الفتاوى الكبرى/كتاب في الرد على الطوائف الملحدة والزنادقة والجهمية والمعتزلة والرافضة/12

الوجه الستون: إن قوله والرب واحد ومتصف بالوحدانية ومتقدس عن التجزيء والتبعيض وقول ابن فورك لأن الرب متكلم واحد ونحو ذلك من أقوالهم التي يصفون فيها الرب أنه واحد ويشعرون الناس أنهم بذلك موحدون وأن من خالفهم في ذلك فقد خالفهم في التوحيد وهي من أعظم أصول أهل الشرك والإلحاد التي أفسدوا بها التوحيد الذي بعث من أهل القبلة المسلمين وظنوا أنهم بذلك محسنون حتى سموا أنفسهم بذلك موحدين دون غيرهم ممن هو أحق بتوحيد الله منهم وحتى كفروا وعادوا المسلمين أهل التوحيد حقا وكانوا على الأمة أضر من الخوارج المارقين الذي يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان وهؤلاء الكلابية والأشعرية إنما أخذوه عن المعتزلة الجهمية ولم يوافقوهم عليه كله بل وافقهم في بعض دون بعض وهذا هو أصل جهم الذي أسس عليه ضلالاته وهؤلاء يفسرون التوحيد واسم الله الواحد في أصول دينهم بثلاثة معان وليس في شيء منها التوحيد الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه ثم يختلفون في تحقيق تلك المعاني اختلافا عظيما فيقولن في اسم الله الواحد الأحد له ثلاثة معان أحداها الذي لا ينقسم ولا يتجزأ ولا يتعبض ولا يتعدد ولا يتركب وربما قال بعضهم هذا تفسير اسم الأحد وهذه الواحدانية التي ذكروها هنا

قال أبو المعالي في إرشاده القول وفي وحدانية الباري

فصل في حقيقة الواحد

قال أصحابنا الواحد هو الشيء الذي لا ينقسم أو لا يصح انقسامه قال القاضي أبو بكر ولو قلت الواحد هي الشيء كان كافيا هو لم يكن فيه تركيب وفي قول القائل الشيء الذي لا ينقسم نوع تركيب قال أبو المعالي يقال للقاضي التركيب المحدود هو أن يأتي إلحاد بوصف زائد يستغني عنه وقد لا يفهم من الشيء المطلق ما يفهم من المقيد فليس يفهم من الشيء ما يفهم من الواحد الذي لا ينقسم فإن الوحدة تشعر بانتفاء القسمة عن الشيء والمقصود من التحديد الإيضاح أجاب القاضي بأن قال كلامنا في الحقائق والشيء المطلق هو الواحد الذي لا ينقسم

يقال قد ذكرنا أن الوحد تشعر بانتفاء القسمة عن الشيء فهما أمران متلازمان لا بد من التعريض لهما كما قلنا في العبرين كل موجودين يجوز مفارقة أحدهما الآخر بوجه ثم قال اصحابنا إذا سئلنا عن الواحد فنقول هذه اللفظة تردد بين معان فقد يراد بها الشيء الذي لا يقبل وجوده القسمة وقد يطلق والمراد به نفي الأشكال والنظائر عنه وقد يطلق والمراد به أنه لا ملجأ ولا ملاذ سواه وهذه المعاني متحققة في وصف القديم سبحانه وقال أبو بكر بن فورك أنه سبحانه واحد في ذاته لا قسم له وواحد في صفاته لا شبيه له وواحد في أفعاله لا شريك له قال شارح الإرشاد أبو القاسم الأنصاري شيخ الشهرستاني وحكى عن الأستاذ أبي إسحاق أنه قال الواحد هو الذي لا يقبل الرفع والوضع يعني الفصل والوصل أشار إلى وحدة الإله فإن الجوهر واحد لا ينقسم ولكن يقبل النهاية الإله سبحانه واحد على الحقيقة فلا يقبل فصلا ولا وصلا ونحن قد أقمنا الدلالة في مسألة نفي التجسيم على نفي الأقسام وأقمنا الدلالة على نفي المثل وبقي علينا للدلالة على نفي الشريك قلت أما نفي المثل عن الله ونفي الشريك فثابت بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة لكن قد يدخل طوائف من المتكلمين في ذلك ما لم يدل عليه الكتاب والسنة بل ينفيانه وأما المعنى الذي ذكروه بنفي الانقسام فيلزم على قولهم أن لا يكون شيء قط من المخلوقات يقال إنه واحد إلا الجوهر الفرد وعند بعضهم لا يقال ذلك للجوهر الفرد مع أن أبا المعالي هو من الشاكين في ثبوت الجوهر الفرد فإذا لا يصح أن يقال لشيء من الموجودات إنه واحد وهذا خلاف الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها وإجماع أهل اللغة والعقل وإذا قيل الواحد هو الشيء كما قاله القاضي أبو بكر فلا يكون قد خلق شيئا لأنه لم يخلق واحدا على التفسير الذي فسروه ولا يستحق على قوله أن يسمى أحد من الملائكة والإنسن والجن شيئا ثم إنهم يسمون أهل الكلام الموحدين ويسمون ما كان السلف يسمونه الكلام علم التوحيد حتى قال أبو المعالي في أول إرشاده بعد أن زعم أنه أول ما يجب على العاقل البالغ باستكمال من البلوغ أو الحلم شرعا القصد إلى النظر الصحيح المفضي إلى العلم بحدوث العلم

قال والنظر في اصطلاح الموحدين هو الفكر الذي يطلب من قال به علما أو غلبة ظن وأيضا فإن اسم الواحد أو الأحد قد جعلوا لله فيه شريكا آخر لموجودات وهو الجوهر الفرد وجعلت المتفلسفة له في ذلك شركاء العقول والنفوس كالنفس الإنسانية وهذا الذي ذكرنا من أن عمدة أصحابه في مسألة القرآن ونحوها من المسائل أنه لا يجوز أن يكون محلا للحوادث هو مما لا ريب فيه من يعرف أصول الكلام واعتبر ذلك بما ذكره أفضل متأخريهم أبو المعالي الجويني في إرشاه الذي التزم أن يذكر فيه قواطع الأدلة. فإنه قال:

فصل

الباري تعالى متكلم آمر ناه مخبر واعد متوعد وقد قدمنا في خلل إثبات أحكام الصفات المعنوية إن الطريق إلى إثبات العلم بكون الرب تعالى متكلما عند استاذنا نفي النقائص إلى السمع وتوجيهنا على أنفسنا السؤال عما ثبت بالسمع قال فإذا صح كون الباري متكلما فقد آن أن نتكلم في صفة كلامه فاعلموا أوقيتم البدع أن مذهب أهل الحق أن الباري تعالى متكلم بكلام أزلي لا مفتتح لوجوده وأطبق المنتمون إلى الإسلام على إثبات الكلام ولم يصر منهم صائر إلى نفيه ولم ينتحل أحد منهم في كونه متكلما نحلة نفاه الصفات في كون عالما قادرا حيا ثم ذهبت المعتزلة والخوارج والزيدية الإمامية ومن عداهم من أهل الأهواء إلى أن كلام الباري تعالى عن قول الزائغين حادث مستفتح الوجود وصار صائرون من هؤلاء إلى الأمتناع من تسميته مخلوقا مع القطع بحدوثه لما في لفظ المخلوق من إيهام الخلق إذ الكلام المختلق هو الذي يبديه المتكلم تخرصا من غير اصل وأطلق معظم المعتزلة لفظ المخلوق على كلام الله وذهبت الكرامية إلى أن الكلام قديم والقول حادث غيرمحدث والقرآن قول الله وليس بكلام الله وكلام الله تعالى القدرة على التكلم وقوله حادث قائم بذاته تعالى على قول المبطلين وهو غير قائل بالقول الذي قام به هو قائل بالقابلية وكل مفتتح وجوده قائم بالرب فهو حادث بالقدرة غير محدث وكل محدث مباين للذات فهو محدث بقوله كن لا بالقدرة في هذيان طويل لا يسع هذا المعتقد استقصاءه وغرضنا من إيضاح الحق والرد على منكريه لا يتبين إلا بعد عقد فصول في ماهية الكلام وحقيقته شاهدا حتى إذا وضحت الأغراض منها انعطفنا بعدها إلى مقصدنا وقد التزمنا التمسك بالقواطع في هذا المعتقد على صغر حجمه وآثرنا إجراءه على خلاف ما صادفنا من معتقدات الأئمة وهذا الشرط يلزمنا ظرافا من البسط في مسألة الكلام وها نحن خائضون فيه ثم تكلم في حدث الكلام ثم في أن المتكلم من قال به الكلام لا من فعله ثم بنى على أنه لا بد أن يكون الكلام قائما به ثم قال وإذا تقرر ذلك ترتب عليه استحالة كونه حادا لقيام الدليل على استحالة قبوله للحوادث ولا يبقى بعد هذه الأقسام إلا مذهب أهل الحق في وصف الباري تعالى بكونه متكلما بكلام قديم أزلي فقد بين أن ذلك مبني على أنه يستحيل قيام الحوادث به وكان قد ذكر هذه المسألة قبل ذلك فقال:

