت الأوضاع الدّالّة على مثل تلك الطّبيعة فلا يوجد منها شيء بعد وهذا بناء على أنّ بعض الوضع الفلكيّ يقتضي بعض أثره وهو غير مسلّم. فلعلّ الوضع إنّما يقتضي ذلك الأثر بهيئته الخالصة ولو نقص بعض أجزائها فلا يقتضي شيئا، لا إنّه يقتضي ذلك الأثر ناقصا كما قالوه. ثمّ إنّ هؤلاء الكهّان إذا عاصروا زمن النّبوة فإنّهم عارفون بصدق النّبيّ ودلالة معجزته لأنّ لهم بعض الوجدان من أمر النّبوة كما لكلّ إنسان من أمر اليوم ومعقوبيّة تلك النّسبة موجودة للكاهن بأشدّ ممّا للنّائم ولا يصدّهم عن ذلك ويوقعهم في التّكذيب إلّا قوّة المطامع في أنّها نبوة لهم فيقعون في العناد كما وقع لأميّة بن أبي الصلت فإنّه كان يطمع أن يتنبّأ وكذا وقع لابن صيّاد ولمسيلمة وغيرهم فإذا غلب الإيمان وانقطعت تلك الأمانيّ آمنوا أحسن إيمان كما وقع لطليحة الأسديّ وسواد بن قارب وكان لهما في الفتوحات الإسلاميّة من الآثار الشّاهدة بحسن الإيمان.

الرؤيا

عدل

وأمّا الرّؤيا فحقيقتها مطالعة النّفس النّاطقة في ذاتها الرّوحانيّة لمحة من صور الواقعات فإنّها عند ما تكون روحانيّة تكون صور الواقعات فيها موجودة بالفعل كما هو شأن الذّوات الرّوحانيّة كلّها وتصير روحانيّة بأن تتجرّد عن الموادّ الجسمانيّة والمدارك البدنيّة وقد يقع لها ذلك لمحة بسبب النّوم كما نذكر فتقتبس بها علم ما تتشوّف إليه من الأمور المستقبلة وتعود به إلى مداركها فإن كان ذلك الاقتباس ضعيفا وغير جليّ بالمحاكاة والمثال في الخيال لتخلّصه فيحتاج من أجل هذه المحاكاة إلى التّعبير وقد يكون الاقتباس قويّا يستغنى فيه عن المحاكاة فلا يحتاج إلى تعبير لخلوصه من المثال والخيال والسّبب في وقوع هذه اللّمحة للنّفس أنّها ذات روحانيّة بالقوّة مستكملة بالبدن ومداركه 8 حتّى تصير ذاتها تعقّلا محضا ويكمل وجودها بالفعل فتكون حينئذ ذاتا روحانيّة مدركة بغير شيء من الآلات البدنيّة إلّا أنّ نوعها في الرّوحانيّات دون نوع الملائكة أهل الأفق الأعلى على الّذين لم يستكملوا ذواتهم بشيء من مدارك البدن ولا غيره فهذا الاستعداد حاصل لها ما دامت في البدن ومنه خاصّ كالّذي للأولياء ومنه عامّ للبشر على العموم وهو أمر الرّؤيا. وأمّا الّذي للأنبياء فهو استعداد بالانسلاخ من البشريّة إلى الملكيّة المحضة الّتي هي أعلى الرّوحانيّات ويخرج هذا الاستعداد فيهم متكرّرا في حالات الوحي وهو عند ما يعرّج على المدارك البدنيّة ويقع فيها ما يقع من الإدراك يكون 9 شبيها بحال النّوم شبها بيّنا وإن كان حال النّوم أدون منه بكثير فلأجل هذا الشّبه عبّر الشّارع عن الرّؤيا بأنّها جزء من ستّة وأربعين جزأ من النّبوة وفي رواية ثلاثة وأربعين وفي رواية سبعين وليس العدد في جميعها مقصودا بالذّات وإنّما المراد الكثرة في تفاوت هذه المراتب بدليل ذكر السّبعين في بعض طرقه وهو للتّكثير عند العرب وما ذهب إليه بعضهم في رواية ستّة وأربعين من أنّ الوحي كان في مبدئه بالرّؤيا ستّة أشهر وهي نصف سنة ومدّة النّبوة كلّها بمكّة والمدينة ثلاث وعشرون سنة فنصف السّنة منها جزء من ستّة وأربعين فكلام بعيد من التّحقيق لأنّه إنّما وقع ذلك للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ومن أين لنا أنّ هذه المدّة وقعت لغيره من الأنبياء مع أنّ ذلك إنّما يعطي نسبة زمن الرّؤيا من زمن النّبوة ولا يعطى حقيقتها من حقيقة النّبوة وإذا تبيّن لك هذا ممّا ذكرناه أوّلا علمت أنّ معنى هذا الجزء نسبة الاستعداد الأوّل الشّامل للبشر إلى الاستعداد القريب الخاصّ بصنف الأنبياء الفطريّ لهم صلوات الله عليهم إذ هو الاستعداد البعيد وإن كان عاما في البشر ومعه عوائق وموانع كثيرة من حصوله بالفعل ومن أعظم تلك الموانع الحواسّ الظّاهرة ففطر الله البشر على ارتفاع حجاب الحواسّ بالنّوم الّذي هو جبليّ لهم فتتعرّض النّفس عند ارتفاعه إلى معرفة ما تتشوّف إليه في عالم الحقّ فتدرك في بعض الأحيان منه لمحة يكون فيها الظّفر بالمطلوب ولذلك جعلها الشّارع من المبشّرات فقال لم يبق من النّبوة إلّا المبشّرات قالوا وما المبشّرات يا رسول الله قال الرّؤيا الصّالحة يراها الرّجل الصّالح أو ترى له وأمّا سبب ارتفاع حجاب الحواسّ بالنّوم فعلى ما أصفه لك وذلك أنّ النّفس النّاطقة إنّما إدراكها وأفعالها بالرّوح الحيوانيّ الجسمانيّ وهو بخار لطيف مركزه بالتّجويف الأيسر من القلب على ما في كتب التّشريح لجالينوس وغيره وينبعث مع الدّم في الشّريانات والعروق فيعطي الحسّ والحركة وسائر الأفعال البدنيّة ويرتفع لطيفه إلى الدّماغ فيعدّل من برده وتتمّ أفعال القوى الّتي في بطونه فالنّفس النّاطقة إنّما تدرك وتعقل بهذا الرّوح البخاريّ وهي متعلّقة به لما اقتضته حكمة التّكوين في أنّ اللّطيف لا يؤثّر في الكثيف ولمّا لطف هذا الرّوح الحيوانيّ من بين الموادّ البدنيّة صار محلّا لآثار الذّات المباينة له في جسمانيّته وهي النّفس النّاطقة وصارت آثارها حاصلة في البدن بواسطته وقد كنّا قدّمنا أنّ إدراكها على نوعين إدراك بالظّاهر وهو الحواسّ الخمس وإدراك بالباطن وهو القوى الدّماغيّة وأنّ هذا الإدراك كلّه صارف لها عن إدراكها ما فوقها من ذواتها الرّوحانيّة الّتي هي مستعدّة له بالفطرة ولمّا كانت الحواسّ الظّاهرة جسمانيّة كانت معرّضة للوسن والفشل بما يدركها من التّعب والكلال وتغشى الرّوح بكثرة التّصرّف فخلق الله لها طلب الاستجمام لتجرّد الإدراك على الصّورة الكاملة وإنّما يكون ذلك بانخناس 10 الرّوح الحيوانيّ من الحواسّ الظّاهرة