افتح القائمة الرئيسية

أصول الجصاص - الجزء الثالث2

بَابٌ الْقَوْلُ فِيمَنْ رُوِيَ عَنْهُ حَدِيثٌ وَهُوَ يُنْكِرُهُ

                قَالَ أَبُو بَكْرٍ رحمه الله : كَانَ كَثِيرٌ مِنْ شُيُوخِنَا يَسْتَدِلُّ عَلَى فَسَادِ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ عليه السلام : أَنَّهُ قَالَ : { أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ } بِمَا ذَكَرَ ابْنُ جُرَيْجٍ : أَنَّهُ سَأَلَ الزُّهْرِيَّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَلَمْ يَعْرِفْهُ ، فَكَانُوا يَجْعَلُونَ إنْكَارَ الزُّهْرِيِّ لِذَلِكَ مُفْسِدًا لِرِوَايَةِ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ . وَمِثْلُهُ حَدِيثُ رَبِيعَةَ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ :  { أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ } فَلَمَّا سُئِلَ سُهَيْلٌ عَنْهُ قَالَ : لَا أَعْرِفُهُ . فَقِيلَ لَهُ : فَإِنَّ رَبِيعَةَ يَرْوِيهِ عَنْك ، فَقَالَ : إنْ كَانَ رَبِيعَةُ يَرْوِيهِ عَنِّي فَهُوَ كَمَا قَالَ . قَالَ : فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَقُولُ : حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ عَنِّي . قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي قَاضٍ اُدُّعِيَ عِنْدَهُ قَضَاؤُهُ بِحَقٍّ لِرَجُلٍ ، فَلَمْ يَذْكُرْهُ - فَأَحْضَرَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً لِتَشْهَدَ عَلَى قَضَائِهِ لَهُ بِذَلِكَ : أَنَّ لِلْقَاضِي أَلَّا يَسْمَعَ بَيِّنَتَهُ عَلَى ذَلِكَ . وَقَالَ مُحَمَّدٌ رحمه الله : يَسْمَعُ مِنْهَا ، وَيَقْضِي لَهُ بِالْحَقِّ . فَإِنْ حَمَلْنَا الْخَبَرَ عَلَى الشَّهَادَةِ عَلَى قَضَاءِ الْقَاضِي ، وَهُوَ لَا يَذْكُرُهُ - فَالْوَاجِبُ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي يُوسُفَ : أَنَّهُ يُفْسِدُ الْحَدِيثَ إذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْمَرْوِيُّ عَنْهُ ، وَإِنْ كَانَ الرَّاوِي لَهُ ثِقَةً . وَيَجِبُ عَلَى مُحَمَّدٍ أَنْ يَقْبَلَ . وَقَدْ رُوِيَ { عَنْ عَمَّارٍ : أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ حِينَ خَالَفَهُ فِي جَوَازِ التَّيَمُّمِ لِلْجُنُبِ : أَمَا تَذْكُرُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّا كُنَّا فِي الْإِبِلِ فَأَجْنَبْت ، فَتَمَعَّكْت فِي التُّرَابِ ، ثُمَّ سَأَلْت النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ : إنَّمَا كَانَ يَكْفِيك أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْك ، فَتَمْسَحَ بِهَا وَجْهَك وَذِرَاعَيْك } . فَلَمْ يُقْنِعْ عُمَرَ قَوْلُ عَمَّارٍ وَهُوَ عِنْدَهُ ثِقَةٌ أَمِينٌ ، إلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ شَاهِدًا لِلْأَمْرِ الَّذِي قَالَهُ . فَلَمَّا لَمْ يَذْكُرْهُ عُمَرُ لَمْ يَأْخُذْ بِهِ ، فَهَذَا يُؤَيِّدُ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ بِفَسَادِ الْحَدِيثِ بِجُحُودِ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ إيَّاهُ . وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ : فِي أَنَّ شَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ لَوْ قَالَا لِرَجُلٍ : قَدْ كُنْت أَشْهَدْتنَا عَلَى شَهَادَتِك : أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ ، وَهُوَ لَا يَذْكُرُ ذَلِكَ ، أَنَّهُ لَا يَسَعُهُ أَنْ يَشْهَدَ عِنْدَ الْقَاضِي بِمَا قَالَا . وَكَذَلِكَ لَوْ رَأَى خَطَّهُ وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّهَادَةَ لَمْ يَسَعْهُ إقَامَتُهَا ، وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا يُؤَيِّدُ قَوْلَ مَنْ أَفْسَدَ الْحَدِيثَ بِمَا ذَكَرْنَا . فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَنْسَاهُ بَعْدَ رِوَايَتِهِ ، إيَّاهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَقْبَلَ رِوَايَةَ الثِّقَةِ عَنْهُ .  قِيلَ لَهُ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي نَسِيَ ، فَظَنَّ أَنَّهُ يَزِيدُ ، فَسَمِعَهُ مِنْهُ ، وَهُوَ إنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ غَيْرِهِ ، فَالنِّسْيَانُ جَائِزٌ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا ، فَلِمَ جَعَلْت الْمَرْوِيَّ عَنْهُ أَوْلَى بِالنِّسْيَانِ مِنْ الرَّاوِي ؟ وَأَمَّا مَنْ لَا يَفْسُدُ الْحَدِيثُ بِإِنْكَارِ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ لَهُ ، فَإِنَّهُ يُذْهَبُ فِيهِ إلَى أَنَّ رِوَايَةَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ ، وَالنِّسْيَانُ جَائِزٌ عَلَى الْمَرْوِيِّ عَنْهُ ، فَلَا يُفْسِدُهُ . وَقَدْ { قَبِلَ النَّبِيُّ عليه السلام قَوْلَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رضي الله عنهما ، حِينَ قَالَ ذُو الْيَدَيْنِ : أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيت ؟ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمَا ، فَقَالَ : أَحَقٌّ مَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ ؟ فَقَالَا : نَعَمْ } فَقَبِلَ خَبَرَهُمَا . وَقَبِلَ عُمَرُ قَوْلَ أَنَسٍ فِي أَمَانِ الْهُرْمُزَانِ حِينَ ، قَالَ لَهُ : " أَتَكَلَّمُ بِكَلَامِ حَيٍّ أَمْ بِكَلَامِ مَيِّتٍ ؟ " فَقَالَ : تَكَلَّمْ بِكَلَامِ حَيٍّ " وَلَمْ يَذْكُرْ عُمَرُ مَا قَالَهُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ . ثُمَّ قَبِلَ قَوْلَ مَنْ أَخْبَرَ بِهِ . وَهَذَا عِنْدَنَا لَا يَلْزَمُ مَنْ خَالَفَهُ فِي ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ عليه السلام فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ ، وَعُمَرُ فِي قِصَّةِ الْهُرْمُزَانِ ، ذَكَرَا ذَلِكَ بَعْدَ إخْبَارِ مَنْ أَخْبَرَهُمَا بِهِ .

بَابٌ الْقَوْلُ فِي رِوَايَةِ الْمُدَلِّسِ وَغَيْرِهِ

	   قَالَ أَبُو بَكْرٍ رحمه الله : التَّدْلِيسُ أَنْ يَرْوِيَ عَنْ آخَرَ لَقِيَهُ ، وَيُوهِمَ السَّامِعَ مِنْهُ أَنَّهُ سَمَاعٌ ، وَلَا يَكُونُ قَدْ سَمِعَهُ مِنْهُ ، وَإِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ غَيْرِهِ ، فَيَقُولُ : قَالَ فُلَانٌ ، وَذَكَرَ فُلَانٌ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ . وَقَدْ كَانَ الْأَعْمَشُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَهِشَامٌ ، فِي آخَرِينَ يُدَلِّسُونَ الْأَخْبَارَ . وَكَانَ شُعْبَةُ يَقُولُ : لَأَنْ أَزْنِيَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُدَلِّسَ . وَالْقَوْلُ فِيهِ عِنْدَنَا : أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُدَلِّسُ مَشْهُورًا بِأَنَّهُ لَا يُدَلِّسُ إلَّا عَمَّنْ يَجُوزُ قَبُولُ رِوَايَتِهِ ، فَرِوَايَتُهُ مَقْبُولَةٌ فِيمَا دَلَّسَ ، وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَا يُبَالِي عَمَّنْ دَلَّسَ : مِنْ ثِقَةٍ أَوْ غَيْرِ ثِقَةٍ ، فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ رِوَايَتُهُ إلَّا أَنْ تَذْكُرَ سَمَاعَهُ فِيهِ ، عَلَى نَحْوِ مَا بَيَّنَّا فِي إرْسَالِهِ الْحَدِيثَ ، وَلَا سِيَّمَا كُلُّ مَنْ أَسْقَطَ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ رَوَى عَنْهُ رَجُلًا مُدَلِّسًا ، لِأَنَّ الصَّحَابَةَ قَدْ رَوَوْا عَنْ النَّبِيِّ عليه السلام كَثِيرًا مِنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي لَمْ يَسْمَعُوهَا ، وَحَذَفُوا ذِكْرَ مَنْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّبِيِّ عليه السلام ، وَاقْتَصَرُوا عَلَى أَنْ قَالُوا : قَالَ النَّبِيُّ عليه السلام . وَكَذَلِكَ التَّابِعُونَ ، وَلَا يُسَمَّوْنَ مُدَلِّسِينَ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُمْ إنَّمَا قَصَدُوا الِاخْتِصَارَ ، وَتَقْرِيبَ الْإِسْنَادِ عَلَى السَّامِعِينَ مِنْهُمْ . الْآخَرُ : أَنَّهُمْ أَرَادُوا بِالْإِسْنَادِ تَأْكِيدَ الْحَدِيثِ ، وَالْقَطْعَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : بِأَنَّهُ قَالَهُ ، وَلَمْ يَقْصِدُوا التَّزَيُّنَ بِعُلُوِّ الْإِسْنَادِ .  وَكَذَلِكَ نَقُولُ فِيمَنْ بَعْدَهُمْ ، مَنْ قَصَدَ مِنْهُمْ بِحَذْفِ الرَّجُلِ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ : أَحَدَ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ . فَإِنَّا لَا نُسَمِّيهِ مُدَلِّسًا ، وَإِنَّمَا الْمُدَلِّسُ مَنْ يَقْصِدُ بِحَذْفِ الرَّجُلِ الَّذِي سَمِعَهُ : التَّزَيُّنَ بِعُلُوِّ السَّنَدِ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ . وَهَذَا الْقَصْدُ غَيْرُ مَحْمُودٍ ، غَيْرَ أَنَّهُ مَنْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يُدَلِّسُ إلَّا عَنْ الثِّقَاتِ ، فَهُوَ مَقْبُولُ الْخَبَرِ ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ حَدَّثَنَا . وَمَنْ يُدَلِّسُ عَنْ غَيْرِ الثِّقَاتِ فَالْأَظْهَرُ مِنْ أَمْرِهِ  أَنَّهُ غَيْرُ مَقْبُولِ الرِّوَايَةِ حَتَّى يُبَيِّنَ
     فَصْلٌ:
          وَجَائِزٌ لِلرَّجُلِ أَنْ يُقْرِئَ الْمُحَدِّثَ فَيَقُولَ فِيهِ : حَدَّثَنَا إذَا كَانَ الْمُحَدِّثُ يَسْمَعُ وَيَضْبِطُ مَا يُقْرَأُ عَلَيْهِ ، وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه ، أَنَّهُ قَالَ : إنَّ قِرَاءَتَك عَلَيَّ لِمُحَدِّثٍ أَثْبَتُ مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَيْك . وَوَجْهُ ذَلِكَ : أَنَّهُ إذَا كَانَ قَارِئًا لَمْ يَعْقِلْ شَيْئًا مِنْهُ ، وَإِذَا كَانَ الْمُحَدِّثُ هُوَ السَّامِعُ ، فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَعْقِلَ بَعْضَ مَا يَقْرَؤُهُ الْقَارِئُ . وَمِثْلُهُ يَجُوزُ فِيهِ الشَّهَادَاتُ ، وَهِيَ أَكْبَرُ فِي الْأَصْلِ مِنْ الْأَخْبَارِ ، لِأَنَّك لَوْ قَرَأْت صَكًّا عَلَى إنْسَانٍ بِحَقٍّ عَلَيْهِ ، وَقُلْت لَهُ : أَشْهَدُ عَلَيْك بِذَلِكَ ، فَقَالَ : نَعَمْ . وَسِعَك أَنْ تَقُولَ : أَقَرَّ عِنْدِي فُلَانٌ بِجَمِيعِ مَا فِي هَذَا الْكِتَابِ . وَأَمَّا مَنْ كُتِبَ إلَيْهِ بِحَدِيثٍ ، فَإِنَّهُ إذَا صَحَّ عِنْدَهُ أَنَّهُ كِتَابُهُ إمَّا بِقَوْلِ ثِقَةٍ ، أَوْ بِعَلَامَاتٍ  مِنْهُ وَخَطِّهِ ، يَغْلِبُ مَعَهَا فِي النَّفْسِ أَنَّهُ كِتَابُهُ ، فَإِنَّهُ يَسَعُ الْمَكْتُوبَ إلَيْهِ الْكِتَابُ أَنْ يَقُولَ : أَخْبَرَنِي فُلَانٌ ، يَعْنِي الْكَاتِبَ إلَيْهِ ، وَلَا يَقُولُ حَدَّثَنِي . وَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا فِيمَنْ قَالَ : إنْ أَخْبَرْت فُلَانًا بِسِرِّ فُلَانٍ فَعَبْدِي حُرٌّ ، فَكَتَبَ إلَيْهِ ، وَوَصَلَ إلَيْهِ كِتَابَاتُهُ . فَقَدْ أَخْبَرَ ، وَحَنِثَ فِي يَمِينِهِ ، وَقَدْ أَخْبَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى عَنْ الْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ وَالْأُمَمِ السَّالِفَةِ فِي كِتَابِهِ . وَجَائِزٌ لَنَا أَنْ نَقُولَ : أَخْبَرَنَا اللَّهُ بِذَلِكَ ، وَلَا يَجُوزُ فِي مِثْلِهِ أَنْ يَقُولَ : حَدَّثَنَا . وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ عليه السلام كَتَبَ إلَى مُلُوكِ الْآفَاقِ يَدْعُوهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ ، { وَكَتَبَ إلَى الضَّحَّاكِ بْنِ سُفْيَانَ فِي تَوْرِيثِ الْمَرْأَةِ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا } . وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُكَيْمٍ : وَرَدَ عَلَيْنَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : { أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَةِ بِشَيْءٍ } . فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَا تَضَمَّنَهُ الْكِتَابُ مِنْ ذَلِكَ : هُوَ إخْبَارٌ مِنْ الْكَاتِبِ بِهِ . وَأَمَّا مَا يُوجَدُ مِنْ كَلَامِ رَجُلٍ وَمَذْهَبِهِ فِي كِتَابٍ مَعْرُوفٍ بِهِ قَدْ تَنَاوَلَتْهُ النُّسَخُ ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ لِمَنْ نَظَرَ فِيهِ أَنْ يَقُولَ : قَالَ فُلَانٌ كَذَا ، وَمَذْهَبُ فُلَانٍ كَذَا ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ أَحَدٍ . مِثْلُ كُتُبِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ، وَمُوَطَّأِ مَالِكٍ ، وَنَحْوِهَا مِنْ الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ فِي أَصْنَافِ الْعُلُومِ ، لِأَنَّ وُجُودَ ذَلِكَ عَلَى هَذَا الْوَصْفِ بِمَنْزِلَةِ خَبَرِ التَّوَاتُرِ وَالِاسْتِفَاضَةِ ، لَا يَحْتَاجُ مِثْلُهُ إلَى إسْنَادٍ ، وَقَدْ عَابَ بَعْضُ أَغْمَارِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ رحمه الله حِينَ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْكُتُبِ فَقِيلَ لَهُ : أَسَمِعْتهَا مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ ؟ فَقَالَ : لَا . فَقِيلَ لَهُ : أَسَمِعْتهَا مِنْ أَبِي يُوسُفَ ؟ فَقَالَ : لَا . وَإِنَّمَا أَخَذْنَاهَا مُذَاكَرَةً . فَأَنْكَرَ هَذَا الْقَائِلُ بِجَهْلِهِ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ رحمه الله : أَنْ يَحْكِيَ عَنْهُمْ أَقَاوِيلَهُمْ الَّتِي فِي كُتُبِهِمْ الْمُصَنَّفَةِ مِنْ غَيْرِ سَمَاعٍ . وَقَدْ قُلْنَا : إنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى سَمَاعٍ ، وَلَا إسْنَادٍ ، لِظُهُورِهِ وَاسْتِفَاضَتِهِ . وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هَذَا هَكَذَا لَمَا جَازَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ لِمُوَطَّإِ مَالِكٍ ، أَوْ كِتَابِ أَبِي يُوسُفَ : هَذَا كِتَابُ فُلَانٍ ، وَهَذَا كِتَابُ فُلَانٍ ، إذَا لَمْ يَكُنْ قَدْ سَمِعَهُ بِإِسْنَادٍ . وَأَمَّا إذَا قَالَ الرَّاوِي لِرَجُلٍ : قَدْ أَجَزْت لَك أَنْ تَرْوِيَ عَنِّي جَمِيعَ مَا فِي هَذَا الْكِتَابِ ، فَارْوِهِ عَنِّي . فَإِنْ كَانَا قَدْ عَلِمَا مَا فِيهِ ، جَازَ لَهُ أَنْ يَرْوِيَهُ عَنْهُ . فَيَقُولُ : حَدَّثَنِي ، وَأَخْبَرَنِي ، كَمَا أَنَّ  رَجُلًا لَوْ كَتَبَ صَكًّا وَالشُّهُودُ يَرَوْنَهُ ، ثُمَّ قَالَ : اشْهَدُوا عَلَيَّ بِمَا فِيهِ ، جَازَ لَهُمْ إقَامَةُ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ بِمَا فِيهِ . وَأَمَّا إذَا لَمْ يَعْلَمْ الرَّاوِي ، وَلَا السَّامِعُ بِمَا فِيهِ ، فَإِنَّ الَّذِي يَجِيءُ عَلَى مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقُولَ : أَخْبَرَنِي فُلَانٌ بِذَلِكَ ، كَمَا قَالُوا فِي الصَّكِّ إذَا أَشْهَدَهُمْ وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ مَا فِيهِ : لَمْ يَصِحَّ الْإِشْهَادُ . وَكَذَلِكَ إذَا قَالُوا لَهُ : أَجَزْنَا لَك مَا يَصِحُّ عِنْدَك مِنْ حَدِيثِنَا ، فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ ، كَمَا لَوْ قَالَ : مَا صَحَّ عِنْدَك مِنْ صَكٍّ فِيهِ إقْرَارِي فَاشْهَدْ بِهِ عَلَيَّ . لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَجُزْ الشَّهَادَةُ بِهِ عَلَيْهِ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . 

بَابٌ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ : أُمِرْنَا بِكَذَا ، وَنُهِينَا عَنْ كَذَا ، وَالسُّنَّةُ كَذَا

           قَالَ أَبُو بَكْرٍ : قَوْلُ الصَّحَابِيِّ : أُمِرْنَا بِكَذَا ، وَنُهِينَا عَنْ كَذَا . وَقَوْلُهُ : السُّنَّةُ كَذَا . لَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ شَيْءٌ مِنْهُ رِوَايَةً عَنْ النَّبِيِّ عليه السلام ، إذْ كَانَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالسُّنَّةُ لَا يَخْتَصُّ بِالنَّبِيِّ عليه السلام ، دُونَ غَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ } . فَقَدْ يَكُونُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ لِلْأَمِيرِ وَالْوُلَاةِ ، فَلَا دَلَالَةَ فِي مِثْلِهِ عَلَى : أَنَّهُ رِوَايَةٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَكَذَلِكَ السُّنَّةُ ، فَقَدْ تَكُونُ لِغَيْرِ النَّبِيِّ عليه السلام ، قَالَ النَّبِيُّ عليه السلام : { عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي ، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي } . وَقَالَ عليه السلام : { سَنَّ لَكُمْ مُعَاذٌ سُنَّةً حَسَنَةً } .  وَقَالَ : { مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا ، وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ لِرَبِيعَةَ ، حِينَ سَأَلَهُ عَنْ أَرْشِ أَصَابِعِ الْمَرْأَةِ إذَا كُنَّ ثَلَاثًا فَقَالَ : " فِيهَا ثَلَاثَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ ، فَقَالَ : فَإِذَا كُنَّ أَرْبَعًا . فَقَالَ : فِيهَا أَلْفَا دِرْهَمٍ . قُلْت : لَمَّا كَثُرَ جُرْحُهَا وَعَظُمَتْ مُصِيبَتُهَا نَقَصَ أَرْشُهَا ؟ فَقَالَ : أَعِرَاقِيٌّ أَنْتَ ؟ هَكَذَا السُّنَّةُ " وَإِنَّمَا مَخْرَجُ ذَلِكَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، فَسَمَّاهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ سُنَّةً . وَحُكِيَ لَنَا عَنْ الشَّافِعِيِّ قَالَ : " إذَا قَالَ مَالِكٌ : السُّنَّةُ كَذَا ، فَإِنَّمَا يُرِيدُ سُنَّةَ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ ، وَكَانَ عَرِيفَ السُّوقِ " . وَأَمَّا إذَا قَالَ الصَّحَابِيُّ : أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِكَذَا ، أَوْ نَهَانَا عَنْ كَذَا ، وَسَنَّ رَسُولُ  اللَّهِ ﷺ كَذَا ، أَوْ قَالَ هَذِي سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَإِنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَأْبَى أَنْ يُوجِبَ بِمِثْلِهِ حُكْمًا ، حَتَّى يَحْكِيَ لَفْظَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَيْنِهِ ، لِأَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ سَمِعَ لَفْظًا يَحْتَمِلُ الْمَعَانِي ، فَتَأَوَّلَهُ عَلَى الْمَعْنَى عِنْدَهُ ، وَنَحْنُ فَلَا يَلْزَمُنَا تَأْوِيلُهُ ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ عَرَفْنَا مِنْ مَذْهَبِ بَعْضِ عُلَمَاءِ السَّلَفِ نَقْلَ الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ . وَقَالَ آخَرُونَ : حُكْمُ مَا هَذَا سَبِيلُهُ مِنْ الْأَلْفَاظِ ثَابِتٌ فِيمَا يَتَنَاوَلُهُ مِنْ أَمْرٍ وَنَهْيٍ ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ الْعُدُولُ عَنْهُ لِأَجْلِ مَا ذُكِرَ ، لِأَنَّ الرَّاوِيَ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ وَمِمَّنْ يُوثَقُ بِضَبْطِهِ وَمَعْرِفَتِهِ فَهُوَ يَعْرِفُ مَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ مِنْ الْأَلْفَاظِ ، مِمَّا لَا يَحْتَمِلُهُ . فَلَوْ كَانَ مَصْدَرُ هَذَا الْقَوْلِ عِنْدَهُ عَنْ لَفْظٍ يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ لَبَيَّنَ حِكَايَةَ اللَّفْظِ بِعَيْنِهِ ، فَلَمَّا اقْتَصَرَ عَلَى إجْمَالِ ذِكْرِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ عَلِمْنَا : أَنَّ ذَلِكَ اللَّفْظَ عِنْدَهُ لَمْ يُغَيِّرْ مَا حَكَيْنَاهُ . وَلَوْ سَاغَ الِاعْتِبَارُ الَّذِي ذَكَرَهُ قَائِلُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ - لَوَجَبَ أَنْ لَا يَحْكُمَ بِهِ إذَا قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " كَيْتَ وَكَيْتَ " ، لِأَنَّ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَرْوِي نَقْلَ الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ . مِنْهُمْ : الْحَسَنُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَغَيْرُهُمَا . وَمِنْهُمْ : مَنْ يَرَى نَقْلَ اللَّفْظِ بِعَيْنِهِ ، فَيَجُوزُ عَلَى مَوْضُوعِ هَذَا الْقَائِلِ أَنْ يُقَالَ : إنَّ هَذَا إنَّمَا حَكَى مَعْنَى مَا سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيِّ عليه السلام ، لَا لَفْظَهُ بِعَيْنِهِ ، لِأَنَّ عِيسَى بْنَ أَبَانَ رحمه الله كَانَ مِمَّنْ يَرَى الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ ، فَلَمَّا أَبْطَلَ ذَلِكَ . وَكَانَ قَوْلُهُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " كَذَا . مَحْمُولًا عَلَى حِكَايَةِ لَفْظٍ وَحَقِيقَةِ مَعْنَاهُ ، وَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ : " أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِكَذَا : وَنَهَانَا عَنْ كَذَا ، وَسَنَّ لَنَا كَذَا ، عَلَى حَقِيقَةِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ " كَأَنَّهُ قَوْلٌ مِنْ النَّبِيِّ عليه السلام بِعَيْنِهِ . وَقَدْ كَانَتْ الصَّحَابَةُ رضوان الله عليهم تَكْتَفِي فِي رِوَايَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ سُنَنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَحْكَامَهُ ، وَسَمَاعُ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ بِسَمَاعِ هَذَا اللَّفْظِ ، فِيمَا يَزِيدُ مَعْرِفَةً مِنْ  النُّصُوصِ وَالسُّنَنِ ، أَلَا تَرَى : أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالٍ لَمَّا سُئِلَ عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، قَالَ : { أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا كُنَّا سَفَرًا : أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهَا ، لَيْسَ الْجَنَابَةَ ، لَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ } فَاكْتَفَى بِذِكْرِ الْأَمْرِ مُجْمَلًا ، دُونَ حِكَايَةِ لَفْظِ أَمْرِ النَّبِيِّ عليه السلام ، وَقَنَعَ السَّائِلُ أَيْضًا مِنْهُ بِذَلِكَ ، دُونَ مُطَالَبَتِهِ بِإِيرَادِ لَفْظِهِ . وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما : { كُنَّا نُخَابِرُ وَلَا نَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا ، حَتَّى أَخْبَرَنَا رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْهَا ، فَتَرَكْنَاهَا } فَاكْتَفَى مِنْهُ بِإِطْلَاقِ لَفْظِ النَّهْيِ ، دُونَ حِكَايَةِ لَفْظِ النَّبِيِّ عليه السلام . وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ عَنْ الصَّحَابَةِ ، يَطُولُ الْكِتَابُ بِذِكْرِهِ ، وَمِنْ نَحْوِهِ : قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه لِلصَّبِيِّ بْنِ مَعْبَدٍ ، حِينَ قَرَنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ : السُّنَّةُ ، ثُمَّ سَأَلَهُ عُمَرُ رضي الله عنه عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : " هُدِيت لِسُنَّةِ نَبِيِّك " وَلَمْ يَحْتَجْ مَعَ إضَافَتِهِ السُّنَّةَ إلَى النَّبِيِّ : إلَى حِكَايَةِ لَفْظِهِ أَوْ فِعْلِهِ . 