فصل

مما يخالف الجوهر فيه حكم الآلة قبول الاعراض وصحة الإتصاف بالحوادث والرب سبحانه وتعالى متقدس عن قبول الحوادث قال وذهبت الكرامية إلى أن الحوادث تقوم بذات الإله تعالى عن قولهم ثم زعموا أنه لا يتصف بما يقوم به من الحوادث قال وصاروا إلى جهالة لم يسبقوا إليها فقالوا القول الحادث يقوم بذات الرب سبحانه وتعالى وهو غير قائل به وإنما هو قائل بالقابلية وحقيقة أصولهم أن أسماء الرب لا يجوز أن تتجدد وكذلك وصفوه بكونه تعالى خالقا في الأزل فلم يتحاشوا من قيام الحوادث به وتنكبوا إثبات وصف جديد له ذكرا وقولا قال والدليل على بطلان ما قالوه أنه لو قبل الحوادث لم يخل منها لما سبق تقريره في الجواهر حيث قضينا باستحالة تعريها عن الأغراض وما لم يخل من الحوادث لم يسبقها ذلك إلى الحكم بحدوث الصانع

قال ولا يستقيم هذا الدليل على أصول المعتزلة مع مصيرهم إلى تجويز خلو الجوهر عن الأعراض على تفصيل لهم أشرنا إليه وإثباتهم أحكاما متجددة لذات الرب تعالى من الإرادات الحادثة القائمة لا بمحال على زعمهم وبصدهم أيضا عن طرد الدليل في هذه المسألة أنه إذا لم يمتنع تجدد أحكام الذات من غير أن يدل على الحدوث لم يبعد مثل ذلك في اعتوار نفس الأغراض على الذات قال وتقول الكرامية مصيركم إلى إثبات قول حادث مع نفيكم اتصاف الرب به تناقض إذ لو جاز قيام معنى بمحل غائب من غير أن يتصف المحل بحكمه لجاز شاهدا قيام أقوال وعلوم وإرادات بمحال من غير أن تتصف المحال بأحكام مركبة على المعاني وذلك يخلط الحقائق ويجر إلى الجهالات ثم نقول لهم إذا جوزتم قيام ضروب من الحوادث بذاته فما المانع من تجويز قيام أكوان حادثة بذاته على التعاقب وكذلك سبيل الإلزام فيما يوافقوننا على استحالة قيامه به من الحوادث ومما يلزمهم تجويز قيام قدرة حادثة وعلم حادث بذاته على حسب أصلهم في القول والإرادة الحادثتين ولا يجدون بين ما جوزوه وامتنعوا منه فصلا ونقول أيضا إذا وصفتم الباري تعالى بكونه متحيزا وكل متحيز وحجم جرم فلا يتقرر في المعقول خلو الأجرام عن الأكوان فما المانع من تجويز قيام الأكوان بذات الرب ولا محيص لهم عن شيء مما ألزموه

قلت هذه جملة كلامه في هذه المسألة بألفاظه ومدلوله على ثلاثة أشياء:

أحدها: إنه لو قبلها لم يخل منها وما لم يخل من الحوادث فهو حادث والثاني: إنه لو قبلها لاتصف بها والثالث: أنه إذا قبل بعضها فيجب أن يقبل غيره

وهم لا يقولون به وهاتان الحجتان الثانيتان جدليتان فإن كونه متصفا بالأفعال التي تقوم به أو غير متصف إلا بالصفات اللازمة له نزاع لفظي وكذلك كون المنازع جوز قيام البعض فإنه إما أن يبين فرقا بين الممنوع والمجوز أو لا يبين فرقا فإن بين فرقا ثبت الفرق وإن لم يبين فرقا فقد يكون عجزا منه وإن قدر أنه لا فرق في نفس الأمر فيلزم أحد الأمرين لا بعينه إما جواز الجميع وإما المنع من الجميع وذلك لا يقتضي ثبوت أحدهما وهو الامتناع إلا بدليل وهو بدليل وهو لم يذكر دليلا على ذلك فلم يذكر في المسألة حجة إلا ما ذكره من قوله لو قبلها لم يخل منها وهذه حجة أحال فيها على ما ذكره قبل ذلك فإنه لو قبل الحوادث لم يخل منها لما سبق تقريره في الجواهر حيث قضينا باستحالة تعريها عن الأعراض وهذا الذي أحال عليه هو ما ذكره في مسألة حدوث الأجسام فإنه ذكر الطريقة المشهورة الكلامية المبينة على أربعة أصول قال وأما الأصل الثالث فهو يبين استحالة تعري الجواهر عن الأعراض فالذي صار إليه أهل الحق أن الجوهر لا يخلو عن كل جنس من الأعراض وعن جميع أضداده إن كانت له أضداد فإن كان له ضد واحد لم يخل الجوهر عن أحد الضدين فإن قدر عرض لا ضد له لم يخل الجوهر عن قبول ةاحد من جنسه قال وجوزت الملحدة خلو الجواهر عن جميع الأعراض والجواهر في اصطلاحهم تسمى الهيولى والمادة والأعراض تسمى الصور وجوز الصالحي الخلو عن جملة الأعراض ابتداء ومنع البصريون من المعتزلة العرو عن الأكوان وجوزوا العرو عما عداها وقال الكعبي ومتوعه يجوز الخلو عما سوى الأكوان ويمتنع الخلو عن الأكوان قال وكل مخالف لنا وافقنا على امتناع العرو عن الأعراض بعد قبول الجواهر فيفرض الكلام مع الملحدة في الأكوان فإن القول فيها يستند إلى الضرورة فإنا ببديهة المعقول نعلم أن الجواهر القابلة للاجتماع والافتراق لا تعقل غير مماسة ولا متباينة ومما يوضح ذلك أنها إذا اجتمعت فيما لا يزال فلا يتقرر في العقل اجتماعها إلا عن افتراق سابق إذا قدر لها الوجود قبل الاجتماع وكذلك إذا طرأ الافتراق عليها اضطررنا إلى العلم بأن الافتراق مسبوق باجتماع وغرضنا في روم إثبات حدوث العالم يتضح بالأكوان وإن حاولنا ردا على المعتزلة فيما خالفونا فيه تمسكا بنكتتين إحداهما الاستشهاد بالإجماع على امتناع العرو عن الأعراض بعد الاتصاف بها فنقول كل عرض باق فإنه ينتهي عن محله بطريان ضده والضد إنما يطرأ في حال عدم المنتفي به على زعمهم فإذا انتفى البياض فهلا جاز أن لا يحدث بعد انتفائه لون إن كان يجوز تقدير الخلو عن الألوان ابتداء وتطرد هذه الطريقة في أجناس الأعراض ونقول أيضا الدال على استحالة قيام الحوادث بذات الرب سبحانه وتعالى أنها لو قامت به لم يخل عنها وذلك يقضي بحدوثه فإذا جوز الخصم عرو الجوهر عن حوادث مع قبوله لها صحة وجوازا فلا يستقيم مع ذلك دليل علىاستحالة قبول الباري تعالى للحوادث قلت فهذا جملة كلامه في هذا الأصل ولم يذكر فيه حجة أصلا على المطلوب بل فيه إحالة فإنه ذكر خمسة أقوال:

أحدها: القول الذي عليه أصحابه أن الجوهر لا يجوز أن يخلو عن كل جنس من الأعراض وعن أضدادها بل لا بد أن يقوم به من كل جنس عرض واحد سواء كان له ضد أو لم يكن له وإن كان كثير من الناس يقول أن هذا مخالف للحس كدعوى الطعم والريح للهواء والماء والنار

والقول الثاني: في مقابلة هذا وهو جواز خلوه عن كل عرض

والثالث: الخلو عن جميعها في الابتداء دون الدوام

والرابع: أنه يمتنع خلوه عن الأكوان ويجوز خلوه عما سواها وهو قول بصري المعتزلة

والخامس: امتناع خلوها عن الأكوان دون ما سواها وهو قول البغدادي الكعبي وأتباعه وهم أغلظ بدعة من البصريين ثم إنه لم يقم دليلا إلا على الأكوان فإنه ذكر أنه يعلم بالضرورة أن ما قبل الاجتماع والافتراق لم يعقل إلا مجتمعا أو متفرقا وذكر أن مقصوده في حدوث العالم يتم بالأكوان وهذا إنما هو رد على من يجوز خلوها عن الأكوان وقد ذكر عن البصريين أنهم لا يخالفونه في ذلك فاحتج عليهم بحجتين إلزاميتين ليس فيهما حجة علمية إحداهما ما سلموه من امتناع الخلو بعد قيام العرض وسوى بين الحالين وقال إذا جاز أن يخلو قبل قيام العرض عن الضدين جاز بعد ذلك فيقال له أن كانت هذه التسوية باطلة ثبت الفرق وبطل قولك وإن كانت التسوية صحيحة لزم أحد الأمرين إما جواز الخلو قبل وبعد أو امتناع الخلو قبل وبعد لا يلزم أحدهما بعينه وموافقة المنازع لك على امتناع الخلو بعد لا يفيدك أنت علما إذا لم يكن لك ولا له حجة على ذلك فلا بد من حجة يعلم بها امتناع الخلو فيما بعد حتى يلحق به ما قبل وليس معك في ذلك إجماع معصوم من الخطأ إذ ذاك إجماع المؤمنين