كلّها ورجوعه إلى الحسّ الباطن ويعين على ذلك ما يغشى البدن من البرد باللّيل فتطلب الحرارة الغريزيّة أعماق البدن وتذهب من ظاهره إلى باطنه فتكون مشيّعة مركبها وهو الرّوح الحيوانيّ إلى الباطن ولذلك كان النّوم للبشر في الغالب إنّما هو باللّيل فإذا انخنس الرّوح عن الحواسّ الظّاهرة ورجع إلى القوى الباطنة وخفّت عن النّفس شواغل الحسّ وموانعه ورجعت إلى الصّورة الّتي في الحافظة تمثّل منها بالتّركيب والتّحليل صور خياليّة وأكثر ما تكون معتادة لأنّها منتزعة من المدركات المتعاهدة قريبا ثمّ ينزّلها الحسّ المشترك الّذي هو جامع الحواسّ الظّاهرة فيدركها على أنحاء الحواسّ الخمس الظّاهرة وربّما التفتت النّفس لفتة إلى ذاتها الرّوحانيّة مع منازعتها القوى الباطنيّة فتدرك بإدراكها الرّوحانيّ لأنّها مفطورة عليه وتقتبس من صور الأشياء الّتي صارت متعلّقة في ذاتها حينئذ ثمّ يأخذ الخيال تلك الصّور المدركة فيمثّلها بالحقيقة أو المحاكاة في القوالب المعهودة والمحاكاة من هذه هي المحتاجة للتّعبير وتصرّفها بالتّركيب والتّحليل في صور الحافظة قبل أن تدرك من تلك اللّمحة ما تدركه هي أضغاث أحلام. وفي الصّحيح أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «الرؤيا ثلاث رؤيا من الله ورؤيا من الملك ورؤيا من الشّيطان» وهذا التّفصيل مطابق لما ذكرناه فالجليّ من الله والمحاكاة الدّاعية إلى التّعبير من الملك وأضغاث الأحلام من الشّيطان لأنّها كلّها باطل والشّيطان ينبوع الباطل هذه حقيقة الرّؤيا وما يسبّبها ويشيّعها من النّوم وهي خواصّ للنّفس الإنسانيّة موجودة في البشر على العموم لا يخلو عنها أحد منهم بل كلّ واحد من الإنسانيّ رأى في نومه ما صدر له في يقظته مرارا غير واحدة وحصل له على القطع أنّ النّفس مدركة للغيب في النّوم ولا بدّ وإذا جاز ذلك في عالم النّوم فلا يمتنع في غيره من الأحوال لأنّ الذّات المدركة واحدة وخواصّها عامّة في كلّ حال والله الهادي إلى الحقّ بمنّه وفضله.

فصل

عدل

ووقوع ما يقع للبشر من ذلك غالبا إنّما هو من غير قصد ولا قدرة عليه وإنّما تكون النّفس متشوّقة لذلك الشّيء فيقع بتلك اللّمحة في النّوم لأنّها تقصد إلى ذلك فتراه وقد وقع في كتاب الغاية وغيره من كتب أهل الرّياضيّات ذكر أسماء تذكر عند النّوم فتكوّن عنها الرّؤيا فيما يتشوّف إليه ويسمّونها الحالوميّة وذكر منها مسلمة في كتاب الغاية حالومة سمّاها حالومة الطّبّاع التّامّ وهو أن يقال عند النّوم بعد فراغ السّرّ وصحّة التّوجّه هذه الكلمات الأعجميّة وهي «تماغس بعد أن يسواد وغداس نوفنا غادس» 11 ويذكر حاجته فإنّه يرى الكشف عمّا يسأل عنه في النّوم. وحكي إنّ رجلا فعل ذلك بعد رياضة ليال في مأكله وذكره فتمثّل له شخص يقول له أنا طبّاعك التّامّ فسأله وأخبره عمّا كان يتشوّف إليه وقد وقع لي أنا بهذه الأسماء مراء عجيبة واطّلعت بها على أمور كنت أتشوّف عليها من أحوالي وليس ذلك بدليل على أنّ القصد للرّؤيا يحدثها وإنّما هذه الحالومات تحدث استعدادا في النّفس لوقوع الرّؤيا فإذا قوي الاستعداد كان أقرب إلى حصول ما يستعدّ له وللشّخص أن يفعل من الاستعداد ما أحبّ ولا يكون دليلا على إيقاع المستعدّ له فالقدرة على الاستعداد غير القدرة على الشّيء فاعلم ذلك وتدبّره فيما تجد من أمثاله والله الحكيم الخبير.

فصل

عدل

ثمّ إنّا نجد في النّوع الإنسانيّ أشخاصا يخبرون بالكائنات قبل وقوعها بطبيعة فيهم يتميّز بها صنفهم عن سائر النّاس ولا يرجعون في ذلك إلى صناعة ولا يستدلّون عليه بأثر من النّجوم ولا من غيرها إنّما نجد مداركهم في ذلك بمقتضى فطرتهم الّتي فطروا عليها وذلك مثل العرّافين والنّاظرين في الأجسام الشّفافة كالمرايا وطساس الماء والنّاظرين في قلوب الحيوانات وأكبادها وعظامها وأهل الزّجر في الطّير والسّباع وأهل الطّرق بالحصى والحبوب من الحنطة والنّوى وهذه كلّها موجودة في عالم الإنسان لا يسع أحدا جحدها ولا إنكارها وكذلك المجانين يلقى على ألسنتهم كلمات من الغيب فيخبرون بها وكذلك النّائم والميت لأوّل موته أو نومه يتكلّم بالغيب وكذلك أهل الرّياضيّات من المتصوّفة لهم مدارك في الغيب على سبيل الكرامة معروفة. ونحن الآن نتكلّم عن هذه الإدراكات كلّها ونبتدئ منها بالكهانة ثمّ نأتي عليها واحدة واحدة إلى آخرها ونقدّم على ذلك مقدّمة في أنّ النّفس الإنسانيّة كيف تستعدّ لإدراك الغيب في جميع الأصناف الّتي ذكرناها وذلك أنّها ذات روحانيّة موجودة بالقوّة إلى الفعل بالبدن وأحواله وهذا أمر مدرك لكلّ أحد وكلّ ما بالقوّة فله مادّة وصورة وصورة هذه النّفس الّتي بها يتمّ وجودها هو عين الإدراك والتّعقّل فهي توجد أوّلا بالقوّة مستعدّة للإدراك وقبول الصّور الكلّيّة والجزئيّة ثمّ يتمّ نشؤها ووجودها بالفعل بمصاحبة البدن وما يعودها بورود مدركاتها المحسوسة عليها وما تنتزع من تلك الإدراكات من المعاني الكلّيّة فتتعقّل الصّور مرّة بعد أخرى حتّى يحصل لها الإدراك والتّعقّل بالفعل فتتمّ ذاتها وتبقى النّفس كالهيولى والصّور متعاقبة عليها بالإدراك واحدة بعد واحدة ولذلك نجد الصّبيّ في أوّل نشأته لا يقدر على الإدراك الّذي لها من ذاتها لا بنوم ولا بكشف ولا بغيرهما وذلك انّ صورتها الّتي هي عين ذاتها وهي الإدراك والتّعقّل لم تتمّ بعد بل لم يتمّ لها انتزاع الكلّيّات ثمّ إذا تمّت ذاتها بالفعل حصل لها ما دامت مع البدن نوعان من الإدراك إدراك بآلات الجسم تؤدّيه إليها المدارك البدنيّة وإدراك بذاتها من غير