الفتاوى الكبرى/كتاب في الرد على الطوائف الملحدة والزنادقة والجهمية والمعتزلة والرافضة/14

الوجه السابع والسبعون: إنه قد اشتهر بين علماء الأمة وعامتها أن حقيقة قول هؤلاء: إن القرآن ليس كلام الله وهو كما اشتهر بين الأمة وذلك أنهم يصرحون بأن حروف القرآن لم يتكلم الله بها بحال فهذا إقرار منهم بأن نصف مسمى القرآن وهو لفظه ونظمه وحروفه لم يتكلم الله بها فلا يكون كلامه وإن كان قد قال بعض متأخريهم إنها تسمى كلاما حقيقة فهم بين أمرين:

إن أقروا بأنها كلام الله حقيقة مع كونها مخلوقة في غيره بطل أصلهم الذي أفسدوا به قول المعتزلة: إن الكلام إذا قام بمحل كان لذلك المحل لا لمن أحدثه

وأما المعاني فإنهم يزعمون أن ليس كلام الله إلا معنى واحد هو الأمر بكل شيء والنهي عن كل شيء والخبر عن كل شيء وهذا معلوم بالضرورة بعد تصوره وهو مستلزم لأن تكون معاني القرآن ليست كلام الله أيضا إذا كان هذا الذي ادعوه لا يجوز أن يكون له حقيقة فضلا عن أن يكون صفة لموصوف أو يكون كلاما فتبين أن الله لم يتكلم عندهم بالقرآن لا بحروفه ولا بمعانيه وهذا أمر قاطع لا مندوحة لهم عنه وينضم إليه أيضا أن القرآن المنزل حروفه ومعانيه هم يصرحون أيضا بأنها ليست كلام الله فظهر أنهم يقولون إن القرآن ليس كلام الله

وأما الجهمية المحضة كالمعتزلة فهم وإن كانوا يقولون إن القرآن مخلوق فأكثرهم يطلقون القول بأن القرآن كلام الله لكن حقيقة قولهم يعود إلى أنه ليس بكلام الله كما يعترف بذلك حذاقهم عند التحقيق من أن الله لم يتكلم ولا يتكلم أو يقولون: الإخبار عنه بأنه متكلم مجازا لا حقيقة

فهؤلاء المعطلة لتكلم الله في الحقيقة أعظم من أولئك لكن تظاهر هؤلاء بأن القرآن كلام الله أعظم من تظاهر أولئك وبذلك يتبين أن نفي الكلام عن الله على قول هؤلاء المعتزلة أوكد وأقوى ونفى كون القرآن كلام الله على قول أولئك هو أظهر وأبين لك عند التحقيق فأولئك أيضا يقولون ذلك فهم أعظم إلحادا في الحقيقة في أسماء الله وآياته وأولئك أسخف قولا

الوجه الثامن والسبعون: إنه ما زال أئمة الطوائف: طوائف الفقهاء وأهل الحديث وأهل الكلام يقولون: إن هذا القول الذي قاله ابن كلاب والأشعري في القرآن والكلام من أنه معنى قائم بالذات وأن الحروف ليست من الكلام قول مبتدع مخالف لأقوال سلف الأمة وأئمتها مسبوق بالإجماع على خلافه حتى الذين يحبون الأشعري ويمدحونه بما كان منه من الرد على أهل البدع الكبار من المعتزلة والرافضة ونحوهما ويذبون عنه عند من يذمه ويلعنة ويناصحون عنه من أئمة الطوائف يعترفون بذلك ويقولون إنا نخالفه في ذلك ويجعلون ذلك من أقواله المتروكة إذ لكل عالم خطأ من قوله يترك أو يمسكون عن نص هذا القول والدعاء إليه لعلمهم بما فيه من التناقض والاضطراب

واعتبر ذلك بما ذكر أبو محمد عبد الله بن يوسف الجويني والدأبي المعالي في آخر كتاب حققه سماه عقيدة أصحاب الإمام المطلبي الشافعي وكافة أهل السنة والجماعة وقد نقل هذا منه الحافظ أبو القاسم بن عساكر في مناقبه الذي سماه تبيين كذب المفتري فيما ينسب إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري وجمع فيه ما أمكنه من مناقبه وأدخل في ذلك أمورا أخرى يقوي بها ذلك

قال أبو محمد الجويني: ونعتقد أن المصيب من المجتهدين في الأصول والفروع واحد ويجب التعيين في الأصول فأما في الفروع فربما يتأتى التعيين وربما لا يتأتى ومذهب الشيخ أبي الحسن رحمه الله تصويب المجتهدين في الفروع وليس ذلك مذهب الشافعي رضي اله عنه وأبو الحسن أحد أصحاب الشافعي رضي اله عنه فإذا خالفه في شيء أعرضنا عنه فيه

ومن هذا القبيل قوله: لا صيغة للألفاظ ويقل ويعز مخالفته أصول الشافعي ونصوصه وربما نسب المبتدعون إليه ما هو بريء عنه كما نسبوا إليه أنه يقول ليس في المصحف قرآن ولا في القبر نبي وكذلك الاستثناء في الأيمان ونفي القدرة على الحلق في الأزل وتكفير العوام وإيجاب علم الدليل عليهم

قال: وقد تصفحت ما تصفحت من كتبه فوجدتها كلها خلاف ما نسب إليه ولا عجب أن اعترضوا عليه واقترضوا فإنه رحمه الله فاضح القدرية وعامة المبتدعة وكاشف عوراتهم ولا خير فيمن لا يعرف حاسده

وقال الشيخ الإمام أبو حامد الإسفرائيني في كتابه في أصول الفقه الذي شرح فيه رسالة الشافعي وسماه التعليق: مسألة في أن الأمر أمر لصيغته أو لقرينة تقترن به: اختلف الناس في الأمر هل له صيغة تدل على كونه أمرا أو ليس له ذلك؟ على ثلاثة مذاهب:

فذهب أئمة الفقهاء إلى أن ذلك الأمر له صيغة تدل بمجردها على كونه أمرا إذا انفردت عن القرائن وذلك مثل قول القائل: افعل كذا وكذا وإذا وجب ذلك عاريا عن القرائن كان أمرا ولا يحتاج في كونه أمرا إلى قرينة هذا مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة والأوزاعي وجماعة أهل العلم وهو قول البلخي من المعتزلة

وذهبت المعتزلة بأسرها غير البلخي إلى أن لا صيغة له ولا يدل اللفظ بمجرده على كونه أمرا وإنما يكون أمرا بقرينة تقترن به وهي الإرادة

إلى أن قال: وذهب الأشعري ومن تابعه إلى أن الأمر هو معنى قائم بنفس الآمر لا يفارق الذات ولا يغايرها وكذلك عنده سائر أقسام الكلام من النهي والخبر والاستخبار وغير ذلك وسواء هذا في أمر الله وأمر الآدميين إلا أن أمر الله تعالى مختص بكونه قديم وأمر الآدمي محدث وهذه الأصوات والألفاظ ليست عندهم أمرا ولا نهيا وإنما هي عبارة عنه

قال: وكان ابن كلاب عبد الله بن سعيد القطان يقول: هي حكاية عن الآمر وخالفه أبو الحسن الأشعري رحمه الله في ذلك فقال: لا يجوز أن يقال إنها حكاية لأن الحكاية تحتاج إلى أن تكون مثل المحكي ولكن هي عبارة عن الأمر القائم بالنفس وتقرر مذهبهم على هذا فإذا كان هذا حقيقة مذهبهم فليس يتصور بيننا وبينهم خلاف في أن الأمر له صيغة أم لا فإنه إذا كان الأمر عندهم هو المعنى القائم بالنفس فذلك المعنى لا يقال إن له صيغة أو ليست له صيغة وإنما يقال ذلك في الألفاظ إلى آخر كلامه

وقال الشيخ أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرخي الشافعي في كتابه الذي سماه الفصول في الأصول عن الأئمة الفحول إلزاما لذوي البدع والفضول وذكر إثنا عشر إماما وهم: الشافعي ومالك والثوري وأحمد والبخاري وابن عيينة وابن المبارك والأوزاعي والليث بن سعد وإسحاق بن راهويه وأبو ذرعة وأبو حاتم قال فيه: سمعت الإمام أبي منصور محمد بن أحمد يقول: سمعت الإمام أبا بكر عبد الله بن أحمد يقول: سمعت الشيخ أبي حامد الإسفرائيني يقول: مذهبي ومذهب الشافعي وفقهاء الأمصار أن كلام الله غير مخلوق ومن قال مخلوق فهو كافر والقرآن حمله جبريل عليه السلام مسموعا من الله تعالى والنبي سمعه من جبريل والصحابة سمعوه من رسول الله وهو الذي نقوله نحن بألسنتنا وفيما بين الدفتين وما في صدورنا مسموعا ومكتوبا ومحفوظا ومنقوشا وكل حرف منه كالباء والتاء كله كلام الله غير مخلوق ومن قال مخلوق فهو كافر عليه لعائن الله والملائكة والناس أجمعين

قال الشيخ أبو الحسن: وكان الشيخ أبو حامد شديد الإنكار على الباقلاني وأصحاب الكلام قال أبو الحسن: ولم يزل الأئمة الشافعية يأنفون ويستنكفون أن ينسبوا إلى الأشعري ويتبرأون مما بنى الأشعري مذهبه عليه وينهون أصحابهم وأحبابهم عن الحوم حواليه على ما سمعت عدة من المشايخ والأئمة منهم الحافظ المؤتمن بن أحمد بن علي الساجي يقولون: سمعنا جماعة من المشايخ الثقات قالوا: كان الشيخ أبو حامد أحمد بن طاهر الإسفرائيني إمام الأئمة الذي طبق الأرض علما وأصحابا إذا سعى إلى الجمعة من قطيعة الكرخ إلى جامع المنصور ويدخل الرباط المعروف بالروزي المحاذي للجامع ويقبل على من حضر ويقول: اشهدوا علي بأن القرآن كلام الله غير مخلوق كما قال أحمد بن حنبل لا كما يقول الباقلاني وتكرر ذلك منه في جمعات فقيل له في ذلك فقال: حتى ينتشر في الناس وفي أهل الصلاح ويشيع الخبر في البلاد أني بريء مما هم عليه يعني الأشعري وبريء من مذهب أبي بكر الباقلاني فإن جماعة من المتفقهة الغرباء يدخلون على الباقلاني خفية فيقرأون عليه فيفتنون بمذهبه فإذا رجعوا إلى بلادهم أظهروا بدعتهم لا محالة فيظن ظان أنهم مني تعلموه وأنا قلته وأنا بريء من مذهب الباقلاني وعقيدته

قال الشيخ أبو الحسن: وسمعت شيخي الإمام أبا منصور الفقيه الأصبهاني يقول: سمعت شيخنا الإمام أبا بكر الزاذقاني يقول: كنت في درس الشيخ أبي حامد الإسفرائيني وكان ينهي أصحابه عن الكلام وعن الدخول على الباقلاني فبلغه أن نفرا من أصحابه يدخلون عليه خفيه لقراءة الكلام فظن أني معهم ومنهم وذكر قصة قال في آخرها: إن الشيخ أبا حامد قال لي: يا بني بلغني أنك تدخل على هذا الرجل يعني الباقلاني فإياك وإياه فإنه مبتدع يدعو الناس إلى الضلال وإلا فلا تحضر مجلسي فقلت: أنا عائذ بالله مما قيل وتائب إليه واشهدوا على أني لا أدخل إليه

قال: وسمعت الفقيه الإمام أبا منصور سعد بن علي العجلي يقول: سمعت عدة مشايخ والأئمة ببغداد أظن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي أحدهم قالوا: كان أبو بكر الباقلاني يخرج إلى الحمام متبرقعا خوفا من الشيخ أبي حامد الإسفرائيني