وطائفة من المتكلمين لا يمتنع أن يتفقوا على خطأ إذ أكثر الأمة يخطئهم كلهم في كثير من كلامهم على أن الخلاف في هذه المسألة لا يمكن دعوى عدمه على أنه ليس غرضنا الكلام معه في ذلك وإنما الغرض قوله في النكتة الثانية الدالة على استحالة قيام الحوادث بذات الرب سبحانه وتعالى أنها لو قامت به لم يخل عنها وذلك يقضي بحدوثه فإذا جوز الخصم عرو الجوهر عن الحوادث مع قبوله لها صحة وجوازا فلا يستقيم مع ذلك دليل على استحالة قبول الباري للحوادث

فيقال لك: أنت قد ذكرت أيضا فيما تقدم أن المعتزلة لا يستقيم على أصولهم الاحتجاج على أن الحوادث لا تقوم بذات الباري مع تجويزهم خلو الجواهر عن الأعراض ومع قضائهم بتجدد أحكام الرب تبارك وتعالى وأما أنت وأصحابك فلم تذكروا حجة على أنه يمتنع خلو الجواهر عن كل جنس من أجناس الأعراض ولا أقمتم حجة على أن القابل للشيء لا يخلو منه ومن ضده ولا أقمتم حجة على استحالة قيام الحوادث به بل أنت في مسألة الحوادث جعلت الدليل القاطع الذي تحتج به في أصول الدين الذي ذكرت أنه ليس في بابه مثله هو قولك أنه لو قبل الحوادث لم يخل منها لما سبق تقريره في الجواهر حيث قضينا باستحالة تعريها عن الأعراض وما لم يخل من الحوادث لم يسبقها وينساق ذلك إلى الحكم بحدوث الصانع فيقال له قولك لما سبق تقريره إحالة على ما مضى وأنت لم تقرر فيما مضى أن ما قبل الشيء لم يخل منه ولا قررت أن كل جوهر قبل عرضا يستحيل خلوه عنه ولا قررت أيضا استحالة تعري الجواهر عن جميع الأعراض إذ هذا يحتاج إلى مقدمتين إحداهما إمكان قيام كل جنس من الأعراض بكل جوهر والثانية أن القابل لشيء لا يخلو منه ومن ضده وأنت لم تذكر حجة على شيء من ذلك غاية ما ذكرت أنك أثبت الأكوان التي هي الاجتماع والافتراق فقط وأنك ادعيت تناقض المعتزلة حيث فرقوا بين ما قبل الاتصاف وبعده وحيث إنهم إذا جوزوا خلو الجوهر عن بعض الحوادث مع قبوله بطل الاستدلال على امتناع قيام الحوادث بذات الله وأنه لا يستقيم مع ذلك دليل على استحالة قبول الباري للحوادث فكان هذا الكلام مع ما فيه من ذكر تناقض المعتزلة وأنه لا حجة لهم على امتناع قيام الحوادث بالرب فيه أيضا أنه لا حجة على امتناع ذلك إلا هذه الحجة وهو أنه لو قبل الجوهر العرض لم يخل منه ثم هذه الدعوى لم تذكر أنت أيضا عليها حجة أصلا فقد أقررت بأن قول أصحابك وقول المعتزلة بأنه تعالى منزه عن قبول الحوادث قول بلا حجة أصلا فأين الدليل الذي ذكرتموه في ذلك فضلا عن أن يكون قاطعا وهذا إذا تدبره العاقل تبين له أن القوم يقولون على الله ما لا يعلمون ويقولون على الله غير الحق كما يقوله المشركون وأهل الكتاب

فإن قلت: قد قررنا ذلك في الأكوان كالاجتماع والافتراق فيقال هذا حق فإن ما كان قابلا أن يكون مجتمعا وأن يكون مفترقا لكن هذا لا عموم فيه في جميع الصفات والأعراض وغايته أن يثبت نظيره في الرب فيقول إذا كانت ذاته قابلة للاجتماع أو الافتراق لم يكن إلا مجتمعا أو مفترقا فالمنازع لك إن لم يسلم قبوله لهذين لم يلزم أن لا يسلم قبوله لغيرهما من الصفات والأفعال كما تقوله أنت وإن سلم ذلك وقال إنه أحد صمد والصمد أصله المجتمع الذي لا جوف له فإنه يقول اجتماعه كعلمه وقدرته وهو من الصفات اللازمة له التي لا يجوز عدمها وليس من الحوادث فصفات الجوهر المخلوقة تقبل الزوال إذ يمتنع عليها البقاء بخلاف صفات الله الواجبة له كما أن ذوات الجوهر المخلوقة تقبل العدم والرب سبحانه واجب الوجود بنفسه يمتنع عليه العدم وبهذا يظهر أنه لم يذكر دليلا على حدوث الجواهر أيضا كما لم يذكر دليلا على امتناع قيام الحوادث بالرب فإن دليله مبني على أربع مقدمات ثبوت الأعراض وثبوت أنها جميعا حادثة وأن الجوهر لا يخلو منها وأنه يمتنع حوادث لا أول لها وهو لم يثبت من الأعراض اللازمة للجواهر إلا الأكوان ( الاجتماع والافتراق ) وهو لم يثبت حدوثها إلا بقبولها العدم فما لم يثبت عدمه لم يعلم حدوثه ولم يثبت جواز تفرق كل الأجسام مع أن الحجة المذكورة في أن ما ثبت عدمه امتنع قدمه فيها كلام ليس هذا موضعه

والمقصود هنا الكلام في مسألة حلول الحوادث التي جعلتها الجهمية من المعتزلة ومن اتبعهم من الأشعرية وغيرهم أصلا عظيما في تعطيل ما جاء في الكتاب والسنة من ذلك كقوله ثم استوى على العرش ثم استوى إلى السماء وغير ذلك ثم إنه سبحانه يقبل أن يفعل بعد إن لم يكن فاعلا والقول بأن فاعلا يفعل وحاله قبل الفعل وبعد سواء ولم يقم به فعل نفسه هو في المعقول أبعد من كون الساكن الذي سكونه قديم يمتنع أن يتحرك لأن السكون القديم يمتنع عدمه ولو عرض على العقل الصحيح جواز أن يبدع أشياء من غير أن يكون له في نفسه فعل أصلا وجواز أن يفعل ويكون فعله في نفسه بعد أن كان تاركا لكان الثاني أقرب إلى عقل كل أحد من الأول فإن هذا الثاني معقول والأول غير معقول

وبهذا استطالت عليهم الدهرية من الفلاسفة ونحوهم فإنهم ادعوا حدوث الجواهر والأجسام ومضمون عموم كلامهم يقتضي أنهم ادعوا حدوث كل موجود لكن لم يقصدوا ذلك وإنما هو لازم لهم ومعلوم أن هذا باطل والدهرية ادعوا قدم السموات ولا شك أن هذا كفر باطل أيضا لكن صار كل من الفريقين يعارض الآخر بحجج تبطل حجج نفسه لأن كلا من القولين باطل فتكون حجتهم باطلة فيمكن إبطالها ولهذا كان غالب أئمتهم يقولون بتكافؤ الأدلة في هذه المسألة ونحوها ويصيرون فيها إلى الوقف والحيرة ثم هم مع ذلك قد يعتقدون أن الإسلام لا يتم إلا بما ادعوه من القول بهذا الحدوث فيكون ذلك سببا لنفاقهم وزندقتهم وذلك باطل ليس هذا من أصل الإسلام في شيء واعتبر ذلك بابن الراوندي الذي يقال إنه أحد شيوخ الأشعري وقد فرح أصحاب الأشعري بموافقته وموافقة أبي عيسى الوراق لهم على إثبات كلام النفس ومع هذا فله كتاب مشهور سماه كتاب التاج في قدم العالم

وذكر الأشعري أنه في كتابه الكبير وهو ( مفصول ) ذكر علل الملحدين الدهريين مما احتجوا به في قدم العالم وتكلم عليها وأنه استوفى ما ذكره ابن الراوندي في كتابه المعروف بكتاب التاج وهو الذي نصر فيه القول بقدم العالم وقد قيل إن الأشعري في آخر عمره أقر بتكافؤ الأدلة واعتبر ذلك بالرازي فإنه في هذه وهي مسألة حدوث الأجسام يذكر أدلة الطائفتين ويصرح في آخر كتبه وآخر عمره وهو كتاب المطالب العالية بتكافؤ الأدلة وأن المسألة من محارات العقول ولهذا كان الغالب على اتباعهم الشك والارتياب في الإسلام كما حدثني ممن حدثه ابن باده أنه دخل على الخسر وشاهي وهو أحد تلامذة ابن الخطيب الذي قدم إلى الشام ومصر وأخذه الملك الناصر صاحب الكرك إلى عنده وكان يقرأ عليه حتى قيل إنه حصل له اضطراب في الإيمان من جهته وجهة أمثاله قال: دخلت عليه بدمشق فقال لي يا فلان ما تعتقد قلت: أعتقد ما يعتقده المسلمون قال وأنت جازم بذلك وصدرك منشرح له قلت نعم قال فبكى بكاء عظيما أظنه وقال لكنني والله ما أدري ما اعتقد لكنني والله ما أدري ما اعتقد لكنني والله ما أدري ما اعتقد