واسطة وهي محجوبة عنه بالانغماس في البدن والحواسّ وبشواغلها لأنّ الحواسّ أبدا جاذبة لها إلى الظّاهر بما فطرت عليه أوّلا من الإدراك الجسمانيّ وربّما تنغمس من الظّاهر إلى الباطن فيرتفع حجاب البدن لحظة إمّا بالخاصّيّة الّتي هي للإنسان على الإطلاق مثل النّوم أو بالخاصيّة الموجودة لبعض البشر مثل الكهانة والطّرق أو بالرّياضة مثل أهل الكشف من الصّوفيّة فتلتفت حينئذ إلى الذّوات الّتي فوقها من الملا لما بين أفقها وأفقهم من الاتّصال في الوجود كما قرّرنا قبل وتلك الذّوات روحانيّة وهي إدراك محض وعقول بالفعل وفيها صور الموجودات وحقائقها كما مرّ فيتجلّى فيها شيء من تلك الصّور وتقتبس منها علوما وربّما دفعت تلك الصّور المدركة إلى الخيال فيصرفه في القوالب المعتادة ثمّ يراجع الحسّ بما أدركت إمّا مجرّدا أو في قوالبه فتخبر به. هذا هو شرح استعداد النّفس لهذا الإدراك الغيبيّ. ولنرجع إلى ما وعدنا به من بيان أصنافه. فأمّا النّاظرون في الأجسام الشّفافة من المرايا وطساس المياه وقلوب الحيوان وأكبادها وعظامها وأهل الطّرق بالحصى والنّوىفكلّهم من قبيل الكهان إلّا أنّهم أضعف رتبة فيه في أصل خلقهم لأنّ الكاهن لا يحتاج في رفع حجاب الحسّ إلى كثير معاناة وهؤلاء يعانونه بانحصار المدارك الحسّيّة كلّها في نوع واحد منها وأشرفها البصر فيعكف على المرئيّ البسيط حتّى يبدو له مدركة الّذي يخبر به عنه وربّما يظنّ أنّ مشاهدة هؤلاء لما يرونه هو في سطح المرآة وليس كذلك بل لا يزالون ينظرون في سطح المرآة إلى أن يغيب عن البصر ويبدو فيما بينهم وبين سطح المرآة حجاب كأنّه غمام يتمثّل فيه صور هي مداركهم فيشيرون إليهم بالمقصود لما يتوجّهون إلى معرفته من نفي أو إثبات فيخبرون بذلك على نحو ما أدركوه وأمّا المرآة وما يدرك فيها من الصّور فلا يدركونه في تلك الحال وإنّما ينشأ لهم بها هذا النّوع الآخر من الإدراك وهو نفسانيّ ليس من إدراك البصر بل يتشكّل به المدرك النّفسانيّ للحسّ كما هو معروف ومثل ذلك ما يعرض للنّاظرين في قلوب الحيوانات وأكبادها وللنّاظرين في الماء والطّساس وأمثال ذلك. وقد شاهدنا من هؤلاء من يشغل الحسّ بالبخور فقط ثمّ بالعزائم للاستعداد ثمّ يخبر كما أدرك ويزعمون أنّهم يرون الصّور متشخّصة في الهواء تحكي لهم أحوال ما يتوجّهون إلى إدراكه بالمثال والإشارة وغيبة هؤلاء عن الحسّ أخفّ من الأوّلين والعالم أبو الغرائب. وأمّا الزّجر وهو ما يحدث من بعض النّاس من التّكلّم بالغيب عند سنوح طائر أو حيوان والفكر فيه بعد مغيبه وهي قوّة في النّفس تبعث على الحرص والفكر فيما زجر فيه من مرئيّ أو مسموع وتكون قوّته المخيّلة كما قدّمناه قويّة فيبعثها في البحث مستعينا بما رآه أو سمعه فيؤدّيه ذلك إلى إدراك ما، كما تفعله القوّة المتخيّلة في النّوم وعند ركود الحواسّ تتوسّط بين المحسوس المرئيّ في يقظته وتجمعه مع ما عقلته فيكون عنها الرّؤيا. وأمّا المجانين فنفوسهم الناطقة ضعيفة التّعلّق بالبدن لفساد أمزجتهم غالبا وضعف الرّوح الحيوانيّ فيها فتكون نفسه غير مستغرقة في الحواسّ ولا منغمسة فيها بما شغلها في نفسها من ألم النّقص ومرضه وربّما زاحمها علىالتّعلّق به روحانيّة أخرى شيطانيّة تتشبّث به وتضعف هذه عن ممانعتها فيكون عنه التّخبّط فإذا أصابه ذلك التّخبّط إمّا لفساد مزاجه من فساد في ذاتها أو لمزاحمة من النّفوس الشّيطانيّة في تعلّقه غاب عن حسّه جملة فأدرك لمحة من عالم نفسه وانطبع فيها بعض الصّور وصرفها الخيال وربّما نطق عن لسانه في تلك الحال من غير إرادة النّطق وإدراك هؤلاء كلّهم مشوب فيه الحقّ بالباطل لأنّه لا يحصل لهم الاتّصال وإن فقدوا الحسّ إلّا بعد الاستعانة بالتّصوّرات الأجنبيّة كما قرّرناه ومن ذلك يجيء الكذب في هذه المدارك وأمّا العرّافون فهم المتعلّقون بهذا الإدراك وليس لهم ذلك الاتّصال فيسلّطون الفكر على الأمر الّذي يتوجّهون إليه ويأخذون فيه بالظّنّ والتّخمين بناء على ما يتوهّمونه من مبادئ ذلك الاتّصال والإدراك ويدّعون بذلك معرفة الغيب وليس منه على الحقيقة هذا تحصيل هذه الأمور وقد تكلّم عليها المسعودي في مروج الذّهب فما صادف تحقيقا ولا إصابة ويظهر من كلام الرّجل أنّه كان بعيدا عن الرّسوخ في المعارف فينقل ما سمع من أهله ومن غير أهله وهذه الإدراكات الّتي ذكرناها موجودة كلّها في نوع البشر فقد كان العرب يفزعون إلى الكهّان في تعرّف الحوادث ويتنافرون إليهم في الخصومات ليعرّفوهم بالحقّ فيها من إدراك غيبهم وفي كتب أهل الأدب كثير من ذلك واشتهر منهم في الجاهليّة شقّ بن أنمار بن نزار وسطيح بن مازن بن غسّان وكان يدرج كما يدرج الثّوب ولا عظم فيه إلّا الجمجمة ومن مشهور الحكايات عنهما تأويل رؤيا ربيعة بن مضر وما أخبراه به ملك الحبشة لليمن وملك مضر من بعدهم وظهور النّبوة المحمّديّة في قريش ورؤيا الموبذان الّتي أوّلها سطيح لمّا بعث إليه بها كسرى عبد المسيح فأخبره بشأن النّبوة وخراب ملك فارس وهذه كلّها مشهورة وكذلك العرّافون كان في العرب منهم كثير وذكروهم في أشعارهم قال فقلت لعرّاف اليمامة داوني ... فإنّك إن داويتني لطبيب وقال الآخر: جعلت لعرّاف اليمامة حكمه ... وعرّاف نجد إن هما شفيانيفقالا شفاك الله والله ما لنا ... بما حملت منك الضّلوع يدان 12 وعرّاف اليمامة هو رباح بن عجلة وعرّاف نجد الأبلق الأسديّ. ومن هذه المدارك الغيبيّة ما يصدر لبعض النّاس عند مفارقة اليقظة والتباسه بالنّوم من الكلام على الشّيء الّذي يتشوّف إليه بما يعطيه