قال: وأخبرني جماعة من الثقات كتابة منهم القاضي أبو منصور اليعقوبي عن الإمام عبد الله بن محمد بن علي هو شيخ الإسلام الأنصاري قال: سمعت عبد الرحمن بن محمد بن الحسين وهو السلمي يقول: وجدت أبا حامد الإسفرائيني وأبا الطيب الصعلوكي وأبو بكر القفال المروزي وأبا منصور الحاكم على الإنكار على الكلام وأهله

قال: سمعت أحمد بن أبي رافع وخلقا يذكرون شدة أبي إسحاق الإسفرائيني على الباقلاني قال الشيخ أبو الحسن الكرجي: ومعروف شدة الشيخ أبي حامد على أهل الكلام حتى ميز أصول فقه الشافعي من أصول الأشعري وعلقه عنه الإمام أبو بكر الزادقاني وهو عندي وبه اقتدى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في كتابيه اللمع والتبصرة حتى لو وافق قول الأشعري وجها لأصحابنا ميز وقال: هو قول بعض أصحابنا وبه قالت الأشعرية ولم يعدهم من أصحاب الشافعي استنكفوا منهم ومن مذهبهم في أصول الفقه فضلا عن أصول الدين

قلت: أبو محمد الجويني وشيخه أبو بكر القفال المروزي وشيخه أبو زيد المروزي هم أهل الطريقة المروزية الخراسانية وأئمتها من أصحاب الشافعي والشيخ أبو حامد الإسفرائيني وأتباعه كالقاضي أبو الطيب وصاحبه أبي إسحاق الشيرازي وغيرهم أئمة الطريقة العراقية من أصحاب الشافعي وقد ذكر أبو القاسم بن عساكر في ترجمة أبي محمد الجويني ما ذكره عبد الغافر الفارسي في تاريخ نيسابور في ترجمة الشيخ أبي محمد الجويني في مناقبه وقال: سمعت خالي الإمام أبا سعيد يعني عبد الواحد بن عبد الكريم القشيري يقول: كان أئمتنا في عصره والمحققون من أصحابنا يعتقدون فيه الكمال والفضل والخصال الحميدة وأنه لو جاز أن يبعث الله نبيا في عصره لما كان إلا هو من حسن طريقته وورعه وزهده وديانته في كمال فضله وذكر عبد الغافر أنه كان أوحد زمانه قال: وله في الفقه تصانيف كثيرة الفوائد مثل التبصرة والتذكرة ومختصر المختصر وله التفسير الكبير المشتمل على عشرة أنواع في كل آية

وأما الشيخ أبو حامد فهو الشافعي الثالث فإنه ليس بعد الشافعي مثل أبي العباس بن سريج ولا بعد أبي العباس مثل الشيخ أبي حامد حتى ذكر أبو إسحاق في طبقات الفقهاء عن أبي الحسين القدوري أنه كان يقول في الشيخ أبي حامد إنه أنظر من الشافعي وهذا كلام وإن كان قد وردت زيادته لكن لولا براعة أبي حامد ما قال فيه مثل الشيخ أبي الحسين هذا القول

قال الشيخ أبو الحسن الكرجي: ولا شك أنه كان أعرف الأصحاب بمناصيص الشافعي وأعظمهم بركة في مذهبه وهو أول من كثر شرح المزني وشحنه بالمختلف والمؤتلف ونصر فيه مذاهب العلماء وجعله مساغا لاجتهاد الفقهاء

وقد ذكر أبو القاسم بن عساكر فيما ذكره من أصحاب الأشعري جماعة كثيرة ليسوا منهم بل منهم من هو مشهور بالمناقضة والمعارضة لهم وذكر منهم الشيخ أبا إسحاق الشيرازي قال: وكان يظن به من لا يفهم أنه مخالف للأشعري لقوله في كتابه في أحوال الفقه وقالت الأشعرية: إن الأمر لا صيغة له وليس ذلك لأنه لا يعتقد اعتقاده وإنما قال ذلك لأنه خالفه في هذه المسألة مما انفرد بها أبو الحسن

قال: وقد ذكرنا في كتابنا هذا عند فتواه على من خالف الأشعرية واعتقد تبديعهم وذلك أوفى دليل على أنه منهم وقد ذكر هذه الفتوى ونسختها:

ما قول السادة الحلية الأئمة الفقهاء أحسن الله توفيقهم ورضي عنهم في قوم اجتمعوا على لعن فرقة الأشعرية وتكفيرهم ما الذي يجب عليهم في هذا القول؟ أفتونا في ذلك منعمين مثابين

الجواب - وبالله التوفيق - أن كل من أقدم على لعن فرقة من المسلمين وتكفيرهم فقد ابتدع وارتكب ما لا يجوز الإقدام عليه وعلى الناظر في الأمور أعز الله أنصاره الإنكار عليه وتأديبه بما يرتدع هو وأمثاله عن ارتكاب مثله

وكتب محمد بن علي الدامغاني: وبعده الجواب - وبالله التوفيق -: إن الأشعرية أعيان أهل السنة وأنصار الشريعة انتصبوا للرد على المبتدعة من القدرية والرافضة وغيرهم فمن طعن فيهم فقد طعن على أهل السنة وإذا رفع أمر من يفعل ذلك إلى الناظر في أمر المسلمين وجب عليه تأديبه بما يرتدع به كل أحد

وكتب إبراهيم بن علي الفيروزابادي بعده: جوابي مثله

وكتب محمد بن أحمد الشاشي قال: فهذه أجوبة هؤلاء الأئمة الذين كانوا في عصرهم علماء الأمة فأما القاضي الحنفي الدامغاني فكان يقال له في عصره أبو حنيفة الثاني وأما الشيخ الإمام أبو إسحاق فقد طبق ذكر فضله الآفاق وأما الشيخ الإمام أبو بكر الشاشي فلا يخفى محله على منته في العلم ولا ناشئ