وحدثني الشيخ الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد القوي عن مؤذن الكرك قال صعدت ليلة بوقت فسبحت في المنارة ثم نزلت والخسر وشاهي ساهر مع السلطان يحدثان فقال إلى الساعة أنت تسبح في المنارة فقلت نعم فقال بت تناجي الرحمن وبت أناجي الشيطان وأيضا فما ذكره أن المعتزلة تصدهم عن طرد الدليل في هذه المسألة أنه إذا لم يمتنع تجدد أحكام للذات من غير أن يدل على الحدوث لم يبعد مثل ذلك في اعتوار الأعراض على الذات يلزمه مثله في تجدد حكم السمع والبصر فإنه إنما يتعلق بالموجود دون المعدوم وإما أن يكون الرب بعد أن خلق الموجودات كحاله قبل وجودها في السمع والبصر أو لا يكون فإن كان حاله قبل كحاله بعد أو هو قبل لم يكن يسمع شيئا ولا يراه فكذلك بعد الاستواء الحالين فإن قيل إن حاله بعد ذلك خلاف حاله قبل فهذا قول بتجدد الأحوال والحوادث ولا حيلة في ذلك ولا يمكن أن يقال في ذلك ما قيل في العلم لأن العلم يتعلق بالمعدوم فأمكن المفرق أن يقول حاله قبل وجود المعلوم وبعده سواء

وقد ذكر هذا الإلزام أبو عبد الله الرازي والتزم قول الكرامية بعد أن أجاب بجواب ليس بذاك فإن المخالف احتج عليه بأن السمع والبصر يمتنع أن يكون قديما لأن الإدراك لا بد له من متعلق وهو لا يتعلق بالمعدوم فيمتنع ثبوت السمع والبصر للعالم قبل وجوده إذ هم لا يثبتون أمرا في ذات الله به يسمع ويبصر بل السمع والبصر نفس الإدراك عندهم ويمتنع أن يكون حادثا لأنه يلزم أن يكون محلا للحوادث ويلزم أن يتغير وكلاهما محال وقال في الجواب لم لا يجوز أن يكون الله سميعا بصيرا بسمع قديم وبصر قديم ويكون السمع والبصر يقتضيان التعلق بالمرئي والمسموع بشرط حضورهما ووجودهما قال وهذا هو المعنى بقول أصحابنا في السمع والبصر أنه صفة متهيئة لدرك ما عرض عليه فإن قال قائل فحينئذ يلزم تجدد التعلقات قلنا وأي بأس بذلك إذا لم يثبت أن التعلقات أمور وجودية في الأعيان فهذا هو تقرير المذهب ثم لأن سلمنا فساد هذا القسم فلم لا يجوز أن يكون محدثا في ذاته على ما هو مذهب الكرامية وقوله يلزم أن يكون محلا للحوادث قلنا إن عنيتم حدوث هذه الصفات في ذاته تعالى بعد أن لم تكن حادثة فيها فهذا هو المذهب فلم قلتم أنه محال وإن عنيتم شيئا آخر فبينوه لنتكلم عليه وهذا هو الجواب عن قوله يلزم وجود التغير في ذات الله

قلت: وقد اعترف في هذا الموضع بضعف الجواب الأول وذلك أن قول القائل صفة متهيئة لدرك ما عرض عليه وضده نفي السمع والبصر هو الإدراك فما الفرق بين الصفة وبين هذا المدرك

ثم عند وجود هذا الدرك هل يكون سامعا مبصرا لما لم يكن قبل ذلك سامعا له مبصرا أم لا يكون فإن لم يكن كذلك لزم نفي أن يسمع ويبصر وإن كان سمع ورأى ما لم يكن سمعه ورآه فمن المعلوم بالاضطرار أن هذا أمر وجودي قائم بذات السامع الرائي وأنه ليس أمرا عدميا ولا واسطة بين الوجود والعدم ولو كان عدميا لكان سلبه وجوديا إذا قيل لم يسمع ولم يبصر وإن كان سلبه وجوديا لامتنع وصف المعدوم به فإن المعدوم لا يوصف بوجود ومذاهب هؤلاء إنما تشكل على الناس لاشتراك اللفظ فإن السمع والبصر يطلق بمعنى ما به يسمع ويبصر وليس الله عندهم سميعا بصيرا بهذا الاعتبار وإن كان أهل الإثبات يقولون بذلك وإنما هو عندهم مجرد الإدراك فقط فكيف يقال كان ثابتا في العدم غير متعلق وأنه لا يتعلق إلا بالموجود وأن تعلقه بالموجود عدم محض هذه أقوال معلومة الفساد بالضرورة وقد بسطنا الكلام في مسألة الأفعال الاختيارية بسطا عظيما في غير هذا الموضع وكان المقصود هنا أولا الكلام في اسم الله الواحد وأن له ثلاثة معان:

أحدهما: إنه الذي لا ينقسم ولا يتجزأ ولا يتبعض ولا يتعدد ولا يتركب وربما قال بعضهم هذا تفسير الاسم الواحد وهذه الوحدانية هي التي ذكروها هنا إذ ليس مرادهم بأنه لا ينقسم ولا يتبعض أنه لا ينفصل بعضه عن بعض وأنه لا يكون إلهين اثنين ونحو ذلك مما يقول نحوا منه النصارى والمشركون فإن هذا مما لا ينازعهم فيه المسلمون وهو حق لا ريب فيه وكذلك كان علماء السلف ينفون التبعيض عن الله بهذا المعنى وإنما مرادهم بذلك أنه لا يشهد ولا يرى منه شيء دون شيء ولا يدرك منه شيء دون شيء ولا يعلم منه شيء دون شيء ولا يمكن أن يشار منه إلى شيء دون شيء بحيث أنه ليس له في نفسه حقيقة عندهم قائمة بنفسها يمكنه هو أن يشير منها إلى شيء دون شيء أو يرى عباده منها شيئا دون شيء بحيث إذا تجلى لعباده يريهم من نفسه المقدسة ما شاء فإن ذلك غير ممكن عندهم ولا يتصور عندهم أن يكون العباد محجوبين عنه بحجاب منفصل عنهم يمنع أبصارهم عن رؤيته فإن الحجاب لا يحجب إلا ما هو جسم منقسم ولا يتصور عندهم أن الله يكشف عن وجهه الحجاب ليراه المؤمنون ولا أن يكون على وجهه حجاب أصلا ولا أن يكون بحيث يلقاه العبد أو يصل إليه أو يدنو منه أو يقر إليه في الحقيقة فهذا ونحوه هو المراد عندهم بكونه لا ينقسم ويسمون ذلك نفي التجسيم إذ كل ما ثبت له ذلك كان جسما منقسما مركبا والباري منزه عندهم عن هذه المعاني

والمعنى الثاني: من معاني الواحد عندهم هو الذي لا شبيه له وهذه الكلمة أقرب إلى الإسلام لكن أجملوها فجعلوا نفي الصفات أو بعضها داخلا في نفي التشبيه واضطربوا في ذلك على درجات لا تنضبط

والمعتزلة تزعم أن نفي العلم والقدرة وغير ذلك من التوحيد ونفي التجسيم والتشبيه والصفاتية تقول ليس ذلك من التوحيد ونفي التجسيم والتشبيه ثم هؤلاء مضطربون فيما ينفونه من ذلك لكن وافقوا أولئك على أن ما نفوه من التشبيه وما نفوه من المعنى الذي سموه تجسيما وهو التوحيد الذي لا يتم الدين إلا به وهو أصل الدين عندهم وكل من سمع ما جاءت به الرسل يعلم بالاضطرار أن هذه الأمور ليست مما بعث الله به رسوله ولم يكن الرسول يعلم أمته هذه الأمور ولا كان أصحاب رسول الله فكيف يكون هذا التوحيد الذي هو أصل الدين لم يدع إليه رسول الله والصحابة والتابعون بل يعلم بالاضطرار أن الذي جاء به الرسول من الكتاب والسنة يخالف هذا المعنى الذي سماه هؤلاء الجهمية توحيدا ولهذا ما زال سلف الأمة وأئمتها ينكرون ذلك

كما روى الشيخ أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي في ذم الكلام قال سمعت عبد الرحمن بن جابر السلمي قال سمعت محمد بن عقيل بن الأزهر الفقيه يقول جاء رجل إلى المزني فسأله عن شيء من الكلام فقال إني أكره هذا بل أنهي عنه كما نهى عنه الشافعي ولقد سمعت الشافعي يقول سئل مالك عن الكلام في التوحيد قال مالك محال أن يظن بالنبي أنه علم أمته الاستنجاد ولم يعلمهم التوحيد بالتوحيد ما قاله النبي [ أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ] فما عصم به الدم والمال فهو حقيقة التوحيد ذلك شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري في كتاب ذم الكلام والشيخ أبو الحسن الكرخي في كتاب الفصول في الأصول

