أسى وأفى بحادثة البريد

أسى وأفى بحادثة البريد

​أسى وأفى بحادثة البريد​ المؤلف ابن شهاب


أسى وأفى بحادثة البريد
وحزن دايم وجوى يزيد
مصاب هد من جلدي وصبري
بكارث خطبه الركن المشيد
على أني ربيط الجاش ثبت
وإن حشدت من الدهر الجنود
ولكن الليالي فاجأتني
بموجعة يذوب لها الحديد
كأنَّ ضِئَيْلَةً لسعت فؤادي
فحم بسمها الجسد الجليد
فكل مصيبة جلل سواها
لَدَيَّ وَكُلَّ ذِيْ خطر زهيد
لقد قطفت يد الأيّام غضا
محل غراسه قلبي العميد
أحال الدهر رونقة وأذوى
نضارة عوده الزمن العيتدُ
وأنشبت المنية فيه ظفراً
فكاد الحي من جزع يميدُ
وجدن عليه بالدمع البواكي
وكان بنفسه كرماً يجودُ
وسامته الكواعب أن يفَّدي
بهن لو الفِداء هنا يفيدُ
وأصبح وهو في حشم عديدٍ
وأمسى وهو مغترب وحيدُ
ترحل قاصداً نزلاً قريباً
رجوع النازلين به بعيدُ
وأم رحاب من تلقى مناها
إذا نزلت بساحته الوفودُ
مضى واختار بعد جوارنا أن
يجاوره الرؤف به الودودُ
فيالله من قمرٍ بقبرٍ
تعظمه لساكنه اللحودُ
وكم يا ليت شعري من عفافٍ
تضمن ذلك الجدث الجديدُ
وطيب شمائلٍ وجميل ذكرٍ
عليه خرائد الغنَّا شهودُ
وعرض طاهر وخلال حمدٍ
لها الميزان والشعرى عقودُ
غرائز هاشميّات وخلق
جميل زانه الخلق الحميدُ
يرشحه لها نسبٌ منيفٌ
لمحتده ذرى العليا سجودُ
نمته عروق مجد أخلصته
العمومة الخؤلة والجدودُ
لقد أودى فأودع نار وجدٍ
لها ما بين أضلاعي وقودُ
فقدت بفقده الدنيا جميعاً
بروحي ذلك الإلف الفقيدُ
أقام لعشرتي عشرين عاماً
وكل أولئك الأيام عيدُ
به ابتهجت سميَّات المغاني
وتاه بعزّه القصر المشيدُ
يصرّف كيف شاء نفيس مالي
ونفسي والعبيد له عبيدُ
وكل فعاله أعمال برٍّ
وكل خصاله كرمٌ وجودُ
فما نقم الحفيّ عليه أمراً
يعاب به ولا فاه الحسود
وليس وإن سما قدراً وشاناً
بذي صلفٍ ولا الشكس الكنود
ولم يرفع على الجيران صوتاً
وإن جاوروا ويصفح أن يكيدوا
ولم يغتب سواه ولا اشتكى من
نميمته القريب ولا البعيد
وليس بسيىءٍ ظنَّاً إذا ما
أساء الظن بالناس الحقود
ولم ينطق ولو مزحاً بعورا
عدو المرء ما لا يستعيد
نفور عن سفاسف كل أمر
وعن ما لا يليق به شرود
تسربل بالنزاهة واكتسى بالنباهة
والحياء له عقيد
دعته الغيد سيدهن طوعا
ومن ذا بعد غيبته يسود
وأجمعت العقائل أنه في
سمات المجد ليس له نديد
لهنّ بحسن سيرته اقتداءٌ
يزين ورأيه الرأي السديد
صفاتٌ جآء مطبوعاً عليها
له ولها به اقتران الوجود
وإرث خلفته له أصول
كرامٌ من بني الزهراء صيد
ولو منها فرضنا حجد شيءٍ
لألقم دونه الحجر الجحود
نفيس قد تكون من نفيس
وحيد في محامده فريد
بلا ثمن حظيت به لحظي