غيب ذلك الأمر كما يريد ولا يقع ذلك إلّا في مبادئ النّوم عند مفارقة اليقظة وذهاب الاختبار في الكلام فيتكلّم كأنّه مجبور على النّطق وغايته أن يسمعه ويفهمه وكذلك يصدر عن المقتولين عند مفارقة رءوسهم وأوساط أبدانهم كلام بمثل ذلك. ولقد بلغنا عن بعض الجبابرة الظّالمين أنّهم قتلوا من سجونهم أشخاصا ليتعرّفوا من كلامهم عند القتل عواقب أمورهم في أنفسهم فأعلموهم بما يستبشع. وذكر مسلمة في كتاب الغاية له في مثل ذلك أنّ آدميّا إذا جعل في دنّ مملوء بدهن السّمسم ومكث فيه أربعين يوما يغذّى بالتّين والجوز حتّى يذهب لحمه ولا يبقى منه إلّا العروق وشئون رأسه فيخرج من ذلك الدّهن فحين يجفّ عليه الهواء يجيب عن كلّ شيء يسأل عنه من عواقب الأمور الخاصّة والعامّة وهذا فعل من مناكير أفعال السّحرة لكن يفهم منه عجائب العالم الإنسانيّ ومن النّاس. من يحاول حصول هذا المدرك الغيبيّ بالرّياضة فيحاولون بالمجاهدة موتا صناعيا بإماتة جميع القوى البدنيّة ثمّ محو آثارها الّتي تلوّنت بها النّفس ثمّ تغذيتها بالذّكر لتزداد قوّة في نشئها ويحصل ذلك بجمع الفكر وكثرة الجوع ومن المعلوم على القطع أنّه إذا نزل الموت بالبدن ذهب الحسّ وحجابه واطّلعت النّفس على المغيّبات ومن هؤلاء أهل الرّياضة السّحريّة يرتاضون بذلك ليحصل لهم الاطّلاع على المغيّبات والتّصرّفات في العوالم وأكثر هؤلاء في الأقاليم المنحرفة جنوبا وشمالا خصوصا بلاد الهند ويسمّون هنالك الحوكيّة ولهم كتب في كيفيّة هذه الرّياضة كثيرة والأخبار عنهم في ذلك غريبة. وأمّا المتصوّفة فرياضتهم دينيّة وعريّة عن هذه المقاصد المذمومة وإنّما يقصدون جمع الهمّة والإقبال على الله بالكلّيّة ليحصل لهم أذواق أهل العرفان والتّوحيد ويزيدون في رياضتهم إلى الجمع والجوع التّغذية بالذّكر فبها تتمّ وجهتهم في هذه الرّياضة لأنّه إذا نشأت النّفس على الذّكر كانت أقرب إلى العرفان باللَّه وإذا عرّيت عن الذّكر كانت شيطانيّة وحصول ما يحصل من معرفة الغيب والتّصرّف لهؤلاء المتصوّفة إنّما هو بالعرض ولا يكون مقصودا من أوّل الأمر لأنّه إذا قصد ذلك كانت الوجهة فيه لغير الله وإنّما هي لقصد التّصرّف والاطّلاع على الغيب وأخسر بها صفقة فإنّها في الحقيقة شرك قال بعضهم: «من آثر العرفان للعرفان فقد قال بالثّاني 13 » فهم يقصدون بوجهتهم المعبود لا لشيء سواه وإذا حصل في أثناء ذلك ما يحصل فبالعرض وغير مقصود لهم وكثير منهم يفرّ منه إذا عرض له ولا يحفل به وإنّما يريد الله لذاته لا لغيره وحصول ذلك لهم معروف ويسمّون ما يقع لهم من الغيب والحديث على الخواطر فراسة وكشفا وما يقع لهم من التّصرّف كرامة وليس شيء من ذلك بنكير في حقّهم وقد ذهب إلى إنكاره الأستاذ أبو إسحاق الأسفراينيّ وأبو محمّد بن أبي زيد المالكيّ في آخرين 14 فرارا من التباس المعجزة بغيرها والمعوّل عليه عند المتكلّمين حصول التّفرقة بالتحدّي فهو كاف. وقد ثبت في الصّحيح أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنّ فيكم محدّثين وإنّ منهم عمر» وقد وقع للصّحابة من ذلك وقائع معروفة تشهد بذلك في مثل قول عمر رضي الله عنه «يا سارية الجبل» وهو سارية بن زنيم كان قائدا على بعض جيوش المسلمين بالعراق أيّام الفتوحات وتورّط مع المشتركين في معترك وهمّ بالانهزام وكان بقربة جبل يتحيّز إليه فرفع لعمر ذلك وهو يخطب على المنبر بالمدينة فناداه يا سارية الجبل وسمعه سارية وهو بمكانه ورأى شخصه هنالك والقصّة معروفة ووقع مثله أيضا لأبي بكر في وصيّته عائشة ابنته رضي الله عنهما في شأن ما نحلها 15 من أوسق 16 التّمر من حديقته ثمّ نبّهها على جذاذه لتحوّزه 17 عن الورثة فقال في سياق كلامه «وإنّما هما أخواك وأختاك» فقالت: «إنّما هي أسماء فمن الأخرى؟» فقال: «إنّ ذا بطن بنت خارجة أراها جارية» فكانت جارية وقع في الموطّإ في باب ما لا يجوز من النّحل ومثل هذه الوقائع كثيرة لهم ولمن بعدهم من الصّالحين وأهل الاقتداء إلّا أنّ أهل التّصوّف يقولون إنّه يقلّ في زمن النّبوة إذ لا يبقى للمريد حالة بحضرة النّبيّ حتّى إنّهم يقولون إنّ المريد إذا جاء للمدينة النّبويّة يسلب حاله ما دام فيها حتّى يفارقها والله يرزقنا الهداية ويرشدنا إلى الحقّ. ومن هؤلاء المريدين من المتصوّفة قوم بهاليل 18 معتوهون أشبه بالمجانين من العقلاء وهم مع ذلك قد صحّت لهم مقامات الولاية وأحوال الصّدّيقين وعلم ذلك من أحوالهم من يفهم عنهم من أهل الذّوق 19 مع أنّهم غير مكلّفين ويقع لهم من الأخبار عن المغيّبات عجائب لأنّهم لا يتقيّدون بشيء فيطلقون كلامهم في ذلك ويأتون منه بالعجائب وربّما ينكر الفقهاء أنّهم على شيء من المقامات لما يرون من سقوط التّكليف عنهم والولاية لا تحصل إلّا بالعبادة وهو غلط فإنّ فضل الله يؤتيه من يشاء ولا يتوقّف حصول الولاية على العبادة ولا غيرها وإذا كانت النّفس الإنسانيّة ثابتة الوجود فاللَّه تعالى يخصّها بما شاء من مواهبه وهؤلاء القوم لم تعدم نفوسهم النّاطقة ولا فسدت كحال المجانين وإنّما فقد لهم العقل الّذي يناط به التّكليف وهي صفة خاصّة للنّفس وهي علوم ضروريّة للإنسان يشتدّ بها نظره ويعرف أحوال معاشه واستقامة منزله وكأنّه إذا ميّز أحوال معاشه واستقامة منزله لم يبق له عذر في قبول التّكاليف لإصلاح معاده وليس من فقد هذه الصّفة بفاقد لنفسه ولا ذاهل عن حقيقته فيكون موجود الحقيقة معدوم العقل التّكليفيّ الّذي هو معرفة المعاش ولا استحالة في ذلك ولا يتوقّف اصطفاء الله عباده للمعرفة على شيء