وروى أيضا أبو عبد الرحمن السلمي ومن طريقة شيخ الإسلام حدثنا محمد بن محمود الفقيه بمرو حدثنا محمد بن عمير حدثنا أبو يحيى زكريا بن أيوب العلاف النجيبي بمصر حدثنا يونس بن عبد الأعلى حدثنا أشهب بن عبد العزيز سمعت مالك بن أنس يقول إياكم والبدع قيل يا أبا عبد الله وما البدع قال أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته وكلامه وعلمه وقدرته ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون لهم بإحسان

ورويا أيضا ما ذكره أيضا الشيخ أبو عبد الرحمن حدثنا محمد بن جعفر بن مطر سمعت شكرا سمعت أبا سعيد البصري سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول دخلت على مالك وعنده رجل يسأله عن القرآن فقال لعلك من أصحاب عمرو بن عبيد لعن الله عمرا فإنه ابتدع هذه البدع من الكلام ولو كان الكلام علما لتكلم فيه الصحابة والتابعون كما تكلموا في الأحكام والشرائع ولكنه باطل يدل على باطل وهذا صريح في رد الكلام والتوحيد الذي كان تقوله المعتزلة والجهمية وليس له أصل عن الصحابة والتابعين بخلاف ما روي من الآثار الصحيحة في الصفات والتوحيد عن الصحابة والتابعين فإن ذلك لم ينكروه إنما أنكروا الكلام والتوحيد المبتدع في أسماء الله وصفاته وكلامه

وقال أبو عبد الرحمن حدثنا أبو القاسم بن مستويه حدثنا حامد بن رستم حدثنا الحسين بن مطيع حدثنا إبراهيم بن رستم عن نوح الجامع قال قلت لأبي حنيفة ما تقول فيما أحدث الناس من الكلام في الأعراض والأجسام فقال مقالات الفلاسفة عليك بالأثر وطريقة السلف وإياك وكل محدثة فإنها بدعة

وقال حدثنا عبد الله بن أحمد بن سعيد البخاري سمعت سعيد بن الأحنف سمعت الفتح بن علوان سمعت أحمد بن الحجاج سمعت محمد بن الحسين صاحب أبي حنيفة يقول: قال أبو حنيفة لعن الله عمرو بن عبيد فإنه فتح للناس الطريق إلى الكلام فيما لا يعنيهم من الكلام وكان أبو حنيفة يحثنا على الفقه وينهانا عن الكلام

وقال شيخ الإسلام أبو الفضل الحادودي أنبأ إبراهيم بن محمد حدثنا زكريا بن يحيى سمعت محمد بن إسماعيل يقول سمعت الحسين بن علي الكرانيسي يقول شهدت الشافعي ودخل عليه بشر المريسي فقال لبشر أخبرني عما تدعو إليه أكتاب ناطق وفرض مفترض وسنة قائمة ووجدت عن السلف البحث فيه والسؤال فقال بشر لا إلا أنه لا يسعنا خلافه فقال الشافعي أقررت على نفسك بالخطأ فأين أنت من الكلام في الفقه والأخبار يواليك الناس عليه وتترك هذا قال لنا نتهمه فيه فلما خرج بشر قال الشافعي لا يفلح

وروى شيخ الإسلام عن المزني وعن الربيع قال المزني سمعت الشافعي يقول للربيع يا ربيع اقبل مني ثلاثة أشياء: لا تخوض في أصحاب رسول الله فإن خصمك النبي يوم القيامة ولا تشتغل بالكلام فإني قد اطلعت من أهل الكلام عن التعطيل زاد المزني ولا تشتغل بالنجوم فإنه يجر إلى التعطيل وهذا التوحيد الذي يذكره هؤلاء مأخوذ من قول بشر المريسي وذويه: وهذا التوحيد الذي ذكروه هو التعطيل بعينه فإنه لا يصلح أن يكون إلا صفة للمعدوم وقال أبو عبد الرحمن السلمي أيضا رأيت بخط أبي عمرو بن مطر قول سئل ابن خزيمة عن الكلام في الأسماء والصفات فقال بدعة ابتدعوها ولم يكن أئمة المسلمين وأرباب المذاهب وأئمة الدين مثل مالك وسفيان والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحق ويحيى بن يحيى وابن المبارك ومحمد بن يحيى وأبي حنيفة ومحمد بن الحسن وأبي يوسف يتكلمون في ذلك بل كانوا ينهون عن الخوض فيه ويدلون أصحابهم على الكتاب والسنة فإياك والخوض فيه والنظر في كتبهم بحال

قلت: وقول ابن خزيمة الملقب بإمام الأئمة الكلام في الأسماء والصفات هو نظير ما نهى عنه مالك من الكلام في الأسماء والصفات وهو هذا التوحيد الذي ابتدعته الجهمية وأتباعها فإن ابن خزيمة له كتاب مشهور في التوحيد يذكر فيه صفات الله التي نطق بها كتابه وسنة رسوله

قال عبد الرحمن سمعت أبي يقول قلت لأبي العباس ابن سريج ما التوحيد قال توحيد أهل العلم وجماعة المسلمين أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتوحيد أهل الباطل الخوض في الأعرض والأجسام وإنما بعث النبي بإنكار ذلك وهذا موافق لما تقدم فبين أن الخوض في الجسم والعرض ونفي ذلك وجعل ذلك من التوحيد هو قول أهل الباطل فكيف بمن جعله أصل الدين كما قال شيخ الإسلام سمعت أحمد بن الحسن أنبأنا الأشعث يقول قال رجل لبشر بن أحمد أبي سهل الأسفرائيني إنما أتعلم الكلام لأعرف به الدين فغضب وسمعته قال أو كان السلف من علمائنا كفارا وقال أبو عمر بن عبد البر الذي أقول أنه إذا نظر إلى إسلام أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسعد وسعيد وعبد الرحمن وسائر المهاجرين والأنصار وجميع الوفود الذين دخلوا في دين الله أفواجا علم أن الله عز وجل لم يعرفه واحد منهم إلا بتصديق النبيين وبأعلام النبوة ودلائل الرسالة لا من قبل حركة ولا سكون ولا من باب البعض والكل ولا من باب كان ويكون ولو كان النظر في الحركة والسكون عليهم واجبا في الجسم ونفيه وفي التشبيه ونفيه لازما ما أضاعوه وما أضاعوا الواجب لما نطق القرآن بتزكيتهم وتقديمهم ولا أطنب في مدحهم وتعظيمهم ولو كان ذلك من علمهم مشهورا ومن أخلاقهم معروفا لاستفاض عنهم واشتهروا بالقرآن والروايات

فذكر أبو عمر أن ما يدخله هؤلاء في أصول الدين والتوحيد من الجسم ونفيه والتشبيه ونفيه والاستدلال بالحركة والسكون لو كان من الدين لما أضاعه خيار هذه الأمة فعلم أنه ليس من الدين وكلام علماء الملة في هذا الباب يطول وإنما الغرض التنبيه على أن ما سماه هؤلاء توحيدا وجعلوه هو نفي التجسيم والتشبيه إنما هو شيء ابتدعوه لم يبعث الله به رسله ولا أنزل به كتبه وقد اعترف بذلك حذاقهم كما ذكره أبو حامد الغزالي في كتاب إحياء علوم الدين ووافقه فيه أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب منهاج القاصدين لما ذكر الأسماء التي عرف مسمياتها فذكر العلم والفقه والتوحيد قال

ولهذا لما كان أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب وأبو الحسن الأشعري وأبو العباس القلانسي ممن أخذ أصل الكلام في التوحيد عن المعتزلة وخالفوهم في بعض دون بعض يقع في كلامهم من هذا التوحيد المبتدع المخالف للتوحيد المنزل من عند الله ما يقع كان الناس ينبهون على ذلك حتى ذكر شيخ الإسلام قال سمعت عدنان بن عبده النميري يقول سمعت أبا عمر البسطامي يقول كان أبو الحسن الأشعري أولا ينتحل الاعتزال ثم رجع فتكلم عليهم وإنما مذهبه التعطيل إلا أنه رجع من التصريح إلى التمويه وقال الشيخ أبو نصر السجزي في رسالته إلى أهل اليمين ولقد حكى لي محمد بن عبد الله المالكي المغربي وكان فقيها صالحا عن الشيخ أبي سعيد البرقي وهو من شيوخ فقهاء المالكيين ببرقة عن أستاذه خلف المعلم وكان من فقهاء المالكيين أنه قال الأشعري أقام أربعين سنة على الاعتزال ثم أظهر التوبة فرجع عن الفروع وثبت على الأصول قال أبو نصر هذا كلام خبير بمذهب الأشعري وعورته ولهذا قال محمد بن خويز منداد إمام المالكية في وقته في العراق في الكلام الذي ذكره عنه أبو عكر ابن عبد البر قال أهل البدع والأهواء عند مالك وأصحابه الذين ترد شهادتهم هم أهل الكلام قال فكل متكلم فهو عندهم من أهل الأهواء والبدع عند مالك وأصحابه وكل متكلم فهو عندهم من أهل أشعريا كان أو غير أشعري