قلت: هذه الفتيا كتبت هي وجوابها في فتنة ابن القشيري لما قدم بغداد فإن ملك بغداد محمود بن سبكتكين كان قد أمر في مملكته بلعن أهل البدع على المنابر فلعنوا وذكر فيهم الأشعرية وكذلك جرى في أول مملكة السلاجقة الترك وكان الذين سعوا في إدخالهم في اللعنة فيهم من سكان تلك البلاد من الحنفية الكرامية وغيرهم ومن أهل الحديث طوائف وجواب الدامغاني جواب مطلق فيه رضى هؤلاء وهؤلاء فإنه أجاب بأنه من أقدم على لعنة فرقة من المسلمين وتكفيرهم فقد ابتدع وفعل ما لا يجوز وهذا مما لا ينازع فيه أحد أنه من كان من المسلمين لا يجوز تكفيره إذ المكفر لشخص أو طائفة لا يقول إنهم من المسلمين ويكفرهم بل يقول: ليسوا بمسلمين

قال أبو المعالي الجويني: ذهب أئمتنا إلى أن اليدين والعينين والوجه صفات ثابتة للرب تعالى والسبيل إلى إثباتها السمع دون قضية العقل قال: والذي يصح عندنا حمل اليدين على القدرة وحمل العينين على البصر وحمل الوجه على الوجود

قلت: فاتضح أن أئمة الكلامية والأشعرية يثبتون هذه الصفات فإنه خالف أئمته ووافق المعتزلة

قال شارح كلام أبو القاسم بن الأنصاري: أعلم أن مذهب شيخنا أبي الحسن أن اليدين صفتان ثابتتان زائدتان على وجود الإله سبحانه ونحوه قال عبد الله بن سعيد: ومال القاضي أبو بكر في الهداية إلى هذا المذهب

قلت: قد صرح بذلك في جميع كتبه كالتمهيد والإبانة وغيرهما

قال: وفي كلام أبي إسحاق ما يدل على أن التثنية في اليدين ترجع إلى اللفظ لا إلى الصفة وهو مذهب أبي العباس القلانسي

قال الأستاذ - يعني أبا إسحاق -: أما العينان فعبارة عن البصر وكان في العقل ما يدل عليها وأما الوجه واليد فقد اختلف أصحابنا في الطريق إليهما فقال قائلون: قد كان في العقل ما يدل على ثبوت صفتين: يقع بإحداهما الاصطفاء بالخلق وبالأخرى الاختيار بالتقريب في التكليم والإفهام لكن لم يكن في العقل دليل على تسميته فورد الشرع ببيانها فثم الصفة التي يقع بها الاصطفاء بالخلق يدا والصفة التي يقع بها التقريب في التكلم وجها وقالوا: لما صح في العقل التفضيل في الخلق والفعل بالمباشرة والإكرام والتقريب بالإقبال وجب إثبات صفة له يصح بها ما قلناه من غير مباشرة ولا مجافاة فورد الشرع بتسمية إحداهما يدا والأخرى وجها

ومن سلك هذا الطريق قال: لم يكن في العقل جواز ورود السمع وأكثر منه وما جهر به عليه من جهة الأخبار فطريقة الآحاد التي لا توجب العلم ولا يجوز بمثلها إثبات صفة للقديم وإن ثبت منها شيء بطريق يوجب العلم كان متأولا على الفعل

وقال آخرون: طريق إثباتها السمع المحض ولم يكن للعقول فيه تأثير وإذا قيل لهم: لو جاز ورود الشرع بإثبات صفات لا يدل العقل عليها لم يؤمن أن يكون الله على صفات لا يدل العقل عليها لم يؤمن أن يكون الله على صفات لم يرد الشرع بها ولا صارت معلومة

ووجب على القائل بذلك جواز ورود السمع بصفات الإنسان أجمع لله تعالى إذا لم تكن واحدة منها شبيهة بصفته كان جوابهم أن يقولوا: لما أخبر الله المؤمنين بصفاته وحكم لهم بالإيمان بكماله عند المعرفة به لم يجز أن يكون له صفة أخرى لا طريق إلى معرفتها لاستحالة أن يكون المؤمن مؤمنا مستحق المدح إذا لم يكن عارفا بالله يعني وبصفاته أجمع فلما وصفهم بالإيمان عند معرفتهم بما ورد من الشرع ثبت أن لا صفة أكثر مما بين الطريق إليه بالعقل والشرع

قال الأستاذ: والتعويل على الجواب الأول فإن فيه الكشف عن المعنى

قلت: الجوابان مبنيان على وجوب العلم بجميع صفات الله لكن هل كلها معلومة بالعقل أو منها ما علم بالسمع على القولين؟ ومحققو الأشعرية وغيرهم لا يرضون أن يقولوا: إنا نقطع بأنا علمنا الله بجميع صفاته أو بأنه لا صفة له وراء ما علمناه

قال أبو المعالي: فمن أثبت هذه الصفات السمعية وصار إلى أنها زائدة على ما دلت عليه دلالات المعقول استدلوا بقوله تعالى: { ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي } قالوا: ولا وجه لحمل اليدين على القدرة إذ جملة المخترعات مخلوقة بالقدرة ففي الحمل على ذلك إبطال فائدة التخصيص

قال: وهذا غير سديد فإن العقول قضت بأن الخلق لا يقع إلا بالقدرة أو يكون القادر قادرا فلا وجه لاعتقاد خلق آدمي بغير القدرة

وقال القاضي: الآية تدل على إثبات يدين صفتين والقدرة واحدة فلا يجوز حملها على القدرة

قال أبو المعالي: وقد قال بعض الأصحاب: التثنية راجعة إلى اللفظ لا إلى المعنى وإنما هي صفة واحدة كما حكيناه عن القلانسي وعن الأستاذ على أنه كما يعبر باليد عن الاقتدار فكذلك يعبر باليدين عن الاقتدار فقد تقول العرب: ما لي بهذا الأمر يد يعنون: ما لي به قدرة قال عز وجل: { بل يداه مبسوطتان } قال أبو الحسن والقاضي: المراد باليدين في هذه الآية القدرة

قلت: هذا النقل فيه نظر فكلاهما يقتضي خلافه بل هو نص في خلاف ذلك

قال: وأجمع أهل التفسير على أن المراد بالأيدي في قوله: { أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما } القدرة