بَابٌ الْقَوْلُ فِي الصَّحَابِيِّ إذَا رَوَى خَبَرًا ثُمَّ عَمِلَ بِخِلَافِهِ

	      قَالَ أَبُو بَكْرٍ رحمه الله : هَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ : إنْ كَانَ الْخَبَرُ يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى تَأْوِيلِ الصَّحَابِيِّ وَلَا غَيْرِهِ ، وَأَمْضَى الْخَبَرَ عَلَى ظَاهِرِهِ ، إلَّا أَنْ تَقُومَ الدَّلَالَةُ عَلَى وُجُوبِ صَرْفِهِ إلَى مَا يُؤَوِّلُهُ الرَّاوِي . وَالْوَجْهُ الْآخَرُ : أَنْ يَرْوِيَهُ ثُمَّ يَقُولَ بِخِلَافِهِ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ ، وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ عِبَارَةً عَنْهُ . فَهَذَا يَدُلُّ عِنْدَنَا مِنْ قَوْلِهِ : أَنَّهُ قَدْ عُلِمَ نَسْخُ الْخَبَرِ ، أَوْ عُقِلَ مِنْ ظَاهِرِ حَالِهِ : أَنَّ مُرَادَهُ كَانَ النَّدْبَ ، دُونَ الْإِيجَابِ . فَالْأَوَّلُ : نَحْوُ مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ : { الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا } . وَالتَّفْرِيقُ يَكُونُ بِالْقَوْلِ ، وَيَكُونُ بِالْفِعْلِ ، وَاللَّفْظُ يَحْتَمِلُ . وَكَانَ مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّهُ عَلَى التَّفْرِيقِ بِالْأَبْدَانِ . وَهَذَا تَأْوِيلٌ مِنْهُ ، فَلَا يَقْضِي تَأْوِيلَهُ عَلَى مُرَادِ الْخَبَر . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : نَحْوُ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ عليه السلام : فِي { غَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ سَبْعًا } . وَنَظِيرُهُ أَيْضًا : مَا رُوِيَ { عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه : أَنَّهُ كَانَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَجَاءَ عُثْمَانُ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ ؟ فَقَالَ : مَا هُوَ إلَّا أَنْ سَمِعْت النِّدَاءَ ، فَلَمْ أَزِدْ عَلَى أَنْ  تَوَضَّأْت ، فَقَالَ عُمَرُ : وَلِلْوُضُوءِ أَيْضًا وَقَدْ عَلِمْت : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُنَا بِالْغُسْلِ } . فَأَخْبَرَ : أَنَّ النَّبِيَّ عليه السلام أَمَرَ بِالْغُسْلِ ، ثُمَّ قَالَ هُوَ : إنَّ الْوُضُوء يُجْزِئُ عَنْهُ ، وَالْأَمْرُ بِالْغُسْلِ لَا يَحْتَمِلُ جَوَازَ الْوُضُوءِ . فَعَلِمْنَا : أَنَّهُ لَمْ يَقْبَلْ بِإِجْزَاءِ الْوُضُوءِ عَنْ الْغُسْلِ ، إلَّا وَقَدْ عُلِمَ مِنْ فَحْوَى خِطَابِ النَّبِيِّ عليه السلام ، وَمِنْ دَلَالَةِ الْحَالِ ، وَمَخْرَجِ الْكَلَامِ : أَنَّ الْأَمْرَ بِالْغُسْلِ كَانَ عَلَى وَجْهِ النَّدْبِ . وَنَحْوُهُ مَا رَوَى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَافِعٍ ، عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه ، عَنْ { النَّبِيِّ عليه السلام : رَفْعُ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الرُّكُوعِ } . وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ : " لَمْ يَرْفَعْهُمَا " وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ { النَّبِيِّ عليه السلام : رَفْعُ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الرُّكُوعِ } . ثُمَّ رَوَى مُجَاهِدٌ أَنَّهُ : " صَلَّى خَلْفَ ابْنِ عُمَرَ فَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ ، إلَّا عِنْدَ الِافْتِتَاحِ " فَدَلَّ تَرْكُهُمَا الرَّفْعَ بَعْدَ النَّبِيِّ عليه السلام عَلَى : أَنَّهُمَا قَدْ عَرَفَا نَسْخَ الْأَوَّلِ ، لَوْلَاهُ لَمَا تَرَكَاهُ ، إذْ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُظَنَّ بِهِمَا مُخَالَفَةُ سُنَّةٍ رَوَيَاهَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِمَّا لَا احْتِمَالَ فِيهِ لِلتَّأْوِيلِ . قَالَ عِيسَى : وَإِنْ كَانَ مِثْلُ ذَلِكَ الْخَبَرِ مَا يَجُوزُ أَنْ يَخْفَى عَلَى مَنْ خَالَفَهُ إلَى غَيْرِهِ ، فَالْعَمَلُ عَلَى الْخَبَرِ ، دُونَ مَا رَوَى الصَّحَابِيُّ . فَأَمَّا الْأَوَّلُ : فَنَحْوُ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ عليه السلام ، أَنَّهُ قَالَ : { الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ ، جَلْدُ مِائَةٍ ، وَتَغْرِيبُ عَامٍ } وَجَاءَ عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ " نَفَى رَجُلًا ، فَلَحِقَ بِالرُّومِ . فَقَالَ  عُمَرُ : لَا أَنْفِي بَعْدَهَا أَحَدًا " . وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ : " كَفَى بِالتَّفْرِقَةِ فِتْنَةً " فَلَوْ كَانَ النَّفْيُ حَدًّا ثَابِتًا لَمَا تَرَكُوهُ بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ بِهِ ، وَمِثْلُهُ قَوْلُ عُمَرَ رضي الله عنه : " مُتْعَتَانِ كَانَتَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَا أَنْهَى عَنْهَا ، إذَا صِرْت عَلَيْهَا . مُتْعَةِ النِّسَاءِ ، وَمُتْعَةِ الْحَجِّ " . قَالَ ابْنُ سِيرِينَ " هُمْ شَهِدُوا ، وَهُمْ نَهَوْا عَنْهَا ، فَمَا فِي رَأْيِهِمْ مَا يُرْغَبُ عَنْهُ ، وَلَا فِي نَصِيحَتِهِمْ  مَا يُتَّهَمُ " . وَمِنْهَا : { أَنَّ النَّبِيَّ عليه السلام قَسَمَ خَيْبَرَ حِينَ افْتَتَحَهَا } وَفَتَحَ عُمَرُ السَّوَادَ فَلَمْ يَقْسِمْهُ ، وَتَرَكَهَا فِي أَيْدِي أَهْلِهَا ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ قَدْ عَلِمَ : أَنَّ مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ عليه السلام فِي قِسْمَةِ خَيْبَرَ لَمْ يَكُنْ حَتْمًا ، لِأَنَّ مَا لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ ، لَا يَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ . وَمِثْلُهُ مَا رُوِيَ : { أَنَّ النَّبِيَّ عليه السلام جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ بِالْمَدِينَةِ } . وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : " إنْ جَمَعَا بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ مِنْ الْكَبَائِرِ " وَلَوْ كَانَ الْجَمْعُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ادَّعَاهُ مُخَالِفُنَا ثَابِتًا - لَمَا خَفَى مِثْلُهُ عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه ، وَهُوَ يَصْحَبُ النَّبِيَّ ﷺ فِي سَفَرِهِ وَحَضَرِهِ . فَإِنْ قِيلَ : قَدْ خَفِيَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رحمه الله نَسْخُ التَّطْبِيقِ ، وَكَانَ يُطَبِّقُ بَعْدَ النَّبِيِّ عليه السلام ، مَعَ قُرْبِ مَحَلِّهِ مِنْ النَّبِيِّ ، وَمُلَازَمَتِهِ إيَّاهُ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ . قِيلَ لَهُ : لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ تَرْكُ التَّطْبِيقِ عَمْدًا ، وَإِنَّمَا تَأَوَّلَ لَفْظَ النَّبِيِّ عليه السلام فِيهِ عَلَى الرُّخْصَةِ ، لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ : " شَكَا إلَيْهِ مَشَقَّةَ التَّطْبِيقِ فَقَالَ : { اسْتَعِينُوا بِالرَّكْبِ } .  وَكَانَ ظَاهِرُ هَذَا اللَّفْظِ : التَّرْخِيصُ ، فَحَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ ، وَكَانَ عِنْدَهُ : أَنَّ الْأَوَّلَ ثَابِتٌ ، فَاخْتَارَهُ ، لِأَنَّهُ أَشَقُّ عَلَى الْمُصَلِّي . قَالَ عِيسَى : فَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يَخْفَى عَلَى الصَّحَابِيِّ : فَنَحْوُ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ عليه السلام { أَنَّهُ : رَخَّصَ لِلْحَائِضِ أَنْ تَنْفِرَ قَبْلَ طَوَافِ الصَّدْرِ } وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : " تُقِيمُ حَتَّى تَطْهُرَ فَتَطُوفَ " . وَمِثْلُ ذَلِكَ يَجُوزُ خَفَاؤُهُ عَلَى عُمَرَ . فَالْأَمْرُ فِيهِ عَلَى مَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ : وَمِثْلُهُ مَا رُوِيَ عَنْ { النَّبِيِّ عليه السلام أَنَّهُ : أَمَرَ بِإِعَادَةِ الْوُضُوءِ مِنْ الضَّحِكِ فِي الصَّلَاةِ } وَرَوَى أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ أَنَّهُ : " لَا يُعِيدُ الْوُضُوءَ " ، وَمِثْلُهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ ، فَلَا يُعْتَرَضُ بِخِلَافِهِ عَلَى الْخَبَرِ ، وَلَا يُوهِنُهُ .  وَمِثْلُهُ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ عليه السلام " فِي الْحَجِّ عَنْ الشَّيْخِ الْكَبِيرِ ، الَّذِي لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ " . وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : " لَا يَحُجُّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ " فَهَذِهِ أُمُورٌ خَاصَّةٌ يَجُوزُ خَفَاءُ مِثْلِهَا عَلَى هَؤُلَاءِ ، فَلَا تَقْدَحُ مُخَالَفَتُهُمْ فِيهَا فِي الْخَبَرِ ، وَيُحْمَلُ أَمْرُهُ عَلَى : أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُمْ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ عليه السلام فِيهِ ، وَأَنَّهُ لَوْ قَدْ كَانَ بَلَغَهُمْ لَصَارُوا إلَيْهِ ، وَتَرَكُوا رَأْيَهُمْ .

بَابٌ الْقَوْلُ فِي رَاوِي الْخَبَرِ كَيْفَ سَبِيلُهُ أَنْ يُؤَدِّيَهُ

	      قَالَ أَبُو بَكْرٍ رحمه الله : قَدْ حَكَيْنَا عَنْ الْحَسَنِ وَالشَّعْبِيِّ : أَنَّهُمَا كَانَا يُحَدِّثَانِ بِالْمَعَانِي ، وَكَانَ غَيْرُهُمْ - مِنْهُمْ ابْنُ سِيرِينَ - يُحَدِّثُ بِاللَّفْظِ . وَالْأَحْوَطُ عِنْدَنَا إذًا اللَّفْظُ وَسِيَاقُهُ عَلَى وَجْهِهِ ، دُونَ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْمَعْنَى ، سَوَاءٌ كَانَ اللَّفْظُ مِمَّا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ أَوْ لَا يَحْتَمِلُهُ . إلَّا أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي مِثْلَ : الْحَسَنِ ، وَالشَّعْبِيِّ ، فِي إتْقَانِهِمَا لِلْمَعَانِي وَالْعِبَارَاتِ الَّتِي هِيَ وَفْقَهَا غَيْرُ فَاضِلَةٍ عَنْهَا ، وَلَا مُقَصِّرَةٍ . وَهَذَا عِنْدَنَا إنَّمَا كَانَ يَفْعَلَانِهِ فِي اللَّفْظِ الَّذِي يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ ، وَيَكُونُ لِلْمَعْنَى عِبَارَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ ، فَيُعَبِّرَانِ تَارَةً بِعِبَارَةٍ ، وَتَارَةً بِغَيْرِهَا . فَأَمَّا مَا لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ مِنْ الْأَلْفَاظِ فَإِنَّا لَا نَظُنُّ بِهِمَا : أَنَّهُمَا كَانَا يُغَيِّرَانِهِ إلَى لَفْظٍ غَيْرِهِ ، مَعَ احْتِمَالِهِ لِمَعْنًى غَيْرِ مَعْنَى لَفْظِ الْأَصْلِ ، وَأَكْثَرُ فَسَادِ أَخْبَارِ الْآحَادِ وَتَنَاقُضِهَا وَاسْتِحَالَتِهَا إنَّمَا جَاءَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْمَعُ اللَّفْظَ الْمُحْتَمِلَ لِلْمَعَانِي ، فَيُعَبِّرُ هُوَ بِلَفْظٍ غَيْرِهِ ، وَلَا يَحْتَمِلُ إلَّا مَعْنًى وَاحِدًا ، عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْمَعْنَى عِنْدَهُ فَيَفْسُدُ . وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ وُجُوبِ نَقْلِ اللَّفْظِ بِعَيْنِهِ قَوْلُهُ ﷺ : { نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا ، ثُمَّ أَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا . فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَا فِقْهَ لَهُ ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ } . فَأَمَرَ عليه السلام بِنَقْلِ اللَّفْظِ بِعَيْنِهِ لِيَعْتَبِرَهُ الْفُقَهَاءُ ، وَيَحْمِلُوهُ عَلَى الْوُجُوهِ الَّتِي يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَيْهَا .

بَابٌ الْقَوْلُ ) ( فِي أَفْعَالِ النَّبِيِّ ﷺ )