من التّكاليف وإذا صحّ ذلك فاعلم أنّه ربّما يلتبس حال هؤلاء بالمجانين الّذين تفسد نفوسهم النّاطقة ويلتحقون بالبهائم ولك في تمييزهم علامات منها أنّ هؤلاء البهاليل لا تجد لهم وجهة أصلا ومنها أنّهم يخلقون على البله من أوّل نشأتهم والمجانين يعرض لهم الجنون بعد مدّة من العمر لعوارض بدنيّة طبيعيّة فإذا عرض لهم ذلك وفسدت نفوسهم النّاطقة ذهبوا بالخيبة ومنها كثرة تصرّفهم في النّاس بالخير والشّرّ لأنّهم لا يتوقّفون على إذن لعدم التّكليف في حقّهم والمجانين لا تصرّف لهم وهذا فصل انتهى بنا الكلام إليه والله المرشد للصّواب. وقد يزعم بعض النّاس أنّ هنا مدارك 20 للغيب من دون غيبة عن الحسّ فمنهم المنجّمون القائلون بالدّلالات النّجوميّة ومقتضى أوضاعها في الفلك وآثارها في العناصر وما يحصل من الامتزاج بين طباعها بالتّناظر ويتأدّى من ذلك المزاج إلى الهواء وهؤلاء المنجّمون ليسوا من الغيب في شيء إنّما هي ظنون حدسيّة وتخمينات مبنيّة على التّآثير النّجوميّة وحصول المزاج منه للهواء مع مزيد حدس يقف به النّاظر على تفصيله في الشّخصيّات في العالم كما قاله بطليموس ونحن نبيّن بطلان ذلك في محلّه إن شاء الله وهو لو ثبت فغايته حدس وتخمين وليس ممّا ذكرناه في شيء. ومن هؤلاء قوم من العامّة استنبطوا لاستخراج الغيب وتعرّف الكائنات صناعة سمّوها خطّ الرّمل نسبة إلى المادّة الّتي يضعون فيها عملهم ومحصول هذه الصّناعة أنّهم صيّروا من النّقط أشكالا ذات أربع مراتب تختلف باختلاف مراتبها في الزّوجيّة والفرديّة واستوائها فيهما فكانت ستّة عشر شكلا لأنّها إن كانت أزواجا كلّها أو أفرادا كلّها فشكلان وإن كان الفرد فيهما في مرتبة واحدة فقط فأربعة أشكال وإن كان الفرد في مرتبتين فستّة أشكال وإن كان في ثلاث مراتب فأربعة أشكال جاءت ستّة عشر شكلا ميّزوها كلّها بأسمائها وأنواعها إلى سعود ونحوس شأن الكواكب وجعلوا لها ستّة عشر بيتا طبيعيّة بزعمهم وكأنّها البروج الاثنا عشر الّتي للفلك والأوتاد الأربعة وجعلوا لكلّ شكل منها بيتا وخطوطا 21 ودلالة على صنف من موجودات عالم العناصر يختصّ به واستنبطوا من ذلك فنّا حاذوا به فنّ النّجامة ونوع فضائه إلّا أنّ أحكام النّجامة مستندة إلى أوضاع طبيعيّة كما يزعم بطليموس وهذه إنّما مستندها أوضاع تحكيميّة وأهواء اتفاقيّة ولا دليل يقوم على شيء منها ويزعمون أنّ أصل ذلك من النبوات القديمة في العالم وربّما نسبوها إلى دانيال أو إلى إدريس صلوات الله عليهما شأن الصّنائع كلّها وربّما يدّعون مشروعيّتها ويحتجّون بقوله صلّى الله عليه وسلّم: «كان نبيّ يخطّ فمن وافق خطّه فذاك» وليس في الحديث دليل على مشروعيّة خطّ الرّمل كما يزعمه بعض من لا تحصيل لديه لأنّ معنى الحديث كان نبيّ يخطّ فيأتيه الوحي عند ذلك الخطّ ولا استحالة في أن يكون ذلك عادة لبعض الأنبياء فمن وافق خطّه ذلك النّبيّ فهو ذاك أي فهو صحيح من بين الخطّ بما عضده من الوحي لذلك النّبيّ الّذي كانت عادته أن يأتيه الوحي عند الخطّ وأمّا إذا أخذ ذلك من الخطّ مجرّدا من غير موافقة وحي فلا وهذا معنى الحديث والله أعلم. فإذا أرادوا استخراج مغيّب بزعمهم عمدوا إلى قرطاس أو رمل أو دقيق فوضعوا النّقط سطورا على عدد المراتب الأربع ثمّ كرّروا ذلك أربع مرّات فتجيء ستة عشر سطرا ثمّ يطرحون النّقط أزواجا ويضعون ما بقي من كلّ سطر زوجا كان أو فردا في مرتبته على التّرتيب فتجيء أربعة أشكال يضعونها في سطر متتالية ثمّ يولّدون منها أربعة أشكال أخرى من جانب العرض باعتبار كلّ مرتبة وما قابلها من الشّكل الّذي بإزائه وما يجتمع منهما من زوج أو فرد فتكون ثمانية أشكال موضوعة في سطر ثمّ يولّدون من كلّ شكلين شكلا تحتهما باعتبار ما يجتمع في كلّ مرتبة من مراتب الشّكلين أيضا من زوج أو فرد فتكون أربعة أخرى تحتها ثمّ يولّدون من الأربعة شكلين كذلك تحتها من الشّكلين شكلا كذلك تحتهما ثمّ من هذا الشّكل الخامس عشر مع الشّكل الأوّل شكلا يكون آخر السّتّة عشر ثمّ يحكمون على الخطّ كلّه بما اقتضته أشكاله من السّعودة والنّحوسة بالذّات والنّظر والحلول والامتزاج والدّلالة على أصناف الموجودات وسائر ذلك تحكّما غريبا وكثرت هذه الصّناعة في العمران ووضعت فيها التّآليف واشتهر فيها الأعلام من المتقدّمين والمتأخّرين وهي كما رأيت تحكّم وهوى والتّحقيق الّذي ينبغي أن يكون نصب فكرك أنّ الغيوب لا تدرك بصناعة البتّة ولا سبيل إلى تعرّفها إلّا للخواصّ من البشر المفطورين على الرّجوع من عالم الحسّ إلى عالم الرّوح ولذلك يسمّي المنجمون هذا الصّنف كلهم بالزّهريّين نسبة إلى ما تقتضيه دلالة الزّهرة بزعمهم في أصل مواليدهم على إدراك الغيب فالخطّ وغيره من هذه إن كان النّاظر فيه من أهل هذه الخاصّيّة وقصد بهذه الأمور الّتي ينظر فيها من النّقط أو العظام أو غيرها إشغال الحسّ لترجع النّفس إلى عالم الرّوحانيّات لحظة ما، فهو من باب الطّرق بالحصى والنّظر في قلوب الحيوانات والمرايا الشّفّافة كما ذكرناه. وإن لم يكن كذلك وإنّما قصد معرفة الغيب بهذه الصّناعة وأنّها تفيده ذلك فهذر من القول والعمل والله يهدي من يشاء. والعلامة لهذه الفطرة الّتي فطر عليها أهل هذا الإدراك الغيبيّ أنّهم عند توجّههم إلى تعرّف الكائنات يعتريهم خروج عن حالتهم الطّبيعيّة كالتّثاؤب والتّمطّط ومبادئ الغيبة عن الحسّ ويختلف ذلك بالقوّة والضّعف على اختلاف وجودها فيهم فمن لم توجد له هذه العلامة فليس من إدراك الغيب في شيء وإنّما هو ساع في تنفيق 22 كذبه.