والمعنى الثالث: من معاني التوحيد عند هؤلاء الأشعرية كالقاضي أبي بكر وغيره هو أنه سبحانه لا شريك له في الملك بل هو رب كل شيء وهذا معنى صحيح وهو حق وهو أجود ما اعتصموه به من الإسلام في أصولهم حيث اعترفوا فيها بأن الله خالق كل شيء ومربيه ومدبره والمعتزلة وغيرهم يخالفوهم في ذلك حيث يجعلون بعض المخلوقات لم يخلقها الله ولم يحدثها لكن مع هذا قد ردوا قولهم ببدع غلوا فيها وأنكروا ما خلقه الله من الأسباب وأنكروا ما نطق به الكتاب والسنة من أن الله يخلق الأشياء بعضها ببعض وغير ذلك مما ليس هذا موضعه فهذه المعاني الثلاثة هي التي يقولون أنها معنى اسم الله الواحد وهي التوحيد وفيها من البدع التي خولف بها الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة ما قد نبهنا على بعضه

وأما التوحيد الذي ذكره الله في كتابه وأنزل به كتبه وبعث به رسله واتفق عليه المسلمون من كل ملة فهو كما قال الأئمة شهادة أن لا إله إلا الله وهو عبادة الله وحده لا شريك له كما بين ذلك بقوله: { وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم } فأخبر أن الإله إله واحد لا يجوز أن يتخذ إله غيره فلا يعبد إلا إياه كما قال في السورة الأخرى: { وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون } وكما قال: { لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا } إلى قوله: { فتلقى في جهنم ملوما مدحورا } وكما قال: { تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم * إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين * ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } وكما قال: { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر }

والشرك الذي ذكره الله في كتابه إنما هو عبادة غيره من المخلوقات كعبادة الملائكة أو الكواكب أو الشمس أو القمر أو الأنبياء أو تماثيلهم أو قبورهم أو غيرهم من الآدميين ونحو ذلك مما هو كثير في هؤلاء الجهمية ونحوهم ممن يزعم أنه محق في التوحيد وهو من أعظم الناس إشراكا وقال تعالى: { قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون } وقال: { قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون * ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين * بل الله فاعبد وكن من الشاكرين } وقال تعالى: { وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون } وقال تعالى: { وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا } وقال تعالى: { وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب * أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب * وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد * ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق } وقال تعالى: { إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون * ويقولون أإنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون } وقال تعالى: { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون }

قال ابن عباس وعطاء وعكرمة ومجاهد يسألهم من خلق السموات والأرض فيقولون الله وهم مع هذا يعبدون غيره ويشركون به ويقولون له ولد وثالث ثلاثة فكان الكفار يقرون بتوحيد الربوبية وهو نهاية ما يثبته هؤلاء المتكلمون إذا سلموا من البدع فيه وكانوا مع هذا مشركين لأنهم كانوا يعبدون غير الله وقال تعالى: { واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون } وقال تعالى: { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون } وقال تعالى: { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة }

فبين سبحانه أنه بهذا التوحيد بعث جميع الرسل وأنه بعث إلى كل أمة رسولا به وهذا هو الإسلام الذي لا يقبل الله من الأولين ولا من الآخرين دينا غيره قال تعالى: { أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون * قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون * ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين } فدين الله أن يدينه العباد ويدينون له فيعبدونه وحده ويطيعونه وذلك هو الإسلام له فمن ابتغى غير هذا دينا فلن يقبل منه وكذلك قال في الآية الأخرى: { شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم * إن الدين عند الله الإسلام } فذكر أن الدين عند الله الإسلام بعد إخباره بشهادته وشهادة الملائكة وأولي العلم أنه لا إله إلا هو

والإله هو المستحق للعبادة فأما من اعتقد في الله أنه رب كل شيء وخالقه وهو مع هذا يعبد غيره فإنه مشرك بربه متخذ من دونه إلها آخر فليست الإلهية هو الخلق أو القدرة على الخلق أو القدم كما يفسرها هؤلاء المبتدعون في التوحيد من أهل الكلام إذ المشركون الذين شهد الله ورسوله بأنهم مشركون من العرب وغيرهم لم يكونوا يشكون في أن الله خالق كل شيء وربه فلو كان هذا هو الإلهية لكانوا قائلين إنه لا إله إلا هو فهذا موضع عظيم جدا ينبغي معرفته لما قد لبس على طوائف من الناس أصل الإسلام حتى صاروا يدخلون في أمور عظيمة هي شرك ينافي الإسلام لا يحسبونها شركا وأدخلوا في التوحيد والإسلام أمورا باطلة ظنوها من التوحيد وهي تنافيه وأخرجوا من الإسلام والتوحيد أمورا عظيمة لم يظنوها من التوحيد وهي أصله فأكثر هؤلاء المتكلمين لا يجعلون التوحيد إلا ما يتعلق بالقول والرأي واعتقاد ذلك دون ما يتعلق بالعمل والإرادة واعتقاد ذلك بل التوحيد الذي لا بد منه لا يكون إلا بتوحيد الإرادة والقصد وهو توحيد العبادة وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله أن يقصد الله بالعبادة ويريده بذلك دون ما سواه وهذا هو الإسلام فإن الإسلام يتضمن أصلين:

أحدهما: الاستسلام لله والثاني: أن يكون ذلك له سالما فلا يشركه أحد في الإسلام له وهذا هو الاستسلام لله دون ما سواه وسورة قل يا أيها الكافرون تفسر ذلك ولا ريب أن العمل ومقصده مسبوق بالعلم فلا بد أن يعلم ويشهد أن لا إله إلا الله وأما التوحيد القولي الذي هو الخبر عن الله ففي سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن وفيها اسمه الأحد الصمد وكل هذين الاسمين يدل على نقيض مذهب هؤلاء الجهمية كما بيناه في موضعه وعبادة الله وحده يدخل فيها كمال المحبة لله وحده وكمال الخوف منه وحده والرجاء له والتوكل عليه وحده والتوكل عليه كما يبين القرآن ذلك في غير موضع فكل من أصول التوحيد الذي أوجب الله على عباده وبذلك يكون الدين كله لله كما أمر الله رسله والمؤمنين بالقتال إلى هذه الغاية حيث يقول: { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله }

الوجه الحادي والستون: إن القرآن قد نطق بأن لله كلمات في غير موضع من كتابه كقوله: { وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته } وقوله: { ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله } وقال: { قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا } وقال: { فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته } وقال تعالى: { يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين } وقال تعالى: { ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور } وقال: { وصدقت بكلمات ربها وكتبه } وكذلك تواتر عن النبي الاستعاذة بكلمات الله التامات

وهذا وأمثاله صريح في تعدد كلماته فكيف يقال ليس كلامه إلا معنى واحدا لا عدد فيه أصلا وهذا قد أوردوه وذكروا جوابهم عنه فقال القرطبي فيما ذكره من كلام ابن فورك فإن قيل هذا الذي قلتم يوجب أن تكون التوراة والإنجيل والزبور والفرقان وسائر كتب الله شيئا واحدا والرب تعالى قد أثبت لنفسه كلمات وقال: { ما نفدت كلمات الله } وقال: { وتمت كلمة ربك } وقال: { وصدقت بكلمات ربها وكتبه }

قلنا: إن الرب سبحانه أثبت لنفسه كلمات وأنزل الكتب كذلك وسمى نفسه بأسماء كثيرة وأثبتها في التنزيل فقال: { ولله الأسماء الحسنى } وقال رسول الله : [ لله تسع وتسعون اسما ] أفتقولون بتعدد المسمى لتعديد الأسامي أو تقولون الأسماء تدل على مسمى واحد بنعوت الجلال

فإن قلت التسميات تتعدد والمسمى واحد فكذلك نقول في الكلام إنه واحد لا يشبه كلام المخلوقات ولا هو بلغة من اللغات ولا يوصف بأنه عربي أو فارسي أو عبراني لكن العبارات عنه تكثر وتختلف فإذا قرئ كلام الله بلغة العرب سمي قرآنا وإذا قرئ بلغة العبرانية أو الفارسية سمي توراة وإنجيلا كذلك الرب سبحانه يوصف بالعربية ( الرحمن الرحيم وبالفارسية خداي بزرك وبالتركية سركوي ) ونحو ذلك وهو سبحانه واحد والتسمية الدالة عليه تكثر وكذلك هو سبحانه معبود في السماء ومعبود في الأرض بعبادات وقصود متباينة وكذلك هو سبحانه مذكور الذاكرين بأذكار مختلفة وكذلك الكلام يكتب ويقرأ ويفسر بقراءات مختلفة وأذكار متفاوتة وكتابة متباينة وقوله: { ما نفدت كلمات الله } قد قيل: إنما سمي كلامه كلمات لما فيه من فوائد الكلمات ولأنه ينوب منابها فجازت العبارة عنه بصيغة الجمع تعظيما وفي قريب من هذا المعنى قول الحق: { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } وكذلك قوله: { وإنا لنحن نحيي ونميت } وكذلك قوله: { إن إبراهيم كان أمة قانتا لله } لأنه مناب أمة وكذلك قوله: { ونضع الموازين القسط } والمراد ميزان واحد وقيل ما تقدمت العبارات والدلالات التي تدل على مفهومات معاني كلامه:

قلت: فهذا ما ذكروه ومن تدبر ذلك علم أنه من أبطل القول وأفسد القياس فإنهم أوردوا سؤالين:

أحدهما: إن هذا يوجب أن تكون التوراة والإنجيل وسائر كتب الله شيئا واحدا

والثاني: إن الرب أثبت لنفسه كلمات ثم جعل الجواب عن الأول: إن هذا مثل أسماء الله الحسنى هي متعددة ومتنوعة اللغات والمسمى واحدا فكذلك هذه الكتب مع تعددها وتنوعها هي عبارة عن معنى واحد ومن المعلوم أن هذا باطل في الأصل المقيس عليه وفي الفرع أما في الأصل فلأن أسماء الله الحسنى ليست مترادفة بحيث يكون معنى كل اسم هو معنى الاسم الآخر ولا هي أيضا متباينة التباين في المسمى وفي صفته بل هي من جهة دلالتها على المسمى كالمترادفة ومن جهة دلالتها على صفاته كالمتباينة وهذا القسم كثير ومنه أسماء النبي وأسماء القرآن وغير ذلك وبعض الناس يجعل هذا قسما من المترادف وبعضهم يجعله من المتباين قسما ثالثا قد يسميه المتكافئ والمقصود فهم المعنى فإذا قيل الرحمن الرحيم وقيل العليم القدير وقيل السميع البصير:

فالأول يدل على المسمى بصفة الرحمة والثاني يدل عليه بصفة العلم والثالث بصفة القدرة والرابع بصفة السمع والخامس بصفة البصر وهذه الصفات ليس أحدها هو الآخر وهذا مما لا ينازع فيه هؤلاء ولا غيرهم فصفات كل اسم يدل من صفات الرب على ما لم يدل عليه الآخر مع اتفاقها في الدلالة على المسمى نعم وقد يدل الاسم على معنى الآخر بطريق اللزوم فإنه يدل على الذات والذات تستلزم جميع الصفات لكن دلالة اللزوم ليست هي دلالة الاسم اللغوية واللزوم أيضا يحتاج إلى أن تعرف تلك الصفات من غير الاسم هو الدال عليها وإذا كان كذلك فتعدد أسماء الله تعالى لم يقتض تعدد المسمى ولكن اقتضى تعدد صفاته التي دلت عليها تلك الأسماء وهؤلاء ينازعون في تعدد الصفات في الجملة ومحققوهم لا يقولون إنها محصورة بعدد بل يقولون هذا الذي علمناه وقد يكون له من الصفات ما لا نعلمه وإذا كانت معاني الأسماء متعددة وإن كان المسمى واحدا لم يكن هذا نظيرا لما ادعاه من تكثر العبارات مع اتحاد المعنى المعبر عنه

وأما اختلاف الأسماء بالعربية وغيرها من الألسن فهذا على وجهين تارة تكون تلك الأسماء العجمية تدل على صفات ليست هي الصفة التي تدل عليها الاسم العربي فيكون بمنزلة الأسماء الحسنى بالعربية وتارة يكون معناها معنى الاسم العربي فيكون هذا كالأسماء المترادفة ولولا تنوع معاني الأسماء لم يكن لبعضها على بعض مزية ولا كان في اختصاص بعض الناس بعلم بعضها فضيلة ولا كان الدعاء ببعضها أوكد من الدعاء ببعض

وقد قال النبي في الحديث المشهور الذي رواه أحمد في مسنده عن ابن مسعود عن النبي قال: [ ما أصاب عبدا قط هم ولا غم ولا حزن فقال اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك اللهم بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور بصري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي إلا أذهب الله همه وغمه وأبدله مكانه فرحا قالوا: يا رسول الله أفلا نتعلمهن قال: بلى ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن ] وكذلك قوله في حديث لقد دعا الله باسمه إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى وقوله أسألك باسمك العظيم الأعظم الكبير الأكبر وقوله في حديث اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين

الوجه الثاني والستون: إن أسماء الله الحسنى مع أنها تدل على ذاته الموصوفة بصفات متعددة فليس دلالة الكتب المنزلة من السماء على كلامه كدلالة أسمائه على نفسه المقدسة فإن الاسمين يشتركان في المسمى وينفرد كل منهما بالصفة التي اختص بالدلالة عليها وأما الكلام المنزل فكل من الكلامين له معنى يختص به لا يشاركه الآخر في شيء من معناه كما يشارك الاسم في مسماه فإن آية الكرسي مثلا وقل هو الله أحد ونحوهما دالة على المعنى القائم بالنفس المتعلق بصفات الله تعالى وسورة الدين وسورة تبت يدا أبي لهب وغيرهما لهما معان أخر من ذم بعض المخلوقين والأمر ببعض الأفعال وليس ذم هذا المخلوق والخبر عنه هو مدح الله والثناء عليه ولا معنى هذا هو معنى هذا ولا بينهما قدر مشترك في الخارج أصلا كما بين الاسمين إذ مسماهما واحد موجود وأما معنى هاتين الآيتين فليس هو واحدا أصلا بل هذا المعنى ليس هو هذا المعنى بوجه من الوجوه نعم يشتركان في كون كل منهما كلاما للمتكلم وهذا كاشتراك الحياتين في أن هذه حياة وهذه حياة واشتراك الموجودين في أن هذا وجود وهذا وجود وهذا الاشتراك لا يقتضي أن أحدهما هو الآخر في الخارج أصلا فكذلك معاني هذه العبارات لا تقتضي أن إحداها هي الأخرى في الخارج أصلا وهذا معلوم بالفطرة البديهية وفهمه سهل على من تدبره ومن جحد هذا كان من أظهر الجاحدين للمعارف الفطرية الضرورية وإن سقطت مكالمة أحد لسفسطته فهذا أحق من هؤلاء بهذا ويتضح ذلك بالذي بعده وهو:

الوجه الثالث والستون: وهو قولهم: كذلك نقول في الكلام إنه واحد لا يشبه كلام المخلوقات ولا هو بلغة من اللغات ولا يوصف بأنه عربي أو فارسي أو عبراني لكن العبارات عنه تكثر وتختلف فإذا قرئ كلام الله بلغة العرب سمي قرآنا وإذا قرئ بلغة العبرانية أو السريانية سمي توراة أو إنجيلا فإن هذا الكلام من أفسد ما يعلم فبديهة العقل فساده وهو كفر إذا فهمه الإنسان وأصر عليه فقد أصر على الكفر وذلك أن القرآن يقرأ بالعربية وقد يترجم بحسب الإمكان بالعبرانية أو الفارسية أو غيرهما من الألسن ومع هذا إذا ترجم بالعبرانية لم يكن هو التوراة ولا مثل التوراة ولا معانيه مثل معاني التوراة وكذلك التوراة تقرأ بالعربية وتترجم بالعربية والسريانية ومع هذا فليست مثل القرآن ولا معانيها مثل معاني القرآن وكذلك الإنجيل من المعلوم أنه يقرأ بعدة ألسن وهو في ذلك معانيه ليست معاني التوراة والقرآن فهل يقول من له عقل أو دين أن كلام الله مطلقا إذا قرئ بالعربية كان هو القرآن أو ليس يلزم صاحب هذا أن تكون التوراة والإنجيل إذا فسرا بالعربية كانا هذا القرآن الذي أنزل على محمد بل هذه الأحاديث الإلهية التي يرويها الرسول عن ربه تعالى مثل قوله: [ يقول الله تعالى من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة ] وقوله: [ يقول الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا دعاني ] ونحو ذلك فهذا كلام عربي مأثور عن الله ومع هذا فليس قرآنا ولا مثل القرآن لا لفظا ولا معنى

فكيف يقال في التوراة والإنجيل إذا قرئا بالعربية كان قرآنا وكذلك القرآن إذا ترجم بالعبرية أو السريانية هل يقول من له عقل أو له دين أن ذلك هو التوراة والإنجيل المنزل على موسى وعيسى عليهما السلام وهل يقول عاقل أن كلام الله المنزل بالألسنة المختلفة معناه شيء واحد كالكلام الذي يترجم بألسنة متعددة العلم بفساد هذا من أوضح العلوم البديهية العقلية وقائل هذا لو تدبر ما قال لعلم أن المجانين لا يقولون هذا ومن المعلوم لكل أحد أن الكلام إذا ترجم كما ترجمت العرب كلام الأوائل من الفرس واليونان والهند وغيرهم فتلك المعاني هي المعاني وهي باقية لم تختلف بكونها عربية أو فارسية أو رومية أو هندية