            قَالَ أَبُو بَكْرٍ رحمه الله : أَفْعَالُ النَّبِيِّ عليه السلام الْوَاقِعَةُ عَلَى قَصْدٍ مِنْهُ يَقْتَسِمُهَا وُجُوهٌ ثَلَاثَةٌ . وَاجِبٌ ، وَنَدْبٌ ، وَمُبَاحٌ ، إلَّا مَا قَامَتْ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ الصَّغَائِرِ الْمَعْفُوَّةِ . فَإِنْ ظَهَرَ مِنْهُ فِعْلٌ لَيْسَ فِي ظَاهِرِهِ دَلَالَةٌ عَلَى وُقُوعِهِ مِنْهُ ، عَلَى أَحَدِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا ، فَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ عَلَيْنَا مِنْ حُكْمِهَا . فَقَالَ قَائِلُونَ : وَاجِبٌ عَلَيْنَا أَنْ نَفْعَلَ مِثْلَهُ ، حَتَّى تَقُومَ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ . وَقَالَ آخَرُونَ : لَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ وَاجِبٌ عَلَيْنَا فِعْلُهُ ، حَتَّى تَقُومَ الدَّلَالَةُ عَلَى وُجُوبِهِ ، وَلَنَا فِعْلُهُ عَلَى وَجْهِ الْإِبَاحَةِ ، إذْ كَانَ ذَلِكَ أَدْنَى مَنَازِلِ أَفْعَالِهِ ﷺ . وَقَالَ آخَرُونَ : نَقِفُ فِيهِ ، وَلَا نَفْعَلُهُ ، لَا عَلَى وَجْهِ الْإِبَاحَةِ ، وَلَا غَيْرِهَا ، حَتَّى تَقُومَ الدَّلَالَةُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ . وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا إذَا عُلِمَ وُقُوعُهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ : مِنْ الْإِبَاحَةِ ، وَالنَّدْبِ وَالْإِيجَابِ . فَقَالَ قَائِلُونَ : عَلَيْنَا اتِّبَاعُهُ فِيهِ ، وَإِيقَاعُهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَوْقَعَهُ عَلَيْهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : لَيْسَ عَلَيْنَا فِعْلُهُ ، حَتَّى تَقُومَ الدَّلَالَةُ عَلَيْهِ ، وَكَانَ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ رحمه الله يَقُولُ : ظَاهِرُ فِعْلِهِ عليه السلام لَا يَلْزَمُنَا بِهِ شَيْءٌ ، حَتَّى تَقُومَ الدَّلَالَةُ عَلَى لُزُومِهِ لَنَا ، وَلَا أَحْفَظُ عَنْهُ الْجَوَابَ أَيْضًا ، إذَا عُلِمَ وُقُوعُهُ عَلَى أَحَدِ الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا ، وَاَلَّذِي يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّي مِنْ مَذْهَبِهِ ، أَنَّهُ عَلَيْنَا اتِّبَاعُهُ فِيهِ ، عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَوْقَعَهُ عَلَيْهِ ، فَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا .  وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ ظَاهِرَ فِعْلِهِ عليه السلام لَا يُوجِبُ عَلَيْنَا فِعْلَ مِثْلِهِ - قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { أَطِيعُوا اللَّهَ } وَقَالَ تَعَالَى { فَاتَّبِعُوهُ } وَقَالَ تَعَالَى { قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ } فَلَمَّا أَمَرْنَا بِطَاعَتِهِ وَاتِّبَاعِهِ ، وَكَانَتْ طَاعَتُهُ وَاتِّبَاعُهُ لَا يَكُونَانِ إلَّا بِأَنْ نُوقِعَ أَفْعَالَنَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُرِيدُهُ مِنَّا .  وَلَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ عِبَارَةً عَنْ إرَادَتِهِ ذَلِكَ مِنَّا ، وَلَا كَانَ فِي ظَاهِرِهِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ، لَمْ يَجُزْ لَنَا فِعْلُهُ عَلَى وَجْهِ الْإِيجَابِ ، مَعَ فَقْدِ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ يُرِيدُ ذَلِكَ مِنَّا ، فَلَا يَكُونُ فِعْلُنَا لَهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ طَاعَةً ، وَلَا اتِّبَاعًا لَهُ ، وَلِأَنَّا مَتَى أَقْدَمْنَا عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ قَضَيْنَا بِأَنَّهُ مُرِيدٌ مِنَّا ذَلِكَ ، وَغَيْرُ جَائِزٍ لَنَا إثْبَاتُ إرَادَتِهِ لِذَلِكَ إلَّا بِنَصٍّ أَوْ دَلَالَةٍ ، وَظُهُورُ فِعْلِهِ لَا يَدُلُّ عَلَيْهَا ، أَوْ قَدْ يَفْعَلُ هُوَ فِي نَفْسِهِ فِعْلًا وَلَا يُرِيدُ مِنَّا مِثْلَهُ ، فَإِذًا لَيْسَ وُجُودُ فِعْلِهِ عَلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِهِ ، وَلَيْسَ ظُهُورُ الْفِعْلِ مِنْهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ كَظُهُورِ أَمْرِهِ فِي دَلَالَتِهِ عَلَى إرَادَتِهِ مِنَّا ، لِأَنَّهُ لَا يَأْمُرُنَا بِشَيْءٍ إلَّا وَقَدْ أَرَادَ مِنَّا فِعْلَهُ . فَظَاهِرُ الْأَمْرِ يَقْتَضِي إرَادَةَ الْمَأْمُورِ مِنَّا . فَلِذَلِكَ اخْتَلَفَا . فَإِنْ قِيلَ : مَا أَنْكَرْت أَنْ يَكُونَ مَا اسْتَدْلَلْت بِهِ مِنْ الْآيِ هُوَ الدَّلَالَةُ عَلَى وُجُوبِ فِعْلِهِ عَلَيْنَا ، لِأَنَّهُ حِينَ أَمَرَنَا بِاتِّبَاعِهِ ، فَقَدْ أَمَرَنَا بِأَنْ نَفْعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِ ، إذْ كَانَ الْمَعْقُولُ مِنْ لَفْظِ الِاتِّبَاعِ ، أَنْ نَفْعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ . قِيلَ : لَا يَخْلُو شَرْطُ الِاتِّبَاعِ : مِنْ أَنْ يَكُونَ إيقَاعُ الْفِعْلِ فِي ظَاهِرِهِ عَلَى حَسَبِ مَا أَوْقَعَهُ ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مُعَلَّقًا بِإِرَادَتِهِ ذَلِكَ مِنَّا ، أَوْ أَنْ نَفْعَلَهُ عَلَى حَسَبِ مَا يُرِيدُهُ مِنَّا ، وَمَتَى فَعَلَهُ فِي صُورَتِهِ مِنْ غَيْرِ تَعَلُّقِهِ بِإِرَادَتِهِ إيَّاهُ مِنَّا ، لَكُنَّا مُتَّبِعِينَ إذَا نَهَانَا عَنْهُ ، وَفَعَلَهُ هُوَ فِي نَفْسِهِ ، فَفَعَلْنَا مِثْلَ فِعْلِهِ لِوُجُودِ مِثْلِهِ فِي صُورَتِهِ مِنَّا ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكُنَّا مُطِيعِينَ لَهُ بِذَلِكَ ، لِأَنَّ مُتَّبِعَ النَّبِيِّ عليه السلام لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُطِيعًا لَهُ : فَكَانَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُطِيعًا عَاصِيًا ، فَلَمَّا بَطَلَ هَذَا عَلِمْنَا : أَنَّ شَرْطَ اتِّبَاعِهِ فِي فِعْلِهِ : أَنْ نُوقِعَهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَوْقَعَ عَلَيْهِ وَأَرَادَهُ مِنَّا ، فَلَمَّا لَمْ يَكُ ظَاهِرُ فِعْلِهِ دَلَالَةً عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَوْقَعَهُ عَلَيْهِ ، وَلَا عَلَى أَنَّهُ قَدْ أَرَادَ مِنَّا ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لَنَا إيقَاعُهُ عَلَى جِهَةِ الْإِيجَابِ ، مَعَ فَقْدِ الْعِلْمِ مِنَّا بِالْوَجْهِ الَّذِي أَوْقَعَهُ عَلَيْهِ . وَأَيْضًا : فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إنْ كَانَ فِعْلُهُ عَلَى وَجْهِ الْإِبَاحَةِ وَالنَّدْبِ ثُمَّ فَعَلْنَاهُ نَحْنُ عَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ - لَمْ نَكُنْ مُتَّبِعِينَ لَهُ ، لِأَنَّ شَرْطَ الِاتِّبَاعِ إيقَاعُهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَوْقَعَهُ عَلَيْهِ ، وَمَتَى خَالَفْنَاهُ فِي هَذَا الْوَجْهِ خَرَجْنَا مِنْ حَدِّ الِاتِّبَاعِ . أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ فَعَلَ فِعْلًا فَفَعَلَ غَيْرُهُ مِثْلَهُ عَلَى وَجْهِ الْمُعَارَضَةِ لَهُ وَالْمُضَاهَاةِ لِفِعْلِهِ قَاصِدًا الْمُعَارَضَةَ وَمُبَارَاتَهُ ، لَمْ يَكُنْ مُتَّبِعًا لَهُ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَوْقَعَ فِعْلًا مِثْلَ فِعْلِهِ فِي الظَّاهِرِ .  فَإِنْ قِيلَ : الدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِهِ قوله تعالى { فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } وَالْفِعْلُ يَجُوزُ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ لَفْظُ الْأَمْرِ ، لِأَنَّ الْأَمْرَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِبَارَةً عَنْ شَأْنِهِ وَطَرِيقَتِهِ . كَمَا قَالَ تَعَالَى { وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ } وَقَالَ تَعَالَى { وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ } وَقَالَ تَعَالَى { قُلْ إنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ } وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ تَضَمَّنَ قوله تعالى { فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ } . النَّهْيَ عَنْ مُخَالَفَتِهِ : فِي شَأْنِهِ ، وَطَرِيقَتِهِ ، وَأَفْعَالِهِ ، وَأَحْوَالِهِ فِيهِ . قِيلَ لَهُ : أَوَّلُ مَا فِي هَذَا : أَنَّ إطْلَاقَ لَفْظِ الْأَمْرِ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْأَمْرَ الَّذِي هُوَ قَوْلُ الْقَائِلِ : افْعَلْ ، وَلَا يَتَنَاوَلُ غَيْرَهُ ، إلَّا عَلَى وَجْهِ الْمَجَازِ . وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ اسْمَ الْأَمْرِ لَا يَنْتَفِي عَنْ هَذَا الْقَوْلِ ، إذَا أُرِيدَ بِهِ إلْزَامُ الْفِعْلِ بِحَالٍ ، وَيَنْتَفِي لَفْظُ الْأَمْرِ عَنْ الْفِعْلِ بِأَنْ يُقَالَ : الْفِعْلُ لَيْسَ بِأَمْرٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ . أَلَا تَرَى : أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَهُمَا فِي اللَّفْظِ ، وَيَعْطِفَ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ ، فَيَقُولَ : فِعْلُ النَّبِيِّ عليه السلام ، وَأَمْرُهُ ﷺ وَلَوْ كَانَ الْفِعْلُ أَمْرًا عَلَى الْحَقِيقَةِ - لَجَازَ أَنْ يُقَالَ : لِكُلِّ فِعْلٍ أَمْرٌ ، وَلَجَازَ أَنْ يُقَالَ : إنَّ صَلَاتَنَا أَمْرٌ ، وَقُعُودَنَا ، وَأَكْلَنَا ، وَشُرْبَنَا ، أَمْرٌ . وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا : أَنَّ اللَّفْظَ الَّذِي فِي مُقَابَلَةِ الْأَمْرِ - وَهُوَ النَّهْيُ - إنَّمَا يَكُونُ قَوْلًا لَا فِعْلًا ، فَكَذَلِكَ ضِدُّهُ ، وَمَا فِي مُقَابَلَتِهِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَوْلًا . وَأَيْضًا : فَلَوْ صَحَّ أَنَّ لَفْظَ الْأَمْرِ يَتَنَاوَلُ الْفِعْلَ لَمَا كَانَ فِي الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى مَا ذَكَرْت ، لِأَنَّ الضَّمِيرَ الَّذِي فِي قوله تعالى : ( عَنْ أَمْرِهِ ) رَاجِعٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ، دُونَ النَّبِيِّ ﷺ لِأَنَّ حُكْمَ الْكِنَايَةِ أَنْ تَرْجِعَ إلَى مَا يَلِيهَا ، وَلَا تَرْجِعُ إلَى مَا تَقَدَّمَ إلَّا بِدَلَالَةٍ ، فَلَمَّا كَانَ الَّذِي يَلِي الْكِنَايَةَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى ، لِأَنَّهُ قَالَ : { قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا } وَقَالَ :  { فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ } وَجَبَ أَنْ يَكُونَ ضَمِيرُ هَذِهِ الْكِنَايَةِ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَإِذَا صَحَّ رُجُوعُهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لَمْ يَصِحَّ رُجُوعُهُ إلَى الرَّسُولِ عليه السلام ، لِأَنَّ فِيهَا ضَمِيرَ الْوَاحِدِ لَا أَكْثَرَ مِنْهُ ، فَكَانَ تَقْدِيرُ الْآيَةِ ، فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ ، فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ مِنْ تَعْظِيمِ الرَّسُولِ لقوله تعالى { لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا } . قِيلَ فِي التَّفْسِيرِ : أَيْ لَا تَدْعُوهُ كَمَا يَدْعُو بَعْضُكُمْ بَعْضًا ، بِأَنْ يَقُولَ قَائِلٌ مِنْكُمْ : يَا مُحَمَّدُ ، بَلْ يَدْعُوهُ بِأَنْبَهِ أَسْمَائِهِ وَأَشْرَفِهَا ، فَيَقُولُ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، وَيَا رَسُولَ اللَّهِ . فَإِنْ قِيلَ : لَا يَمْتَنِعُ رُجُوعُ ضَمِيرِ الْكِنَايَةِ إلَيْهِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْهَا وَتَرَكُوك قَائِمًا } فَرَدَّ الضَّمِيرَ إلَى التِّجَارَةِ ، وَقَدْ تَوَسَّطَهَا ذِكْرُ اللَّهْوِ . قِيلَ لَهُ : لَيْسَ هَذَا كَمَا ظَنَنْته ، لِأَنَّ الْأَصْلَ رُجُوعُ الْكِنَايَةِ إلَى مَا يَلِيهَا ، وَلَا يَرْجِعُ إلَى مَا تَقَدَّمَ إلَّا بِدَلَالَةٍ . وَأَيْضًا : فَإِنَّ قوله تعالى : ( انْفَضُّوا إلَيْهَا ) قَدْ عَادَ إلَيْهِمَا جَمِيعًا فِي الْمَعْنَى ، لِأَنَّهُ خَبَرٌ لَهُمَا جَمِيعًا ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَحَصَلَ قَوْلُهُ : ( أَوْ لَهْوًا ) مُنْفَرِدًا عَنْ خَبَرِهِ ، فَيَبْطُلُ فَائِدَتُهُ ، فَإِنْ كَانَ قَوْلُهُ : أَوْ لَهْوًا ، مُفْتَقِرًا إلَى خَبَرٍ ، وَلَا خَبَرَ لَهُ غَيْرُ مَا فِي الْآيَةِ عَلِمْنَا أَنَّ قَوْلَهُ : انْفَضُّوا إلَيْهَا خَبَرٌ لَهُمَا جَمِيعًا ، وَإِنَّمَا خَصَّ التِّجَارَةَ بِالْكِنَايَةِ ، لِأَنَّ فِي الْعَادَةِ : أَنَّ تَفَرُّقَ النَّاسِ إلَيْهَا أَكْثَرُ مِنْهُ إلَى غَيْرِهِ . وَجَوَابٌ آخَرُ : وَهُوَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ قَدْ اقْتَضَتْ أَنْ لَا يَكُونَ ظَاهِرُ فِعْلِهِ مُوجِبًا عَلَيْنَا فِعْلَ مِثْلِهِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ حَذَّرَ مُخَالَفَةَ أَمْرِهِ ، وَمَتَى لَمْ يَعْلَمْ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ فَعَلَهُ هُوَ فِي نَفْسِهِ مِنْ إيجَابٍ ، أَوْ نَدْبٍ ، أَوْ إبَاحَةٍ ، ثُمَّ فَعَلْنَاهُ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي فَعَلَهُ وَأَرَادَهُ مِنَّا فَإِنَّ ذَلِكَ إلَى مُخَالَفَتِهِ أَقْرَبُ مِنْهُ إلَى الْمُتَابَعَةِ ، وَلَيْسَ تَرْكُ الْمُخَالَفَةِ أَنْ يَفْعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِ ، فِي صُورَتِهِ ، دُونَ أَنْ يَكُونَ وَاقِعًا عَلَى إرَادَتِهِ مِنْهُ ، لِأَنَّهُ لَوْ نَهَاهُ عَنْ فِعْلِهِ كَانَ مُخَالِفًا لِأَمْرِهِ ، وَإِنْ فَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ .  وَأَيْضًا : لَوْ سَلَّمْنَا لَهُمْ أَنَّ لَفْظَ الْأَمْرِ يَتَنَاوَلُ الْفِعْلَ ، لَمَا صَحَّ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ مُرَادًا بِالْآيَةِ عِنْدَنَا ، وَإِنْ رَجَعَ الضَّمِيرُ إلَى الرَّسُولِ ﷺ لِأَنَّ الْجَمِيعَ مُتَّفِقُونَ : أَنَّ الْأَمْرَ الَّذِي هُوَ الْقَوْلُ مُرَادٌ ، وَإِذَا صَحَّ أَنَّ ذَلِكَ مُرَادٌ امْتَنَعَ دُخُولُ الْفِعْلِ فِيهِ ، لِأَنَّ اللَّفْظَ الْوَاحِدَ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا أَنْ يَتَنَاوَلَ مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ، عَلَى مَا بَيَّنَّا فِيمَا سَلَفَ . وَأَيْضًا : فَلَوْ سَلَّمْنَا لَهُمْ جَمِيعَ مَا ادَّعَوْهُ فِي الْآيَةِ : مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ هَاهُنَا : طَرِيقَتُهُ ، وَشَأْنُهُ ، وَأَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ إلَى النَّبِيِّ عليه السلام ، لَمَا صَحَّ الِاحْتِجَاجُ بِعُمُومِهِ فِي إيجَابِهِ ، لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ اعْتِقَادُ الْعُمُومِ فِي لُزُومِ سَائِرِ أَفْعَالِهِ لَنَا ، وَمَا لَا يَصِحُّ اعْتِقَادُ الْعُمُومِ فِيهِ لَمْ يَجُزْ اعْتِبَارُ الْعُمُومِ فِيهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ ، فَيَصِيرُ حِينَئِذٍ تَقْدِيرُهُ : فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ بَعْضِ أَفْعَالِهِ ، فَيَحْتَاجُ ذَلِكَ الْبَعْضُ إلَى دَلَالَةٍ فِي إثْبَاتِ حُكْمِهِ ، وَلُزُومِ فِعْلِهِ ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُجْمَلًا ، مُفْتَقِرًا إلَى الْبَيَانِ . فَإِنْ قِيلَ : قوله تعالى : { فَاتَّبِعُوهُ } يَقْتَضِي وُجُوبَ فِعْلِهِ عَلَيْنَا . قِيلَ لَهُ : قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هَذِهِ الدَّلَائِلَ تَدُلُّ : عَلَى أَنَّ فِعْلَهُ لَيْسَ يَقْتَضِي وُجُوبَهُ عَلَيْنَا ، لِتَعَذُّرِ اتِّبَاعِهِ فِيهِ ، عِنْدَ فَقْدِنَا الْعِلْمَ بِالْوَجْهِ الَّذِي أُوقِعَ عَلَيْهِ الْفِعْلُ ، لِأَنَّ اتِّبَاعَ النَّبِيِّ ﷺ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ طَاعَةً ، وَمَتَى فَعَلْنَاهُ عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ وَنَحْنُ لَا نَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ هُوَ قَدْ فَعَلَهُ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِطَاعَةٍ ، فَلَا نَكُونُ مُتَّبِعِينَ لَهُ . فَإِنْ قِيلَ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ التَّأَسِّي بِهِ ، لِأَنَّهُ قَالَ : { لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ } وَمَعْنَاهُ يَخَافُ اللَّهَ . قِيلَ لَهُ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْوُجُوبِ ، لِأَنَّهُ قَالَ : لَكُمْ أَنْ تَتَأَسَّوْا بِهِ ، وَهَذَا نَدْبٌ وَلَيْسَ بِإِيجَابٍ ، وَغَيْرُ جَائِزٍ حَمْلُهُ عَلَى الْوُجُوبِ إلَّا بِدَلَالَةٍ ، لِأَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ : كَانَ يَفْعَلُ كَذَا لَا يَقْتَضِي الْوُجُوبَ ، وَإِنَّمَا كَانَ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ ، لَوْ قَالَ : عَلَيْك بِهِ ، أَنْ تَفْعَلَ كَذَا . فَإِنْ قِيلَ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ : عَلَيْكُمْ . كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } وقوله تعالى : { وَلَهُمْ اللَّعْنَةُ } مَعْنَاهُ عَلَيْهِمْ .  قِيلَ الْحَقِيقَةُ : مَا وَصَفْنَا ، وَهَذَا مَجَازٌ ، لَا يُصْرَفُ اللَّفْظُ إلَيْهِ إلَّا بِدَلَالَةٍ ، وَأَمَّا قوله تعالى : { لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ } فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ، لِأَنَّ مَعْنَاهُ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو ثَوَابَ اللَّهِ ، أَبَانَ بِهِ عَنْ اسْتِحْقَاقِ الثَّوَابِ بِالتَّأَسِّي بِهِ ، وَاسْتِحْقَاقُ الثَّوَابِ بِالْفِعْلِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ ، لِأَنَّ النَّدْبَ يَسْتَحِقُّ الثَّوَابَ بِفِعْلِهِ ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِهِ . وَأَمَّا تَأْوِيلُ مَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَى مَعْنَى : يَخَافُ اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ - غَلَطٌ ، لِأَنَّ الرَّجَاءَ غَيْرُ الْخَوْفِ فِي اللُّغَةِ . أَلَا تَرَى أَنَّك تَقُولُ : أَرْجُو الثَّوَابَ ، وَلَا تَقُولُ : أَرْجُو الْعِقَابَ . وَإِنَّمَا تَقُولُ : أَخَافُ الْعِقَابَ ، وَقَالَ تَعَالَى : { يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ } ، فَالرَّجَاءُ يَتَعَلَّق بِضِدِّ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْخَوْفُ ، فَغَيْرُ جَائِزٍ حَمْلُهُ عَلَى غَيْرِ الْحَقِيقَةِ ، وَصَرْفُهُ إلَى ضِدِّ مُوجِبِهِ . وَأَيْضًا : لَوْ دَلَّ عَلَى الْوُجُوبِ لَمَا دَلَّ عَلَى مَوْضِعِ الْخِلَافِ ، لِأَنَّهُ كَانَ حِينَئِذٍ يَقْتَضِي وُجُوبَ التَّأَسِّي بِهِ ، لِيَكُونَ فِعْلًا مُسَاوِيًا لِفِعْلِهِ فِي الْحُكْمِ ، فَإِذَا لَمْ أَعْلَمْ أَنَّ فِعْلَهُ عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ ، ثُمَّ فَعَلْته أَنَا عَلَى وَجْهِ الْإِيجَابِ ، فَلَيْسَ ذَلِكَ تَأَسِّيًا بِهِ . وَأَيْضًا : فَإِنَّ التَّأَسِّي بِالنَّبِيِّ عليه السلام طَاعَةٌ ، وَإِذَا فَعَلَهُ هُوَ نَدْبًا أَوْ إبَاحَةً وَفَعَلْته أَنَا عَلَى الْوُجُوبِ فَقَدْ خَالَفْته ، وَمُخَالَفَتُهُ لَيْسَتْ بِطَاعَةٍ . وَأَيْضًا : فَلَمَّا كَانَ مَعْلُومًا تَعَذُّرُ التَّأَسِّي بِهِ فِي كُلِّ أَفْعَالِهِ ، لِأَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ لُزُومَ سَائِرِ أَحْوَالِهِ ، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ ، صَارَ مَا بَدَرَ إلَيْهِ مِنْ التَّأَسِّي بِهِ مُتَعَلِّقًا بِبَعْضِ أَفْعَالِهِ ، لِاسْتِحَالَةِ اعْتِقَادِ الْعُمُومِ فِيهِ . فَصَارَ تَقْدِيرُهُ : لَكُمْ التَّأَسِّي بِهِ فِي بَعْضِ أَفْعَالِهِ ، فَيَحْتَاجُ إلَى دَلَالَةٍ أُخْرَى غَيْرِ اللَّفْظِ فِي إثْبَاتِ الْوَجْهِ الَّذِي يَتَأَسَّى بِهِ فِيهِ . فَإِنْ قِيلَ : قوله تعالى : { وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ } يَدُلُّ عَلَى : أَنَّ مَا فَعَلَهُ يَجِبُ عَلَيْنَا فِعْلُ مِثْلِهِ ، لِأَنَّهُ مِمَّا أَتَى بِهِ الرَّسُولُ عليه السلام ، وَلِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ : ( مَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ ) وَبَيْنَ لَوْ قَالَ : مَا أَتَى الرَّسُولُ بِهِ فَخُذُوهُ ، كَمَا لَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ : " مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ "  وَبَيْنَ مَا لَوْ قَالَ : مَا نَهَى عَنْهُ فَانْتَهُوا عَنْهُ . فَيُقَالُ لَهُ : هَذَا غَلَطٌ ، لِأَنَّ قَوْلَهُ : ( مَا آتَاكُمْ ) لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : مَا أَتَى بِهِ فَخُذُوهُ ، بِقَصْرِ الْأَلِفِ ، لِأَنَّ قَوْلَهُ : ( مَا آتَاكُمْ ) بِمَعْنَى مَا أَعْطَاكُمْ ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي خِطَابَنَا بِهِ ، وَإِرَادَتَهُ مِنَّا ، وَمَا فَعَلَهُ فِي نَفْسِهِ فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُقَالَ : إنَّهُ قَدْ أَتَانَا فِي نَفْسِهِ أَفْعَالًا لَا يُرِيدُهَا مِنَّا . وَأَمَّا قَوْلُهُ : { وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ } ، فَإِنَّ النَّهْيَ لَا يَكُونُ إلَّا خِطَابًا لَنَا ، وَذَلِكَ فِي مَضْمُونِ اللَّفْظِ ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ { وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ } وَبَيْنَ قَوْلِهِ لَوْ قَالَ : مَا نَهَانَا عَنْهُ ، يُبَيِّنُ لَكُمْ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا قِيلَ : أَتَى فُلَانٌ كَذَا : أَنَّهُ لَا يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ فِعْلًا فَعَلَهُ فِي نَفْسِهِ ، وَإِذَا قِيلَ : آتَى كَذَا فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ ، يَنْبَغِي إعْطَاءً ، فَيَقْتَضِي مُعْطِيًا ، فَاقْتَضَتْ الْآيَةُ فِيمَا وَصَفْنَا خِطَابَ الْغَيْرِ بِهِ ، وَأَمَّا فِعْلٌ يَفْعَلُهُ فِي نَفْسِهِ فَلَا يَجُوزُ إطْلَاقُ ذَلِكَ فِيهِ . فَإِنْ قِيلَ : لَمَّا { خَلَعَ النَّبِيُّ عليه السلام نَعْلَهُ فِي الصَّلَاةِ خَلَعَ الْقَوْمُ نِعَالَهُمْ } ، فَدَلَّ : عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا مُعْتَقِدِينَ لِلْوُجُوبِ فِي أَفْعَالِ النَّبِيِّ عليه السلام . قِيلَ لَهُ : هَذِهِ دَعْوَى غَيْرُ مَقْرُونَةٍ بِدَلَالَةٍ ، مِنْ أَيْنَ لَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ فِيهِ الْوُجُوبَ ؟ دُونَ أَنْ يَكُونُوا فَعَلُوهُ عَلَى وَجْهِ النَّدْبِ ؟ وَهَذَا الْخَبَرُ : يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَجُوزُ اعْتِقَادُ الْوُجُوبِ فِي أَفْعَالِ النَّبِيِّ عليه السلام ، وَذَلِكَ لِأَنَّ { النَّبِيَّ عليه السلام لَمَّا سَلَّمَ قَالَ لِمَ خَلَعْتُمْ نِعَالَكُمْ ؟ فَقَالُوا : رَأَيْنَاك خَلَعْت فَخَلَعْنَا . فَقَالَ : إنَّ جِبْرِيلَ أَخْبَرَنِي أَنَّ بِهَا قَذَرًا } فَلَوْ كَانَ جَائِزًا لَهُمْ اعْتِقَادُ الْوُجُوبِ فِيهِ - لَمَا كَانَ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ خَلْعَهَا فِي الصَّلَاةِ . فَإِنْ قِيلَ : لِمَا رُوِيَ : { أَنَّ النَّبِيَّ عليه السلام صَلَّى فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لَيْلَةً ، أَوْ لَيْلَتَيْنِ ، ثُمَّ لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى اجْتَمَعُوا بَعْدَ ذَلِكَ ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ لَهُمْ : خَشِيت أَنْ تُكْتَبَ عَلَيْكُمْ } فَدَلَّ عَلَى : أَنَّ مُدَاوَمَتَهُ عَلَى فِعْلِ الشَّيْءِ مُوجِبٌ لِلتَّأَسِّي بِهِ فِيهِ ، لَوْلَاهُ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ : خَشِيت أَنْ تُكْتَبَ عَلَيْكُمْ مَعْنًى . قِيلَ لَهُ : هَذَا مِنْ أَدَلِّ الدَّلَائِلِ عَلَى نَفْيِ الْوُجُوبِ مِنْ وَجْهَيْنِ .  أَحَدُهُمَا : أَنَّ كَلَامَنَا فِي ظَاهِرِ فِعْلِ النَّبِيِّ عليه السلام هَلْ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ أَمْ لَا ؟ وَلَمْ نَتَكَلَّمْ فِي الْمُدَاوَمَةِ ، وَقَدْ صَلَّى النَّبِيُّ عليه السلام بِهِمْ لَيْلَتَيْنِ ، وَأَخْبَرَ مَعَ ذَلِكَ : أَنَّهَا لَمْ تَجِبْ بِفِعْلِهِ ، فَلَوْ كَانَ فِعْلُهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ لَكَانَ قَدْ وَجَبَ بِأَوَّلِ لَيْلَةٍ . وَالثَّانِي : قَوْلُهُ : خَشِيت أَنْ تُكْتَبَ عَلَيْكُمْ لَوْ دَاوَمْت ، فَأَخْبَرَ : أَنَّهَا كَانَتْ تُكْتَبُ عَلَيْهِمْ مِنْ جِهَةِ الْفِعْلِ ، وَلَوْ كَانَتْ مُدَاوَمَتُهُ عَلَى الْفِعْلِ تَقْتَضِي الْوُجُوبَ لَقَالَ : لَوْ دَاوَمْت عَلَيْهَا لَوَجَبَتْ بِالْمُدَاوَمَةِ ، وَكَانَ لَا يَحْتَاجُ أَنْ تُكْتَبَ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِهَا . وَقَوْلُهُ : " خَشِيت أَنْ تُكْتَبَ عَلَيْكُمْ " يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ فِي مِثْلِهِ : أَنَّهُ إذَا دَاوَمَ عَلَيْهِ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْنَا ، وَأَنَّهُ إذَا لَمْ يُدَاوِمْ لَمْ تُكْتَبْ ، فَكَانَ لُزُومُهُ لِلْفُرُوضِ مَوْقُوفًا عَلَى اخْتِيَارِهِ ، كَمَا كَانَ لُزُومُ الْخَمْسِينَ صَلَاةً أَوْ الْخَمْسَ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي أُسْرِيَ بِهِ فِيهَا مَوْقُوفًا عَلَى اخْتِيَارِهِ . وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِعْلَهُ لَيْسَ عَلَى الْوُجُوبِ : أَنَّ أَفْعَالَهُ عليه السلام يَعْتَوِرُهَا مَعْنَيَانِ : الْأَخْذُ ، وَالتَّرْكُ . فَلَمَّا كَانَ التَّرْكُ غَيْرَ وَاجِبٍ وَهُوَ أَحَدُ قِسْمَيْ الْفِعْلِ ، كَانَ الْأَخْذُ مِثْلَهُ . وَالْعِلَّةُ الْجَامِعَةُ بَيْنَهُمَا : أَنَّهُ لَيْسَ فِي ظَاهِرِ الْفِعْلِ دَلَالَةٌ عَلَى حُكْمِهِ فِي نَفْسِهِ ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي ظَاهِرِ التَّرْكِ دَلَالَةٌ عَلَى حُكْمِهِ فِي نَفْسِهِ : مِنْ وُجُوبٍ ، أَوْ نَدْبٍ ، أَوْ إبَاحَةٍ . فَوَجَبَ أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ وُجُوبُ الْفِعْلِ عَلَيْنَا بِوُجُودِهِ " مِنْهُ لِوُجُودِ الْمَعْنَيَيْنِ " فَإِنْ قِيلَ : قَدْ اتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّ فِعْلَهُ إذَا وَرَدَ عَلَى وَجْهِ الْبَيَانِ فَهُوَ عَلَى الْوُجُوبِ ، وَكَذَلِكَ فِعْلُهُ فِي الْقَضَاءِ بَيْنَ مُتَنَازِعَيْنِ ، وَالْفَصْلِ بَيْنَ خَصْمَيْنِ بِالْقَضَاءِ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ سَائِرُ أَفْعَالِهِ بِمَثَابَتِهَا . قِيلَ لَهُ : لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَهُمَا فِعْلَهُ ، فَهُوَ سُؤَالٌ سَاقِطٌ . وَأَيْضًا : فَإِنَّا لَا نَقُولُ : إنَّ وُرُودَ فِعْلِهِ مَوْرِدَ الْبَيَانِ يَقْتَضِي الْإِيجَابَ عَلَى هَذَا الْإِطْلَاقِ ، وَإِنَّمَا نَقُولُ : إنَّ وُرُودَ فِعْلِهِ مَوْرِدَ الْبَيَانِ يَقْتَضِي الْإِيجَابَ إذَا كَانَ بَيَانًا لِلَّفْظِ يَقْتَضِي الْإِيجَابَ ، وَإِنْ وَرَدَ بَيَانًا لِمَا لَا يَقْتَضِي الْإِيجَابَ فَلَيْسَ عَلَى الْوُجُوبِ . وَأَمَّا الْقَضَاءُ عَلَى أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ عَلَى الْآخَرِ وَنَحْوِهِ - فَإِنَّمَا كَانَ عَلَى الْوُجُوبِ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ قَدْ قَامَتْ عَلَى أَنَّ فِعْلَ ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ ، فَلَزِمَنَا الِاقْتِدَاءُ فِيهِ . وَكَذَلِكَ نَقُولُ فِي جَمِيعِ أَفْعَالِ النَّبِيِّ عليه السلام : إنَّ مَا عَلِمْنَا وُجُوبَهُ عَلَيْهِ مِنْهَا فَوَاجِبٌ  عَلَيْنَا فِعْلُهُ . وَالْكَلَامُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ - خُرُوجٌ عَنْ الْمَسْأَلَةِ . وَمِنْ الدَّلِيلِ أَنَّ ظَاهِرَ فِعْلِهِ لَا يَقْتَضِي وُجُوبَ مِثْلِهِ عَلَيْنَا : أَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَكْلِيفُنَا عُمُومَ مِثْلِ أَفْعَالِهِ ، لِأَنَّا لَا نَقْدِرُ عَلَيْهِ ، وَلَا نَتَوَصَّلُ إلَيْهِ ، لِأَنَّ مَنْ كَانَ مُخَاطَبًا بِذَلِكَ يَحْتَاجُ إلَى مُلَازَمَتِهِ ، وَتَرْكُ مُفَارَقَتِهِ ، فَاسْتَحَالَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ تَكْلِيفُنَا عُمُومَ أَفْعَالِهِ ، فَلَمَّا اسْتَحَالَ ذَلِكَ عَلِمْنَا أَنَّ بَعْضَهَا غَيْرُ وَاجِبٍ ، فَلَوْ كَانَ بَعْضُهُ وَاجِبًا لَاسْتَحَالَ أَنْ يُمَيِّزَ مَا هُوَ وَاجِبٌ مِنْهَا مِمَّا لَيْسَ بِوَاجِبٍ ، بِدَلَالَةِ غَيْرِ الْفِعْلِ ، فَإِذًا لَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال بِظَاهِرِ فِعْلِهِ عَلَى وُجُوبِ فِعْلِ مِثْلِهِ عَلَيْنَا . فَإِنْ قِيلَ : مَا أَنْكَرْت أَنْ يَكُونَ أَفْعَالُهُ وَاجِبَةً عَلَيْنَا حَتَّى تَقُومَ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ شَيْئًا مِنْهَا غَيْرُ وَاجِبٍ ، فَيَخْرُجُ عَلَى حَدِّ الْوُجُوبِ بِالدَّلَالَةِ الْمُوجِبَةِ لِذَلِكَ . قِيلَ لَهُ : هَذَا خَطَأٌ ، لِأَنَّ هَذَا إنَّمَا يُسَوِّغُ أَنْ يُقَالَ فِيمَا يَصِحُّ تَكْلِيفُ جَمِيعِهِ ، ثُمَّ يَرِدُ لَفْظٌ يَقْتَضِي لُزُومَ الْجَمِيعِ . فَيُقَالُ : إنَّ الْجَمِيعَ وَاجِبٌ ، إلَّا مَا قَامَ دَلِيلُهُ ، فَأَمَّا مَا لَا يَصِحُّ تَكْلِيفُ جَمِيعِهِ - فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُقَالَ : إنَّ جَمِيعَهُ وَاجِبٌ ، إلَّا مَا قَامَ دَلِيلُهُ ، وَعَلَى أَنَّك لَمْ تُعَضِّدْ هَذَا الْقَوْلَ بِدَلِيلٍ . وَلِخَصْمِك أَنْ يَقُولَ : إنَّ جَمِيعَهُ غَيْرُ وَاجِبٍ ، حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى الْوُجُوبِ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ رحمه الله : قَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ عليه السلام لَا يَقْتَضِي وُجُوبَ مِثْلِهِ عَلَيْنَا . وَنُدَلِّلُ الْآنَ : عَلَى أَنَّا مَتَى وَقَفْنَا عَلَى حُكْمِ فِعْلِهِ : مِنْ إبَاحَةٍ ، أَوْ نَدْبٍ ، أَوْ إيجَابٍ ، فَعَلَيْنَا اتِّبَاعُهُ ، وَالتَّأَسِّي بِهِ فِيهِ ، فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ : الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ : قوله تعالى : { فَاتَّبِعُوهُ } وَقَالَ تَعَالَى : { قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ } وَقَالَ تَعَالَى : { أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ } وَالِاتِّبَاعُ : أَنْ يُفْعَلَ مِثْلُ فِعْلِهِ ، وَفِي حُكْمِهِ ، فَإِذَا فَعَلَهُ وَاجِبًا ، فَعَلْنَا عَلَى الْوُجُوبِ ، وَإِذَا فَعَلَهُ نَدْبًا ، أَوْ مُبَاحًا ، فَعَلْنَاهُ كَذَلِكَ ، لِنَكُونَ قَدْ وَفَّيْنَا الِاتِّبَاعَ حَقَّهُ ، وَفِيمَا يَقْتَضِيهِ .  وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا : قوله تعالى : { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } فَإِذَا عَلِمْنَاهُ فَعَلَ فِعْلًا عَلَى الْوُجُوبِ قُلْنَا : التَّأَسِّي بِهِ فِي فِعْلِهِ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ ، فَلَوْلَا أَنَّهُ قَدْ وَجَبَ عَلَيْنَا بِوُقُوفِنَا عَلَى جِهَةِ فِعْلِهِ ، أَنْ نَفْعَلَ مِثْلَهُ - لَمَا جَازَ لَنَا أَنْ نَتَأَسَّى بِهِ عليه السلام فِيهِ ، عَلَى وَجْهِ الْإِيجَابِ ، لِأَنَّ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ - لَا يَجُوزُ فِعْلُهُ عَلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ ، وَكَذَلِكَ مَا عَلِمْنَا مِنْ أَفْعَالِهِ : أَنَّهُ فَعَلَهُ عَلَى وَجْهِ النَّدْبِ . قُلْنَا : فَعَلَهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، بِظَاهِرِ الْآيَةِ ، فَلَوْلَا أَنَّهُ قَدْ صَارَ نَدْبًا لَمَا جَازَ فِعْلُهُ عَلَى وَجْهِ النَّدْبِ ، وَالتَّأَسِّي بِهِ أَنْ يُفْعَلَ مِثْلُ فِعْلِهِ ، وَفِي حُكْمِهِ سَوَاءٌ ، وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا إذَا لَمْ يُعْلَمْ فِعْلُهُ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ وَقَعَ ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّأَسِّي بِهِ فِي هَذِهِ الْحَالِ ، لِمَا وَصَفْنَا . وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا : أَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ عَقَلُوا فِيمَا نَقَلُوهُ مِنْ دِينِ النَّبِيِّ عليه السلام : أَنَّهُ وَسَائِرَ أُمَّتِهِ سَوَاءٌ فِي حُكْمِ الشَّرْعِ ، إلَّا مَا خَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ ، وَأَفْرَدَهُ بِحُكْمِهِ ، دُونَ سَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ ، كَمَا عَقَلُوا : أَنَّ أَهْلَ سَائِرِ الْأَعْصَارِ بَعْدَ النَّبِيِّ فِي حُكْمِ مَنْ كَانَ فِي عَصْرِهِ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ ، وَكَمَا عَقَلُوا : أَنَّ مَا حَكَمَ بِهِ النَّبِيُّ عليه السلام فِي شَخْصٍ بِعَيْنِهِ مِنْ حُكْمٍ ، جَارٍ فِي سَائِرِ الْأُمَّةِ . فَإِنْ كَانَ حُكْمًا مُبْتَدَأً فَالْجَمِيعُ فِيهِ سَوَاءٌ ، وَإِنْ كَانَ حُكْمًا مُتَعَلِّقًا بِسَبَبٍ فَبِحُدُوثِ ( السَّبَبِ ) . فَكُلُّ مَا كَانَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ السَّبَبِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ حَكَمَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ الْحُكْمِ ، وَعَلَى هَذَا الْمِنْهَاجِ وَالْمَفْهُومِ مِنْ دِينِ النَّبِيِّ عليه السلام تَوَافَقُوا عَلَى نَقْلِ أَحْكَامِ النَّبِيِّ عليه السلام الْمَحْكُومِ بِهَا فِي أَشْخَاصٍ بِأَعْيَانِهِمْ ، إلَى مَنْ بَعْدَهُمْ ، لِأَنَّهُمْ عَقَلُوا أَنَّهَا أَحْكَامٌ جَارِيَةٌ فِي جَمِيعِهِمْ ، إلَّا مَنْ خَصَّهُ الدَّلِيلُ . وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قوله تعالى : { فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا } فَأَخْبَرَ : أَنَّهُ أَبَاحَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ عليه السلام ، لِيَكُونَ حُكْمًا جَارِيًا فِي أُمَّتِهِ ، وَنَبَّهْنَا بِهِ ، عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ عليه السلام وَأُمَّتَهُ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ سَوَاءٌ ، إلَّا مَا خَصَّهُ اللَّهُ بِهِ : مِنْ نَحْوِ تَحْرِيمِ الصَّدَقَةِ ، وَالْجَمْعِ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ تِسْعِ نِسْوَةٍ . وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا : قوله تعالى : { وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ } إلَى قوله تعالى  { خَالِصَةً لَك مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ } لَمَّا أَرَادَ إفْرَادَ النَّبِيِّ بِذَلِكَ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ ، وَأَخْبَرَ أَنَّ غَيْرَهُ لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ ، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَخُصَّهُ لَعَقَلَتْ الْأُمَّةُ مُسَاوَاتَهَا لَهُ فِيهِ . وَيَدُلُّ عَلَيْهِ : حَدِيثُ { الْمَرْأَةِ الَّتِي سَأَلَتْ أُمَّ سَلَمَةَ حِينَ بَعَثَ بِهَا زَوْجُهَا إلَيْهَا لِتَسْأَلَهَا عَنْ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ ، فَأَخْبَرَتْهَا : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ ، فَقَالَ الرَّجُلُ : لَسْت كَالنَّبِيِّ عليه السلام ، إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ غَفَرَ لِنَبِيِّهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ، وَمَا تَأَخَّرَ ، فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ عليه السلام سَأَلَتْهُ ، فَقَالَ : النَّبِيُّ عليه السلام لِأُمِّ سَلَمَةَ : هَلَّا أَخْبَرْتِيهَا أَنِّي أُقَبِّلُ وَأَنَا صَائِمٌ ؟ فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ : قَدْ أَخْبَرْتهَا بِذَلِكَ ، فَقَالَ زَوْجُهَا : لَسْت كَالنَّبِيِّ ، إنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ، وَمَا تَأَخَّرَ ، فَغَضِبَ النَّبِيُّ عليه السلام ، وَقَالَ : إنِّي أَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَتْقَاكُمْ لِلَّهِ ، وَأَعْلَمَكُمْ بِحُدُودِهِ } . فَأَعْلَمَ النَّبِيُّ عليه السلام : أَنَّ وُجُودَ فِعْلِهِ فِي ذَلِكَ كَانَ كَافِيًا فِي الِاقْتِصَارِ عَلَيْهِ فِي مَسْأَلَتِهِ عَنْ حُكْمِ نَفْسِهِ ، وَإِذَا كَانَ هَذَا عَلَى مَا وَصَفْنَا ، فَمَا عَلِمْنَاهُ مِنْ أَفْعَالِ النَّبِيِّ عليه السلام وَاقِعًا عَلَى وَجْهِهِ كَانَ عَلَيْنَا الِاقْتِدَاءُ بِهِ ، فِي إيقَاعِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فَعَلَهُ عَلَيْهِ ، وَمَا لَمْ نَعْلَمْهُ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ فَعَلَهُ ، قُلْنَا فَعَلَهُ عَلَى وَجْهِ الْإِبَاحَةِ ، إذْ كَانَتْ أَدْنَى مَنَازِلِ أَفْعَالِهِ ، وَلَيْسَ عَلَيْنَا فِعْلُهُ بَدْءًا ، وَلَا وَاجِبًا ، لِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةَ حُكْمٍ لَا نَعْلَمُ وُجُودَهُ . فَإِنْ قِيلَ : شَرْطُ الطَّاعَةِ وَالِاتِّبَاعِ وَالتَّأَسِّي بِالنَّبِيِّ عليه السلام : أَنْ يَكُونَ هُوَ فَعَلَهُ ، حَتَّى تَقُومَ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّهُ قَدْ أَرَادَ مِنَّا مِثْلَهُ . قِيلَ لَهُ : لَمَّا قَالَ تَعَالَى : { فَاتَّبِعُوهُ } وَقَالَ : { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } فَكَانَ الِاتِّبَاعُ وَالتَّأَسِّي : أَنْ نَفْعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَهُ ، عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فَعَلَهُ عَلَيْهِ ، فَقَدْ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى مِنَّا إيقَاعَهُ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ ، وَمَا أَرَادَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ أَرَادَهُ النَّبِيُّ عليه السلام مِنَّا ، بِإِرَادَةٍ مَقْرُونَةٍ بِفِعْلِ مِثْلِهِ ، عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فَعَلَهُ عَلَيْهِ ، مِنْ الْجِهَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا . وَأَيْضًا : لَمَّا أَقَامَ اللَّهُ لَنَا الدَّلَائِلَ : عَلَى أَنَّ حُكْمَ النَّبِيِّ عليه السلام وَحُكْمَ أُمَّتِهِ سَوَاءٌ ، إلَّا فِيمَا خَصَّهُ بِهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا ، فَقَدْ أَرَادَ مِنَّا : أَنْ نَفْعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ ، وَنَكُونَ  بِذَلِكَ مُتَّبِعِينَ وَمُتَأَسِّينَ بِهِ ، وَلَا نَحْتَاجُ إلَى دَلَالَةٍ أُخْرَى : فِي أَنَّهُ قَدْ أَرَادَ مِنَّا فِعْلَهُ غَيْرَ مَا وَصَفْنَا . وَقَدْ ذَكَرْنَا : أَنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ : إنِّي إذَا لَمْ أَعْلَمْ وُقُوعَ فِعْلِهِ عَلَى أَحَدِ هَذِهِ الْوُجُوهِ وَقَفْت فِيهِ ، وَلَمْ أَفْعَلْهُ ، حَتَّى أَعْلَمَ حَقِيقَتَهُ ، فَأَقْتَدِيَ بِهِ فِيهِ ، لِأَنِّي إذَا فَعَلْته عَلَى وَجْهِ الْإِبَاحَةِ لَا آمَنُ أَنْ يَكُونَ مُخَالِفًا لَهُ فِيهِ ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ عليه السلام فَعَلَهُ عَلَى وَجْهِ النَّدْبِ ، أَوْ الْوُجُوبِ . وَهَذَا عِنْدَنَا لَيْسَ بِشَيْءٍ ، لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو فِي قَوْلِهِ : أَقِفُ فِيهِ : مِنْ أَنْ يَمْنَعَ فِعْلَ مِثْلِهِ وَيَحْظُرَهُ ، أَوْ يَقُولَ : إنِّي لَا أَمْنَعُهُ ، وَلَا تَبِعَةَ عَلَى فَاعِلِهِ ، فَإِنْ حَظَرَهُ وَمَنَعَ مِنْهُ - فَقَدْ حَكَمَ بِحَظْرِهِ وَأَبْطَلَ الْوَقْفَ ، وَهَذَا عَيْنُ الْمُخَالَفَةِ إذَا كَانَ حَاظِرًا لِمَا اسْتَبَاحَ النَّبِيُّ عليه السلام فِعْلَهُ . وَإِنْ قَالَ : لَا أَحْكُمُ فِيهِ بِشَيْءٍ ، وَلَا أَلُومُ فَاعِلَهُ . قِيلَ لَهُ : فَهَذَا هُوَ الْإِبَاحَةُ الَّتِي أَنْكَرْتهَا ، وَعَلَى أَنَّ قَوْلَهُ بِالْوَقْفِ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ وَجْهِهِ هُوَ نَفْسُ الْمُخَالَفَةِ لِلنَّبِيِّ عليه السلام ، لِأَنَّا قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ النَّبِيَّ عليه السلام حِينَ فَعَلَهُ لَمْ يَقِفْ فِيهِ ، فَالْقَوْلُ بِالْوَقْفِ فَاسِدٌ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنَا . فَإِنْ قِيلَ : وَأَنْتَ إذَا فَعَلْته عَلَى وَجْهِ الْإِبَاحَةِ فَلَسْت تَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ عليه السلام قَدْ فَعَلَهُ نَدْبًا ، أَوْ إيجَابًا ، فَتَكُونَ قَدْ خَالَفْته . قِيلَ لَهُ : لَوْ كَانَ قَدْ فَعَلَهُ عَلَى أَحَدِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ لَبَيَّنَهُ عليه السلام ، لِأَنَّ مِنَّا الْحَاجَةَ إلَيْهِ ، فَلَمَّا لَمْ يُبَيِّنْهُ : عَلِمْنَا أَنَّهُ قَدْ أَجَازَ لَنَا فِعْلَهُ عَلَى وَجْهِ الْإِبَاحَةِ . فَإِنْ قِيلَ : وَلَوْ فَعَلَهُ عَلَى وَجْهِ الْإِبَاحَةِ لَبَيَّنَهُ ، فَإِذَا جَازَ أَنْ لَا يُبَيِّنَ لَهُ مَا يَفْعَلُهُ عَلَى وَجْهِ الْإِبَاحَةِ ، جَازَ أَنْ لَا يُبَيِّنَ مَا يَفْعَلُهُ عَلَى وَجْهِ النَّدْبِ وَالْإِيجَابِ . قِيلَ لَهُ : لَا يَجِبُ ذَلِكَ ، لِأَنَّ النَّبِيَّ عليه السلام جَائِزٌ لَهُ أَنْ لَا يُبَيِّنَ الْمُبَاحَاتِ كُلَّهَا ، إذْ لَيْسَ بِنَا حَاجَةٌ إلَيْهَا فِي دِينِنَا ، إذْ لَا نَسْتَحِقُّ بِفِعْلِهَا ثَوَابًا ، وَلَا بِتَرْكِهَا عِقَابًا .  وَأَمَّا النَّدْبُ ، وَالْوَاجِبُ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُتْرَكَ بَيَانُهُ ، لِأَنَّ مِنَّا الْحَاجَةَ إلَيْهِ فِي مَعْرِفَتِهِ ، لِنَسْتَحِقَّ الثَّوَابَ بِفِعْلِ الْمَنْدُوبِ إلَيْهِ ، وَلِئَلَّا نُوَاقِعَ الْمَحْظُورَ بِتَرْكِ الْوَاجِبِ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَكَذَلِكَ نَقُولُ فِي التَّرْكِ ، كَقَوْلِنَا فِي الْفِعْلِ ، فَمَتَى رَأَيْنَا النَّبِيَّ عليه السلام قَدْ تَرَكَ فِعْلَ شَيْءٍ وَلَمْ نَدْرِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ تَرَكَهُ ، قُلْنَا : تَرَكَهُ عَلَى جِهَةِ الْإِبَاحَةِ ، فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْنَا ، إلَّا أَنْ يَثْبُتَ عِنْدَنَا : أَنَّهُ تَرَكَهُ عَلَى جِهَةِ التَّأَثُّمِ بِفِعْلِهِ ، فَيَجِبُ عَلَيْنَا تَرْكُهُ حِينَئِذٍ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ ، حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ : عَلَى أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِهِ دُونَنَا

بَابٌ الْقَوْلُ ) فِيمَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَحْكَامِ أَفْعَالِهِ عليه السلام