فصل

عدل

ومنهم طوائف يضعون قوانين لاستخراج الغيب ليست من الطّور الأوّل الّذي هو من مدارك النّفس الرّوحانيّة ولا من الحدس المبنيّ على تأثيرات النّجوم كما زعمه بطليموس ولا من الظّنّ والتّخمين الّذي يحاول عليه العرّافون وإنّما هي مغالط يجعلونها كالمصائد لأهل العقول المستضعفة ولست أذكر من ذلك إلّا ما ذكره المصنّفون وولع به الخواصّ فمن تلك القوانين الحساب الّذي يسمّونه حساب النّيم وهو مذكور في آخر كتاب السّياسة المنسوب لأرسطو يعرف به الغالب من المغلوب في المتحاربين من الملوك وهو أن تحسب الحروف الّتي في اسم أحدهما بحساب الجمّل المصطلح عليه في حروف أبجد 23 من الواحد إلى الألف آحادا وعشرات ومئين وألوفا فإذا حسبت الاسم وتحصّل لك منه عدد فاحسب اسم الآخر كذلك ثمّ اطرح من كلّ واحد منهما تسعة تسعة واحفظ بقيّة هذا وبقيّة هذا ثمّ انظر بين العددين الباقيين من حساب الاسمين فإن كان العددان مختلفين في الكمّيّة وكانا معا زوجين أو فردين معا فصاحب الأقلّ منهما هو الغالب وإن كان أحدهما زوجا والآخر فردا فصاحب الأكثر هو الغالب وإن كانا متساويين في الكميّة وهما معا زوجان فالمطلوب هو الغالب وإن كانا معا فردين فالطّالب هو الغالب ويقال هنالك بيتان في هذا العمل اشتهرا بين النّاس وهما: أرى الزّوج والأفراد يسمو أقلّها ... وأكثرها عند التّحالف غالب ويغلب مطلوب إذا الزّوج يستوي ... وعند استواء الفرد يغلب طالب ثمّ وضعوا لمعرفة ما بقي من الحروف بعد طرحها بتسعة قانونا معروفا عندهم في طرح تسعة وذلك أنّهم جمعوا الحروف الدّالّة على الواحد في المراتب الأربع وهي (أ) الدّالّة على الواحد وهي: (اي) الدّالّة على العشرة وهي واحد في مرتبة العشرات و (ق) الدّالّة على المائة لأنّها واحد في مرتبة المئين و (ش) الدّالّة على الألف لأنّها واحد في مرتبة الآلاف وليس بعد الألف عدد يدلّ عليه بالحروف لأنّ الشّين هي آخر حروف أبجد ثمّ رتّبوا هذه الأحرف الأربعة على نسق المراتب فكان منها كلمة رباعيّة وهي (ايقش) ثمّ فعلوا ذلك بالحروف الدّالّة على اثنين في المراتب الثّلاث وأسقطوا مرتبة الآلاف منها لأنّها كانت آخر حروف أبجد فكان مجموع حروف الاثنين في المراتب الثّلاث ثلاثة حروف وهي (ب) الدّالّة على اثنين في الآحاد و (ك) الدّالّة على اثنين في العشرات وهي عشرون و (ر) الدّالّة على اثنين في المئين وهي مائتان وصيّروها كلمة واحدة ثلاثيّة على نسق المراتب وهي بكر ثمّ فعلوا ذلك بالحروف الدّالّة على ثلاثةفنشأت عنها كلمة جلس وكذلك إلى آخر حروف أبجد وصارت تسع كلمات نهاية عدد الآحاد وهي ايقش بكر جلس دمت هنث وصخ زعد حفظ طضغ مرتّبة على توالي الأعداد ولكلّ كلمة منها عددها الّذي هي في مرتبته فالواحد لكلمة ايقش والاثنان لكلمة بكر والثّلاثة لكلمة جلس وكذلك إلى التّاسعة الّتي هي طضغ فتكون لها التّسعة فإذا أرادوا طرح الاسم بتسعة نظروا كلّ حرف منه في أيّ كلمة هو من هذه الكلمات وأخذوا عددها مكانه ثمّ جمعوا الأعداد الّتي يأخذونها بدلا من حروف الاسم فإن كانت زائدة على التّسعة أخذوا ما فضل عنها وإلّا أخذوه كما هو ثمّ يفعلون كذلك بالاسم الآخر وينظرون بين الخارجين بما قدّمناه والسّرّ في هذا بيّن وذلك أنّ الباقي من كلّ عقد من عقود الأعداد بطرح تسعة إنّما هو واحد فكأنّه يجمع عدد العقود خاصّة من كلّ مرتبة فصارت أعداد العقود كأنّها آحاد فلا فرق بين الاثنين والعشرين والمائتين والألفين وكلّها اثنان وكذلك الثّلاثة والثّلاثون والثّلاثمائة والثّلاثة الآلاف كلّها ثلاثة ثلاثة فوضعت الأعداد على التّوالي دالّة على أعداد العقود لا غير وجعلت الحروف الدّالّة على أصناف العقود في كلّ كلمة من الآحاد والعشرات والمئين والألوف 24 وصار عدد الكلمة الموضوع عليها نائبا عن كلّ حرف فيها سواء دلّ على الآحاد أو العشرات أو المئين فيؤخذ عدد كلّ كلمة عوضا من الحروف الّتي فيها وتجمع كلّها إلى آخرها كما قلناه هذا هو العمل المتداول بين النّاس منذ الأمر القديم وكان بعض من لقيناه من شيوخنا يرى أنّ الصّحيح فيها كلمات أخرى تسعة مكان هذه ومتوالية كتواليها ويفعلون بها في الطّرح بتسعة مثل ما يفعلونه بالأخرى سواء وهي هذه ارب يستمك جزلط مدوص هف تحذن عش خع ثضظ تسع كلمات على توالي العدد ولكلّ كلمة منها عددها الّذي في مرتبته فيها الثّلاثيّ والرّباعيّ والثّنائيّ وليست جارية على أصل مطّرد كما تراه لكن كان شيوخنا ينقلونها عن شيخ المغرب في هذه المعارف من السّيمياء وأسرار الحروف والنّجامة وهو أبو العبّاس بن البنّاء ويقولون عنه أنّ العمل بهذه الكلمات في طرح حساب النّيم أصحّ من العمل بكلمات ايقش والله يعلم كيف ذلك وهذه كلّها مدارك للغيب غير معزوّ إلى أرسطو عند المحقّقين لما فيه من الآراء البعيدة عن التّحقيق والبرهان يشهد لك بذلك تصفّحه إن كنت من أهل الرّسوخ 1 هـ-. ومن هذه القوانين الصّناعيّة لاستخراج الغيوب فيما يزعمون الزّايرجة المسمّاة «بزايرجة العالم» المعزوّة إلى أبي العبّاس سيّدي أحمد السّبتيّ من أعلام المتصوّفة بالمغرب كان في آخر المائة السّادسة بمراكش ولعهد أبي يعقوب المنصور من ملوك الموحّدين وهي غريبة العمل صناعة. وكثير من الخواصّ يولعون بإفادة الغيب منها بعملها المعروف الملغوز فيحرّضون بذلك على حلّ رمزه وكشف غامضه. وصورتها الّتي يقع العمل عندهم فيها دائرة عظيمة في داخلها دوائر متوازية للأفلاك والعناصر والمكوّنات والرّوحانيّات وغير ذلك من أصناف الكائنات والعلوم وكلّ دائرة مقسومة بأقسام فلكها إمّا البروج وإمّا