قال: والذي يحقق ما قلناه أن الذي ذكره شيخنا والقاضي ليس يوصل إلى القطع بإثبات صفتين زائدتين على ما عداهما من الصفات ونحن وإن لم ننكر في قضية العقل صفة سمعية لا يدل مقتضى العقل عليها وإنما يتوصل إليها سمعا فيشترط أن يكون السمع مقطوعا به وليس فيما استدل به الأصحاب قطع والظواهر المحتملة لا توجب العلم وأجمع المسلمون على منع تقدير صفة مجتهد فيها لله عز وجل لا يتوصل إلى القطع فيها بعقل وليس في اليدين - على ما قاله شيخنا رحمه الله - نظر لا يحتمل التأويل ولا إجماع عليه فيجب تنزيل ذلك على ما قلناه

قال: والظاهر من لفظ اليدين حملها على جارحتين فإن استحال حملها على ذلك ومنعه من حملها على القدرة أو النعمة أو الملك فالقول بأنهما محمولتان على صفتين قديمتين لله تعالى زائدتين على ما عداهما من الصفات تحكم محض

قلت: ثم ذكر الجواب عن صحة أئمته بما ليس هذا موضعه فإن المقصود ليس هو الاستقصاء في إثبات هذه الصفة ونفيها إذ قد تكلمنا على ذلك في موضعه وإنما الغرض التنبيه على تغيير قول الأشعري وأئمة أصحابه

وأبو المعالي اعتمد على مقدمتين باطلتين:

إحداهما: أنه ليس في السمع ما يقطع بثبوت هذه الصفة لا نص ولا إجماع

والثانية: المنع بأن يتكلم في الصفات بغير قطع عقلي أو نقلي وادعى الإجماع على ذلك

وهذا باطل كما يقوله من يقول: إذا لم يقم القاطع بالثبوت وجب القطع بالانتفاء وهذا مطابق لما ذكر الإسفرائيني من أن الله معروف بجميع صفاته في الدنيا إما بالعقل على قول من أصحابه وإما بالعقل والسمع وهذا الذي قالوه خلاف إجماع سلف الأمة وخلاف قول المحققين من أصحابهم فضلا عن أن يكون في ذلك إجماع فإن القطع بالنفي بلا علم يوجب النفي كالقطع بالإثبات بلا علم والواجب أن تعطى الأدلة حقها فما كان قطعيا قطع به وما كان ظاهرا محتملا قيل إنه ظاهر محتمل وما كان مجملا قيل إنه مجمل ولم يقل أحد من الأئمة فضلا عن أن يكون إجماعا أن ما لم تعلموه من صفات الرب فانفوه بل قالوا امسكوا عن التكلم في ذلك بغير ما ورد وفرق بين السكوت عما لم يرد وبين النفي فكيف إذا كان النفي لما يكون ظاهرا في الوارد؟ !

وأبو المعالي يتكلم بمبلغ علمه في هذا الباب وغيره وكان بارعا في فن الكلام الذي يشترك فيه أصحابه والمعتزلة وإن كانت المعتزلة وإن كانت المعتزلة هم الأصل فيه لكثرة مطالعته لكتب أبي هاشم الجبائي فأما الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وقول أئمتها فكان قليل المعرفة بها جدا وكلامه في غير موضع يدل على ذلك ولهذا تجده في عامة مصنفاته في أصوله وفروعه إذا اعتمد على قاطع فإنما هو ما يدعيه من قياس عقلي أو إجماع سمعي وفي كثير من ذلك ما فيه فأما الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة وأئمتها فهو قليل الاعتماد عليها والخبرة بها واعتبره بما ذكر في الرد على الآجري ونحوه من العلماء الذين صنفوا في أبواب السنة والرد على أهل الأهواء قد ردوا عليهم بالسنة والآثار وذكروا في ذلك أحاديث الصفات

فإنه قال: أعلم أن أهل الحق نابذوا المعتزلة وخالفوهم واتبعوا السمع والشرع وأثبتوا الرؤية والنظر وأثبتوا الصراط والميزان وعذاب القلب ومسألة منكر ونكير والمعراج والحوض واشتد نكيرهم على من ينسب إلى إنكار مأثور الأخبار والمستفيض من الآثار في هذه القواعد والعقائد واتفقوا على أن الحسن والقبيح في أحكام التكليف والإيجاب والحذر لا يدرك عقلا والمرجع في جميعها إلى موارد الشرع وقضايا السمع ولكنهم لما بلغتهم أخبار متشابهة وألفاظ مشكلة لم يستبعدوا أن يكون في الأخبار: البين والظاهر والمجمل والمشكل فإن الله أخبر أن كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد منه آيات محكمات وأخر متشابهات أعرضوا عن ذكرها ولم يشتغلوا بها

والدليل عليه: أن أئمة السنة وأخبار الأمة بعد صحب رسول الله ورضي عنهم لم يودع أحد منهم كتابه الأخبار المتشابهات فلم يورد مالك رضي الله عنه في الموطأ منها شيئا مما أورده الآجري وأمثاله وكذلك الشافعي وأبو حنيفة وسفيان والليث والثوري ولم يفتوا بنقل المشكلات

ونبغت ناشئة ضروا بنقل المشكلات وتدوين المتشابهات وتبويب أبواب ورسم تراجم على ترتيب فطرة المخلوقات ورسموا بابا في ضحك الباري وبابا في نزوله وانتقاله وعروجه ودخوله وخروجه وبابا في إثبات الأضراس وبابا في خلق الله آدم على صورة الرحمن وبابا في إثبات القدم والشعر والقطط وبابا في إثبات الأصوات والنغمات تعالى الله عن قول الزائغين

قال: وليس يعتمد جمع هذه الأبواب وتمهيد هذه الأنساب إلا مشبه على التحقيق أو متلاعب زنديق

قال المعظم لأبي المعالي الناقل لكلامه أبو عبد الله القرطبي وهو من أكابر علماء الأشعرية: في قول أبي المعالي هذا بعض التحامل