    	  قَالَ أَبُو بَكْرٍ : مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى حُكْمِ فِعْلِهِ عليه السلام : أَنْ يَرِدَ فِعْلُهُ مَوْرِدَ بَيَانِ جُمْلَةٍ تَقْتَضِي الْإِيجَابَ ، أَوْ النَّدْبَ ، أَوْ الْإِبَاحَةَ ، فَيَكُونَ حُكْمُ فِعْلِهِ تَابِعًا لِحُكْمِ الْجُمْلَةِ ، فَإِنْ اقْتَضَتْ الْجُمْلَةُ الْإِيجَابَ كَانَ فِعْلُهُ وَاجِبًا ، وَإِنْ اقْتَضَتْ النَّدْبَ كَانَ فِعْلُهُ نَدْبًا ، وَكَذَلِكَ إنْ اقْتَضَتْ الْإِبَاحَةَ كَانَ فِعْلُهُ فِي ذَلِكَ مُبَاحًا ، وَذَلِكَ : لِأَنَّهُ إذَا وَرَدَ مَوْرِدَ الْبَيَانِ فَمَعْنَاهُ : أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجُمْلَةِ مَا فَعَلَهُ ، فَيَكُونُ تَابِعًا لِحُكْمِ الْجُمْلَةِ ، عَلَى الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا . فَأَمَّا وُقُوعُ الْبَيَانِ بِفِعْلِهِ فِيمَا يَقْتَضِي الْوُجُوبَ ، فَنَحْوُ فِعْلِهِ لِأَعْدَادِ رَكَعَاتِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ ، هُوَ بَيَانُ لقوله تعالى { أَقِيمُوا الصَّلَاةَ } وَفِعْلُهُ لِأَفْعَالِ الْحَجِّ بَيَانُ قوله تعالى { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ } ، وَفِعْلُهُ لِبَيَانِ جُمْلَةٍ يَقْتَضِي النَّدْبَ نَحْوُ قوله تعالى { وَافْعَلُوا الْخَيْرَ } وقوله تعالى { إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ } وَلَيْسَ الْخَيْرُ كُلُّهُ حَتْمًا ، وَلَا الْإِحْسَانُ وَاجِبًا فِيمَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ عليه السلام ، مِنْ صَدَقَةِ تَطَوُّعٍ ، أَوْ صَلَاةِ تَطَوُّعٍ ، وَنَحْوِهِمَا ، مَفْعُولٌ بِالْآيِ ، إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْوُجُوبِ ، إذَا لَمْ تَكُنْ الْجُمْلَةُ الَّتِي هَذَا بَيَانٌ عَنْهَا مُقْتَضِيَةً لِلْوُجُوبِ ، وَمَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ عليه السلام : مِنْ اسْتِخْرَاجِ حَقٍّ مِنْ رَجُلٍ لِغَيْرِهِ ، وَمِنْ عُقُوبَةِ رَجُلٍ عَلَى فِعْلٍ كَانَ مِنْهُ ، فَهَذَا عَلَى الْوُجُوبِ ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ فِعْلُهُ عَلَى وَجْهِ الْإِبَاحَةِ ، وَلَا عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ ، قَالَ عليه السلام : { دِمَاؤُكُمْ وَأَمْوَالُكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ } وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً } فَمَا وَقَعَ فِي هَذَا النَّوْعِ مِنْ أَفْعَالِ النَّبِيِّ عليه السلام - فَهُوَ عَلَى الْوُجُوبِ بِالدَّلَالَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا .  وَمِنْ أَفْعَالِهِ مَا يُقَارِنُهُ أَمْرٌ مِنْهُ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ ، فَيَكُونُ ظَاهِرُهُ لُزُومَ فِعْلِهِ لَنَا ، حَتَّى تَقُومَ الدَّلَالَةُ عَلَى غَيْرِهِ ، كَقَوْلِهِ عليه السلام : { خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ } وَكَقَوْلِهِ { صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي } وَقَوْلُهُ : { أَقِيمُونِي وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ } فَيَقْتَضِي هَذَا الْقَوْلُ لُزُومَ الِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي سَائِرِ أَفْعَالِ الْمَنَاسِكِ ، وَأَفْعَالِ الصَّلَاةِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فِي قَوْلِهِ { صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي } أَنْ لَا يَصِحَّ الِاسْتِدْلَال بِهِ فِي وُجُوبِ أَفْعَالِهِ فِيهَا ، لِأَنَّهُ أَمَرَنَا بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ عَلَى وَصْفٍ ، وَهُوَ : أَنْ نُصَلِّيَ كَمَا رَأَيْنَاهُ صَلَّى ، فَنَحْتَاجُ أَنْ نَعْلَمَ كَيْفَ صَلَّى : مِنْ نَدْبٍ ، أَوْ فَرْضٍ ، فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ ، وَمَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ عليه السلام مِمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ كُلُّ أَحَدٍ فِي نَفْسِهِ وَلَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ فِي الْعَادَةِ : مِنْ نَحْوِ الْأَكْلِ ، وَالشُّرْبِ ، وَالْقِيَامِ ، وَالْقُعُودِ ، وَالنَّوْمِ ، وَنَحْوِ مَا رُوِيَ أَنَّهُ { كَانَ إذَا دَخَلَ بَيْتَهُ يَخْصِفُ النَّعْلَ ، وَيَخِيطُ الثَّوْبَ } فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَلَى الْوُجُوبِ ، لِأَنَّا قَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَنْفَكُّ مِنْ هَذِهِ الْأَفْعَالِ ، وَالْحَاجَةُ إلَى فِعْلِهَا ضَرُورَةٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ إلَى الِاقْتِدَاءِ بِهِ فِيهَا ، لِاسْتِحَالَةِ لُزُومِهِ فِي سَائِرِ أَحْوَالِهِ ، وَخَصْفُ النَّعْلِ ، وَخِيَاطَةُ الثَّوْبِ ، قَدْ عُلِمَ بِظَاهِرِ فِعْلِهِ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ إيجَابَهُ عَلَيْنَا . وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ فِعْلُهُ يَرِدُ لِمِثْلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ قُرْبَةً ، مِنْ جِهَةِ مَا قَصَدَ بِهِ مِنْ التَّوَاضُعِ ، وَتَرْكِ الْكِبْرِ ، وَمُسَاوَاةِ أَهْلِ الْبَيْتِ ، لِيَسْتَحِقَّ بِهِ الثَّوَابَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَلِيَقْتَدِيَ بِهِ غَيْرُهُ فِيهِ .

بَابٌ الْقَوْلُ فِي سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ

                      قَالَ أَبُو بَكْرٍ رحمه الله : سُنَّةُ النَّبِيِّ ﷺ : مَا فَعَلَهُ ، أَوْ قَالَهُ ، لِيُقْتَدَى بِهِ فِيهِ ، وَيُدَاوَمَ عَلَيْهِ . وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ سُنَنِ الطَّرِيقِ ، وَهِيَ جَادَّتُهُ الَّتِي يَكُونُ الْمُرُورُ فِيهَا . وَسُنَنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى وَجْهَيْنِ : قَوْلٌ وَفِعْلٌ . فَأَمَّا الْقَوْلُ : فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي سَائِرِ مَا قَدَّمْنَاهُ : مِنْ حُكْمِ الْأَقْوَالِ ، وَالْأَوَامِرِ ، وَالنَّوَاهِي وَغَيْرِهَا . وَالْفِعْلُ ضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا : فِعْلٌ يَفْعَلُهُ فِي نَفْسِهِ ، وَيَدُلُّنَا عَلَى حُكْمِهِ ، عَلَى الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنَا ، لِنَفْعَلَهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فَعَلَهُ . وَالثَّانِي : تَرْكُهُ النَّكِيرَ عَلَى فَاعِلٍ يَرَاهُ يَفْعَلُ فِعْلًا عَلَى وَجْهٍ ، فَيَكُونُ تَرْكُهُ النَّكِيرَ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ الْقَوْلِ مِنْهُ ، فِي تَجْوِيزِ فِعْلِهِ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ ، فَإِنْ رَآهُ يَفْعَلُهُ عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ فَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ كَانَ وَاجِبًا ، وَإِنْ كَانَ رَآهُ يَفْعَلُهُ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ فَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ كَانَ نَدْبًا ، وَكَذَلِكَ الْإِبَاحَةُ عَلَى هَذَا ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ مِنْهُ أَنْ يُقِرَّ أَحَدًا عَلَى خِلَافِ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا بَعَثَهُ دَاعِيًا إلَيْهِ ، وَآمِرًا بِالْمَعْرُوفِ ، وَنَاهِيًا عَنْ الْمُنْكَرِ ، فَلَوْ كَانَ مَا رَآهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ فِعْلِ مَنْ شَاهَدَهُ مُنْكَرًا لَأَنْكَرَهُ ، وَوَقَفَهُ عَلَى مَا يَجُوزُ مِنْهُ ، مِمَّا لَا يَجُوزُ فِي تَرْكِهِ النَّكِيرَ عَلَى مَنْ وَصَفْنَا شَأْنَهُ ، دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ إيقَاعِهِ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ . وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ فِيمَا سَلَفَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ .  قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَأَحْكَامُ السُّنَّةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْحَاءٍ : فَرْضٌ ، وَوَاجِبٌ ، وَنَدْبٌ ، وَلَيْسَ يَكَادُ يُطْلَقُ عَلَى الْمُبَاحِ لَفْظُ السُّنَّةِ ، لِأَنَّا قَدْ بَيَّنَّا : أَنَّ مَعْنَى السُّنَّةِ : أَنْ يَفْعَلَ ، أَوْ يَقُولَ ، لِيُقْتَدَى بِهِ فِيهِ ، وَيُدَاوَمَ عَلَيْهِ ، وَيُسْتَحَقَّ بِهِ الثَّوَابُ ، وَذَلِكَ مَعْدُومٌ فِي قِسْمِ الْمُبَاحِ . فَأَمَّا الْفَرْضُ : فَهُوَ مَا كَانَ فِي أَعْلَى مَرَاتِبِ الْإِيجَابِ . وَالْوَاجِبُ دُونَ الْفَرْضِ ، أَلَا تَرَى أَنَّا نَقُولُ : الْوِتْرُ وَاجِبٌ ، وَلَيْسَ بِفَرْضٍ ، وَصَلَاةُ الْعِيدِ وَاجِبَةٌ ، وَلَيْسَتْ بِفَرْضٍ ، وَقَالَ عليه السلام ، { غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ } ، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ الْفَرْضَ ، وَلَا يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَقُولَ : يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَعْنَى الْفَرْضِ قَدْ يُخَالِفُ مَعْنَى الْوَاجِبِ : أَنَّهُ قَدْ يَمْتَنِعُ إطْلَاقُ الْفَرْضِ فِيمَا لَا يَمْتَنِعُ فِيهِ إطْلَاقُ الْوَاجِبِ ، لِأَنَّا نُطْلِقُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ جِهَةِ الْحِكْمَةِ مُجَازَاةُ الْمُحْسِنِينَ ، وَلَا نَقُولُ إنَّ ذَلِكَ فَرْضٌ عَلَيْهِ . وَقَدْ قِيلَ : إنَّ مَعْنَى الْفَرْضِ فِي الْأَصْلِ : هُوَ الْأَثَرُ الْحَاصِلُ بِالْجَزَاءِ الْوَاقِعِ فِي السُّنَّةِ وَنَحْوِهَا فَشِبْهُ مَا لَزِمَ وَثَبَتَ بِذَلِكَ الْأَثَرُ ، وَالْوُجُوبُ فِي الْأَصْلِ هُوَ السُّقُوطُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا } يَعْنِي سَقَطَتْ ، وَيُقَالُ : وَجَبَتْ الشَّمْسُ إذَا سَقَطَتْ . وَقَالَ الشَّاعِرُ حَتَّى كَانَ أَوَّلَ وَاجِبِ . يَعْنِي سَاقِطٍ ، فَجَعَلَ مَا لَزِمَ فِي الشَّرْعِ بِمَنْزِلَةِ الشَّيْءِ الَّذِي سَقَطَ ، وَيَثْبُتُ فِي الْمَوْضِعِ ، فَكَانَ مَعْنَى الْفَرْضِ أَثْبَتَ مِنْهُ ، لِأَنَّ هُنَاكَ أَثَرًا لَا يَزُولُ ، وَالسَّاقِطُ فِي الْمَوْضِعِ فَقَدْ زَالَ عَنْ الْمَوْضِعِ مِنْ غَيْرِ تَأْثِيرٍ يَحْصُلُ فِيهِ ، فَلَمَّا كَانَ الْفَرْضُ فِي مَوْضُوعِ اللُّغَةِ أَثْبَتَ مِنْ الْوُجُوبِ ، كَانَ كَذَلِكَ حُكْمُهُ فِي الشَّرْعِ ، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قُلْنَا : إنَّ الْفَرْضَ هُوَ مَا كَانَ فِي أَعْلَى مَرَاتِبِ اللُّزُومِ ، وَالثُّبُوتِ . وَالْفَرْضُ ، أَيْضًا التَّقْدِيرُ . مِنْهُ : فَرَائِضُ الْمَوَارِيثِ ، وَفَرَائِضُ الْإِبِلِ فِي الصَّدَقَاتِ . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْفَرْضُ الَّذِي هُوَ اللُّزُومُ مِنْ هَذَا أَيْضًا ، كَأَنَّهُ قُدِّرَ لَهُ شَيْءٌ مَنَعَ تَرْكَهُ ، وَمُجَاوَزَتَهُ ، إلَى غَيْرِهِ . 

بَابٌ الْقَوْلُ فِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ هَلْ كَانَ يَسُنُّ ( مِنْ ) طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ ؟

                     قَالَ أَبُو بَكْرٍ رحمه الله : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ : - فَقَالَ قَائِلُونَ : لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ ﷺ يَحْكُمُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ إلَّا مِنْ طَرِيقِ الْوَحْيِ ، لقوله تعالى : { وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إنْ هُوَ إلَّا وَحْيٌ يُوحَى } . وَقَالَ آخَرُونَ : جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ عليه السلام قَدْ جُعِلَ لَهُ ( أَنْ يَقُولَ ) مِنْ طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ سُنَّتِهِ وَحْيًا ، وَبَعْضُهَا إلْهَامًا ، وَشَيْءٌ يُلْقَى فِي رَوْعِهِ ، كَمَا ( قَالَ ) ﷺ : { إنَّ الرُّوحَ الْأَمِينَ نَفَثَ فِي رَوْعِي : أَنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ } . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ مَا يَقُولُهُ نَظَرًا وَاسْتِدْلَالًا ، وَتُرَدُّ الْحَوَادِثُ الَّتِي لَا نَصَّ فِيهَا إلَى نَظَائِرِهَا مِنْ النُّصُوصِ بِاجْتِهَادِ الرَّأْيِ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ رحمه الله : وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا .  وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَانَ جُعِلَ لَهُ أَنْ يَقُولَ مِنْ طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ : قوله تعالى : { وَلَوْ رَدُّوهُ إلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } عُمُومُهُ يَقْتَضِي جَوَازَ الِاسْتِنْبَاطِ مِنْ جَمَاعَةِ الْمَرْدُودِ إلَيْهِمْ ، وَفِيهِمْ النَّبِيُّ ﷺ . وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا : قوله تعالى : { فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ } وَالنَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَجَلِّهِمْ وَيَدُلَّ عَلَيْهِ مَا حَكَى اللَّهُ تَعَالَى مِنْ قِصَّةِ دَاوُد وَسُلَيْمَانَ عليهما السلام ، ثُمَّ قَالَ : { فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا } وَظَاهِرُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُكْمَهُمَا كَانَ مِنْ طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ ، لِأَنَّهُمَا لَوْ حَكَمَا مِنْ طَرِيقِ النَّصِّ لَمَا خُصَّ سُلَيْمَانَ بِالْفَهْمِ فِيهَا دُونَ دَاوُد عليهما السلام . وَيَدُلُّ عَلَيْهَا أَيْضًا : أَنَّ دَرَجَةَ الْمُسْتَنْبِطِينَ أَفْضَلُ دَرَجَاتِ الْعُلُومِ ، أَلَا تَرَى : أَنَّ الْمُسْتَنْبِطَ أَعْلَى دَرَجَةً مِنْ الْحَافِظِ غَيْرِ الْمُسْتَنْبِطِ ، فَلَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَحْرِمَ نَبِيَّهُ عليه السلام أَفْضَلَ دَرَجَاتِ الْعِلْمِ الَّتِي هِيَ دَرَجَةُ الِاسْتِنْبَاطِ . وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَيْهِ : قوله تعالى : { وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ } وَلَا يَخْلُو الْمَعْنَى فِيهِ : مِنْ أَنْ يَكُونَ مُشَاوَرَتُهُ إيَّاهُمْ فِيمَا نَصَّ عَلَيْهِ تَطَيُّبًا لِنُفُوسِهِمْ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ ، فَأَمَرَ بِمُشَاوَرَتِهِمْ لِيُقَرِّبَ وَجْهَ الرَّأْيِ فِيهِ ، وَلِيَزْدَادَ ( بَصِيرَةً فِي رَأْيِهِ إنْ ) كَانَ مُوَافِقًا لِرَأْيِهِمْ .  وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ : لَا مَعْنَى لَهُ ، وَلَا فَائِدَةَ فِيهِ ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُشَاوِرَهُمْ فِي أَنَّ فَرْضَ الظُّهْرِ أَرْبَعُ ( رَكَعَاتٍ ) وَلَا فِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ ، وَلَا فِي سَائِرِ مَا فِيهِ النُّصُوصُ ، وَقَوْلُ الْقَائِلِ : إنَّهُ يَكُونُ تَطْيِيبًا لِنُفُوسِهِمْ ( فَلَغْوٌ سَاقِطٌ ، لِأَنَّهُمْ إذَا عَلِمُوا ) أَنَّهُ شَاوَرَهُمْ فِي الْمَنْصُوصِ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ ، عَلِمُوا أَنَّهُ لَا فَضِيلَةَ لَهُمْ فِيهِ ، وَلَا فَائِدَةَ ، ثَبَتَ الْوَجْهُ الثَّانِي . وَأَيْضًا : فَقَدْ شَاوَرَ النَّبِيُّ عليه السلام أَصْحَابَهُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ ، مِنْ أَمْرِ الْحُرُوبِ وَغَيْرِهَا ، أَلَا تَرَى : { أَنَّهُ لَمَّا أَرَادَ النُّزُولَ دُونَ بَدْرٍ قَالَ لَهُ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ أَرَأْيٌ رَأَيْته يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ أَمْ وَحْيٌ ؟ فَقَالَ : بَلْ رَأْيٌ رَأَيْته . فَقَالَ : إنِّي أَرَى أَنْ تَنْزِلَ عَلَى الْمَاءِ فَفَعَلَ } { وَشَاوَرَ النَّبِيُّ عليه السلام أَبَا بَكْرٍ ، وَعُمَرَ رضي الله عنهما ، فِي أَسَارَى بَدْرٍ } . { وَرَأَى أَنْ يُعْطِيَ الْمُشْرِكِينَ فِي الْخَنْدَقِ نِصْفَ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ ، فَكَتَبَ الْكِتَابَ ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يُشْهِدَ فِيهِ وَحَضَرَ الْأَنْصَارُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأْيٌ رَأَيْته ؟ أَمْ وَحْيٌ ؟ فَقَالَ : بَلْ رَأْيِي . فَقَالُوا : فَإِنَّا لَا نُعْطِيهِمْ شَيْئًا . وَكَانُوا لَا يَطْمَعُونَ فِيهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، أَنْ يَأْخُذُوا مِنْهَا ثَمَرَةً إلَّا قِرًى ، أَوْ مُشْرًى ، فَكَيْفَ وَقَدْ أَعَزَّنَا اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ } ؟ { وَقَالَ عليه السلام لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : أَرَأَيْت لَوْ تَمَضْمَضْت بِمَاءٍ أَكَانَ يُفْطِرُك ؟ فَكَذَلِكَ الْقُبْلَةُ } { وَقَالَ لِلْخَثْعَمِيَّةِ أَرَأَيْت لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيك دَيْنٌ فَتَقْضِيَنه أَكَانَ يُجْزِي ؟ قَالَتْ :  نَعَمْ . قَالَ : فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ } وَلَمَّا { أَخْبَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ بِمَا رَأَى فِي أَمْرِ الْأَذَانِ أَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ بِهِ مِنْ غَيْرِ انْتِظَارِ الْوَحْيِ } ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى جِهَةِ الِاجْتِهَادِ . فَقَدْ { كَانَ النَّبِيُّ عليه السلام يَجْتَهِدُ فِي أَمْرِ الْحُرُوبِ أَحْيَانًا مِنْ غَيْرِ مُشَاوَرَةٍ } ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الِاجْتِهَادِ فِي أَمْرِ الْحُرُوبِ وَبَيْنَهُ فِي حَوَادِثِ الْأَحْكَامِ ، ( وَمِمَّا فَعَلَهُ فِي غَالِبِ رَأْيِهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى مُعَاتَبَتَهُ : قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ { عَفَا اللَّهُ عَنْك لِمَ أَذِنْت لَهُمْ } وَقَالَ تَعَالَى : { عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى } ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْآيِ الَّتِي نَبَّهَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ فِيهِ عَلَى مَوْضِعِ إغْفَالِهِ ، وَعَاتَبَهُ عَلَيْهِ ) . وَمِمَّا لَمْ يُعَاتَبْ عَلَيْهِ وَأُمِرَ فِيهِ بِتَرْكِ اجْتِهَادِهِ : { أَنَّ النَّبِيَّ عليه السلام بَعَثَ سُورَةَ بَرَاءَةٌ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه ، فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إلَيْهِ أَنَّهُ لَا يُؤَدِّي عَنْك إلَّا رَجُلٌ مِنْك ، فَأَخَذَهَا مِنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَدَفَعَهَا إلَى عَلِيٍّ ، كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ } ، { وَلَمَّا رَجَعَ مِنْ الْخَنْدَقِ وَوَضَعَ السِّلَاحَ فَجَاءَ جَبْرَائِيلُ فَقَالَ لَهُ : إنَّ الْمَلَائِكَةَ لَمْ تَضَعْ أَسْلِحَتَهَا بَعْدُ ، وَأَمَرَهُ بِالْمُضِيِّ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ } . وَقَدْ قِيلَ : إنَّ خَطَأَ آدَمَ عليه السلام فِي أَكْلِ الشَّجَرَةِ كَانَ مِنْ طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ ( فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : لَوْ جَازَ أَنْ يَقُولَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ لَكَانَ لِغَيْرِهِ ) . مِنْ الصَّحَابَةِ  مُخَالَفَتُهُ ، لِأَنَّ مَا كَانَ طَرِيقُهُ الِاجْتِهَادَ فَكُلُّ مَنْ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى شَيْءٍ لَزِمَهُ الْقَوْلُ بِهِ ، وَجَازَ لَهُ مُخَالَفَةُ غَيْرِهِ فِيهِ ، وَفِي اتِّفَاقِ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وُجُوبِ التَّسْلِيمِ لَهُ فِيمَا قَالَهُ وَفَعَلَهُ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَقُولُ إلَّا وَحْيًا وَتَنْزِيلًا . قِيلَ لَهُ : الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّا قَدْ عَلِمْنَا : أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إذَا قَالَ قَوْلًا مِنْ طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ فَأَغْفَلَ مَوْضِعَ الصَّوَابِ نَبَّهَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ بِوَحْيٍ مِنْ عِنْدِهِ ، وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُخَلِّيَهُ مَوْضِعَ إغْفَالِهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { عَفَا اللَّهُ عَنْك لِمَ أَذِنْت لَهُمْ } وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى : { عَبَسَ وَتَوَلَّى } فَإِذَا كَانَ هَذَا سَبِيلَهُ فَغَيْرُ جَائِزٍ لِأَحَدٍ مُخَالَفَتُهُ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ هَذَا الْقَائِلَ يُوَافِقُنَا : عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ قَدْ يَكُونُ مِنْ طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ ، وَقَدْ يَثْبُتُ عِنْدَنَا ذَلِكَ أَيْضًا بِالدَّلَائِلِ الصَّحِيحَةِ ، ثُمَّ إذَا انْعَقَدَ إجْمَاعُ أَهْلِ الْعَصْرِ مِنْ طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ لَمْ يَجُزْ لِمَنْ بَعْدَهُمْ أَنْ يُخَالِفَهُمْ ، كَذَلِكَ النَّبِيُّ عليه السلام يَقُولُ مِنْ طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ وَيَكُونُ لِاجْتِهَادِهِ مَزِيَّةٌ لَا يَحِقُّ مِنْ أَجْلِهَا لِغَيْرِهِ أَنْ يُخَالِفَهُ ، فَأَمَّا قوله تعالى : { وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إنْ هُوَ إلَّا وَحْيٌ يُوحَى } فَإِنَّ فِيهِ جَوَابَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ أَرَادَ الْقُرْآنَ نَفْسَهُ ، لِأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى : { وَالنَّجْمِ إذَا هَوَى } قِيلَ فِي التَّفْسِيرِ مَعْنَاهُ الْقُرْآنُ إذَا نَزَلَ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ الِاجْتِهَادَ لَمَّا كَانَ مَصْدَرُهُ عَنْ الْوَحْيِ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَرَ بِهِ ، فَدَلَّ عَلَيْهِ - جَازَ أَنْ يُقَالَ : إنَّ مَا أَدَّاهُ إلَيْهِ اجْتِهَادٌ فَهُوَ عَنْ وَحْيٍ ، لِأَنَّهُ قَدْ أُوحِيَ إلَيْهِ بِاسْتِعْمَالِ الِاجْتِهَادِ .  فَإِنْ قِيلَ : لَوْ جَازَ لَهُ الِاجْتِهَادُ لَمَا تَوَقَّفَ فِي كَثِيرٍ ( مِمَّا يُسْأَلُ ) عَنْهُ يَنْتَظِرُ الْوَحْيَ . قِيلَ لَهُ : هَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْت لِأَنَّهُ ، جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ تَوَقُّفُهُ وَانْتِظَارُهُ لِلْوَحْيِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَمْ يَتَوَجَّهْ لَهُ فِيهِ رَأْيٌ ، وَلَا غَلَبَةُ ظَنٍّ فِي شَيْءٍ بِعَيْنِهِ ، فَتَوَقَّفَ فِيهِ يَنْتَظِرُ الْوَحْيَ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدْ كَانَ يَقْوَى طَمَعُهُ فِي مِثْلِهِ : أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ فِيهِ وَحْيٌ فَلَمْ يُعَجِّلْ بِالْحُكْمِ فِيهِ . وَيَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ قَدْ كَانَ أُوحِيَ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ بِعَيْنِهِ ، بِأَنْ لَا يَسْتَعْمِلَ الِاجْتِهَادَ إذَا سُئِلَ عَنْهُ وَيَنْتَظِرَ الْوَحْيَ فِيهِ .

بَابٌ الْقَوْلُ فِي أَحْكَامِ الْأَشْيَاءِ قَبْلَ ( مَجِيءِ ) السَّمْعِ - فِي الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ –

             	 قَالَ أَبُو بَكْرٍ رحمه الله : أَحْكَامُ أَفْعَالِ الْمُكَلَّفِ الْوَاقِعَةِ عَنْ قَصْدٍ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْحَاءٍ فِي الْعَقْلِ : مُبَاحٌ ، وَوَاجِبٌ ، وَمَحْظُورٌ . فَالْمُبَاحُ : مَا لَا يَسْتَحِقُّ الْمُكَلَّفُ بِفِعْلِهِ ثَوَابًا ، وَلَا بِتَرْكِهِ عِقَابًا . وَالْوَاجِبُ : مَا يَسْتَحِقُّ بِفِعْلِهِ الثَّوَابَ ، وَبِتَرْكِهِ الْعِقَابَ . وَالْمَحْظُورُ : مَا يَسْتَحِقُّ بِفِعْلِهِ الْعِقَابَ ، وَبِتَرْكِهِ الثَّوَابَ . ثُمَّ اخْتَلَفَ النَّاسُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي ( حُكْمِ ) الْأَشْيَاءِ الَّتِي يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهَا قَبْلَ مَجِيءِ السَّمْعِ . فَقَالَ قَائِلُونَ : هِيَ كُلُّهَا مُبَاحَةٌ ، إلَّا مَا دَلَّ الْعَقْلُ عَلَى قُبْحِهِ ، أَوْ عَلَى وُجُوبِهِ . فَمَا دَلَّ الْعَقْلُ عَلَى قُبْحِهِ : الْكُفْرُ ، وَالظُّلْمُ ، وَالْكَذِبُ ، وَنَحْوُهَا ، فَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ مَحْظُورَةٌ فِي الْعَقْلِ . وَمَا دَلَّ الْعَقْلُ عَلَى وُجُوبِهِ : التَّوْحِيدُ ، وَشُكْرُ الْمُنْعِمِ ، وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ . وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَهُوَ مُبَاحٌ ، قَالُوا : وَمَعْنَى قَوْلِنَا مُبَاحٌ : أَنَّهُ لَا تَبِعَةَ عَلَى فَاعِلِهِ ، وَلَا يَسْتَحِقُّ بِفِعْلِهِ ثَوَابًا ، عَلَى مَا بَيَّنَّا . وَقَالَ آخَرُونَ : مَا عَدَا مَا دَلَّ الْعَقْلُ عَلَى وُجُوبِهِ مِنْ نَحْوِ : الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ تَعَالَى ، وَشُكْرِ الْمُنْعِمِ ، وَنَحْوِهِمَا فَهُوَ مَحْظُورٌ . وَقَالَ آخَرُونَ : لَا يُقَالُ فِي الْأَشْيَاءِ قَبْلَ وُرُودِ السَّمْعِ : إنَّهَا مُبَاحَةٌ ( وَلَا يُقَالُ ) : إنَّهَا مَحْظُورَةٌ ، لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ تَقْتَضِي مُبِيحًا ، وَالْحَظْرَ يَقْتَضِي حَاظِرًا ، وَقَالُوا مَعَ ذَلِكَ : لَا تَبِعَةَ  عَلَى فَاعِلِ شَيْءٍ مِمَّا يَدُلُّ الْعَقْلُ عَلَى قُبْحِهِ : مِنْ نَحْوِ الظُّلْمِ وَالْكُفْرِ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَنَقُولُ : إنَّ حُكْمَ الْأَشْيَاءِ فِي الْعَقْلِ قَبْلَ مَجِيءِ السَّمْعِ : ثَلَاثَةُ أَنْحَاءٍ . مِنْهَا : وَاجِبٌ لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّغْيِيرُ ( وَالتَّبْدِيلُ ) نَحْوُ : الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ ، وَشُكْرِ الْمُنْعِمِ ، وَوُجُوبِ الْإِنْصَافِ . وَمِنْهَا : مَا هُوَ قَبِيحٌ لِنَفْسِهِ ، مَحْظُورٌ ، لَا يَتَبَدَّلُ ، وَلَا يَتَغَيَّرُ عَنْ حَالِهِ ، نَحْوُ : الْكُفْرِ ، وَالظُّلْمِ ، فَلَا يَخْتَلِفُ حُكْمُهُ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ . وَمِنْهَا مَا هُوَ ذُو جَوَازٍ فِي الْعَقْلِ : يَجُوزُ إبَاحَتُهُ تَارَةً ، وَحَظْرُهُ أُخْرَى ، وَإِيجَابُهُ أُخْرَى ، عَلَى حَسَبِ مَا يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِهِ مِنْ مَنَافِعِ الْمُكَلَّفِينَ وَمَضَارِّهِمْ . فَمَا لَمْ يَكُنْ مِنْ الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ فَهُوَ قَبْلَ مَجِيءِ السَّمْعِ عَلَى الْإِبَاحَةِ ، مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ أَكْثَرَ مِمَّا يُجْتَلَبُ بِفِعْلِهِ مِنْ النَّفْعِ ، وَيَجُوزُ مَجِيءُ السَّمْعِ تَارَةً بِحَظْرِهِ ، وَتَارَةً بِإِبَاحَتِهِ ، وَأُخْرَى بِإِيجَابِهِ ، عَلَى حَسَبِ الْمَصَالِحِ . وَالدَّلِيلُ عَلَى إبَاحَةِ مَا وَصَفْنَا لِفَاعِلِهَا مِنْ الْمُكَلَّفِينَ : أَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ لِمَنَافِعِ الْمُكَلَّفِينَ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ خَلْقَهَا لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ أَرْبَعَةِ مَعَانٍ . إمَّا : أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى خَلَقَهَا لَا لِيَنْفَعَ أَحَدًا ، وَهَذَا عَبَثٌ وَسَفَهٌ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْهُ ، أَوْ يَكُونُ خَلَقَهَا لِيَضُرَّ بِهَا مِنْ غَيْرِ نَفْعٍ ، وَهَذَا أَشْنَعُ وَأَقْبَحُ ، وَلَا يَجُوزُ فِعْلُهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى ، أَوْ أَنْ يَكُونَ خَلَقَهَا لِمَنَافِعِ نَفْسِهِ ، وَذَلِكَ مُحَالٌ ، لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ الْمَنَافِعُ ، وَ ( لَا ) الْمَضَارُّ . فَثَبَتَ أَنَّهُ خَلَقَهَا لِمَنَافِعِ الْمُكَلَّفِينَ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الِانْتِفَاعُ بِهَا عَلَى أَيِّ وَجْهٍ يَأْتِي لَهُمْ ذَلِكَ مِنْهَا ، مَا لَمْ يُؤَدِّ إلَى ضَرَرٍ أَعْظَمَ مِمَّا يُجْتَلَبُ بِهِ مِنْ النَّفْعِ .  وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ : أَنَّهُ لَمَّا خَلَقَهَا لِيَسْتَدِلَّ بِهَا الْمُكَلَّفُونَ كَانَ لَهُمْ الِاسْتِدْلَال بِهَا ، وَهِيَ ضَرْبٌ مِنْ الِانْتِفَاعِ ، كَذَلِكَ سَائِرُ مَا يَتَأَتَّى لَهُمْ فِيهَا مِنْ وُجُوهِ الِانْتِفَاعِ ، يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ لَهُمْ إتْيَانُهَا . دَلِيلٌ آخَرُ ، وَهُوَ : أَنَّا لَمَّا وَجَدْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْفُسَنَا دَلَائِلَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهَا عَلَى تَحْرِيمِ الِانْتِفَاعِ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ ، لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ دَالَّةً عَلَى حَظْرِهَا لَمَا جَازَ وُرُودُ الشَّرْعِ بِإِبَاحَتِهَا ، لِأَنَّ مُوجِبَ دَلَائِلِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَنْقَلِبُ ، فَعَلِمْنَا : أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِيهَا عَلَى حَظْرِهَا . وَلَوْ كَانَتْ مَحْظُورَةً لَمَا أَخْلَاهَا مِنْ دَلِيلٍ يُوجِبُ حَظْرَهَا ، وَقُبْحَ مُوَاقَعَتِهَا ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا مُبَاحَةٌ ، وَأَنَّهُ لَا تَبِعَةَ عَلَى فَاعِلِيهَا ، لِأَنَّ مَا كَانَ عَلَى الْإِنْسَانِ مِنْ فِعْلِهِ تَبِعَةٌ - فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُخَلِّيَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ إقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِ فِيهِ تَبِعَةً ، لِيَنْتَهِيَ عَنْهُ ، هَذَا حُكْمُ الْعَقْلِ ، وَ ( قَدْ ) أَكَّدَ السَّمْعُ هَذَا الْمَعْنَى ( بِقَوْلِهِ تَعَالَى ) : { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَدَاهُمْ } الْآيَةَ . فَأَخْبَرَ أَنَّ مَا لَمْ يَدُلَّ عَلَى تَحْرِيمِهِ فَلَا تَبِعَةَ عَلَى فَاعِلِهِ . دَلِيلٌ آخَرُ : وَهُوَ أَنَّ الْأَشْيَاءَ الَّتِي وَصَفْنَا أَمْرَهَا لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ مُبَاحَةً عَلَى مَا بَيَّنَّا . أَوْ مَحْظُورَةً ، أَوْ بَعْضُهَا مَحْظُورٌ ، وَبَعْضُهَا مُبَاحٌ . وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُقَالَ : جَمِيعُهَا ، لِأَنَّهُ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ مَحْظُورًا عَلَى الْإِنْسَانِ : الْحَرَكَةُ ، وَالسُّكُونُ ، وَالْقِيَامُ ، وَالْقُعُودُ ، وَالِاضْطِجَاعُ ، وَأَنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِأَنْ : يَخْلُوَ مِنْ جَمِيعِ أَفْعَالِهِ ، فَلَمَّا اسْتَحَالَ ذَلِكَ عَلِمْنَا : أَنَّ بَعْضَهَا مُبَاحٌ ، ثُمَّ الْبَعْضُ الْآخَرُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا أَوْ مَحْظُورًا ، فَلَوْ كَانَ مَحْظُورًا لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ دَلِيلٌ يَتَمَيَّزُ بِهِ مِنْ الْمُبَاحِ ، فَلَمَّا عَدِمْنَا الدَّلِيلَ عَلَى ذَلِكَ : عَلِمْنَا أَنَّ الْبَعْضَ مُسَاوٍ لِلْمُبَاحِ ( فِي بَابِ فَقْدِ الدَّلِيلِ عَلَى حَظْرِهِ وَمَا سَاوَى الْمُبَاحَ ) فِي هَذَا الْوَجْهِ فَهُوَ مُبَاحٌ . فَثَبَتَ : أَنَّ الْجَمِيعَ مُبَاحٌ .  وَأَيْضًا : فَإِنَّ فِي حَظْرِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ تَكْلِيفًا وَمَشَقَّةً تَدْخُلُ عَلَى النَّفْسِ ، وَغَيْرُ جَائِزٍ لِلْإِنْسَانِ إدْخَالُ الضَّرَرِ وَالْمَشَقَّةِ عَلَى نَفْسِهِ ، مِنْ غَيْرِ اجْتِلَابِ نَفْعٍ ، وَلَا دَلِيلَ فِي الْعَقْلِ يُوجِبُ ذَلِكَ ، فَقَبُحَ إلْزَامُهُ ذَلِكَ . وَأَيْضًا : فَإِنَّ تَكْلِيفَ الْفَرْضِ لُطْفٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فِي التَّمَسُّكِ بِمَا فِي الْمَعْقُولِ إيجَابُهُ ، وَمِنْ أَجْلِهِ حَسُنَ إيجَابُهَا ، وَمَا كَانَ هَذَا سَبِيلُهُ فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُخَلِّيَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ إقَامَةِ دَلِيلٍ عَلَى لُزُومِ اجْتِنَابِهِ ، إنْ كَانَ مَحْظُورًا . فَدَلَّ عَلَى ( أَنَّ ) مَا كَانَ هَذَا وَصْفُهُ مِمَّا لَمْ يَرِدْ السَّمْعُ بِإِيجَابِهِ وَحَظْرِهِ فَهُوَ مُبَاحٌ . وَأَيْضًا فَإِنَّ فِي تَرْكِ الْإِقْدَامِ عَلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ تَلَفَ النَّفْسِ ، وَذَلِكَ قَبِيحٌ إذَا لَمْ يُؤَدِّ إلَى نَفْعٍ هُوَ أَعْظَمُ مِنْ الضَّرَرِ اللَّاحِقِ بِهِ ، فَلَمَّا لَمْ يُعْلَمْ : أَنَّ لَهُ نَفْعًا فِي تَرْكِهِ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ تَرْكُهُ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : مَا أَنْكَرْت أَنْ يَكُونَ فِي الْعَقْلُ دَلَالَةٌ عَلَى حَظْرِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ قَبْلَ مَجِيءِ السَّمْعِ ، وَهِيَ : أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مُلْكُ اللَّهِ تَعَالَى ، وَفِي عَقْلِ كُلِّ عَاقِلٍ : أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ إلَّا بِإِذْنِهِ . قِيلَ لَهُ : لَيْسَ الِانْتِفَاعُ بِمِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ مَحْظُورًا لِعَيْنِهِ ، لِأَنَّهُ جَائِزٌ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِمِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِيهِ ضَرَرٌ ، نَحْوُ : أَنْ يَسْتَظِلَّ بِظِلِّ حَائِطِهِ ، وَيَقْعُدَ فِي ضَوْءِ سِرَاجِهِ ، وَيُسْرِجَ مِنْهُ لِنَفْسِهِ ، فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ ضَرْبًا مِنْ الِانْتِفَاعِ بِمِلْكِ الْغَيْرِ وَلَمْ يَكُنْ قَبِيحًا مِنْ أَجْلِ وُقُوعِهِ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ - عَلِمْنَا أَنَّ : الِانْتِفَاعَ بِمِلْكِ الْغَيْرِ يَجُوزُ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَالْمُسْتَدِلُّ عَلَى حَظْرِ ذَلِكَ لِأَجْلِ كَوْنِهِ مِلْكًا لِلْغَيْرِ ، وَأَنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ مُخْطِئٌ . فَقَدْ سَقَطَ هَذَا السُّؤَالُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَنَقُولُ مَعَ ذَلِكَ : إنَّ حُكْمَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِي جَوَازِ الِانْتِفَاعِ بِهَا قَبْلَ مَجِيءِ السَّمْعِ حُكْمُ ( انْتِفَاعُ الْوَاحِدِ ) مِنَّا بِظِلِّ حَائِطِ غَيْرِهِ ، وَبِضَوْءِ سِرَاجِهِ ، وَالِاسْتِصْبَاحِ مِنْهُ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى الْمَالِكُ لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَا يَلْحَقُهُ الضَّرَرُ بِانْتِفَاعِ الْمُنْتَفِعِ مِنَّا بِهَا ، وَلَا ضَرَرَ يَلْحَقُنَا بِهَا أَعْظَمَ مِمَّا نَرْجُوهُ مِنْ النَّفْعِ ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَيْنَا فِيهِ  ضَرَرٌ فِي الدِّينِ لَمَا أَخْلَانَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ تَوْقِيفٍ عَلَيْهِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَجُوزَ لَنَا الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ كَمَا جَازَ الْإِقْدَامُ عَلَى الِانْتِفَاعِ بِمِلْكِ الْغَيْرِ فِيمَا لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِيهِ ، وَأَمَّا الِانْتِفَاعُ بِمِلْكِ الْغَيْرِ فِيمَا بَيْنَنَا فَإِنَّمَا كَانَ مَمْنُوعًا لِأَجْلِ الضَّرَرِ الَّذِي يَدْخُلُ بِهِ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَيْهِ ، كَمَا احْتَجْنَا نَحْنُ إلَيْهِ ، فَلَمْ يَكُنْ لَنَا أَنْ نَنْفَعَ أَنْفُسَنَا بِضَرَرِ غَيْرِنَا ، مِنْ غَيْرِ أَنْ نُوصِلَهُ بِهِ نَفْعًا أَعْظَمَ مِنْهُ ، إلَّا أَنْ يُبِيحَهُ لِي ( مَالِكُهُ ) وَمَالِكُ الْأَعْوَاضِ كُلِّهَا ، وَهُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : الْفَرْقُ بَيْنَ مَا ذَكَرْته وَبَيْنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي ذَكَرْنَا : أَنَّ فِي الْإِقْدَامِ عَلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ إتْلَافَ مِلْكِ الْغَيْرِ ، وَلَيْسَ فِي الِاسْتِظْلَالِ بِظِلِّ حَائِطِ الْإِنْسَانِ وَالْقُعُودِ فِي ضَوْءِ سِرَاجِهِ إتْلَافُ شَيْءٍ عَلَيْهِ . قِيلَ لَهُ : إتْلَافُهُ إيَّاهَا لَمْ يُخْرِجْهَا مِنْ مِلْكِ مَالِكِهَا ( لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَالِكٌ لَهَا ) قَبْلَ الْإِتْلَافِ وَبَعْدَهُ ، إذْ كَانَ قَادِرًا عَلَى إعَادَتِهَا إلَى مَا كَانَتْ ، فَلَمْ يَخْرُجْ بِالْإِتْلَافِ عَنْ مِلْكِهِ كَمَا لَمْ يَخْرُجْ الْحَائِطُ وَالسِّرَاجُ عَنْ مِلْكِ مَالِكِهِ بِانْتِفَاعِ غَيْرِهِ بِهِ فِي الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنَا . وَأَيْضًا : فَإِنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا ، لِأَنَّ الْمَعْنَى كَانَ فِي إبَاحَةِ الِانْتِفَاعِ بِظِلِّ حَائِطِهِ وَالْقُعُودِ فِي ضَوْءِ سِرَاجِهِ هُوَ : أَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى مَالِكِهِ فِيهِ ، وَلِهَذَا فِيهِ نَفْعٌ . فَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِيمَا وَصَفْنَا مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مِنْ حَيْثُ كَانَ لَهُ فِيهَا نَفْعٌ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ عَلَى مَالِكِهَا ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ ( حُكْمُهَا حُكْمَ ) مَا وَصَفْنَا ، وَأَنْ لَا يَمْنَعَ اخْتِلَافُهُمَا مِنْ جِهَةٍ : أَنَّ فِي أَحَدِهِمَا إتْلَافًا ، وَلَيْسَ فِي الْآخَرِ مِثْلُهُ ، مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا .  وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنِّي لَا أَقُولُ : إنَّهَا مُبَاحَةٌ ، وَلَا مَحْظُورَةٌ ، لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ تَقْتَضِي مُبِيحًا ، وَالْحَظْرَ يَقْتَضِي حَاظِرًا ، فَإِنَّهُ إنَّمَا مَنَعَ إطْلَاقَ لَفْظِ الْإِبَاحَةِ ( وَالْحَظْرِ ) وَوَافَقَ فِي الْمَعْنَى ، حِينَ قَالَ : لَا تَبِعَةَ عَلَى فَاعِلِهَا ، لِأَنَّ هَذَا هُوَ صُورَةُ الْمُبَاحِ ، إذَا لَمْ يَسْتَحِقَّ بِفِعْلِهِ الثَّوَابَ ، وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ أَنْ يَقُولَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ : إنَّهُ وَاجِبٌ ، قَبْلَ مَجِيءِ السَّمْعِ ، مِنْ نَحْوِ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ ، وَشُكْرِ الْمُنْعِمِ ، وَوُجُوبِ الْإِنْصَافِ ، ( وَأَنْ لَا يَقُولَ : إنَّ الْكُفْرَ بِاَللَّهِ وَالظُّلْمَ وَالْكَذِبَ مَحْظُورٌ ، قَبْلَ مَجِيءِ السَّمْعِ ، لِأَنَّ الْوُجُوبَ يَقْتَضِي مُوجِبًا ، وَالْحَظْرَ يَقْتَضِي حَاظِرًا . فَإِنْ قَالَ : الْمُوجِبُ لِاعْتِقَادِ الْإِيمَانِ ، وَالْحَاظِرُ لِاعْتِقَادِ الْكُفْرِ : هُوَ اللَّهُ تَعَالَى ، الَّذِي أَقَامَ الدَّلِيلَ عَلَى ذَلِكَ . قِيلَ لَهُ : فَهَلَّا قُلْت مِثْلَهُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ قَبْلَ مَجِيءِ السَّمْعِ ؟ لِأَنَّ الْمُبِيحَ هُوَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الَّذِي خَلَقَهَا ) لِلِانْتِفَاعِ بِهَا ، ثُمَّ لَمْ يُقِمْ الدَّلِيلَ عَلَى حَظْرِهَا . فَإِنْ قَالَ : لَوْ كَانَ مَا لَا تَبِعَةَ عَلَى فَاعِلِهِ مُبَاحًا ، لَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْأَشْيَاءُ مُبَاحَةً لِلْبَهَائِمِ ، وَالْمَجَانِينِ ، وَالسَّاهِي . قِيلَ لَهُ : لَا يَجِبُ ذَلِكَ لِأَنَّا قَدْ قُلْنَا : إنَّ حَدَّ الْمُبَاحِ مَا لَا تَبِعَةَ عَلَى فَاعِلِهِ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ ، وَيَكُونُ فِيمَا ذَكَرْت ، لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مُكَلَّفِينَ ، وَالسَّاهِي فِعْلُهُ غَيْرُ وَاقِعٍ عَنْ قَصْدِهِ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَجَمِيعُ مَا قَدَّمْنَاهُ إنَّمَا هُوَ كَلَامٌ فِي حُكْمِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِي الْعَقْلِ قَبْلَ مَجِيءِ السَّمْعِ ، ثُمَّ جَاءَ السَّمْعُ بِتَأْكِيدِ مَا كَانَ فِي الْعَقْلِ إبَاحَتُهُ ، وَهُوَ : قوله تعالى { وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ } وَقَالَ : { وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا } وَقَالَ تَعَالَى { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ } وَقَالَ تَعَالَى : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ } وَقَالَ تَعَالَى : { وَالنَّخْلَ  بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ رِزْقًا لِلْعِبَادِ } وَقَالَ تَعَالَى : { كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا } وَقَالَ تَعَالَى : { أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ } وَقَالَ تَعَالَى : { قُلْ إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ . . . } وَقَالَ تَعَالَى : { فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ } وَقَالَ تَعَالَى : { وَفَاكِهَةً وَأَبًّا مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ } وَقَالَ تَعَالَى : { يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ } الْآيَةَ وَقَالَ : { وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ } إلَى آخِرِ الْآيَاتِ . فِي آيٍ أُخَرَ يَقْتَضِي إبَاحَةَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ . مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ : حَدِيثُ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ عَنْ النَّبِيِّ عليه السلام { إنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا ، وَنَهَى عَنْ أَشْيَاءَ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا ، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ لَهَا رَحْمَةً لَكُمْ فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا } وَحَدِيثُ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ : { إنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ } فَأَخْبَرَ : أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حَرَامًا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ ( مُبَاحًا فِي الْأَصْلِ ) وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ { خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ  فَقَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمْ الْحَجَّ فَقَالَ عُكَاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَفِي كُلِّ عَامٍ ؟ فَقَالَ : عليه السلام : أَمَا إنِّي لَوْ قُلْت : نَعَمْ لَوَجَبَتْ ، وَلَوْ وَجَبَتْ ثُمَّ تَرَكْتُمْ لَضَلَلْتُمْ ، اُسْكُتُوا عَنِّي مَا سَكَتُّ عَنْكُمْ ، فَإِنَّمَا هَلَكَ الَّذِينَ مَنْ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ ، وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا } } وَعَنْ سَلْمَانَ قَالَ : { سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ السَّمْنِ وَالْفِرَاءِ وَالْجُبْنِ فَقَالَ : الْحَلَالُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا } 


بَابٌ الْكَلَامُ فِي الْإِجْمَاعِ

	 قَالَ أَبُو بَكْرٍ رحمه الله : اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى صِحَّةِ إجْمَاعِ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ ، وَأَنَّهُ حُجَّةُ اللَّهِ ، لَا يَسَعُ مَنْ يَجِيءُ بَعْدَهُمْ خِلَافُهُ ، وَهُوَ مَذْهَبُ جُلِّ الْمُتَكَلِّمِينَ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا يَكُونُ إجْمَاعُهُمْ حُجَّةً ، كَمَا لَمْ يَكُنْ إجْمَاعُ سَائِرِ الْأُمَمِ حُجَّةً .
               قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَمَعْرِفَةُ حُجَّةِ الْإِجْمَاعِ مِنْ طَرِيقِ السَّمْعِ . فَأَمَّا الْعَقْلُ : فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُ وُقُوعَ الْإِجْمَاعِ مِنْ أُمَّتِنَا عَلَى خَطَأٍ ، كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْأُمَمِ .
      وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّتِهِ مِنْ جِهَةِ السَّمْعِ : قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } هَذِهِ الْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى حُجَّةِ الْإِجْمَاعِ مِنْ وَجْهَيْنِ :
 أَحَدُهُمَا : قوله تعالى : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } وَالْوَسَطُ : الْعَدْلُ فِي اللُّغَةِ . قَالَ الشَّاعِرُ :

هُمْ وَسَطٌ يَرْضَى الْأَنَامُ بِحُكْمِهِمْ إذَا طَرَقَتْ إحْدَى اللَّيَالِي بِمُعْظَمِ

يَعْنِي : هُمْ عُدُولٌ . فَلَمَّا وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى الْأُمَّةَ بِالْعَدَالَةِ اقْتَضَى ذَلِكَ : قَبُولَ قَوْلِهَا ، وَصِحَّةَ مَذْهَبِهَا .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي : قوله تعالى : { لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } ، فَجَعَلَهُمْ شُهَدَاءَ عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ ، كَمَا جُعِلَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ ، وَلَا يَسْتَحِقُّونَ هَذِهِ الصِّفَةَ إلَّا وَقَوْلُهُمْ حُجَّةٌ ، وَشَهَادَتُهُمْ مَقْبُولَةٌ ، كَمَا أَنَّهُ ( لَمَّا ) وَصَفَ الرَّسُولُ بِأَنَّهُ شَهِيدٌ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ { وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } أَفَادَ بِهِ : أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ ، وَشَهَادَتُهُ صَحِيحَةٌ .
           وَنَظِيرُ هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا مَذْكُورٌ فِي قوله تعالى { هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ } فَثَبَتَ : أَنَّهَا إذَا قَالَتْ قَوْلًا فِي الشَّرِيعَةِ لَزِمَ مَنْ بَعْدَهَا ، وَلَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ مُخَالَفَتُهَا .
 فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَوَاجِبٌ ( عَلَى ) هَذَا أَنْ يُحْكَمَ لِجَمِيعِ الْأُمَّةِ بِالْعَدَالَةِ ، حَتَّى لَا يَكُونَ فِيهَا مَنْ لَيْسَ بِعَدْلٍ ، بِظَاهِرِ الْآيَةِ ، وَيُجْعَلَ قَوْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حُجَّةً .
قِيلَ لَهُ : لَا يَجِبُ ذَلِكَ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَحْكُمْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأُمَّةِ ( بِالْعَدَالَةِ فِي عَيْنِهِ ) وَإِنَّمَا حَكَمَ بِهَا لِجَمَاعَةِ الْأُمَّةِ ، وَأَفَادَ : أَنَّ جَمَاعَتَهَا تَشْتَمِلُ عَلَى جَمَاعَةٍ لَا تَقُولُ إلَّا الْحَقَّ ، فَيَكُونُ ( قَوْلُهُمْ ) حُجَّةً عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ . وَيَجُوزُ هَذَا الْإِطْلَاقُ ، وَإِنْ لَمْ يَرِدْ وَصْفُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى حِيَالِهِ بِالْعَدَالَةِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى { وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَك حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً } وَمَعْنَاهُ : أَنَّ قَوْمًا مِنْكُمْ قَالُوهُ .
          وَكَمَا قَالَ تَعَالَى { وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّرَأْتُمْ فِيهَا } وَمَعْنَاهُ : أَنَّهُ قَتَلَهَا بَعْضُكُمْ ، وَكَذَلِكَ قوله تعالى { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } مَعْنَاهُ جَعَلْنَا مِنْكُمْ . 
      وَهُوَ مَشْهُورٌ فِي الْعَادَةِ أَيْضًا ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ : بَنُو هَاشِمٍ حُكَمَاءُ ، وَأَهْلُ الْكُوفَةِ فُقَهَاءُ ، وَالْعَرَبُ ( تُقْرِي الضَّيْفَ وَتَحْمِي الدِّيَارَ ) وَتَمْنَعُ الْجَارَ ، وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ . وَالْمُرَادُ مِنْهُمْ : مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ ، فَإِذَا ثَبَتَ بِهَذِهِ الْآيَةِ : أَنَّ جُمْلَةَ الْأُمَّةِ تَشْتَمِلُ عَلَى عُدُولٍ شُهَدَاءَ عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ ; إذْ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ جَمِيعَهُمْ كَذَلِكَ ، ثَبَتَ أَنَّ إجْمَاعَهَا حُجَّةٌ ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ أَخْبَرَ : أَنَّهُمْ شُهَدَاءُ عَلَى النَّاسِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَهُمْ اللَّهُ شُهَدَاءَ عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ ، ثُمَّ إذَا شَهِدُوا لَمْ تَصِحَّ شَهَادَتُهُمْ ، وَإِذَا قَالُوا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُمْ ، كَمَا أَنَّهُ لَمَّا جَعَلَ الرَّسُولَ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ إخْبَارًا لِصِحَّةِ شَهَادَتِهِ عَلَيْهِمْ ، وَلَزِمَهُمْ قَبُولُ قَوْلِهِ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَإِنَّ الرَّسُولَ عليه السلام لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ شَهَادَةً صَحِيحَةً لَازِمَةً لِلْأُمَّةِ بِنَفْسِ الْقَوْلِ دُونَ ظُهُورِ الْمُعْجِزَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِهِ عَلَى يَدِهِ . وَكَذَلِكَ ( الْأُمَّةُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ) قَوْلُهَا حُجَّةً وَصِدْقًا إلَّا بِقِيَامِ الدَّلَالَةِ : أَنَّهَا لَا تَقُولُ إلَّا الْحَقَّ ، مِنْ غَيْرِ جِهَةِ وَصْفِهَا بِالشَّهَادَةِ .
         قِيلَ لَهُ : الَّذِي أَقَامَ الدَّلَائِلَ عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ عليه السلام ، وَأَيَّدَهُ بِالْمُعْجِزَاتِ : هُوَ الَّذِي حَكَمَ لِلْأُمَّةِ بِالْعَدَالَةِ وَصِحَّةِ الشَّهَادَةِ ، فَلَمْ تَخْلُ الْأُمَّةُ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهَا قَدْ صَارَ حَقًّا وَصِدْقًا ، بِدَلِيلٍ غَيْرِ قَوْلِهَا ، وَهُوَ حُكْمُ اللَّهِ لَهَا بِذَلِكَ ، وَشَهَادَتُهُ لَهَا بِهِ ، وَلَوْ قَدْ جَازَ عَلَى الْأُمَّةِ بِأَسْرِهَا الْخُرُوجُ عَنْ صِفَةِ الْعَدَالَةِ وَصَارَتْ كُفَّارًا أَوْ فُسَّاقًا - لَخَرَجَتْ مِنْ أَنْ تَكُونَ عُدُولًا وَشُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ، وَذَلِكَ بِخِلَافِ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ حُكْمِهَا وَصِفَتِهَا . فَثَبَتَ أَنَّهَا لَا تَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ فِيهَا عُدُولٌ لَا يَقُولُونَ إلَّا حَقًّا ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا قَوْمًا نَعْرِفُهُمْ بِأَعْيَانِهِمْ .
     فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : لَيْسَ فِي إيجَابِ قَبُولِ شَهَادَتِهَا دَلَالَةٌ عَلَى حَقِيقَةِ صِدْقِهَا ، لِأَنَّ الشَّاهِدَيْنِ مِنَّا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا عَلَى ظَاهِرِ عَدَالَتِهِمْ ، مِنْ غَيْرِ أَنْ نَقْطَعَ عَلَى غَيْبِهِمَا بِذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ الْأُمَّةُ لَيْسَ فِي لُزُومِ قَبُولِ شَهَادَتِهَا حُكْمٌ بِصِدْقِهَا ، وَلَا الْقَطْعُ عَلَى غَيْبِهَا . 
قِيلَ لَهُ : لَا يَجِبُ ذَلِكَ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَنُصَّ لَنَا عَلَى ( وُجُوبِ ) قَبُولِ شَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا ، وَلَمْ يَحْكُمْ لَهُمَا بِالْعَدَالَةِ ، وَإِنَّمَا أَمَرَنَا فِي الْجُمْلَةِ بِقَبُولِ شَهَادَةِ عُدُولٍ عِنْدَنَا ، وَمَنْ فِي غَالِبِ ظَنِّنَا أَنَّهُمْ عُدُولٌ وَالظَّنُّ قَدْ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لَنَا الْقَطْعُ عَلَى غَيْبِهِمَا ، وَلَوْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى شَهِدَ لِشَاهِدَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا بِالْعَدَالَةِ وَصِحَّةِ الشَّهَادَةِ - لَقَطَعْنَا عَلَى غَيْبِهِمَا ، وَحَكَمْنَا بِصِدْقِهِمَا ، وَأَمَّا الْأُمَّةُ فَقَدْ حَكَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْعَدَالَةِ وَصِحَّةِ الشَّهَادَةِ عَلَى مَنْ بَعْدَهَا ، عَلَى مَعْنَى : أَنَّهَا تَشْتَمِلُ ( عَلَى ) مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ ، فَمَتَى وَجَدْنَاهَا مُجْتَمِعَةً عَلَى شَيْءٍ حَكَمْنَا بِأَنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى ، لِأَنَّ الْعُدُولَ الَّذِينَ حَكَمَ اللَّهُ بِصِحَّةِ شَهَادَتِهِمْ قَدْ قَالَتْ ذَلِكَ ، وَقَوْلُهَا صِدْقٌ .
فَإِنْ قِيلَ : مَا أَنْكَرْت أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى إنَّمَا جَعَلَ الْأُمَّةَ شُهَدَاءَ فِي الْآخِرَةِ لَا فِي الدُّنْيَا حَتَّى يَكُونُوا عُدُولًا ، فَيَكُونُونَ عُدُولًا فِي الْآخِرَةِ ، وَلَا دَلَالَةَ فِي الْآيَةِ عَلَى : أَنَّهُمْ عُدُولٌ فِي الدُّنْيَا .
قِيلَ لَهُ : إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ مَدَحَهُمْ وَأَثْنَى عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ فِي الدُّنْيَا ، فَلَوْلَا أَنَّهُمْ مُسْتَحِقُّونَ لِهَذِهِ الصِّفَةِ فِي الدُّنْيَا مَا جَازَ أَنْ يُوصَفُوا بِهَا فِي الْآخِرَةِ ، لِأَنَّ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ فِي الدُّنْيَا صِفَةَ مَدْحٍ وَثَوَابٍ ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَسْتَحِقَّهَا فِي الْآخِرَةِ .
             وَأَيْضًا لَمَّا جَعَلَ لِلْأُمَّةِ فِي كَوْنِهَا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ كَالنَّبِيِّ ﷺ فِي ( وَكَوْنِهِ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ ثُمَّ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ ) مُسْتَحِقًّا لِقَبُولِ الشَّهَادَةِ فِي الدُّنْيَا . وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ حُكْمُ الْأُمَّةِ فِيمَا يَسْتَحِقُّونَهُ مِنْ هَذِهِ الصِّفَةِ . وَلَوْ جَازَ أَنْ يُقَالَ : إنَّ الْأُمَّةَ شُهَدَاءُ فِي الْآخِرَةِ ، وَلَيْسَتْ شُهَدَاءَ فِي الدُّنْيَا - لَجَازَ أَنْ يُقَالَ مِثْلُهُ فِي النَّبِيِّ عليه السلام ، إذْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ شَهَادَتِهِمَا .
        وَأَيْضًا : فَلَمَّا لَمْ يُخَصِّصْ وَصْفَهَا بِذَلِكَ حَالًا دُونَ حَالٍ اقْتَضَى عُمُومُ الْآيَةِ اسْتِحْقَاقَ هَذِهِ الصِّفَةِ لَهَا فِي سَائِرِ الْأَحْوَالِ .      
              فَإِنْ قِيلَ : قوله تعالى { لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ } كَقَوْلِهِ تَعَالَى { وَمَا خَلَقْت الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ } وَفِيهِمْ مَنْ عَبَدَ ، وَفِيهِمْ مَنْ لَمْ يَعْبُدْ . وَكَذَلِكَ جَائِزٌ مِنْ الْأُمَّةِ تَضْيِيعُ الشَّهَادَةِ ، كَمَا جَازَ مِنْ بَعْضِ مَنْ خُلِقَ لِلْعِبَادَةِ تَرْكُهَا .
              قِيلَ لَهُ : لَوْ جَازَ أَنْ يُقَالَ هَذَا فِي الْأُمَّةِ - لَجَازَ فِي الرَّسُولِ عليه السلام مِثْلُهُ ، فَلَمَّا كَانَ وَصْفُهُ الرَّسُولَ عليه السلام بِذَلِكَ قَدْ اقْتَضَى قَبُولَ شَهَادَتِهِ ، وَلُزُومَ قَوْلِهِ ، كَانَتْ الْأُمَّةُ مِثْلَهُ ، وَلَمَّا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ فِي الرَّسُولِ - لَمْ يَجُزْ فِي الْأُمَّةِ مِثْلُهُ ، وَفَارَقَ الْعِبَادَةَ مَا ذَكَرْت مِنْ الْوَصْفِ بِالشَّهَادَةِ .
        وَأَيْضًا : فَإِنَّهُ ( لَمَّا ) وَصَفَ الْأُمَّةَ بِالْعَدَالَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } فَجَعَلَهُمْ شُهَدَاءَ بَعْدَ ( وَصْفِهِ إيَّاهُمْ ) بِالْعَدَالَةِ . فَقَدْ أَفَادَ هَذَا الْوَصْفُ لَهُمْ قَبُولَ الشَّهَادَةِ ، لِأَنَّهُ حُكْمٌ لَهُمْ بِذَلِكَ ، وَلَيْسَ يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ لَهُ بِالْعَدَالَةِ وَقَبُولِ الشَّهَادَةِ وَهُمْ غَيْرُ مُسْتَحِقِّينَ لِذَلِكَ ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى { وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا } يَعْنِي : أَنَّهُمْ كَذَلِكَ ، وَهَذِهِ صِفَتُهُمْ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ قوله تعالى { وَمَا خَلَقْت الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ } لِأَنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ إرَادَتِهِ خَلْقَهُمْ لِعِبَادَتِهِ ، لَا عَلَى وَجْهِ وُقُوعِ الْحُكْمِ لَهُمْ بِالْعِبَادَةِ .
          وَأَيْضًا : فَإِنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَسْتَشْهِدْهُمْ ( عَلَى النَّاسِ ) إلَّا وَقَوْلُهُمْ مَقْبُولٌ ، وَشَهَادَتُهُمْ جَائِزَةٌ ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَشْهِدَ مَنْ لَا يَجُوزُ شَهَادَتُهُ ، لِأَنَّهُ عَبَثٌ ، وَاَللَّهُ يَتَعَالَى عَنْهُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : { وَمَا خَلَقْت الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ } فَإِنَّهُ إخْبَارٌ أَنَّهُ كَانَ مُرِيدًا لِخَلْقِهِ إيَّاهُمْ أَنْ يَعْبُدُوهُ ، لِيَسْتَحِقُّوا بِهَا الثَّوَابَ الْجَزِيلَ ، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ مِنْهُ ، وَإِنْ تَرَكُوهَا هُمْ .
         وَأَيْضًا : لَمَّا خَلَقَ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ لِعِبَادَتِهِ لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَنْ عَبَدَ . وَوِزَانُ هَذَا مِنْ أَمْرِ الْأُمَّةِ ( أَنْ يَكُونَ ) فِيهِ عُدُولٌ تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ .
         دَلِيلٌ آخَرُ : وَهُوَ قوله تعالى : { وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ ، غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ } الْآيَةَ فَقَدْ أَوْجَبَ بِهِ اتِّبَاعَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَحَظَرَ مُخَالَفَتَهُمْ ، فَدَلَّ عَلَى صِحَّةِ إجْمَاعِهِمْ ، لِأَنَّهُمْ لَا يَخْلُونَ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ مُؤْمِنُونَ ، لقوله تعالى : { هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ } ( وَفِي هَذَا ) وَلَوْ جَازَ عَلَيْهِمْ الْخَطَأُ لَكَانَ الْمَأْمُورُ بِاتِّبَاعِهِمْ مَأْمُورًا بِاتِّبَاعِ الْخَطَأِ ، وَمَا أَمَرَ اللَّهُ بِاتِّبَاعِهِ لَا يَكُونُ إلَّا حَقًّا وَصَوَابًا ، ثُمَّ أَكَّدَ بِإِلْحَاقِهِ بِتَارِكِ اتِّبَاعِهِمْ .
        فَإِنْ قِيلَ : إنَّمَا أُلْحِقَ الذَّمُّ بِتَارِكِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ إذَا شَاقَّ الرَّسُولَ مَعَ ذَلِكَ ( لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ ) { وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ } فَاسْتَحَقَّ الذَّمَّ بِالْأَمْرَيْنِ فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ بِتَرْكِ اتِّبَاعِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وَحْدَهُ ، دُونَ مُشَاقَّةِ الرَّسُولِ ؟ .
       قِيلَ لَهُ : لَوْلَا أَنَّ تَرْكَ اتِّبَاعِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ فِعْلٌ مَذْمُومٌ - لَمَا قَرَنَهُ إلَى مُشَاقَّةِ الرَّسُولِ ، فَلَمَّا قَرَنَهُ إلَى مُشَاقَّةِ الرَّسُولِ وَأُلْحِقَ الذَّمُّ بِفَاعِلِهِ - دَلَّ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ وَجْهَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ لَوْلَا أَنَّهُ فِعْلٌ مَذْمُومٌ عَلَى الِانْفِرَادِ لَمَا جَمَعَهُ إلَى مُشَاقَّةِ الرَّسُولِ عليه السلام .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ ذَمَّهُ عَلَى الْفِعْلَيْنِ جَمِيعًا ، وَلَوْلَا أَنَّ تَرْكَ اتِّبَاعِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ مَعْنًى يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ الذَّمَّ لَمَا اسْتَحَقَّ الذَّمَّ إذَا شَاقَّ الرَّسُولَ مَعَهُ . أَلَا تَرَى أَنَّ قوله تعالى  { وَاَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ } قَدْ دَلَّ ( عَلَى ) أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَفْعَالِ مَذْمُومٌ عَلَى حِيَالِهِ ، يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ الْعِقَابَ ، وَإِنْ جَمَعَهَا فِي خِطَابٍ وَاحِدٍ . 
            وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْإِجْمَاعِ أَيْضًا : قوله تعالى : { أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً } سَوَّى فِيهِ بَيْنَ مَنْ اتَّخَذَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً ، وَبَيْنَ مَنْ اتَّخَذَهَا مِنْ دُونِ النَّبِيِّ عليه السلام ، فَدَلَّ عَلَى ( أَنَّ مُخَالِفَ الْمُؤْمِنِينَ تَارِكٌ لِلْحَقِّ ) كَمُخَالِفِ الرَّسُولِ عليه السلام .
           دَلِيلٌ آخَرُ : وَهُوَ قوله تعالى : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ } فَشَهِدَ لِلْأُمَّةِ بِهَذِهِ الْخِصَالِ ، وَلَوْ جَازَ إجْمَاعُهُمْ عَلَى الْخَطَأِ لَمَا كَانُوا بِهَذِهِ الصِّفَةِ ، وَلَكَانُوا قَدْ أَجْمَعُوا - عَلَى الْمُنْكَرِ ، وَتَرَكُوا الْمَعْرُوفَ ، وَقَدْ أَمَّنَنَا اللَّهُ عَنْ وُقُوعِ ذَلِكَ مِنْهُمْ ، بِوَصْفِهِ إيَّاهُمْ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ ، وَالْمَعْنَى وَصْفُهُ إيَّاهُمْ بِذَلِكَ : أَنَّهَا تَشْتَمِلُ عَلَى مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ .
        دَلِيلٌ آخَرُ : وَهُوَ قوله تعالى : { وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إلَيَّ } وَفِي الْأُمَّةِ لَا مَحَالَةَ مَنْ أَنَابَ إلَيْهِ ، فَوَجَبَ اتِّبَاعُ جَمَاعَتِهَا . وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ فِي الْأُمَّةِ مُنِيبِينَ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : قوله تعالى : { هُوَ سَمَّاكُمْ  الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ } وقوله تعالى : { تُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ } .
فَإِنْ قِيلَ : فَأَوْجَبَ اتِّبَاعَ الْوَاحِدِ إذَا أَنَابَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى . 