وكذلك لما ترجموا ما ترجموه من كلام الأنبياء قبلنا وأممهم فتلك المعاني هي هي سواء كانت بالعربية أو الفارسية وقد أخبر الله في كتابه عما قالته الأمم قبلنا من الأنبياء وأممهم وهم إنما قالوه بألسنتهم وقصه الله علينا باللسان العربي وتلك المعاني هي هي لم يكن كونها حقا أو باطلا أو إيمانا أو كفرا أو رشدا أو غيا من جهة اختلاف الألسنة بل لأن تلك المعاني هي في نفسها حقائق متنوعة مختلفة أعظم من اختلاف الألسنة واللغات بكثير كثير وأين اختلاف المعاني من اختلاف الألفاظ وإنما ذلك بمنزلة: اختلاف صور بني آدم وألسنتهم بالنسبة إلى اختلاف قلوبهم وعلومهم وقصودهم ومن المعلوم أن اختلاف قلوبهم وعلمها وإرادتها أعظم بكثير من اختلاف صورهم وألوانهم ولغاتهم حتى قد ثبت في الحديث المتفق عليه في الصحيحين أن النبي قال لأبي ذر عن رجلين يا أبا ذر [ هذا خير من ملء الأرض مثل هذا ]

فجعل أحدهما خيرا من ملء الأرض من جنس الآخر وذلك لاختلاف قلوبهم فاختلاف الصور لا يبلغ قريبا من ذلك وهكذا كلام الله الذي أنزله على موسى وهو التوراة والذي أنزله على محمد وهو القرآن لم تكن مغايرة بعضه بعضا بمجرد اختلاف الألسنة بحيث إذا ترجم كل واحد بلغة الآخر صار مثله أو صار هو إياه كما قاله هؤلاء الملحدون في أسماء الله وآياته مع الترجمة يكون لكل منهما معاني ليست هي معاني الآخر ولا مثلها بل التفاوت الذي بين معاني هذه الكتب أعظم من التفاوت الذي بين ألفاظها واللسان العبري قريب من اللسان العربي ومع هذا فمعاني القرآن فوق معاني التوراة بأمر عظيم ثم المسيح إنما كان لسانه عبريا وإنما بعده ترجم الإنجيل بالسريانية أفنرى الإنجيل الذي أنزله الله عليه بالعبرية هو التوراة الذي أنزلت على موسى بل يجب أن يعلم أصلا عظيما

أحدهما: أن القرآن له بهذا اللفظ والنظم العربي اختصاص لا يمكن أن يماثله في ذلك شيء أصلا أعني خاصة في اللفظ وخاصة فيما دل عليه من المعنى ولهذا لو فسر القرآن ولو ترجم فالتفسير والترجمة قد يأتي بأصل المعنى أو يقر به وأما الإتيان بلفظ يبين المعنى كبيان لفظ القرآن فهذا غير ممكن أصلا ولهذا كان أئمة الدين على أنه لا يجوز أن يقرأ بغير العربية لا مع القدرة عليها ولا مع العجز عنها لأن ذلك يخرجه عن أن يكون هو القرآن المنزل ولكن يجوز ترجمته كما يجوز تفسيره وإن لم تجز قراءته بألفاظ التفسير وهي إليه أقرب من ألفاظ الترجمة بلغة أخرى

الأصل الثاني: إنه إذا ترجم أو قرئ بالترجمة فله معنى يختص به لا يماثله فيه كلام أصلا ومعناه أشد مباينة لسائر معاني الكلام من مباينة لفظه ونظمه لسائر اللفظ والنظم والإعجاز في معناه أعظم بكثير من الإعجاز في لفظه وقوله تعالى: { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا } يتناول ذلك كله فكيف يقال الكلام المقروء بالعربية والسريانية من التوراة والإنجيل والمترجم بالفارسية والتركية من ذلك هو الكلام المقروء بالعربية الذي هو القرآن مع أنه بالبديهة نعلم أنه ليس مثله لا في لفظ ولا في معنى فضلا عن أن يكون هو إياه وهل يقول من له عقل أو دين يفهم ما يقول أن هذه الكتب والكلام المنزل هي في الدلالة على معناها كدلالة أسماء الله عليه أم يعلم كل أحد أسماء الله مع تنوع ما دلت عليه من الصفات والمسمى واحد وأما الكلام فيكون معنى هذا الكلام ليس هو معنى الآخر

وينبغي أن يعلم أنه ليس مقصودنا عموم النفي بل مقصودنا نفي العموم فإنا لا ننكر أن الكلامين قد يتفقان في المعنى وقد ينزل الله سبحانه على نبي بلغة المعنى الذي أنزله على الآخر فيكون المعنى واحدا واللفظ مختلفا وهذا كثير جدا فإنا نحن لم ننكر أن معاني الألفاظ تتفق لكن المنكر أن يقال جميع معاني ألفاظ الكتب متفقة وهي معنى واحد وأن معنى ما أنزل على هذا النبي هو بعينه ذلك المعنى وأن جميع ألفاظ القرآن معناها واحد ومعنى سورة الدين هو معنى آية الكرسي وأن معنى قل هو الله أحد معنى تبت يدا أبي لهب ومعنى المعوذتين وهذا لو عرض على من له أدنى تمييز من الصبيان لعلم ببديهة عقله أنه من أعظم الباطل فتدبر كيف ضلوا في زعمهم أن معنى واحد لاتحاد المسمى ثم ضلوا أعظم ضلال في أن كلام الله أنزله معناه معنى واحد وإنما تختلف أسماؤه لاختلاف الألسنة وشبهوه بالأسماء فلو كان الكلام معنى واحدا وله صفات متعددة لكانوا قد ضلوا من وجه ولكن معنى قل هو الله أحد ليس هو معنى تبت يدا أبي لهب بوجه من الوجوه فلا يصح أن يقال ذلك مثل الرحمن الرحيم السميع العليم إذ المدلول هنا واحد في نفسه وله صفات والمدلول هنا في إحدى السورتين ليس هو المدلول في السورة الأخرى بوجه من الوجوه

وأما تشبيههم ذلك بكون الله معبودا بعبادات متنوعة فهو أوضح من أن يحتاج إلى الفرق فلهذا لم نحتج إلى الكلام عليه إذ تشبيه ذلك بأسماء الله تعالى أقوى اشتباها وقد ظهر ما فيه فكيف بتشبيه كتب الله المنزلة بالنسبة إلى ما ادعوه من المعنى الواحد بعبادة العابدين بالنسبة إلى الله تعالى

وبهذا يتبين لك أن من قال منهم إن القرآن محفوظ بالقلوب حقيقة مقروء بالألسنة حقيقة مكتوب في المصاحف حقيقة كما أن الله معلوم بالقلوب مذكور بالألسنة مكتوب في المصاحف حقيقة فهو يقصد هذا التلبيس من جعل الكتب المنزلة وسائر كلام الله بالنسبة إلى ما ادعوه من ذلك المعنى النفساني كسائر أسماء الله بالنسبة إلى نفسه وقد تبين لك أن هذا من أفسد القياس فالحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به كثيرا من عباده وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلا وبهذا وأمثاله تعلم أن القائلين بخلق القرآن وإن كانوا أخبث قولا من جهات مثل نفيهم أن يقوم بالله كلام فهؤلاء أخبث منهم من جهات أخر مثل منعهم أن يكون كلام الله ما هو كلامه وجعلهم كلام الله شيئا لا حقيقة له وغير ذلك


الفتاوى الكبرى لابن تيمية
كتاب السنة والبدعة: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | كتاب الطهارة: | 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | كتاب الصلاة: | 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | كتاب الذكر والدعاء | 1 | 2 | 3 | 4 | كتاب الصيام: 1 | 2 | 3 | كتاب الجنائز: 1 | 2 | 3 | 4 | كتاب النكاح: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | كتاب الطلاق: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | | كتاب النفقات | كتاب الحدود: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | كتاب الجهاد: 1 | 2 | كتاب البيوع: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | كتاب الشهادة والأقضية والأموال: 1 | 2 | كتاب الوقف: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | كتاب الوصايا | كتاب الفرائض | كتاب الفضائل: 1 | 2 | كتاب الملاهي | مسائل منثورة: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | كتاب الطهارة2 | كتاب الصلاة2: 1 | 2 | كتاب الجنائز2 | كتاب الزكاة2 | كتاب الصوم2 | كتاب الحج | كتاب البيع: 1 | 2 | كتاب الوصية | كتاب الفرائض | كتاب العتق | كتاب النكاح2: 1 | 2 | كتاب الخلع | كتاب الطلاق2 | كتاب الرجعة | كتاب الظهار | كتاب الجنايات | كتاب الأطعمة | كتاب الأيمان | باب القضاء | كتاب إقامة الدليل على إبطال التحليل | كتاب في الرد على الطوائف الملحدة والزنادقة والجهمية والمعتزلة والرافضة: 1 |2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16