بخٍ لو دام في الدنيا سعود
أيحسن بعده في رأي عيني
من الدنيا طريفٌ أو تليد
وهل أسلو بلى أسلو سلوي
إلى يوم يقوم به الهجود
وهل بتداول الأيام حزني
يقل لفقده لا بل يزيد
وهل يبلى معاذ الله ود
له بالقلب ممتزج أكيد
فلا عيشي يطيب ولا شرابي
يروق ولا كرى جفني يعود
وتأبى شيمتي أن يزدهيني
عقود في الخراعب أو بنود
وكيف يلذ بالعلات وصل
نعم منهن لذّ لي الصدودُ
سيبدو لي خيال منه مهما
تراءت غرّة للعين خود
بحرمة ودّه أقسمت أني
أحب إليه لو ساغ الورود
ومالي في الحياة هوىً ولكن
قضى ببقاي ذو العرش المجيد
أأبقَى والمغاني عنه صفر
وآونة الحياة البيض سود
وتحزنني الولائد ان أراها
وقد صبغت بأدمعها الخدود
أسى يبكين لا لحذار ذلٍّ
فإن أباته العدد العديد
وقين السوء طالعهن إلاّ
بغيبة شخصه أبداً سعود
ولولا أن هذا الرّزء حكم
من الفعال فينا ما يريد
لقارعت المنون قراع حرٍّ
تهاب شاب قواضبه الأسود
وخضت لدرئه غمرات حرب
شب لهولها الطفل الوليد
ولكن ليس هذا الخطب مما
تقهقره الجيوش ولا الجنود
فخفض يا فؤآد عليك واصبر
فما الموتور قبلك مستقيد
وما جزع على ميتٍ بمغنٍ
ولا ضرب الحسام ولا النقود
وسلم إن في التسليم أجراً
وفي عدم الرضى ورد الوعيد
جرى قلم القضآء فكل ماض
من الدنيا إليها لا يعود
وليس لذي مقام أو حطام
يتاح بهذه الدار الخلود
لريب الدهر في كل ابن أنثى
سهام لا تطيش ولا تحيد
ومن من صرفه ينجو ومن ذا
على ظهر البسيطة لا يبيد
وبالأمم التي سلفت وصارت
من المنسي يعتبر البليد
فكم غدر الزمان بذات قرب
ومبعدة كما بعدت ثمود
وكم نقضت من الدنيا عليهم
مواثيق وكم نكثت عهود
وكم ذي زهو افترست سباع
الفناء وخانه الأمل المديد
ولكن الورى في غفلة عن
مصارعهم كأنهم رقود
سفاهٌ بابن آدم حين يلهو
ويلعب والحمام له عتيدُ
تناخ بسوحه نجب المنايا
وشيمته القساوة الجمودُ
وليس بما يؤل إليه يدري
أمقبولٌ فينجو أم طريدُ
لعمرك إنه لقرينُ خسرٍ
ومحفوظ الكتاب بذا شهيدُ
ولم يفلح سوى عبد له في
ربا الإيمان بنيان وطيد
وصدّق واتّقى المولى وأعطى
ولم تتعد منه له الحدود
ولولا سبق رحمته تعالى
لحل عذابه بهم الشديد
على جدث به ممن فقدنا
لطيف الروح والجسم الوئيد
تحيات معطرة الحواشي
يضوع بنشر عبهرها الوجودُ
وصيب رحمة وسجال غيث
من الرضوان جَادَ به الحميدُ
وشيعت الملائك منه روحاً
إلى الأفق المبين لها صعودُ
وأسكنه المهيمن في جنانٍ
دعائم دورها الدر النضيدُ
يطوف رياضها في عبقري
مجلّلة لهيكلها البرود
تسامره هنالك أم هندٍ
وفاطمة المطهرة الخرود
وكل شريفة تنمى إلى من
هم في مركز الفخر العمود
إلى آل الرسول عليه أزكى
صلاة الله ما حن الرعود