قِيلَ لَهُ : لَا يُعْلَمُ فِي الْوَاحِدِ هَذِهِ الصِّفَةُ مِنْ جِهَةِ الْحَقِيقَةِ ، وَإِنَّمَا حَكَمَ لَهُ بِهَا مِنْ جِهَةِ الظَّاهِر ، فَلَا يَلْزَمُنَا اتِّبَاعُهُ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا أَمَرَنَا بِاتِّبَاعِ مَنْ أَنَابَ إلَيْهِ حَقِيقَةً ، وَأَمَّا جُمْلَةُ الْأُمَّةِ فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهَا تَشْتَمِلُ عَلَى مَنْ أَنَابَ إلَى اللَّهِ . فَإِذَا أَجْمَعَتْ عَلَى شَيْءٍ فَقَدْ عَلِمْنَا : أَنَّ الْمُنِيبِينَ الَّذِينَ فِيهَا قَدْ قَالُوا ذَلِكَ وَاعْتَقَدُوهُ - فَهُوَ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى لَا مَحَالَةَ .

             وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ حُجَّةِ الْإِجْمَاعِ مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ : الْأَخْبَارُ الَّتِي قَدْ ثَبَتَ وُرُودُهَا مِنْ طَرِيقِ التَّوَاتُرِ مِنْ جِهَاتٍ:
جِهَاتٍ قَدْ عَلِمْنَا أَنَّهَا تَشْتَمِلُ عَلَى صِدْقٍ بِخَبَرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِشَهَادَتِهِ لِلْأُمَّةِ بِصِحَّةِ إجْمَاعِهَا ، وَلُزُومِ اتِّبَاعِهَا .
مِنْهَا : { خُطْبَةُ عُمَرَ رضي الله عنه بِالْجَابِيَةِ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ رضوان الله عليهم . قَالَ فِيهَا : قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَقِيَامِي فِيكُمْ ، فَقَالَ : خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ ، حَتَّى يَشْهَدَ الرَّجُلُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُسْتَشْهَدَ ، وَيَحْلِفَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُسْتَحْلَفَ ، فَمَنْ سَرَّهُ بُحْبُوحَةُ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمْ الْجَمَاعَةَ ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مَعَ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ } .
         وَرُوِيَ عَنْهُ عليه السلام فِي أَخْبَارٍ مُسْتَفِيضَةٍ : { لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمِينَ عَلَى الْحَقِّ ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ نَاوَأَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ }
            وَرُوِيَ عَنْهُ عليه السلام : أَنَّهُ  قَالَ : { لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالٍ } 
  وَأَنَّهُ قَالَ : { يَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ }
       وَرَوَى أَبُو إدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : { نَضَّرَ اللَّهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي ، ثُمَّ لَمْ يَزِدْ فِيهَا ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ ، ثَلَاثٌ لَا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُؤْمِنٍ : إخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ ، وَالْمُنَاصَحَةُ لِوُلَاةِ الْأَمْرِ ، وَلُزُومُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مَنْ وَرَاءَهُمْ } 
        وَقَالَ ﷺ : { مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ قَيْدَ شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ } 
        وَرَوَى أَبُو إدْرِيسَ عَنْ حُذَيْفَةَ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ { فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ : مَا يَعْصِمُنِي مِنْ ذَلِكَ ؟ قَالَ : جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامُهُمْ } .
         فَهَذِهِ أَخْبَارٌ ظَاهِرَةٌ مَشْهُورَةٌ ، قَدْ وَرَدَتْ مِنْ جِهَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ ، وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ تَكُونَ كُلُّهَا وَهْمًا أَوْ كَذِبًا ، عَلَى مَا بَيَّنَّا فِيمَا سَلَفَ مِنْ أَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرِ ، وَقَدْ كَانَتْ مَعَ ذَلِكَ شَائِعَةٌ فِي عَهْدِ الصَّحَابَةِ : يَحْتَجُّونَ بِهَا فِي لُزُومِ حُجَّةِ الْإِجْمَاعِ ، وَيَدْعُونَ النَّاسَ إلَيْهَا ، وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ إنْكَارُ ذَلِكَ ، وَلَا رَدُّهُ ، وَمَا كَانَ هَذَا سَبِيلَهُ مِنْ الْأَخْبَارِ فَهُوَ فِي حَيِّزِ التَّوَاتُرِ الْمُوجِبِ لِلْعِلْمِ بِصِحَّةِ مُخْبِرِهَا ، فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وُجُوبُ حُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ ، وَدَلَّتْ هَذِهِ الْأَخْبَارُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ وَجْهَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : أَنْ قَدْ رَوَاهَا جَمَاعَةٌ وَوَرَدَتْ مِنْ طُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ ، وَهِيَ مَعَ اخْتِلَافِ طُرُقِهَا  وَكَثْرَةِ رِوَايَتِهَا مُتَوَافِقَةٌ عَلَى لُزُومِ اتِّبَاعِ الْجَمَاعَةِ ، فَهُوَ نَظِيرُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَقْسَامِ التَّوَاتُرِ إذَا أَخْبَرَتْ جَمَاعَةٌ كَبِيرَةٌ مُخْتَلِفَةٌ عَنْ أَمْرٍ شَاهَدُوهُ ، فَيُعْلَمُ يَقِينًا أَنَّ خَبَرَهُمْ قَدْ اشْتَمَلَ عَلَى صِدْقِ نَحْوِ قَافِلَةِ الْحَجِّ إذَا انْصَرَفَتْ فَأَخْبَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ قَدْ حَجَّ ، أَنَّ خَبَرَهُمْ قَدْ اشْتَمَلَ عَلَى صِدْقٍ وَإِنْ لَمْ يَجِبْ الْقَطْعُ عَلَى خَبَرِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِيمَا ( ذَكَرَهُ ) وَأَخْبَرَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ .
وَالْآخَرُ : أَنَّهُمْ قَدْ رَوَوْهُ بِحَضْرَةِ جَمَاعَاتٍ وَذَكَرُوا أَنَّهُ كَانَ بِحَضْرَتِهِمْ تَوْقِيفٌ مِنْ النَّبِيِّ عليه السلام إيَّاهُمْ عَلَى لُزُومِ الْجَمَاعَةِ ، وَلَمْ يُنْكِرُوهُ . فَدَلَّ ( صِحَّتُهُ عَلَى صِحَّةِ ) مَا بَيَّنَّا مِنْ وَجْهِهِ فِي الْكَلَامِ فِي الْأَخْبَارِ .
 	فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : لَمَّا جَازَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأُمَّةِ الْخَطَأُ فِي اعْتِقَادِهِ وَمَذْهَبِهِ لَمْ يَكُنْ اجْتِمَاعُهُمْ مَانِعًا مِنْ جَوَازِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ، كَمَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إذَا كَانَ أَسْوَدَ فَجَمِيعُهُمْ سُودٌ ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إنْسَانًا فَجَمِيعُهُمْ نَاسٌ ، فَكَذَلِكَ إذَا جَازَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ الضَّلَالُ ، فَذَلِكَ جَائِزٌ عَلَى جَمِيعِهِمْ . وَلَوْ جَازَ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ مَنْ يَجُوزُ عَلَيْهِ الْخَطَأُ وَبَيْنَ مَنْ ( لَا ) يَجُوزُ عَلَيْهِ الْخَطَأُ فَنَجَا مِنْهُمْ مَنْ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْخَطَأُ - لَجَازَ أَنْ يُجْمَعَ بَيْن قَادِرٍ وَقَادِرٍ ( فَيَصِيرَانِ ) عَاجِزَيْنِ ، وَأَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ بَصِيرٍ وَبَصِيرٍ ( فَيَصِيرَانِ ) أَعْمَيَيْنِ .
         قِيلَ لَهُ : هَذِهِ الْقَاعِدَةُ خَطَأٌ لَا يُوَافِقُك عَلَيْهَا الْخَصْمُ ( لِأَنَّهُ يَقُولُ لَك : إنِّي ) إنَّمَا أُجَوِّزُ الْخَطَأَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأُمَّةِ فِي حَالٍ لَا يُطَابِقُهُ الْبَاقُونَ عَلَى الْخَطَأِ . فَأَمَّا مَعَ مُطَابَقَةِ  الْآخَرِينَ ( فَإِنِّي لَا ) أُجَوِّزُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الْخَطَأَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، فَيَصِيرُ الْكَلَامُ بَيْنَكُمَا فِي إقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى امْتِنَاعِ جَوَازِ ذَلِكَ وَيَسْقُطُ هَذَا السُّؤَالُ . عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ مُنْتَقَضَةٌ ، لِأَنَّهَا تُوجِبُ أَنَّ حَجَرًا لَا يَرْفَعُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ عَشَرَةِ رِجَالٍ إنَّهُمْ إذَا اجْتَمَعُوا أَنْ لَا يَجُوزَ مِنْهُمْ رَفْعُهُ ، وَإِنْ كَانَ لُقْمَةً مِنْ خُبْزٍ إذَا كَانَتْ بِانْفِرَادِهَا لَا تُشْبِعُ وَجَبَ أَلَّا تُشْبِعَ ، وَإِنْ أَكَلَ عَشَرَةَ أَرْطَالٍ . وَإِنْ كَانَ جَرْعَةً مِنْ الْمَاءِ إذَا لَمْ تَرْوِ يَجِبُ أَنْ لَا تَرْوِيَ عَشَرَةُ أَرْطَالٍ ( مَاءٍ ) وَهَذَا فَاسِدٌ . وَإِنْ كَانَ الْقَائِلُ مِمَّنْ يَقُولُ بِالتَّوَاتُرِ لَزِمَهُ أَنْ لَا يُثْبِتَ لِلتَّوَاتُرِ حُكْمًا ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُخْبِرَيْنِ إذَا كَانَ خَبَرُهُ لَا يُوجِبُ الْعِلْمَ فَوَاجِبٌ أَنْ يَكُونَ اجْتِمَاعُهُمْ غَيْرَ مُوجِبٍ لِلْعِلْمِ .
	 وَأَيْضًا : فَإِنَّا لَمْ نُثْبِتْ حُجَّةَ الْإِجْمَاعِ مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَمْتَنِعُ فِي الْعَقْلِ قَبْلَ مَجِيءِ السَّمْعِ جَوَازُ إجْمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَى خَطَأٍ إلَّا أَنَّ السَّمْعَ مَنَعَ مِنْهُ .
        فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : قَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ : { لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إلَّا عَلَى شِرَارِ الْخَلْقِ } 
  وَفِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ : { لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يَبْقَى عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدٌ يَقُولُ : اللَّهُ } . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى ( جَوَازِ ) اجْتِمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَى الضَّلَالِ ، وَرُجُوعِهَا عَنْ الْإِسْلَامِ .
     قِيلَ لَهُ : أَمَّا قَوْلُهُ : { لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إلَّا عَلَى شِرَارِ الْخَلْقِ } ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الْأَشْرَارَ تَكْثُرُ فِيهِمْ فَجَازَ إطْلَاقُ اللَّفْظِ عَلَيْهِمْ ، لِأَنَّ الْغَالِبَ الْأَشْرَارُ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ صَالِحُونَ .
         وَأَيْضًا : فَإِنَّهُ إذَا جَاءَتْ أَشْرَاطُ السَّاعَةِ زَالَ التَّكْلِيفُ وَقَبَضَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تِلْكَ الْحَالِ قَبْلَ قِيَامِ السَّاعَةِ حَتَّى لَا يَبْقَى عَلَى الْأَرْضِ مَنْ يَقُولُ : اللَّهُ .

بَابٌ الْقَوْلُ فِي إجْمَاعِ أَهْلِ الْأَعْصَارِ

 	 قَالَ أَبُو بَكْرٍ - رحمه الله - : مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا وَعَامَّةِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ إجْمَاعَ أَهْلِ الْأَعْصَارِ حُجَّةٌ ، ( وَكَذَلِكَ كَانَ يَقُولُ شَيْخُنَا ) أَبُو الْحَسَنِ ، وَذَكَرَ هِشَامُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ : الْفِقْهُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ :

( مَا فِي الْقُرْآنِ ) وَمَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ ( مُتَوَاتِرٌ ) . عَنْ رَسُولِ اللَّه ( مَشْهُورٌ ), وَمَا أَشْبَهَهَا.

وَمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ ، وَمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ، وَمَا أَشْبَهَهُ.
وَمَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا ، وَمَا أَشْبَهَهُ .
              قَالَ أَبُو بَكْرٍ : فَذَكَرَ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ ، وَجَعَلَهُ أَصْلًا وَحُجَّةً ، كَالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ . وَذَكَرَ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ الصَّحَابَةُ وَمَا أَشْبَهَهُ ، ( وَإِنَّمَا عَنَى : أَنَّ الصَّحَابَةَ ) إذَا اخْتَلَفَتْ فِي الْمَسْأَلَةِ عَلَى وُجُوهٍ مَعْلُومَةٍ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ جَمِيعِ أَقَاوِيلهمْ وَيَبْتَدِعَ قَوْلًا لَمْ يَقُلْ بِهِ وَاحِدٌ مِنْهُمْ ، لِأَنَّا قَدْ عَلِمْنَا : أَنَّ الْحَقَّ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْنِهِمْ .
       وَقَوْلُهُ : وَمَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا بَعْدَ الصَّحَابَةِ مِنْ أَهْلِ سَائِرِ الْأَعْصَارِ ، وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ ( صِحَّةَ ) إجْمَاعِ أَهْلِ الْأَعْصَارِ بَعْدَ الصَّحَابَةِ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ .
        وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ : أَنَّ الْآيَ الَّتِي قَدَّمْنَا ذَكَرَهَا مِنْ حَيْثُ دَلَّتْ عَلَى صِحَّةِ إجْمَاعِ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ فَهِيَ فِي دَلَالَتِهَا عَلَى صِحَّةِ إجْمَاعِ أَهْلِ سَائِرِ الْأَعْصَارِ كَهِيَ فِي دَلَالَتِهَا عَلَى صِحَّةِ إجْمَاعِ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ ، لِأَنَّ قوله تعالى : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ } عَامٌّ فِي أَهْلِ سَائِرِ الْأَعْصَارِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ قَوْلَهُ لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ قَدْ انْتَظَمَ : أَنْ يَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى أَهْلِ عَصْرِهِمْ عِنْدَ انْعِقَادِ إجْمَاعِهِمْ ، وَعَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ ، وَأَنَّهُمْ حُجَّةٌ عَلَى الْجَمِيعِ ، كَمَا كَانَ الرَّسُولُ ﷺ شَاهِدًا عَلَى أَهْلِ عَصْرِهِ وَعَلَى مَنْ بَعْدَهُ.
            وَكَذَلِكَ قوله تعالى : { وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ } 
وقوله تعالى : { وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إلَيَّ } وقوله تعالى : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } قَوْلٌ عَامٌّ فِي أَهْلِ سَائِرِ الْأَعْصَارِ ( وَمِنْ حَيْثُ دَلَّتْ عَلَى إجْمَاعِ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ فَهِيَ دَالَّةٌ عَلَى إجْمَاعِ مَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَهْلِ سَائِرِ الْأَعْصَارِ ) . وَلَوْ جَازَ أَنْ يُقَالَ : ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِهِ الصَّدْرُ الْأَوَّلُ ، لَجَازَ أَنْ يُقَالَ فِي سَائِرِ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ الَّتِي يَتَنَاوَلُ ظَاهِرُهَا جَمِيعَ الْأُمَّةِ . أَوْ يُقَالُ هِيَ : مَخْصُوصَةٌ فِي الصَّحَابَةِ دُونَ غَيْرِهِمْ ، وَلَمَّا كَانَ الْمَفْهُومُ مِنْ خِطَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَخِطَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلَى سَائِرِ النَّاسِ وَإِلَى أَهْلِ كُلِّ عَصْرٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْآيُ الَّتِي تَلَوْتهَا فِي إيجَابِ حُجَّةِ الْإِجْمَاعِ مَحْمُولَةً عَلَى الْمَعْقُولِ مِنْ خِطَابِ اللَّهِ فِي تَنَاوُلِهَا أَهْلَ سَائِرِ الْأَعْصَارِ . وَلَوْ جَازَ أَنْ يُخَصَّ بِهَا الصَّحَابَةُ - لَجَازَ أَنْ يُقَالَ : هِيَ مَخْصُوصَةٌ فِي طَائِفَةٍ مِنْهُمْ دُونَ طَائِفَةٍ وَلَجَازَ أَنْ يُقَالَ : إنَّهُ حُكْمٌ مَخْصُوصٌ بِهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنْ النَّاسِ . فَلَمَّا بَطَلَ ذَلِكَ ثَبَتَ أَنَّهَا عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ أَهْلِ الْأَعْصَارِ ، وَأَنَّ ( إجْمَاعَ ) أَهْلِ كُلِّ عَصْرٍ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ  بَعْدَهُمْ.
         وَجَمِيعُ مَا اسْتَدْلَلْنَا بِهِ مِنْ السُّنَّةِ عَلَى صِحَّةِ الْإِجْمَاعِ يُوجِبُ صِحَّةَ إجْمَاعِ سَائِرِ أَهْلِ الْأَعْصَارِ ، لِأَنَّهُ لَا يُخَصِّصُ فِي أَمْرِهِ إيَّانَا بِلُزُومِ الْجَمَاعَةِ جَمَاعَةً مِنْ الْأُمَّةِ دُونَ غَيْرِهَا ، بَلْ عَمَّ سَائِرَ الْجَمَاعَاتِ بِهِ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ { لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالٍ } لِأَنَّ قَوْلَهُ : { لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالٍ } لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ مَنْ كَانَ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ إلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ ، وَلَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى ضَلَالٍ . أَوْ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَهْلَ كُلِّ عَصْرٍ عَلَى الِانْفِرَادِ ، أَوْ أَهْلَ عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ مَنْ حَدَثَ بَعْدَهُمْ إلَى أَنْ تَقُومَ الْقِيَامَةُ . وَأَنَّهُمْ بِاجْتِمَاعِهِمْ لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى ضَلَالٍ ، لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ أَهْلَ عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ . لَمْ يَكُونُوا عَلَى ضَلَالٍ ، وَلَمْ يَكُنْ لِضَمِّ أَهْلِ الْأَعْصَارِ إلَيْهِمْ فِي نَفْيِ اجْتِمَاعِ الْجَمِيعِ عَلَى ضَلَالٍ مَعْنًى وَلَا فَائِدَةٌ ، عَلِمْنَا أَنَّ مُرَادَهُ : أَنَّ أَهْلَ كُلِّ عَصْرٍ لَا يَقَعُ مِنْهُمْ اجْتِمَاعٌ عَلَى ضَلَالٍ . وَلَا يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ خَاصَّةً ، لِأَنَّ فِيهِ تَخْصِيصًا بِلَا دَلَالَةٍ ، وَقَوْلُهُ ﷺ { لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالٍ } قَدْ نَفَى بِهِ أَنْ يَضِلَّ كُلُّ أَهْلِ عَصْرٍ بِضَلَالٍ وَاحِدٍ . وَنَفَى بِهِ أَيْضًا أَنْ يَضِلُّوا ، كُلُّهُمْ ، بِأَنْ يَضِلَّ كُلُّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ بِضَرْبٍ مِنْ الضَّلَالِ غَيْرِ ضَلَالَةِ الطَّائِفَةِ الْأُخْرَى . هَذَا كُلُّهُ مُنْتَفٍ بِقَوْلِهِ ﷺ : { لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالٍ } وَإِفَادَتُهُ أَنَّ طَائِفَةً مِنْهُمْ لَا تَزَالُ مُتَمَسِّكَةً بِالْحَقِّ إلَى وَقْتِ حُدُوثِ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ ، وَزَوَالِ التَّكْلِيفِ .
فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ يَصِحُّ لَكُمْ الْقَوْلُ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْأَعْصَارِ مَعَ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ : إذَا ( اجْتَمَعَتْ الصَّحَابَةُ عَلَى شَيْءٍ سَلَّمْنَاهُ لَهُمْ ، وَإِذَا اجْتَمَعَ التَّابِعُونَ زَاحَمْنَاهُمْ ) وَأَبُو حَنِيفَةَ لَمْ يَكُنْ مِنْ التَّابِعِينَ ، وَلَمْ يَعْتَدَّ بِإِجْمَاعِ التَّابِعِينَ فِي لُزُومِ صِحَّتِهِ لَهُ وَلِأَهْلِ عَصْرِهِ .
قِيلَ لَهُ : أَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَهُوَ تَابِعِيٌّ قَدْ أَدْرَكَ فِيمَا يَحْكِي ( أَرْبَعَةً ) مِنْ الصَّحَابَةِ : أَنَسًا  وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ جُزْءٍ الزُّبَيْدِيَّ ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى ، وَآخَرَ قَدْ ذَهَبَ عَلَيَّ اسْمُهُ ، فَجَازَ لَهُ مُزَاحَمَةُ التَّابِعِينَ .
وَأَيْضًا : فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَدْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فِي زَمَنِ التَّابِعِينَ ، وَكَانَ يُفَقِّهُ النَّاسَ فِيمَا قَبْلَ أَرْبَعِينَ سَنَةً . وَكَثِيرٌ مِنْ التَّابِعِينَ كَانُوا مَوْجُودِينَ بَعْدَ سَنَةِ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ ، فَلَمَّا لَحِقَ أَيَّامَهُمْ وَهُوَ مِنْ " أَهْلِ " الْفُتْيَا جَازَ لَهُ مُخَالَفَتُهُمْ وَالْقَوْلُ مَعَهُمْ .