وقد أثبتنا في هذا الكتاب معنى شرح الأسماء الحسنى فإنه ذكر الصفات في آخره من هذه الأخبار ما صح سنده وثبت نقله ومورده وأضربنا على الكثير منها استغناء عنها لعدم صحتها فليوقف على ما ذكرنا منها لنقل الأئمة الثقات لها وحديث النزول ثابت في الأمهات أخرجه الثقات الأثبات

قلت: هذا الكلام فيه ما يجب رده أمور عظيمة:

أحدها: ما ذكره عمن سماهم أهل الحق فإنه دائما يقول: قال أهل الحق وإنما يعني أصحابه وهذه دعوى يمكن كل أحد أن يقول لأصحابه مثلها فإن أهل الحق الذين لا ريب فيهم هم المؤمنون الذين لا يجتمعون على ضلالة فأما أن يفرد الإنسان طائفة منتسبة إلى متبوع من الأمة ويسميها أهل الحق ويشعر بأن كل من خالفها في شيء فهو من أهل الباطل فهذا حال أهل الأهواء والبدع كالخوارج والمعتزلة والرافضة

وليس هذا من فعل أهل السنة والجماعة فإنهم لا يصفون طائفة بأنها صاحبة الحق مطلقا إلا المؤمنين الذين لا يجتمعون على ضلالة قال الله تعالى: { ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم }

وهذا نهاية الحق والكلام الذي لا ريب أنه حق قول الله وقول رسوله الذي هو حق وآت بالحق قال تعالى: { والله يقول الحق } وقال تعالى: { قوله الحق } وقال رسول الله : [ أكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج من بينهما إلا حقا ]

فأهل الحق هم أهل الكتاب والسنة وأهل الكتاب والسنة على الإطلاق هم المؤمنون فليس الحق لازما لشخص بعينه دائرا معه حيثما دار لا يفارقه قط إلا الرسول إذ لا معصوم من الإقرار على الباطل غيره وهو حجة الله التي أقامها على عباده وأوجب اتباعه وطاعته في كل شيء على كل أحد

وليس الحق أيضا لازما لطائفة دون غيرها إلا للمؤمنين فإن الحق يلزمهم إذ لا يجتمعون على ضلالة وما سوى ذلك فقد يكون الحق فيه مع الشخص أو الطائفة في أمر دون أمر وقد يكون المختلفان كلاهما على باطل وقد يكون الحق مع كل منهما من وجه دون وجه فليس لأحد أن يسمى طائفة منسوبة إلى اتباع شخص كائنا من كان غير رسول الله بأنهم أهل الحق إذ ذلك يقتضي أن كل ما هم عليه فهو حق وكل من خالفهم في شيء من سائر المؤمنين فهو مبطل وذلك لا يكون إلا إذا كان متبوعهم كذلك وهذا معلوم البطلان بالاضطرار من دين الإسلام ولو جاز ذلك لكان إجماع هؤلاء حجة إذا ثبت أنهم هم أهل الحق

ثم هو يذكر أئمته الذين جعلهم أهل الحق ثم هو يخالفهم كما صنع في مسألة الصفات الخبرية وغيرها مع أنهم فيها أقرب إلى الحق منه فكيف يسوغ لهم أن يخالفوا من شهد لهم بأنهم أهل الحق فيما اختلف فيه الناس من أصول الدين وله في ذلك شبه قوي ببعض أئمة الرافضة الذين كانوا بالشام يقال له ابن العود رأيت له فتاوى يدعي فيها في غير موضع أن الطائفة المحقة هم أتباع المعصوم المنتظر ويحتج بإجماع الطائفة المحقة بناء على أن قولهم مأخوذ عن المعصوم الذي لا يعرفه أحمد ولم يسمع له بخبر ولا وقع له على عين ولا أثر حتى أنه قال: إذا تنازعوا في مسألة على قولين أحدهما يعرف قائله دون الآخر فالقول الذي لا يعرف قائله هو الحق لأن في أهله الإمام المعصوم

ثم رأيته يخالف أصحابه ويرد عليهم في مواضع فأين مخالفتهم والرد عليهم في دعوى أنهم الطائفة المحقة الذين لا يتفقون على باطل؟ وكذلك دعاوى كثير من أهل الأهواء والضلال أنهم المحقون أو أنهم أهل الله أو أهل التحقيق أو أولياء الله حتى توقف هذه المعاني عليهم دون غيرهم ويكونون في الحقيقة إلى أعداء الله أقرب وإلى الأبطال أقرب منهم إلى التحقيق بكثير فهؤلاء لهم شبه قوي بما ذكره الله عن اليهود والنصارى من قوله: { وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين * بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون * وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون } وقوله تعالى: { وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السموات والأرض وما بينهما وإليه المصير }

الثاني: إنه ذكر عنهم أنهم اتبعوا السمع والشرع وهو قد ذكر في أحوالهم التي بها صاروا أهل الحق عندهم أنه لم يثبت لله صفة بالسمع بل إنما تثبت صفاته بالعقل المجرد وأن الذين أثبتوا ما جاء في القرآن منهم من أثبته بالعقل ومنهم من أثبته بالسمع ورد هو على الطائفتين فأي اتباع للسمع والشرع إذا لم يثبت به شيء من صفات الله بالشرع؟ بل وجوده كعدمه فيما أثبتوه ونفوه من الصفات فأئمتهم كانوا يثبتون الصفات بالسمع والعقل أو بالسمع ويجعلون العقل مؤكدا في الفهم في ذلك فأين اتباعهم للسمع والشرع وقد عزلوه عن الحكم به والاحتجاج به والاستدلال به

والثالث قوله: يشتد نكيرهم على من ينتسب إلى إنكار مأثور الأخبار والمستفيض من الآثار فيقال له: إذا لم يستفد منها ثبوت معناها فأي إنكار لها أبلغ من ذلك وأنت قد ذكرت إعراضهم عنها وقلت فيها من الفرية ما سنذكر بعضه فهل الإنكار لمأثور الأخبار ومستفيضها إلا من جنس ما ذكرته في هذا الكلام