العناصر أو غيرهما وخطوط كلّ قسم مارّة إلى المركز ويسمّونها الأوتار وعلى كلّ وتر حروف متتابعة موضوعة فمنها برشوم 25 الزّمام الّتي هي أشكال الأعداد عند أهل الدّواوين والحسّاب بالمغرب لهذا العهد ومنها برشوم الغبار المتعارفة في داخل الزّايرجة وبين الدّوائر أسماء العلوم ومواضع الأكوان وعلى ظاهر الدّوائر جدول متكثّر البيوت المتقاطعة طولا وعرضا يشتمل على خمسة وخمسين بيتا في العرض ومائة وواحد وثلاثين في الطّول جوانب منه معمورة البيوت تارة بالعدد وأخرى بالحروف وجوانب خالية البيوت ولا تعلم نسبة تلك الأعداد في أوضاعها ولا القسمة الّتي عيّنت البيوت العامرة من الخالية وحافات الزّايرجة أبيات من عروض الطّويل على رويّ اللّام المنصوبة تتضمّن صورة العمل في استخراج المطلوب من تلك الزّايرجة إلّا أنّها من قبيل الإلغاز في عدم الوضوح والجلاء وفي بعض جوانب الزّايرجة بيت من الشّعر منسوب لبعض أكابر أهل الحدثان 26 بالمغرب وهو مالك بن وهيب من علماء إشبيليّة كان في الدّولة اللّمتونيّة ونصّ البيت. سؤال عظيم الخلق حزت فصن إذن ... غرائب شكّ ضبطه الجدّ مثّلا وهو البيت المتداول عندهم في العمل لاستخراج الجواب من السّؤال في هذه الزّايرجة وغيرها فإذا أرادوا استخراج الجواب عمّا يسأل عنه من المسائل كتبوا ذلك السّؤال وقطّعوه حروفا ثمّ أخذوا الطّالع لذلك الوقت من بروج الفلك ودرجها وعمدوا إلى الزّايرجة ثمّ إلى الوتر المكتنف فيها بالبرج الطّالع من أوّله مارّا إلى المركز ثمّ إلى محيط الدّائرة قبالة الطّالع فيأخذون جميع الحروف المكتوبة عليه من أوّله إلى آخره والأعداد المرسومة بينهما ويصيّرونها حروفا بحساب الجمّل وقد ينقلون آحادها إلى العشرات وعشراتها إلى المئين وبالعكس فيهما كما يقتضيه قانون العمل عندهم ويضعونها مع حروف السّؤال ويضيفون إلى ذلك جميع ما على الوتر المكتنف بالبرج الثّالث من الطّالع من الحروف والأعداد من أوّله إلى المركز فقط لا يتجاوزونه إلى المحيط ويفعلون بالأعداد ما فعلوه بالأوّل ويضيفونها إلى الحروف الأخرى ثمّ يقطّعون حروف البيت الّذي هو أصل العمل وقانونه عندهم وهو بيت مالك بن وهيب المتقدّم ويضعونها ناحية ثمّ يضربون عدد درج الطّالع في أسّ البرج وأسّه عندهم هو بعد البرج عن آخر المراتب عكس ما عليه الأسّ عند أهل صناعة الحساب فإنّه عندهم البعد عن أوّل المراتب ثمّ يضربونه في عدد آخر يسمّونه الأسّ الأكبر والدّور الأصليّ ويدخلون بما تجمّع لهم من ذلك في بيوت الجدول على قوانين معروفة وأعمال مذكورة وأدوار معدودة ويستخرجون منها حروفا ويسقطون أخرى ويقابلون بما معهم في حروف البيت وينقلون منه ما ينقلون إلى حروف السّؤال وما معها ثمّ يطرحون تلك الحروف بأعداد معلومة يسمّونها الأدوار ويخرجون في كلّ دور الحرف الّذي ينتهي عنده الدّور ويعاودون ذلك بعدد الأدوار المعيّنة عندهم لذلك فيخرج آخرها حروف متقطّعة وتؤلّف على التّوالي فتصير كلمات منظومة في بيت واحد على وزن البيت الّذي يقابل به العمل ورويّه وهو بيت مالك ابن وهيب المتقدّم حسبما نذكر ذلك كلّه في فصل العلوم عند كيفيّة العمل بهذه الزّايرجة وقد رأينا كثيرا من الخواصّ يتهافتون على استخراج الغيب منها بتلك الأعمال ويحسبون أنّ ما وقع من مطابقة الجواب للسّؤال في توافق الخطاب دليل على مطابقة الواقع وليس ذلك بصحيح لأنّه قد مرّ لك أنّ الغيب لا يدرك بأمر صناعيّ البتّة وإنّما المطابقة الّتي فيها بين الجواب والسّؤال من حيث الإفهام والتّوافق في الخطاب حتّى يكون الجواب مستقيما أو موافقا للسّؤال ووقوع ذلك في هذه الصّناعة في تكسير الحروف المجتمعة من السّؤال والأوتار والدّخول في الجدول بالأعداد المجتمعة من ضرب الأعداد المفروضة واستخراج الحروف من الجدول بذلك وطرح أخرى ومعاودة ذلك في الأدوار المعدودة ومقابلة ذلك كلّه بحروف البيت على التّوالي غير مستنكر وقد يقع الاطّلاع من بعض الأذكياء على تناسب بين هذه الأشياء فيقع له معرفة المجهول فالتّناسب بين الأشياء هو سبب الحصول على المجهول من المعلوم الحاصل للنّفس وطريق لحصوله سيّما من أهل الرّياضة فإنّها تفيد العقل قوّة على القياس وزيادة في الفكر وقد مرّ تعليل ذلك غير مرّة ومن أجل هذا المعنى ينسبون هذه الزّايرجة في الغالب لأهل الرّياضة فهي منسوبة للسّبتيّ ولقد وقفت على أخرى منسوبة لسهل بن عبد الله ولعمري إنّها من الأعمال الغريبةوالمعاناة 27 العجيبة والجواب الّذي يخرج منها فالسّرّ في خروجه منظوما يظهر لي إنّما هو المقابلة بحروف ذلك البيت ولهذا يكون النّظم على وزنه ورويّه ويدلّ عليه أنّا وجدنا أعمالا أخرى لهم في مثل ذلك أسقطوا فيها المقابلة بالبيت فلم يخرج الجواب منظوما كما تراه عند الكلام على ذلك في موضعه وكثير من النّاس تضيق مداركهم عن التّصديق بهذا العمل ونفوذه إلى المطلوب فينكر صحّتها ويحسب أنّها من التّخيّلات والإيهامات وأنّ صاحب العمل بها يثبت حروف البيت الّذي ينظمه كما يريد بين أثناء حروف السّؤال والأوتار ويفعل تلك الصّناعات على غير نسبة ولا قانون ثمّ يجيء بالبيت ويوهم أنّ العمل جاء على طريقة منضبطة وهذا الحسبان توهّم فاسد حمل عليه القصور عن فهم التّناسب بين الموجودات والمعدومات والتّفاوت بين المدارك والعقول ولكن من شأن كلّ مدرك إنكار ما ليس في طوقه إدراكه ويكفينا في ردّ ذلك مشاهدة العمل بهذه الصّناعة والحدس القطعيّ فإنّها جاءت بعمل مطّرد وقانون صحيح لا مرية فيه عند من يباشر ذلك ممّن له ذكاء وحدس وإذا كان كثير من المعاياة في العدد الّذي هو أوضح