بَابٌ الْقَوْلُ فِيمَا يَكُونُ عَنْهُ الْإِجْمَاعُ

	   قَالَ أَبُو بَكْرٍ : قَدْ يَكُونُ الْإِجْمَاعُ عَنْ تَوْقِيفٍ ، وَيَكُونُ عَنْ اسْتِخْرَاجِ فَهْمِ مَعْنَى التَّوْقِيفِ ، فَمِنْهُ مَا عُلِمَ وَجْهُ التَّوْقِيفِ فِيهِ . وَمِنْهُ مَا لَا يُعْلَمُ ، لِعَدَمِ النَّقْلِ فِيهِ ، وَيَكُونُ أَيْضًا عَنْ رَأْيٍ وَاجْتِهَادٍ .
        فَأَمَّا الْإِجْمَاعُ الَّذِي عَلِمْنَا كَوْنَهُ عَنْ تَوْقِيفٍ ، فَنَحْوُ قوله تعالى : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ } الْآيَةَ ، وَقَدْ اجْتَمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْآيَةِ ، وَإِنَّمَا صَدَرَ إجْمَاعُهُمْ عَنْ التَّوْقِيفِ الْمَذْكُورِ فِيهَا . وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْآيِ الْمُحْكَمَةِ الَّتِي اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى حُكْمِهَا .
وَمِنْهُ مَا هُوَ عَنْ تَوْقِيفٍ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ مِنْهُ مَا وَرَدَ مِنْ جِهَةِ التَّوَاتُرِ  وَمِنْهُ مَا رُوِيَ فِي أَخْبَارِ الْأَفْرَادِ مِنْ طَرِيقِ التَّوَاتُرِ، فَمِمَّا وَرَدَ مِنْ طَرِيقِ التَّوَاتُرِ : رَجْمُ الْمُحْصَنِ . اجْتَمَعَتْ الْأُمَّةُ  عَلَيْهِ ، إلَّا قَوْمٌ مِنْ الْخَوَارِجِ ، وَلَيْسُوا عِنْدَنَا بِخِلَافٍ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ : { لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا ، وَلَا عَلَى خَالَتِهَا } وَمِنْهُ قَوْلُهُ : { الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ ، مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ } وَقَدْ اجْتَمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَيْهِ ، وَقَدْ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ خَالَفَ فِيهِ ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى قَوْلِ الْجَمَاعَةِ .
   وَنَظَائِرُ ذَلِكَ مِنْ الْأَخْبَارِ .
          وَمِمَّا وَرَدَ مِنْ التَّوْقِيفِ مِنْ طَرِيقِ الْأَفْرَادِ وَاجْتَمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى مَعْنَاهُ : مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ : { فِي إحْدَى الْيَدَيْنِ نِصْفُ الدِّيَةِ ، وَفِي إحْدَى الرِّجْلَيْنِ نِصْفُ الدِّيَةِ ، فِي إحْدَى الْعَيْنَيْنِ نِصْفُ الدِّيَةِ ، وَفِي الْأَنْفِ الدِّيَةُ ، وَأَنَّ الدِّيَةَ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ } { وَمَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِيعُهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ } وَاجْتَمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى مَا وَرَدَتْ بِهِ هَذِهِ الْأَخْبَارُ .
       وَلَيْسَ يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ كَثِيرٌ مِنْ الْإِجْمَاعَاتِ الَّتِي لَا تَعْرِفُهَا مَعَهَا تَوْقِيفٌ قَدْ كَانَتْ صَدَرَتْ لَهُ عَنْ تَوْقِيفٍ مِنْ النَّبِيِّ عليه السلام ، تَرَكَ النَّاسُ نَقْلَهُ ، اكْتِفَاءً بِوُقُوعِ الِاتِّفَاقِ ، وَفَقْدِ الْخِلَافِ .
          وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ الْوَاقِعُ عَنْ غَيْرِ تَوْقِيفٍ نَعْلَمُهُ عَنْ النَّبِيِّ عليه السلام ، وَإِنَّمَا كَانَ اسْتِخْرَاجُ بَعْضِهِمْ لِمَعْنَى التَّوْقِيفِ وَاتِّبَاعِ الْبَاقِينَ إيَّاهُ ، فِي نَحْوِ مَا رُوِيَ ( أَنَّ بِلَالًا وَنَفَرًا مَعَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ قَدْ كَانُوا سَأَلُوا عُمَرَ قِسْمَةَ السَّوَادِ فَأَبَى عَلَيْهِمْ ، وَرَاجَعُوهُ فِيهِ مِرَارًا ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ يَوْمًا : قَدْ وَجَدْت فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا يَفْصِلُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ، وَهُوَ قوله تعالى : { مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ } إلَى قوله تعالى : { كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ } إلَى أَنْ قَالَ : { لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ } ثُمَّ ذَكَرَ الْأَنْصَارَ { وَاَلَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ } ، ثُمَّ ذَكَرَ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ فَقَالَ : { وَاَلَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ } ، فَقَدْ جَعَلَ لِهَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ فِيهِ الْحَقَّ ، وَمَنَعَ أَنْ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ، وَلَوْ قَسَمْت السَّوَادَ بَيْنَكُمْ لَتَدَاوَلَهُ الْأَغْنِيَاءُ مِنْكُمْ ، وَبَقِيَ آخِرُ النَّاسِ لَا شَيْءَ لَهُمْ ) فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ عُمَرَ عَرَفُوا  صِحَّةَ احْتِجَاجِهِ بِهَا ، وَإِبَانَتِهِ عَنْ مَوْضِعِ الدَّلَالَةِ مِنْهَا ، عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ ، فَرَجَعُوا إلَى قَوْلِهِ ، وَتَابَعُوهُ عَلَى رَأْيِهِ .
        وَنَحْوُ إجْمَاعِهِمْ : عَلَى أَنَّ عَمَّةَ الْأَبِ وَخَالَتَهُ حَرَامٌ عَلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ عَمَّةُ أُمِّهِ وَخَالَتُهَا ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ فِي الْكِتَابِ ، وَإِنَّمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ بِدَلَالَةِ الْمَنْصُوصِ فِي تَحْرِيمِهِ : الْعَمَّةَ وَالْخَالَةَ ، ثُمَّ كَانَتْ أُمُّ الْأَبِ بِمَنْزِلَةِ أُمِّهِ فِي التَّحْرِيمِ ، كَذَلِكَ عَمَّةُ الْأَبِ وَخَالَتُهُ بِمَنْزِلَةِ عَمَّتِهِ وَخَالَتِهِ .
          وَنَحْوُ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ لِلصَّحَابَةِ حِينَ خَالَفُوهُ فِي قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ : لَأُقَاتِلَن مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ ، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ : قَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : { أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ } . فَقَالَ : إنَّمَا قَالَ : عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا ، وَهَذَا مِنْ حَقِّهَا فَعَرَفَ الْجَمِيعُ صِحَّةَ اسْتِخْرَاجِهِ لِمَعْنَى التَّوْقِيفِ ، ( وَرَجَعُوا إلَى قَوْلِهِ .
         وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ الَّذِي وَقَعَ مِنْهُمْ مِنْ غَيْرِ تَوْقِيفٍ وَرَدَ فِيهِ ، وَلَا اسْتِخْرَاجِ مَعْنَى التَّوْقِيفِ ) فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ أَصْلُهُ كَانَ تَوْقِيفًا ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ اجْتِهَادًا ، نَحْوُ إجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ لِلْجَدَّتَيْنِ : أُمِّ الْأُمِّ ، وَأُمِّ الْأَبِ ، إذَا اجْتَمَعَتَا السُّدُسَ ، وَأَنَّ لِبِنْتِ الِابْنِ نِصْفَ الْمِيرَاث إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ وَلَدُ الصُّلْبِ .
  وَأَجْمَعُوا أَيْضًا عَلَى تَأْجِيلِ امْرَأَةِ الْعِنِّينِ ، وَلَيْسَ فِيهِ تَوْقِيفٌ ، وَالْأَغْلَبُ مِنْ أَمْرِهِ : أَنَّهُ عَنْ اجْتِهَادٍ ، وَكَذَلِكَ اتِّفَاقُهُمْ : عَلَى أَنَّ عِدَّةَ الْأَمَةِ عَلَى نِصْفٍ مِنْ عِدَّةِ الْحُرَّةِ ، مَعَ قوله تعالى : { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ } وَأَنَّ دِيَةَ الْمَرْأَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ ، وَإِجْمَاعُهُمْ عَلَى جَوَازِ شَهَادَةِ النِّسَاءِ وَحْدَهُنَّ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ : كَالْوِلَادَةِ وَنَحْوِهَا .
        وَمِمَّا عَلِمْنَا وُقُوعَهُ عَنْ اجْتِهَادٍ : حَدُّ الْخَمْرِ ثَمَانِينَ ، وَذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ شَاوَرَ الصَّحَابَةَ فِي حَدِّ الْخَمْرِ فَقَالَ عَلِيٌّ : " إذَا شَرِبَ سَكِرَ ، وَإِذَا سَكِرَ هَذَى ، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى ، وَحَدُّ الْفِرْيَةِ ثَمَانُونَ " وَكَذَلِكَ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ، وَقَالَ عَلِيٌّ عليه السلام ( مَا أَحَدٌ أُقِيمُ عَلَيْهِ  حَدًّا ) فَيَمُوتُ مِنْهُ فَأَدِيَهُ ( لِأَنَّ الْحَقَّ قَتَلَهُ ) إلَّا حَدُّ الْخَمْرِ فَإِنَّهُ شَيْءٌ وَضَعْنَاهُ بِآرَائِنَا )
         فَإِنْ قِيلَ : لَا يَجُوزُ عِنْدَكُمْ إثْبَاتُ الْحُدُودِ بِالْقِيَاسَاتِ ، فَإِنْ كَانَ الصَّحَابَةُ قَدْ اتَّفَقَتْ عَلَى إثْبَاتِ حَدِّ الْخَمْرِ قِيَاسًا فَهَذَا إبْطَالٌ لِأَصْلِكُمْ فِي نَفْيِكُمْ إثْبَاتَ الْحُدُودِ قِيَاسًا .
        قِيلَ لَهُ : الَّذِي نَمْنَعُهُ وَنَأْبَاهُ مِنْ ذَلِكَ : هُوَ أَنْ نَبْتَدِئَ إيجَابَ حَدٍّ بِقِيَاسٍ ، فِي غَيْرِ مَا وَرَدَ فِيهِ التَّوْقِيفُ ، فَأَمَّا اسْتِعْمَالُ الِاجْتِهَادِ فِي شَيْءٍ قَدْ وَرَدَ فِيهِ التَّوْقِيفُ ، فَيُتَحَرَّى فِيهِ مَعْنَى التَّوْقِيفِ ، فَهَذَا جَائِزٌ عِنْدَنَا ، وَاسْتِعْمَالُ اجْتِهَادِ السَّلَفِ فِي حَدِّ الْخَمْرِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ ، وَذَلِكَ ; لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَنْ { النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَدْ ضَرَبَ فِي حَدِّ الْخَمْرِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ } . وَرُوِيَ : أَنَّهُ ( ضَرَبَهُ أَرْبَعُونَ رَجُلًا ، كُلُّ رَجُلٍ بِنَعْلِهِ ضَرْبَتَيْنِ إنَّمَا تَحَرَّوْا فِي ) اجْتِهَادِهِمْ مُوَافَقَةَ أَمْرِ النَّبِيِّ عليه السلام ، فَجَعَلُوهُ ثَمَانِينَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَنَقَلُوا ضَرْبَهُ بِالنِّعَالِ وَالْجَرِيدِ إلَى السَّوْطِ ، كَمَا يَجْتَهِدُ الْجَلَّادُ فِي الضَّرْبِ ، وَكَمَا يَخْتَارُ السَّوْطَ الَّذِي يَصْلُحُ لِلْجَلْدِ اجْتِهَادًا ، فَالِاجْتِهَادُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ شَائِعٌ فِيمَا وَصَفْنَا .
   فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : لَا يَجُوزُ وُقُوعُ الِاجْتِهَادِ مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ ، لِأَنَّ النَّاسَ يَخْتَلِفُونَ فِي إثْبَاتِ الْقِيَاسِ ، وَلَا جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مَا أَجْمَعُوا ( عَلَيْهِ ) هُوَ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ .
   قِيلَ لَهُ : أَمَّا الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَتْبَاعِهِمْ - فَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي إثْبَاتِ الْقِيَاسِ ، فِي أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ ، وَإِنَّمَا أَنْكَرَ إثْبَاتَ الْقِيَاسِ قَوْمٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ ، مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ لَا حَظَّ لَهُمْ فِي عِلْمِ الْفِقْهِ ، وَأُصُولِ الْأَحْكَامِ ، وَلَمْ يَعْرِفُوا قَوْلَ السَّلَفِ وَإِجْمَاعَهُمْ عَلَيْهِ ، وَعِلْمَهُمْ بِالْآثَارِ ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّدْرُ الْأَوَّلُ ، وَطَرِيقُهُمْ فِي اسْتِعْمَالِ الِاجْتِهَادِ وَالْفَزَعِ إلَى  النَّظَرِ وَالْقِيَاسِ عِنْدَ فَقْدِ النُّصُوصِ ، فَتَهَوَّرُوا فِي إقْدَامِهِمْ عَلَى ذَلِكَ . ثُمَّ تَبِعَهُمْ قَوْمٌ مِنْ الْحَشْوِ الَّذِينَ لَا نَبَاهَةَ لَهُمْ ، وَلَا رَوِيَّةَ ، وَأَمْثَالُ هَؤُلَاءِ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِمْ ، وَلَا يُؤْنَسُ بِوِفَاقِهِمْ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : إنَّ الْإِجْمَاعَ إذَا صَدَرَ عَنْ رَأْيٍ وَاجْتِهَادٍ مِنْ غَيْرِ تَوْقِيفٍ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ اخْتِلَافٌ وَمُنَازَعَةٌ ،
عَلَى مَجْرَى الْعَادَةِ فِي قَوْمٍ مُخْتَلِفِي الْهِمَمِ وَالْمَنَازِلِ فِي الْعِلْمِ أَنَّهُمْ إذَا تَشَاوَرُوا فِيمَا كَانَ طَرِيقُهُ الرَّأْيَ وَالِاجْتِهَادَ وَاخْتَلَفُوا وَتَنَازَعُوا فَإِذَا وَجَدْنَاهُمْ مُتَّفِقِينَ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ كَانَ مِنْهُمْ تَقَدُّمًا ( فَقَدْ عَلِمْنَا ) : أَنَّ ذَلِكَ عَنْ تَوْقِيفٍ .
         قِيلَ لَهُ : هَذَا غَلَطٌ ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ دَلِيلُ الْحُكْمِ ظَاهِرًا جَلِيًّا لَا يَحْتَاجُونَ مَعَهُ إلَى اسْتِقْصَاءِ النَّظَرِ ، فَيَنْوُوا فِي هِمَمِهِمْ التَّنْبِيهَ عَلَيْهِ ، وَيَسْبِقُ إلَيْهِ بَعْضُهُمْ ، وَيَحْتَجُّ بِهِ فَيَتْبَعُهُ الْبَاقُونَ ، فَلَا يَحْصُلُ هُنَاكَ خِلَافٌ ، وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ رَأْيًا ، وَمَصْدَرُهُ عَنْ اجْتِهَادٍ .
         وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ دَلِيلُ الْحُكْمِ غَامِضًا خَفِيًّا فِي الِابْتِدَاءِ ، فَيَخْتَلِفُونَ ، ثُمَّ يَتَجَلَّى لِلْجَمِيعِ بِاسْتِقْصَاءِ النَّظَرِ ، وَكَثْرَةِ الْخَوْضِ ، فَيُصْدِرُونَ عَنْ اتِّفَاقٍ ، ثُمَّ لَا يُنْقَلُ إلَيْنَا مَعَ ذَلِكَ مَا كَانَ بَيْنَهُمْ فِيهِ مِنْ التَّنَازُعِ وَالِاخْتِلَافِ ، لِأَنَّ وُقُوعَ الْإِجْمَاعِ قَدْ أَغْنَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ فِي مَعْرِفَةِ حُكْمِ الْحَادِثَةِ ، وَنَقْلُ الْخِلَافِ وَالْمُنَازَعَةِ لَا فَائِدَةَ فِيهِ .
             فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : لَوْ جَازَ وُقُوعُ الْإِجْمَاعِ عَنْ اجْتِهَادٍ وَلَا يَكُونُ مَعَ ذَلِكَ إلَّا حَقًّا وَصَوَابًا لَأَوْجَبَ أَنْ يَكُونَ اجْتِهَادُ الْأُمَّةِ أَفْضَلَ مِنْ اجْتِهَادِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَعْلَى مَرْتَبَةً ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ كَانَ يَجُوزُ عَلَيْهِ وُقُوعُ الْخَطَأِ فِي الِاجْتِهَادِ وَالدَّلِيلُ ( عَلَى ) ذَلِكَ : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدْ عَاتَبَهُ فِي أَسَارَى بَدْرٍ ، وَأَنْزَلَ { لَوْلَا كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : { عَفَا اللَّهُ عَنْك لِمَ أَذِنْت لَهُمْ } وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ . فَلَمَّا امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ اجْتِهَادُ الْأُمَّةِ أَفْضَلَ مِنْ اجْتِهَادِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ جَازَ عَلَيْهِ وُقُوعُ الْخَطَأِ فِي الِاجْتِهَادِ ، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى جَوَازِ وُقُوعِ الْخَطَأِ عَلَى الْأُمَّةِ فِيمَا نَقُولُ مِنْ طَرِيقِ الرَّأْيِ .
             قَالَ أَبُو بَكْرٍ : قَدْ أَجَبْت عَنْ هَذَا بِأَجْوِبَةٍ :
أَحَدُهَا : أَنَّ اجْتِهَادَ النَّبِيِّ ﷺ لَا يَقَعُ فِيهِ خَطَأٌ ، لِأَنَّ مَعَاصِيَ الْأَنْبِيَاءِ عليهم السلام - وَلَوْ كَانَتْ صَغَائِرَ - مَغْفُورَةٌ ، فَغَيْرُ جَائِزٍ وُقُوعُهَا فِي شَيْءٍ يَظْهَرُ لِلنَّاسِ ، وَيَلْزَمُهُمْ فِيهِ الِاتِّبَاعُ وَالِاقْتِدَاءُ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَلَوْ ظَهَرَتْ مَعَاصِي الْأَنْبِيَاءِ عليهم السلام ( لِلنَّاسِ ) لَكَانَ فِيهِ تَنْفِيرٌ عَنْ الطَّاعَةِ ، وَإِيحَاشٌ عَنْ السُّكُونِ وَالطُّمَأْنِينَةِ إلَى صِحَّةِ مَا ظَهَرَ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ عليهم السلام .
        وَمِنْ النَّاسِ مَنْ أَجَابَ : إنَّا نَقُولُ : إنَّ اجْتِهَادَ النَّبِيِّ ﷺ أَفْضَلُ مِنْ اجْتِهَادِ الْأُمَّةِ ، وَمَعْنَاهُ : أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ اجْتِهَادِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي نَفْسِهِ ، وَلَا نَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّ اجْتِهَادَهُ أَفْضَلُ مِنْ اجْتِهَادِ الْأُمَّةِ مُجْتَمِعَةً ، كَمَا نَقُولُ : إنَّ صَلَاةَ النَّبِيِّ ﷺ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْأُمَّةِ ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى : إنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي نَفْسِهِ ، لَا أَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَوَاتِ جَمِيعِ الْأُمَّةِ بِأَسْرِهَا مُجْتَمِعَةً ، وَكَمَا نَقُولُ : فُلَانٌ أَقْوَى مِنْ إخْوَةِ فُلَانٍ وَهُمْ عَشْرَةٌ ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ أَقْوَى مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي نَفْسِهِ .

بَابٌ الْقَوْلُ فِي صِفَةِ الْإِجْمَاعِ الَّذِي هُوَ حُجَّةٌ لِلَّهِ تَعَالَى

	 الْإِجْمَاعُ عَلَى وَجْهَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : يَشْتَرِكُ فِيهِ الْخَاصَّةُ وَالْعَامَّةُ ، لِحَاجَةِ الْجَمِيعِ إلَى مَعْرِفَتِهِ ، وَذَلِكَ نَحْوُ إجْمَاعِهِمْ : ( عَلَى ) أَنَّ الظُّهْرَ أَرْبَعٌ ، وَالْمَغْرِبَ ثَلَاثٌ ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ ، وَحِجِّ الْبَيْتِ ، وَغُسْلِ الْجَنَابَةِ ، وَتَحْرِيمِ الزِّنَا ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ ، وَتَحْرِيمِ نِكَاحِ الْأُمَّهَاتِ ، وَالْأَخَوَاتِ ، وَنَحْوِهِنَّ ، فَهَذَا إجْمَاعٌ قَدْ تَسَاوَى الْخَاصَّةُ وَالْعَامَّةُ فِيهِ .
      وَالْإِجْمَاعُ الْآخَرُ : مَا يَخْتَصُّ بِهِ الْخَاصَّةُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، الَّذِينَ هُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِهِ ، وَلَا اعْتِبَارَ فِيهِ بِقَوْلِ الْعَامَّةِ ، لِأَنَّ الْعَامَّةَ لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي ذَلِكَ ، إذْ لَيْسَ بَلْوَاهَا بِهِ عَامَّةً . وَذَلِكَ كَنَحْوِ : فَرَائِضِ الصَّدَقَاتِ ، وَمَا يَجِبُ فِي الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ مِنْ الْحَقِّ ، وَتَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْعَمَّةِ وَبِنْتِ الْأَخِ ، وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ ، مِمَّا لَمْ يَكْثُرْ بَلْوَى الْعَامَّةِ بِهِ ، فَعَرَفَتْهُ الْخَاصَّةُ ، وَأَجْمَعَتْ عَلَيْهِ . ثُمَّ لَا يَخْلُو مَنْ يَنْعَقِدُ بِهِ الْإِجْمَاعُ : مِنْ أَنْ يَكُونَ وُجُودُ إجْمَاعِهِ مُعْتَبَرًا ، بِأَنْ نَعْرِفَ قَوْلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِعَيْنِهِ ، أَوْ أَنْ يَظْهَرَ الْقَوْلُ مِنْ بَعْضِهِمْ ، وَيَنْتَشِرَ فِي كَافَّتِهِمْ مِنْ غَيْرِ إظْهَارِ خِلَافٍ مِنْ الْبَاقِينَ عَلَيْهِمْ ، وَلَا نَكِيرَ عَلَى الْقَائِلِينَ بِهِ ، وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ تَكُونَ صِحَّةُ الْإِجْمَاعِ مَوْقُوفَةً عَلَى وُجُودِ الْقَوْلِ فِي الْمَسْأَلَةِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، بِوِفَاقِ الْآخَرِينَ ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ شَرْطَ الْإِجْمَاعِ لَمَا صَحَّ إجْمَاعٌ أَبَدًا ، إذْ لَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ مِنْ النَّاسِ أَنْ يَحْكِيَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ قَوْلَ كُلِّ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ عَصْرٍ انْعَقَدَ إجْمَاعُهُمْ عَلَى شَيْءٍ ، إنْ شِئْت مِنْ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ ، وَإِنْ شِئْت مِمَّنْ بَعْدَهُمْ . فَلَمَّا ثَبَتَ عِنْدَنَا صِحَّةُ إجْمَاعِ الْأُمَّةِ ( بِمَا قَدَّمْنَا مِنْ الدَّلَائِلِ وَامْتَنَعَ وُجُودُ الْإِجْمَاعِ ) بِإِثْبَاتِ قَوْلِ كُلِّ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي مَسْأَلَةٍ ، عَلِمْنَا : أَنَّ  هَذَا لَيْسَ بِشَرْطٍ . أَلَا تَرَى إلَى تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ، لَا يَمْتَنِعُ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ مِنْ إطْلَاقِ الْقَوْلِ : بِأَنَّ هَذَا إجْمَاعُ الْأُمَّةِ ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْكِيَهُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِهِ ، إلَّا مَا ظَهَرَ وَانْتَشَرَ ( مِنْ تَحْرِيمِهِنَّ ) وَتَرْكِ الْبَاقِينَ الْخِلَافَ فِيهِ . فَبَانَ بِذَلِكَ أَنَّ شَرْطَ وُجُودِ الْإِجْمَاعِ . انْتِشَارُ الْقَوْلِ ( عَمَّنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ ) مَعَ سَمَاعِ الْبَاقِينَ مِنْ غَيْرِ إظْهَارِ نَكِيرٍ وَلَا مُخَالَفَةٍ .
         فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : لَيْسَ فِي تَرْكِ النَّكِيرِ وَعَدَمِ إظْهَارِ الْخِلَافِ دَلَالَةٌ عَلَى الْوِفَاقِ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَتْرُكُوا ( النَّكِيرَ ) مَهَابَةً ، أَوْ تَقِيَّةً ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ . فَإِذًا لَيْسَ فِي تَرْكِ إظْهَارِ الْخِلَافِ دَلَالَةٌ عَلَى الْمُوَافَقَةِ ، كَمَا رُوِيَ : " أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ الصَّحَابَةَ فِي قِصَّةِ الْمَرْأَةِ الَّتِي أَرْسَلَ إلَيْهَا يَدْعُوهَا ، فَفَزِعَتْ ، فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا ، فَقَالُوا : إنَّمَا أَنْتَ مُؤَدِّبٌ ، وَلَمْ تُرِدْ إلَّا الْخَيْرَ وَمَا نَرَى عَلَيْك شَيْئًا ، وَعَلِيٌّ عليه السلام سَاكِتٌ ، فَقَالَ لَهُ : مَا تَقُولُ أَبَا الْحَسَنِ ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ : إنْ كَانَ هَذَا جَهْدَ رَأْيِهِمْ فَقَدْ أَخْطَئُوا ، وَإِنْ كَانُوا قَارَبُوك فَقَدْ غَشُّوك ، أَرَى عَلَيْك الدِّيَةَ . فَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه : ( أَنْتَ صَدَقْتنِي ) "
           فَقَدْ كَانَ عَلِيٌّ سَاكِتًا مُضْمِرًا لِخِلَافِ الْجَمَاعَةِ ، وَلَمْ يَكُنْ سُلُوكُهُ دَلَالَةً عَلَى الْمُوَافَقَةِ ، وَلَمْ يَسْتَدِلَّ عُمَرُ أَيْضًا بِسُكُوتِهِ عَلَى الْمُوَافَقَةِ .
   ذَكَرَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُ ( ذَكَرَ ) مَسْأَلَةَ الْعَدْلِ ، وَاحْتَجَّ :  بِأَنَّ مَنْ لَا يَنْتَقِلُ مِنْ فَرْضٍ إلَى 

فَرْضٍ فَفَرْضُهُ قَائِمٌ ، وَمَنْ كَانَ يَنْتَقِلُ مِنْ ( فَرْضٍ ) لَا إلَى فَرْضٍ أَدْخَلْت النُّقْصَانَ عَلَيْهِ . قَالَ : فَقُلْت : هَلَّا ذَكَرْته لِعُمَرَ ؟ فَقَالَ : إنَّهُ كَانَ أَمِيرًا مَهِيبًا, فَأَخْبَرَ : أَنَّ مَهَابَتَهُ كَانَتْ مَانِعَةً لَهُ مِنْ إظْهَارِ الْخِلَافِ عَلَيْهِ .