الرابع: ما ذكره أنهم يثبتون ما يثبتونه من أمر الآخرة فيقال لهم هذا يثبتونه على وجه الجملة إثباتا يشركهم في آحاد العوام ولا يعلمون من تفصيل ذلك ما يجاب به أدنى السائلين وليس في كتبهم ما في ذلك من الأحاديث التي وصف بها النبي ذلك ولهذا تجدهم بذلك من أقل الناس علما بها أو تجدهم مرتابين فيها أو مكذبين فأي تعظيم بمثل هذا وأي مزية بهذا على أوساط العوام أو أدناهم بل كثير من عوام المؤمنين يؤمن بتفاصيل هذه الأمور ويعلم منها مما أخبر به الشارع ما ليس مذكورا في أصول هؤلاء وإنما الفضيلة على عموم المؤمنين بأن يكون الإنسان أو الطائفة من أهل العلم الذي لا يوجد عند عموم المؤمنين وليس فيما ذكره من هذه الأصول ذلك

الخامس: الحجة أنهم نفوا التحسين والتقبيح العقلي وجعلوا أحكام الأفعال لا تتلقى إلا من الشرع فإنه بين بذلك تعظيمهم للشرع واتباعهم له وأنهم لا يعدلون عنه ليثبت بذلك تسننهم وهذا الأصل هو من الأصول المبتدعة في الإسلام لم يقل أحد من سلف الأمة وأئمتها أن العقل لا يحسن ولا يقبح أو أنه لا يعلم بالعقل حسن فعل ولا قبحه بل النزاع في ذلك حادث في حدوث المائة الثالثة ثم النزاع في ذلك بين فقهاء الأمة وأهل الحديث والكلام منها فما من طائفة إلا وهي متنازعة في ذلك ولعل أكثر الأمة تخالف في ذلك وقد كتبنا في غير هذا الموضع فصل النزاع في هذه المسألة وبينا ما مع هؤلاء فيها من الحق وما مع هؤلاء فيها من الحق ثم يقال: ولو كانت هذه المسألة حقا على الإطلاق فليس لك ولا لأصحابك فيها حجة نافية بل عمدتك وعمدة القاضي ونحوكما على مطالبة الخصم بالحجة والقدح فيما بيديه والقدح في دليل المنازع إن صح لا يوجب العلم بانتفاء قوله إن لم يقم على النفي دليل وعمدة إمام المتأخرين ابن الخطيب الاستدلال على ذلك بالجبر وهو من أفسد الحجج فإن الجبر سواء كان حقا أو باطلا كما لا يبطل الحكم الشرعي لا ينفي ثبوت أحكام معلومة بالعقل كما لا ينفي الأحكام التي يثبتها الشارع

وعمدة الآمدي بعده أن الحسن والقبح عرض والعرض لا يقوم بالعرض وهذا من المغاليط التي لا يستدل بها إلا جاهل أو مغالط فإنه يقال في ذلك ما يقال في سائر صفات الأعراض وغايته أن يكون كلاهما قائما بمحل العرض ونفي الحكم المعلوم بالعقل مما عده من بدع الأشعري التي أحدثها في الإسلام علماء أهل الحديث والفقه والسنة كأبي نصر السجزي وأبي القاسم سعد بن علي الزنجاني ودع من سواهم

السادس: تسميته الأخبار التي بها الرسول عن ربه أخبارا متشابهة كما يسمون آيات الصفات متشابهة وهذا كما يسمي المعتزلة الأخبار المثبتة للقدر متشابهة وهذه حال أهل البدع والأهواء الذين يسمون ما وافق آراءهم من الكتاب والسنة محكما وما خالف آراءهم متشابها وهؤلاء كما قال الله تعالى: { ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين * وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون * وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين * أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله } وكما قال تعالى: { أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض } وكما قال تعالى: { فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون }

السابع: قياسه لما سماه المتشابه في الأخبار على المتشابه في آي الكتاب ليلحقه به في الإعراض عن ذكره وعدم الاشتغال به وحاشا لله أن يكون في كتاب الله ما أمر المسلمين بالإعراض عنه وعدم التشاغل به أو أن يكون سلف الأمة وأئمتها أعرضوا عن شيء من كتاب الله لا سيما الآيات المتضمنة لذكر أسماء الله وصفاته فما منها آية إلا وقد روى الصحابة فيما يوافق معناها ويفسرون عن النبي وتكلموا في ذلك بما لا يحتاج معه إلى مزيد كقوله تعالى: { وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه } فإن المتأخرين وإن كان فيهم من حرف فقال قبضته قدرته وبيمينه بقوته أو بقسمة أو غير ذلك فقد استفاضت الأحاديث الصحيحة التي رواها خيار الصحابة وعلمائهم وخيار التابعين وعلمائهم بما يوافق ظاهر الآية ويفصل المعنى كحديث أبي هريرة المتفق عليه وحديث عبد الله بن عمر المتفق عليه وحديث ابن مسعود في قصة الخبر المتفق عليه وحديث ابن عباس الذي رواه الترمذي وصححه وغير ذلك وكذلك أنه خلق آدم بيديه وغير ذلك من الآيات

الثامن: قوله والدليل عليه أن أئمة السنة وأخيار الأمة بعد صحب النبي لم يودع أحد منهم كتابه الأخبار المتشابهات فلم يورد مالك رضي الله عنه في الموطأ منها شيئا كما أورده الآجري وأمثاله وكذلك الشافعي وأبو حنيفة وسفيان والليث والثوري ولم يعتنوا بنقل المشكلات فإن هذا الكلام لا يقوله إلا من كان من أبعد الناس عن معرفة هؤلاء الأئمة وما نقلوه وصنفوه وقوله: رجم بالغيب من مكان بعيد فإن نقل هؤلاء الأئمة وأمثالهم لهذه الأحاديث مما يعرفه من له أدنى نصيب من معرفة هؤلاء الأئمة وهذه الأحاديث عن هؤلاء وأمثالهم أخذت وهم الذين أدوها إلى الأمة والكذب في هذا الكلام أظهر من أن يحتاج إلى بيان لكن قائله لم يتعمد الكذب ولكنه قليل المعرفة بحال هؤلاء وظن أن نقل هذه الأحاديث لا يفعله إلا الجاهل الذين يسميهم المشبهة أو الزنادقة وهؤلاء براء عنده من ذلك فتركب من قلة علمه بالحق ومن هذا الظن الناشيء عن الاعتقاد الفاسد هذا الكلام الذي فيه من الفرية والجهل والضلال ما لا يخفى على أدنى الرجال