الواضحات يعسر على الفهم إدراكه لبعد النّسبة فيه وخفائها فما ظنّك بمثل هذا مع خفاء النّسبة فيه وغرابتها فلنذكر مسألة من المعاياة يتّضح لك بها شيء ممّا ذكرنا مثاله لو قيل لك خذ عددا من الدّراهم واجعل بإزاء كلّ درهم ثلاثة من الفلوس ثمّ اجمع الفلوس الّتي أخذت واشتر بها طائرا ثمّ اشتر بالدّراهم كلّها طيورا بسعر ذلك الطّائر فكم الطّيور المشتراة بالدّراهم فجوابه أن تقول هي تسعة لأنّك تعلم أنّ فلوس الدّراهم أربعة وعشرون وأنّ الثّلاثة ثمنها وأنّ عدّة أثمان الواحد ثمانية فإذا جمعت الثّمن من الدّراهم إلى الثّمن الآخر فكان كلّه ثمن طائر فهي ثمانية طيور عدّة أثمان الواحد وتزيد على الثّمانية طائرا آخر وهو المشترى بالفلوس المأخوذة أوّلا وعلى سعره اشتريت بالدّراهم فتكون تسعة فأنت ترى كيف خرج لك الجواب المضمر بسرّ التّناسب الّذي بين أعداد المسألة والوهم أوّل ما يلقي إليك هذه وأمثالها إنّما يجعله من قبيل الغيب الّذي لا يمكن معرفته وظهر أنّ التّناسب بين الأمور هو الّذي يخرج مجهولها من معلومها وهذا إنّما هو في الواقعات الحاصلة في الوجود أو العلم وأمّا الكائنات المستقبلة إذا لم تعلم أسباب وقوعها ولا يثبت لها خبر صادق عنها فهو غيب لا يمكن معرفته وإذا تبيّن لك ذلك فالأعمال الواقعة في الزّايرجة كلّها إنّما هي في استخراج الجواب من ألفاظ السّؤال لأنّها كما رأيت استنباط حروف على ترتيب من تلك الحروف بعينها على ترتيب آخر وسرّ ذلك إنّما هو من تناسب بينهما يطّلع عليه بعض دون بعض فمن عرف ذلك التّناسب تيسّر عليه استخراج ذلك الجواب بتلك القوانين والجواب يدلّ في مقام آخر من حيث موضوع ألفاظه وتراكيبه على وقوع أحد طرفي السّؤال من نفي أو إثبات وليس هذا من المقام الأوّل بل إنّما يرجع لمطابقة الكلام لما في الخارج ولا سبيل إلى معرفة ذلك من هذه الأعمال بل البشر محجوبون عنه وقد استأثر الله بعلمه وَالله يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ 2: 216.

حواش

عدل
  1. يفصم عني: يفارقني
  2. الحديث: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يعالج من التنزيل بشدة، رواه ابن عباس.
  3. قوله الّذي أشار إليه هرقل الظاهر أبو سفيان.
  4. صرفه في الأمر: فوّض الأمر إليه (قاموس)
  5. وفي بعض النسخ: القريب وليس لهما أي معنى هنا. والمرجح أنها محرفة عن كلمة غريزي.
  6. كذا في جميع النسخ ما عدا نسخة لجنة البيان العربيّ: القردة وهي منسجمة مع سياق معنى العبارة هنا.
  7. رواه ابن عباس وليست عائشة.
  8. في نسخة لجنة البيان العربيّ عبارة بين قوسين وهي (ولا بد من تخلصها من البدن ومداركه) وهذه الجملة غير واردة في جميع النسخ الأخرى وهي متممة لمعنى الجملة التي قبلها، ولا يستقيم المعنى بدونها.
  9. وردت هذه الكلمة في نسخة. لجنة البيان العربيّ فقط وهي غير موجودة في جميع النسخ ولا يستقيم المعنى بدونها.
  10. انخناس: تأخر وانقباض وتخلف (قاموس) .
  11. ليس لهذه الكلمات أي معنى في اللغات التي نعرفها وربما تكون لأسماء بعض الجن.
  12. أي لا نستطيع أن نشفيك من الحب الّذي تحمله ضلوعك
  13. أي أشرك باللَّه بمعنى ان الله له ثان.
  14. استعمال غير صحيح، وقد استعمله ابن خلدون في مواضع متفرقة من كتابه والصحيح: أخرون.
  15. نحلة: أعطاه. ولكن هنا تعني خصّها. والأصح أن يقول أنحلها.
  16. أوسق: ج وسق: وهو وزن ستين صاعا أو حمل بعير.
  17. لتختص به.
  18. بهاليل: ج بهلول وهو السيد الجامع لكل خير، والمعنى الشائع لكلمة البهلول هو المعتوه.
  19. أهل الذوق: (الذين يتاح لهم أن يذوقوا حلاوة المعرفة الإلهية) .
  20. كذا في جميع النسخ والكلمة ضعيفة والأصح أن يقال: قد يظن البعض أن هنا من يدرك الغيب. فتنسجم العبارة كلها.
  21. في بعض النسخ: حظوظا.
  22. ترويج.
  23. حساب الجمل المصطلح عليه في حروف أبجد هو أن لكل حرف من الحروف الهجائية رقما خاصا على النحو الآتي: أولا: على طريقة المغاربة وهي الطريقة التي عناها ابن خلدون وسار عليها: أب ج د هـ ور ح ط ي ك ل م ن ص ع ف ض ق ر س ث ت خ ذ ظ غ ش 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 20 30 40 50 60 70 80 90 100 200 300 400 500 600 700 800 900 1000 ثانيا: على طريقة المشارقة وهي الطريقة المشهورة في مصر والعراق وسورية وغيرها من البلاد العربية الأخرى: أب ج د هـ وز ح ط ي ك ل م ن س ع ف ص ق ر ش ت ث خ ذ ض ظ غ 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 20 30 40 50 60 70 80 90 100 200 300 400 500 600 700 800 900 1000 ويستعمل حساب الجمل هذا المنجمون والذين يتعاطون تاريخ الاحداث التاريخية والوفيات والولادات وما شاكل.
  24. قوله الألوف فيه نظر لأن الحروف ليس فيها ما يزيد عن الألف كما سبق في كلامه (الهوريني في طبعة بولاق) وعلق د. علي عبد الواحد وافي على قول الهوريني: «وقد أورد ابن خلدون كلمة الألوف بالجمع للمشاكلة مع قوله الآحاد والعشرات والمئين. وان لم يكن في الحروف الا ألف واحد» .
  25. قوله برشوم أي موضوعة بضم الراء جمع رشم بالشين المعجمة 1 هـ-: ومعنى رشم: كتب. والرشم الكتابة والشكل. ومعنى رسوم الزمام: أشكال الأعداد المستعملة في الغرب. وبرشوم الغبار: أشكال الأرقام الهندية المصطلح عليها في الشرق.
  26. أي إنه من كبار المحدّثين والمخبرين عما يخبئه الغيب من أحداث الدهر وشئون المستقبل.
  27. كذا في جميع النسخ. «ولعلها محرّفة عن (المعاياة) وهو الإتيان بكلام لا يهتدى كله هكذا يقتضي سياق الكلام» .