التاسع: قوله لم يورد مالك في الموطأ منها شيئا قد ذكر أحاديث النزول وأحاديث الضحك فيما أنكره ومن المعلوم أن حديث النزول من أشهر الأحاديث في موطأ مالك رواه عن أجل شيوخه ابن شهاب عمن هو من أجل شيوخه أبي سلمة بن عبد الرحمن وأبي عبد الله الأعز عن أبي هريرة أن رسول الله قال: [ ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل فيقول: من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه ومن يستغفرني فأغفر له ] وقد رواه أهل الصحاح كالبخاري ومسلم من طريق مالك وغيره وأحاديث النزول متواترة عن النبي رواها أكثر من عشرين نفسا من الصحابة بمحضر بعضهم من بعض والمستمع لها منهم يصدق المحدث بها ويقره ولم ينكرها منهم أحد ورواه أئمة التابعين وعامة الذين سماهم من الأئمة رووا ذلك وأودعوه كتبهم وأنكروا على من أنكره

قال شارح الموطأ الشرح الذي لم يشرح أحد مثله الإمام أبو عمر بن عبد البر: هذا حديث ثابت فمن جهة النقل الصحيح الإسناد لا يختلف أهل الحديث في صحته

قال: وهو حديث منقول من طرق سوى هذه من أخبار العدول عن النبي وفيه دليل على أن الله عز وجل في السماء على العرش من فوق سبع سموات كما قالت الجماعة وهو من حجتهم على المعتزلة في قولهم إن الله في كل مكان وليس على العرش وبسط الكلام في ذلك

وكذلك أحاديث الضحك متواترة عن النبي وقد رواها الأئمة وروى مالك في الموطأ منها حديثه عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله قال: [ يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل ثم يتوب الله على القاتل فيقاتل في سبيل الله فيستشهد ] وقد أخرجه أهل الصحاح من حديث مالك وغير مالك ورواه أيضا سفيان الثوري الإمام عن أبي زناد وحدث به

وقد روى صاحبا الصحيحين منها قطعة مثل هذا الحديث ومثل حديث أبي هريرة وحديث أبي سعيد الطويل المشهور وفيه: [ فلا يزال يدعو الله حتى يضحك الله منه فإذا ضحك الله منه قال له ادخل الجنة ] ورواه أعلم التابعين بإجماع المسلمين سعيد بن المسيب عن أبي هريرة وغير سعيد أيضا ورواه عنه الزهري وعنه أصحابه وفي هذا الحديث: [ فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي يعرفون فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى أتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون ] وهذا الحديث في الصحيحين من طريق أخرى عن أبي سعيد من رواية الليث بن سعد إمام المسلمين وغيره الذي زعم أنه لم يكن يروي هذه الأحاديث وفيه ألفاظ عظيمة أبلغ من الحديث الأول كقوله: [ فيرفعون رؤوسهم وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة ] وقوله فيه: [ فيكشف عن ساقه ] وقوله: [ فيقول الجبار بقيت شفاعتي فيقبض قبضة من النار يخرج أقواما قد امتحشوا ]

وقد روى مالك أيضا عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: [ لما قضى الله الخلق كتب عنده فوق عرشه إن رحمتي سبقت غضبي ] وقد أخرجه أصحاب الصحيح كالبخاري من طريقه وطريق غيره

وروى البخاري في صحيحه عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله قال: [ إن الله يقبض يوم القيامة الأرضين وتكون السموات بيمينه ثم يقول أنا الملك ] رواه سعيد عن مالك

وقد روى مالك في موطئه عن زيد بن أسلم عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أنه أخبره عن مسلم بن يسار الجهني أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية: { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا } الآية فقال عمر بن الخطاب: سمعت رسول الله يسأل عنها فقال رسول الله : [ إن الله تبارك وتعالى خلق آدم ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون ] فقال رجل: يا رسول الله ففيم العمل؟ فقال رسول الله : [ إن الله تبارك وتعالى إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار ] وهذا الحديث إنما رواه أهل السنن والمسانيد كأبي داود والترمذي والنسائي وقال حديث حسن صحيح وقد قيل إن إسناده منقطع وإن راويه مجهول ومع هذا فقد رواه مالك في الموطأ مع أنه أبلغ من غيره لقوله: [ ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية ]


الفتاوى الكبرى لابن تيمية
كتاب السنة والبدعة: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | كتاب الطهارة: | 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | كتاب الصلاة: | 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | كتاب الذكر والدعاء | 1 | 2 | 3 | 4 | كتاب الصيام: 1 | 2 | 3 | كتاب الجنائز: 1 | 2 | 3 | 4 | كتاب النكاح: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | كتاب الطلاق: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | | كتاب النفقات | كتاب الحدود: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | كتاب الجهاد: 1 | 2 | كتاب البيوع: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | كتاب الشهادة والأقضية والأموال: 1 | 2 | كتاب الوقف: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | كتاب الوصايا | كتاب الفرائض | كتاب الفضائل: 1 | 2 | كتاب الملاهي | مسائل منثورة: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | كتاب الطهارة2 | كتاب الصلاة2: 1 | 2 | كتاب الجنائز2 | كتاب الزكاة2 | كتاب الصوم2 | كتاب الحج | كتاب البيع: 1 | 2 | كتاب الوصية | كتاب الفرائض | كتاب العتق | كتاب النكاح2: 1 | 2 | كتاب الخلع | كتاب الطلاق2 | كتاب الرجعة | كتاب الظهار | كتاب الجنايات | كتاب الأطعمة | كتاب الأيمان | باب القضاء | كتاب إقامة الدليل على إبطال التحليل | كتاب في الرد على الطوائف الملحدة والزنادقة والجهمية والمعتزلة والرافضة: 1 |2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16