     قِيلَ لَهُ : أَمَّا قِصَّةُ عُمَرَ فِي أَمْرِ الْمَرْأَةِ فَلَا دَلَالَةَ فِيهَا عَلَى مَا ذَكَرْت . مِنْ قِبَلِ : أَنَّ عَلِيًّا لَمْ يَسْكُتْ إلَى أَنْ أَبْرَمُوا الْأَمْرَ وَفَرَغُوا مِنْ الْكَلَامِ فِي الْمَسْأَلَةِ ، وَإِنَّمَا سَكَتَ لِيَنْظُرَ فِي جَوَابِ الْقَوْمِ ثُمَّ لَمَّا أَجَابَ الْقَوْمُ ، أَقْبَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ رضي الله عنه فَسَأَلَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ عَلِيٌّ بِشَيْءٍ ، وَعَسَى ( لَوْ ) قَدْ كَانَ عُمَرُ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ قَوْلَهُمْ ، أَوْ أَنْ يَقِفَ فِي الْحُكْمِ ، أَنْ يُخْبِرَهُ وَلَا يَسْكُتَ ، وَنَحْنُ إنَّمَا نَجْعَلُ تَرْكَ إظْهَارِ الْخِلَافِ حُجَّةً إذَا نُشِرَتْ الْمَقَالَةُ ، وَظَهَرَتْ ، وَاسْتَمَرَّ الْقَائِلُونَ بِهَا عَلَيْهَا ، ثُمَّ لَا يَظْهَرُ مِنْ غَيْرِهِمْ فِيهَا خِلَافٌ ، فَأَمَّا مَا دَامُوا فِي مَجْلِسِ التَّشَاوُرِ وَالِارْتِيَاءِ فِيهَا فَجَائِزٌ - أَنْ يَكُونَ السَّاكِتُ نَاظِرًا فِي الْمَسْأَلَةِ ، مُرَوِّيًا فِيهَا ، لَمْ يَتَّجِهْ لَهُ فِيهَا شَيْءٌ ، فَإِذَا اسْتَمَرَّتْ الْأَيَّامُ عَلَيْهِ وَلَمْ يُظْهِرْ خِلَافًا مَعَ الْعِنَايَةِ مِنْهُمْ بِأَمْرِ الدِّينِ وَحِرَاسَةِ الْأَحْكَامِ ، عَلِمْنَا ( أَنَّهُمْ إنَّمَا ) لَمْ يُظْهِرُوا الْخِلَافَ لِأَنَّهُمْ مُوَافِقُونَ لَهُمْ .
           وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْعَوْلِ : فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَدْ كَانَ يُظْهِرُ هَذَا الْخِلَافَ فِي عَهْدِ الصَّحَابَةِ ، فَإِنَّمَا مَنَعَتْهُ مَهَابَةُ عُمَرَ مِنْ مُحَاجَّتِهِ ، كَمَا يَهَابُ الْأَحْدَاثُ ذَوِي الْأَسْنَانِ ، وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَمْنَعُهُ مَهَابَةُ عُمَرَ مِنْ الْخِلَافِ عَلَيْهِ ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ يُقَدِّمُهُ وَيَسْأَلُهُ مَعَ سَائِرِ مَنْ كَانَ يَسْأَلُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ ، لِمَا عُرِفَ مِنْ فَضْلِ فِطْنَتِهِ ، وَنَفَاذِ بَصِيرَتِهِ ، وَكَانَ يَمْدَحُهُ وَيَقُولُ : غُصْ يَا غَوَّاصُ ، وَيَقُولُ : شَنْشَنَةٌ أَعْرِفُهَا مِنْ أَخْزَمَ . يَعْنِي شَبَّهَهُ بِالْعَبَّاسِ - رضي الله عنه - فِي فَهْمِهِ وَعَقْلِهِ وَدَهَائِهِ . وَمَتَى كَانَ النَّاسُ فِي تَقِيَّةٍ مِنْ عُمَرَ فِي إظْهَارِ الْخِلَافِ عَلَيْهِ فِي مَسَائِلِ الْحَوَادِثِ ؟ وَهُوَ قَدْ كَانَ يَسْتَدْعِي مِنْهُمْ الْكَلَامَ فِيهَا .
              قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَقَدْ كَانَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ يَقُولُ : إنَّ تَرْكَ النَّكِيرِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمُوَافَقَةِ ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكْتَفِ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ بِتَرْكِ النَّاسِ النَّكِيرَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ : { أَقَصُرَتْ  الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيت حَتَّى سَأَلَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ رضي الله عنهما ، فَقَالَ : أَحَقٌّ مَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ ؟ فَقَالَا : نَعَمْ . فَحِينَئِذٍ أَتَمَّ الصَّلَاةَ } .
         وَكَانَ أَبُو الْحَسَنِ يَقُولُ : إنَّ تَرْكَ النَّكِيرِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْوِفَاقِ ( فِيمَا كَانَ طَرِيقُهُ اجْتِهَادَ الرَّأْيِ ، لِأَنَّ مَا كَانَ طَرِيقُهُ الِاجْتِهَادَ ) فَغَيْرُ جَائِزٍ لِأَحَدٍ إظْهَارُ النَّكِيرِ عَلَى مَنْ قَالَ بِخِلَافِ قَوْلِهِ ، فَلَيْسَ إذَنْ فِي سُكُوتِ الْقَوْمِ وَتَرْكِهِمْ النَّكِيرَ عَلَى الْقَائِلِينَ فِي الْحَادِثَةِ دَلَالَةٌ عَلَى الْمُوَافَقَةِ .
          قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَلَسْنَا نَقُولُ : إنَّ تَرْكَ النَّكِيرِ عَلَى الِانْفِرَادِ يَدُلُّ عَلَى الْمُوَافَقَةِ ، لِأَنَّ تَرْكَ النَّكِيرِ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يُجَامِعَهُ إظْهَارُ الْخِلَافِ ، وَعَامَّةُ مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ هَذَا سَبِيلُهَا ، وَإِنَّمَا نَقُولُ : إنَّ تَرْكَهُمْ لِإِظْهَارِ الْمُخَالَفَةِ مَعَ انْتِشَارِ الْقَوْلِ وَاسْتِمْرَارِ الْأَيَّامِ قَدْ يَدُلُّ عَلَى الْوِفَاقِ .
            فَأَمَّا قِصَّةُ ذِي الْيَدَيْنِ : فَإِنَّ الْقَوْمَ وَإِنْ تَرَكُوا مُخَالَفَتَهُ وَلَمْ يُظْهِرُوا النَّكِيرَ عَلَيْهِ ، فَغَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَنَا أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْإِجْمَاعِ ، وَلَعَلَّ عِيسَى إنَّمَا ، أَرَادَ : أَنَّ تَرْكَ النَّكِيرِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي كَانَتْ عَلَيْهِ قِصَّةُ ذِي الْيَدَيْنِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمُوَافَقَةِ ، وَإِنَّمَا قُلْنَا : إنَّ قِصَّةَ ذِي الْيَدَيْنِ لَا تَعْتَرِضُ عَلَى مَا قُلْنَا فِي الْإِجْمَاعِ ، مِنْ قِبَلِ : أَنَّ ذَا الْيَدَيْنِ لَمَّا قَالَ هَذَا الْقَوْلَ ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ عَقِيبَهُ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ مِنْ الْقَوْلِ خِلَافٌ عَلَيْهِ أَوْ وِفَاقٌ لَهُ : ( أَحَقٌّ مَا يَقُول ذُو الْيَدَيْنِ ) ، لِأَنَّ الْكَلَامَ كَانَ مُبَاحًا فِي الصَّلَاةِ حِينَئِذٍ ، فَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ شَيْءٌ يَمْنَعُ مِنْ الِاسْتِفْهَامِ ، وَقَدْ كَانَ لَهُ ﷺ أَنْ يَعْتَبِرَ حَالَ الْقَوْمِ ، هَلْ هُمْ تَارِكُونَ لِلنَّكِيرِ عَلَيْهِ أَمْ لَا ؟ فَيَسْتَدِلُّ بِتَرْكِهِمْ الْخِلَافَ عَلَيْهِ ، عَلَى صِحَّةِ خَبَرِهِ ، وَلَكِنَّهُ اخْتَارَ الِاسْتِفْهَامَ بِالْقَوْلِ ، وَقَدْ قُلْنَا قَبْلَ ذَلِكَ : إنَّ تَرْكَ إظْهَارِ الْخِلَافِ إنَّمَا يَكُونُ دَلَالَةً عَلَى الْمُوَافَقَةِ إذَا انْتَشَرَ الْقَوْلُ ، وَظَهَرَ ، وَمَرَّتْ عَلَيْهِ أَوْقَاتٌ يُعْلَمُ فِي مَجْرَى الْعَادَةِ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ هُنَاكَ مُخَالِفٌ لَأَظْهَرَ الْخِلَافَ ، وَلَمْ يُنْكَرْ عَلَى غَيْرِ مَقَالَتِهِ . إذْ كَانَ قَدْ اسْتَوْعَبَ مُدَّةَ النَّظَرِ وَالْفِكْرِ .
          وَأَمَّا مَا حَكَيْنَاهُ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ : مِنْ أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ لَهُ الْإِنْكَارُ فِيمَا طَرِيقُهُ الِاجْتِهَادُ فَهُوَ صَحِيحٌ . وَلَمْ نَجْعَلْ نَحْنُ تَرْكَ النَّكِيرِ حُجَّةً فِي الْإِجْمَاعِ دُونَ تَرْكِ إظْهَارِ الْخِلَافِ ، بَعْدَمَا مَضَى  وَقْتُ ظُهُورِ الْقَوْلِ وَانْتِشَارِهِ مُدَّةً لَوْ كَانَ هُنَاكَ قَائِلٌ بِخِلَافِهِ لَكَانَ قَدْ اسْتَوْفَى مُدَّةَ نَظَرِهِ وَاسْتَقَرَّ رَأْيُهُ عَلَى قَوْلٍ يَقُولُ بِهِ إنْ كَانَ مُخَالِفًا لَهُ ، فَإِذْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ ذَلِكَ عَلِمْنَا : أَنَّهُ مُوَافِقٌ لَهُ .        
            وَمِنْ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ اعْتِبَارِ تَرْكِ إظْهَارِ الْخِلَافِ فِي الْقَوْلِ الَّذِي قَدْ اسْتَفَاضَ وَظَهَرَ مِنْ بَعْضِ الْأُمَّةِ : أَنَّهُ مَعْلُومٌ فِي مَجْرَى الْعَادَةِ وَمَا عَلَيْهِ طَبَائِعُ النَّاسِ إذَا تَشَاوَرُوا فِي أَمْرٍ مِنْ الْأُمُورِ فَقَالَ فِيهِ أَعْلَامُهُمْ وَأُولُو الْأَلْبَابِ مِنْهُمْ قَوْلًا وَسَكَتَ الْبَاقُونَ ، أَنَّ ذَلِكَ رِضًا مِنْهُمْ بِذَلِكَ الْقَوْلِ ، وَمُوَافَقَةً لِلْقَائِلِينَ بِهِ ( وَأَنَّهُ ) لَوْ كَانَ هُنَاكَ مُخَالِفٌ لَهُمْ لِأَظْهَرَ الْخِلَافَ إذَا كَانَ ذَلِكَ ( أَمْرًا ) يُهِمُّهُمْ وَيَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ مِنْ مَصَالِحِهِمْ فِي دُنْيَاهُمْ ، فَمَا كَانَ مِنْهُمْ دِينًا تُضِيفُهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ إلَى الْحَقِّ وَأَنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي أَدَّاهُمْ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُمْ فَهُوَ أَوْلَى ، بِأَنْ يَكُونَ تَرْكُهُمْ إظْهَارًا لِخِلَافٍ فِيهِ دَلَالَةً عَلَى الْمُوَافَقَةِ .
            وَأَيْضًا : فَإِنَّهُمْ مَعَ اخْتِلَافِ أَحْوَالِهِمْ وَتَفَاوُتِ طَبَائِعِهِمْ وَمَقَاصِدِهِمْ ، لَا يَجُوزُ أَنْ تَتَوَانَى هِمَّتُهُمْ عَلَى تَرْكِ إظْهَارِ خِلَافٍ هُمْ لَهُ مُضْمِرُونَ ، كَمَا أَنَّ قَائِلًا لَوْ قَالَ : يَوْمَ الْجُمُعَةِ إنَّ الْإِمَامَ لَمَّا صَعِدَ الْمِنْبَرَ ( إنْسَانٌ ) بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْضُرَ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ شَهِدَ الْجَامِعَ وَلَمْ يَسْمَعُوا بِذَلِكَ أَنْ يَتْرُكُوا إظْهَارَ النَّكِيرِ عَلَيْهِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَتَّفِقَ هِمَمُهُمْ عَلَى السُّكُوتِ مَعَ اخْتِلَافِ أَحْوَالِهِمْ .
          وَأَيْضًا : فَإِنَّهُ مَعْلُومٌ : أَنَّ السَّلَفَ قَدْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ : أَنَّ إجْمَاعَهُمْ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ ، فَغَيْرُ جَائِزٍ إذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ مُخَالِفٌ لَهُمْ مَعَ انْتِشَارِ قَوْلِهِمْ ، فَيُضْمِرُ خِلَافَهُمْ وَيُسِرُّهُ ، وَلَا يُظْهِرُهُ ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ لِلنَّاسِ : أَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ إجْمَاعٌ تَلْزَمُ حُجَّتُهُ مِنْ  بَعْدِهِمْ . فَوَجَبَ بِهَذَا أَنْ يَكُونَ سُكُوتُهُمْ بَعْدَ ظُهُورِ الْقَوْلِ وَانْتِشَارِهِ : دَلَالَةً عَلَى الْمُوَافَقَةِ . وَلَوْ لَمْ يَصِحَّ الْإِجْمَاعُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، لَمَا صَحَّ إجْمَاعٌ أَبَدًا ، إذْ غَيْرُ مُمْكِنٍ أَنْ يُضَافَ شَيْءٌ مِنْ الْأَشْيَاءِ بِقَوْلٍ إلَى جَمِيعِ الْأُمَّةِ : عَلَى ( أَنَّهَا قَدْ قَالَتْهُ وَلَفَظَتْ بِهِ ) وَإِنَّمَا يَعْتَمِدُونَ فِيهِ عَلَى ظُهُورِ الْقَوْلِ فِيهِمْ ، مِنْ غَيْرِ مُخَالِفٍ لَهُمْ .
         وَقَالَ بَعْضُهُمْ مِمَّنْ لَا يُؤْبَهُ لَهُ : الْإِجْمَاعُ الَّذِي يُحْكَمُ بِصِحَّتِهِ وَيَنْقَطِعُ بِهِ الْعُذْرُ : هُوَ اتِّفَاقُ الْعُلَمَاءِ عَلَى مَوْضِعِ الْكَعْبَةِ مِنْ مَكَّةَ ، وَمَوْضِعِ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، وَأَنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ : هُوَ الشَّهْرُ التَّاسِعُ ، مِنْ ذَلِكَ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ ، وَمَا عَدَا هَذَا فَلَمْ يَقُمْ الدَّلِيلُ بِإِيجَابِهِ .
           فَيُقَالُ لَهُ : مِنْ أَيْنَ عَلِمْت : أَنَّ الْعُلَمَاءَ مُتَّفِقُونَ عَلَى ذَلِكَ ، هَلْ لَقِيت كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ أَسْلَافِهِمْ وَأَخْلَافِهِمْ فَأَخْبَرُوك ( بِذَلِكَ ) ؟ فَإِنْ قَالَ : نَعَمْ . أَكْذَبَهُ النَّاسُ كُلُّهُمْ ، وَإِنْ قَالَ : لَا . قِيلَ لَهُ : فَلِمَ قَضَيْت بِاتِّفَاقِهِمْ عَلَيْهِ ؟ وَهَلْ عَلِمْته إلَّا مِنْ حَيْثُ اسْتَفَاضَ ذَلِكَ مِنْ جَمَاعَةٍ وَلَمْ يُنْكِرْهُ مُنْكِرٌ ؟ إذْ لَا سَبِيلَ إلَى إثْبَاتِهِ إلَّا مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ . فَهَلَّا جَعَلْت هَذَا عِيَارًا فِي أَمْثَالِهِ ، مِمَّا لَمْ يَظْهَرْ وَيَنْتَشِرْ ؟ ثُمَّ لَا يُوجَدُ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْعَصْرِ خِلَافٌ فِيهِ فَنُثْبِتُهُ إجْمَاعًا ؟

بَابٌ الْقَوْلُ فِيمَنْ يَنْعَقِدُ بِهِمْ الْإِجْمَاعُ

	    قَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا نَعْرِفُ عَنْ أَصْحَابِنَا كَلَامًا فِي تَفْصِيلِ مَنْ يَنْعَقِدُ بِهِمْ الْإِجْمَاعُ ، وَكَيْفَ صِفَتُهُمْ ، وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ بَعْدَهُمْ فِي ذَلِكَ . فَقَالَ قَائِلُونَ : لَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ الَّذِي هُوَ حُجَّةٌ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إلَّا بِاتِّفَاقِ فِرَقِ الْأُمَّةِ كُلِّهَا ، مَنْ كَانَ مُحِقًّا ، أَوْ مُبْتَدِعًا ضَالًّا ، بِبَعْضِ الْمَذَاهِبِ الْمُوجِبَةِ لِلضَّلَالِ . وَقَالَ آخَرُونَ : لَا اعْتِبَارَ بِمُوَافَقَةِ أَهْلِ الضَّلَالِ ، لِأَنَّ الْحَقَّ فِي صِحَّةِ الْإِجْمَاعِ . وَإِنَّمَا الْإِجْمَاعُ الَّذِي هُوَ حُجَّةٌ لِلَّهِ تَعَالَى عَزَّ وَجَلَّ : إجْمَاعُ أَهْلِ الْحَقِّ ، الَّذِينَ لَمْ يَثْبُتْ فِسْقُهُمْ ، وَلَا ضَلَالُهُمْ .
              قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا . وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ حَكَمَ لِمَنْ أَلْزَمَنَا قَبُولَ شَهَادَتِهِمْ مِنْ الْأُمَّةِ بِالْعَدَالَةِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ { جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ } فَجَعَلَ الشُّهَدَاءَ عَلَى  النَّاسِ وَالْحُجَّةَ عَلَيْهِمْ فِيمَا قَالُوهُ ، وَشَهِدُوا بِهِ ، الَّذِينَ وَصَفَهُمْ أَنَّهُمْ وَسَطٌ ، وَالْوَسَطُ الْعَدْلُ ، وَقَدْ قِيلَ : الْوَسَطُ الْخِيَارُ . كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { قَالَ أَوْسَطُهُمْ } يَعْنِي خَيْرُهُمْ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ ، لِأَنَّ الْعَدْلَ الْخِيَارُ ، وَالْخِيَارَ الْعَدْلُ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَلَا اعْتِبَارَ بِمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ هَذِهِ الصِّفَةِ فِي الِاعْتِدَادِ بِإِجْمَاعِهِمْ ، وَقَالَ تَعَالَى : { وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إلَيَّ } وَقَالَ تَعَالَى : { وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ } وَقَالَ تَعَالَى : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } . فَأَلْزَمَنَا اتِّبَاعَ مَنْ أَنَابَ إلَيْهِ ، وَالِاقْتِدَاءَ بِالْمُؤْمِنِينَ ، وَبِمَنْ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ ، وَيَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ . وَأَهْلُ الضَّلَالِ وَالْفِسْقِ بِخِلَافِ هَذِهِ الصِّفَةِ ، فَلَا يَلْزَمُنَا اتِّبَاعُهُمْ ، وَمَتَى أَجْمَعَتْ فِرَقُ الْأُمَّةِ كُلِّهَا عَلَى أَمْرٍ ، عَلِمْنَا : أَنَّ الْمَأْمُورَ بِاتِّبَاعِهِ مِنْهُمْ الْمُؤْمِنِينَ ، وَمَنْ أَنَابَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ، دُونَ ( أَهْلِ ) الضَّلَالِ وَالْفَاسِقِينَ . فَدَلَّ ذَلِكَ : عَلَى أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِخِلَافِهِمْ ، إذْ كَانُوا لَوْ وَافَقُوهُمْ لَمْ يَكُونُوا مُتَّبَعِينَ وَلَا مُقْتَدًى بِهِمْ . وَلَا كَانَ قَوْلُهُمْ حُجَّةً عَلَى أَحَدٍ ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ : أَنَّ انْعِقَادَ الْإِجْمَاعِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِ الْجَمَاعَةِ الَّتِي قَدْ شَمِلَهَا الْوَصْفُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِالْعَدَالَةِ ، وَلُزُومِ قَبُولِ الشَّهَادَةِ ، وَلِأَجْلِ مَا قَدْ بَيَّنَّا مِنْ الْأَصْلِ . لَمْ يُعْتَدَّ بِخِلَافِ الْخَوَارِجِ ، وَسَائِرِ فِرَقِ الضَّلَالَةِ ، لِمَا قَدْ ثَبَتَ مِنْ ضَلَالِهِمْ ، وَأَنَّهُمْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونُوا شُهَدَاءَ لِلَّهِ تَعَالَى   
             وَمِمَّا يُوجِبُ أَيْضًا أَنْ لَا يُعْتَدَّ بِقَوْلِ هَؤُلَاءِ فِي الْإِجْمَاعِ : أَنَّ عِلْمَ الشَّرِيعَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى السَّمْعِ . وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ الْأُصُولَ السَّمْعِيَّةَ لَمْ يَصِلْ إلَى عِلْمِ فُرُوعِهَا . وَالْخَوَارِجُ وَمَنْ جَرَى مَجْرَاهُمْ قَدْ أَكْفَرَتْ السَّلَفَ الَّذِينَ نَقَلُوا الدِّينَ ، وَلَمْ يَقْبَلُوا  أَخْبَارَهُمْ وَنَقْلَهُمْ لَهَا ، وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ عُدِمَ الْعِلْمَ بِهَا ، فَصَارُوا بِمَنْزِلَةِ الْعَامِّيِّ الَّذِي لَا يُعْتَدُّ بِهِ فِي الْإِجْمَاعِ ، وَلَا الِاخْتِلَافِ ، لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِأُصُولِ الشَّرْعِ الَّتِي عَلَيْهَا مَبْنَى فُرُوعِهِ .
      فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : إنْ كُنْت لَا تَعْتَدُّ بِمَنْ ثَبَتَ ضَلَالُهُ بِالْإِجْمَاعِ ، وَلَا تَعُدُّ خِلَافَهُ خِلَافًا لِأَجْلِ مَا ثَبَتَ مِنْ ضَلَالِهِ وَفِسْقِهِ ، فَاَلَّذِي يَلْزَمُك عَلَى هَذَا الْأَصْلِ : أَنْ لَا تَعْتَدَّ بِخِلَافِ ( مَنْ ثَبَتَ ) فِسْقُهُ مِنْ جِهَةِ الْأَفْعَالِ ، وَإِنْ كَانَ صَحِيحَ الِاعْتِقَادِ ، لِأَنَّ الْفَاسِقَ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ فِسْقُهُ لَا يَكُونُ مِنْ شُهَدَاءِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلَا مِمَّنْ حُكِمَ لَهُ بِالْعَدَالَةِ ، وَأَنَابَ إلَيْهِ .
      قِيلَ لَهُ : كَذَلِكَ نَقُولُ : إنَّ مَنْ ثَبَتَ فِسْقُهُ لَمْ يُعْتَدَّ بِخِلَافِهِ ، وَلَا يُعْتَبَرُ إجْمَاعُهُ ، وَكَيْفَ يُعْتَدُّ بِهِ فِي الْإِجْمَاعِ وَالِاخْتِلَافِ ، وَهُوَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَلَا فُتْيَاهُ .
        فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَهَلْ تُجَوِّزُونَ عَلَى هَذِهِ الْجَمَاعَةِ الَّتِي انْعَقَدَ بِهَا الْإِجْمَاعُ : الِانْتِقَالَ عَنْ حَالِ الْعَدَالَةِ إلَى غَيْرِهَا مِنْ الضَّلَالِ وَالْكُفْرِ ؟
         قِيلَ لَهُ : مِنْ النَّاسِ مَنْ لَا يُجِيزُ ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ أَنَّهُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ تَعَالَى فِي لُزُومِ قَوْلِهِمْ امْتَنَعَ خُرُوجُهُمْ عَنْ هَذِهِ الْحَالِ إلَى غَيْرِهَا ، لِأَنَّهُ يُوجِبُ بُطْلَانَ حُجَّةِ اللَّهِ تَعَالَى . أَلَا تَرَى أَنَّ قَوْلَ الْأَنْبِيَاءِ عليهم السلام ، لَمَّا كَانَ حُجَّةً عَلَى أُمَّتِهِمْ ، لَمْ يَجُزْ عَلَيْهِمْ التَّبْدِيلُ وَالتَّغْيِيرُ وَالِانْتِقَالُ عَنْ الْحَالِ الَّتِي هُمْ عَلَيْهَا ؟ 
      وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجِيزُ ذَلِكَ عَلَى هَذِهِ الْجَمَاعَةِ ، إذَا قَامَ غَيْرُهُمْ بَدَلًا مِنْهُمْ ، لِئَلَّا تَخْلُوَ الْأُمَّةُ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِيهَا قَوْمٌ مُتَمَسِّكُونَ بِالْإِيمَانِ ، قَائِمُونَ بِحُجَّةِ اللَّهِ تَعَالَى ، الَّتِي هِيَ الْإِجْمَاعُ ، وَجَعَلُوا انْتِقَالَهُمْ عَنْ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَوْتِهِمْ . 
          قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَأَيُّ الْقَوْلَيْنِ صَحَّ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يُخِلُّ بِحُجَّةِ الْإِجْمَاعِ ، لِأَنَّ الْأُمَّةَ لَا تَخْلُو فِي الْحَالَيْنِ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِيهَا شُهَدَاءُ اللَّهِ تَعَالَى ، وَمِنْ أَنْ يَكُونَ إجْمَاعُهُمْ حُجَّةً . 
        قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَلَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِ مَنْ لَا يَعْرِفُ أُصُولَ الشَّرِيعَةِ ، وَلَمْ يَرْتَضِ بِطُرُقِ الْمَقَايِيسِ وَوُجُوهِ اجْتِهَادِ الرَّأْيِ : كَدَاوُد الْأَصْبَهَانِيِّ وَالْكَرَابِيسِيِّ ، وَأَضْرَابِهِمَا مِنْ السُّخَفَاءِ ( الْجُهَّالِ ) ، لِأَنَّ هَؤُلَاءِ إنَّمَا كَتَبُوا شَيْئًا مِنْ الْحَدِيثِ ، وَلَا مَعْرِفَةَ لَهُمْ بِوُجُوهِ النَّظَرِ ، وَرَدِّ الْفُرُوعِ وَالْحَوَادِثِ إلَى الْأُصُولِ ، فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْعَامِّيِّ الَّذِي لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ ، لِجَهْلِهِ بِبِنَاءِ الْحَوَادِثِ عَلَى أُصُولِهَا مِنْ النُّصُوصِ ، وَقَدْ كَانَ دَاوُد يَنْفِي حُجَجَ الْعُقُولِ ، وَمَشْهُورٌ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : ( بُلْ عَلَى الْعُقُولِ ) ، وَكَانَ يَقُولُ : لَيْسَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِنَا دَلَائِلُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى تَوْحِيدِهِ ، وَزَعَمَ أَنَّهُ إنَّمَا عَرَفَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بِالْخَبَرِ ، وَلَمْ يَدْرِ الْجَاهِلُ أَنَّ الطَّرِيقَ إلَى مَعْرِفَةِ صِحَّةِ خَبَرِ النَّبِيِّ عليه السلام ، وَالْفَرْقِ بَيْنَ خَبَرِهِ وَخَبَرِ مُسَيْلِمَةَ وَسَائِرِ الْمُتَنَبِّئِينَ وَالْعِلْمِ بِكَذِبِهِمْ إنَّمَا هُوَ الْعَقْلُ ، وَالنَّظَرُ فِي الْمُعْجِزَاتِ ، وَالْأَعْلَامِ وَالدَّلَائِلِ ، الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا إلَّا اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ أَنْ يَعْرِفَ النَّبِيَّ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، فَمَنْ كَانَ هَذَا مِقْدَارَ عَقْلِهِ وَمَبْلَغَ عِلْمِهِ كَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُعَدَّ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ؟ وَمِمَّنْ يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ ؟ وَهُوَ مُعْتَرِفٌ مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ اللَّهَ تَعَالَى ، لِأَنَّ قَوْلَهُ : إنِّي مَا أَعْرِفُ اللَّهَ تَعَالَى مِنْ جِهَةِ الدَّلَائِلِ اعْتِرَافٌ مِنْهُ بِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُهُ ، فَهُوَ أَجْهَلُ مِنْ الْعَامِّيِّ ، وَأَسْقَطَ مِنْ الْبَهِيمَةِ ، فَمِثْلُهُ لَا يُعَدُّ خِلَافًا عَلَى أَهْلِ عَصْرِهِ إذَا قَالُوا قَوْلًا يُخَالِفُهُمْ ، فَكَيْفَ يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ عَلَى مَنْ تَقَدَّمَهُ .
            وَنَقُولُ أَيْضًا : فِي كُلِّ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ أُصُولَ السَّمْعِ وَطُرُقَ الِاجْتِهَادِ ( وَ ) الْمَقَايِيسِ  الْفِقْهِيَّةِ : إنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ ، وَإِنْ كَانَ ذَا حَظٍّ مِنْ الْمَعْرِفَةِ بِالْعُلُومِ الْعَقْلِيَّةِ ، ( وَكَذَلِكَ كَانَ يَقُولُ أَبُو الْحَسَنِ ، لِأَنَّ عِلْمَ الْأُصُولِ الْعَقْلِيَّةِ ) لَا يُكْتَفَى بِهِ فِي مَعْرِفَةِ الْأُصُولِ السَّمْعِيَّةِ ، فَمَنْ كَانَ بِالْمَنْزِلَةِ الَّتِي وَصَفْنَا مِنْ فَقْدِ الْعِلْمِ بِأُصُولِ السَّمْعِ لَمْ يُعْتَدَّ بِخِلَافِهِ ، وَإِنْ كَانَ ذَا حَظٍّ فِي عُلُومٍ أُخَرَ ، لِأَنَّهُ يَكُونُ فِي هَذَا الْحَالِ بِمَنْزِلَةِ الْعَامِّيِّ الَّذِي لَا يَعْرِفُ الْأُصُولَ وَرَدَّ الْفُرُوعِ إلَيْهَا ، فَلَا يَكُونُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ خِلَافًا .
           وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي مِقْدَارِ مَنْ يُعْتَبَرُ إجْمَاعُهُ ، فَقَالَ قَائِلُونَ : الِاعْتِبَارُ فِي ذَلِكَ بِإِجْمَاعِ جَمَاعَةٍ يَمْتَنِعُ فِي الْعَادَةِ أَنْ يُخْبِرُوا عَنْ اعْتِقَادِهِمْ ، وَلَا يَكُونُ خَبَرُهُمْ فِيمَا يُخْبِرُونَ مُشْتَمِلًا عَلَى صِدْقٍ . فَإِذَا اجْتَمَعَتْ جَمَاعَةٌ هَذِهِ صِفَتُهَا عَلَى قَوْلٍ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي بَيَّنَّا : أَنَّ الْإِجْمَاعَ يَثْبُتُ بِهِ ، ثُمَّ خَالَفَ عَلَيْهَا الْعَدَدُ الْقَلِيلُ الَّذِي يَجُوزُ عَلَى مِثْلِهِمْ أَنْ يُظْهِرُوا خِلَافَ مَا يَعْتَقِدُونَ ، وَلَا نَعْلَمُ يَقِينًا : أَنَّ خَبَرَهُمْ فِيمَا يُظْهِرُونَهُ مِنْ اعْتِقَادِهِمْ مُشْتَمِلٌ عَلَى صِدْقٍ ، لَمْ يُعْتَدَّ بِخِلَافِ هَؤُلَاءِ عَلَيْهِمْ ، إذَا أَظْهَرَتْ الْجَمَاعَةُ إنْكَارَ قَوْلِهِمْ ، وَلَمْ يُسَوِّغُوا لَهُمْ خِلَافًا ، وَإِنْ سَوَّغَتْ الْجَمَاعَةُ لِلنَّفَرِ الْيَسِيرِ خِلَافَهَا وَلَمْ يُنْكِرُوهُ ، لَمْ يَكُنْ مَا قَالَتْ بِهِ الْجَمَاعَةُ إجْمَاعًا ، وَإِنْ خَالَفَتْ هَذِهِ الْجَمَاعَةَ جَمَاعَةٌ مِثْلُهَا لَا يَجُوزُ عَلَيْهَا فِي مَجْرَى الْعَادَةِ أَنْ يَظْهَرَ لَنَا وَصْفُ اعْتِقَادِهَا إلَّا وَهِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى صِدْقٍ فِيمَا أَخْبَرَتْ بِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَقْطَعْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ فِي عَيْنِهِ : أَنَّهُ صَادِقٌ فِي قَوْلِهِ عَلَى حَسَبِ مَا تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ فِي الْأَخْبَارِ ، إنَّ مِثْلَ جَمَاعَاتٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إذَا أَخْبَرَتْ عَنْ اعْتِقَادِهَا لِلْإِسْلَامِ عَلِمْنَا يَقِينًا أَنَّ فِيهَا مُسْلِمِينَ . كَمَا أَنَّ الْيَهُودَ وَالرُّومَ إذَا أَخْبَرُوا عَنْ اعْتِقَادِهِمْ لِلْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ ، عَلِمْنَا يَقِينًا أَنَّ فِيهِمْ مَنْ يَعْتَقِدُهَا . فَاخْتَلَفَتْ الْجَمَاعَتَانِ اللَّتَانِ وَصْفُهُمَا مَا ذَكَرْنَا فِي حُكْمِ حَادِثَةٍ ، وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ مَا قَالُوا ، أَوْ لَمْ يُنْكِرْهُ ، لَمْ يَنْعَقِدْ بِقَوْلِ إحْدَى الْجَمَاعَتَيْنِ إجْمَاعٌ ، إذَا لَمْ يَكُنْ يَثْبُتُ ضَلَالُ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ عِنْدَنَا ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ .
         وَقَالَ آخَرُونَ : إذَا خَالَفَ عَلَى الْجَمَاعَةِ الَّتِي وَصَفْتُمْ حَالَهَا الْعَدَدُ الْيَسِيرُ وَإِنْ كَانَ  وَاحِدًا ، كَانَ خِلَافُهُ عَلَيْهَا خِلَافًا صَحِيحًا ، وَلَمْ يَثْبُتْ مَعَ خِلَافِهِ إجْمَاعٌ ، وَكَانَ أَبُو الْحَسَنِ يَذْهَبُ إلَى هَذَا الْقَوْلِ ، وَلَمْ أَسْمَعْهُ يَحْكِي عَنْ أَصْحَابِنَا فِي ذَلِكَ شَيْئًا .  
         قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ عَلَى صِحَّتِهِ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : { فَمَنْ سَرَّهُ بُحْبُوحَةُ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمْ الْجَمَاعَةَ ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ ، وَهُوَ مِنْ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ } فَقَدْ تَضَمَّنَ هَذَا الْقَوْلُ الْأَمْرَ بِلُزُومِ الْجَمَاعَةِ دُونَ الْوَاحِدِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مُرَادَهُ : إذَا قَالَتْ الْجَمَاعَةُ شَيْئًا وَقَالَ الْوَاحِدُ خِلَافَهُ . وَلَوْلَا أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ - لَمَا كَانَ لِذِكْرِهِ الْوَاحِدَ مُنْفَرِدًا عَنْ الْجَمَاعَةِ مَعْنًى ، فَلَوْ وَجَبَ أَنْ يُعْتَدَّ بِخِلَافِ مِثْلِهِ فِيمَا لَمْ تُسَوِّغْ الْجَمَاعَةُ فِيهِ خِلَافَهَا ، لَمَا انْعَقَدَ إجْمَاعٌ أَبَدًا عَلَى شَيْءٍ ، لِأَنَّ الْقَوْلَ إذَا انْتَشَرَ وَظَهَرَ فِي أَهْلِ الْعَصْرِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ ظَهَرَ مِنْ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ ، فَإِنَّا نُجَوِّزُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ وَاحِدٌ أَوْ اثْنَانِ لَمْ تَبْلُغْهُمْ هَذِهِ الْمَقَالَةُ ، أَوْ بَلَغَتْهُمْ فَلَمْ يُظْهِرُوا الْخِلَافَ ، لِأَنَّ مِثْلَهُ جَائِزٌ مِنْ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْعَدَدِ الْيَسِيرِ ، وَلَا يَجُوزُ مِنْ الْجَمَاعَاتِ الْمُخْتَلِفِي الْهِمَمِ وَالْأَسْبَابِ . فَإِذَا كَانَ تَجْوِيزُ ذَلِكَ لَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ الْإِجْمَاعِ ، فَإِنَّ إظْهَارَهُمْ لِهَذَا الْخِلَافِ غَيْرُ قَادِحٍ فِي الْإِجْمَاعِ ، لِأَنَّ إجْمَاعَ الْجَمَاعَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا حَالَهَا لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً عَلَى ذَلِكَ الْإِنْسَانِ الَّذِي أَسَرَّ الْخِلَافَ وَلَمْ يُظْهِرْ ، أَوْ لَا يَكُونُ حُجَّةً ، فَإِنْ كَانَ حُجَّةً لَهُ فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِ أَيْضًا ، وَإِنْ أَظْهَرَ الْخِلَافَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً عَلَيْهِ لَمْ يَثْبُتْ إجْمَاعٌ أَصْلًا ، لِتَعَذُّرِ الْوُصُولِ إلَى الْعِلْمِ : بِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعَصْرِ قَدْ وَافَقَ الْجَمَاعَةَ عَلَى ذَلِكَ الْقَوْلِ .
           وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى : أَنَّ هَذَا لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَضِلَّ الْقَائِلُ بِهِ ، أَوْ يَكُونَ مُخْطِئًا فِيهِ ، فَغَيْرُ جَائِزٍ إذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا : أَنْ يَكُونَ الْجَمَاعَةُ فِي حَيِّزِ الضَّلَالِ أَوْ الْخَطَأِ ، وَالْوَاحِدُ فِي حَيِّزِ الصَّوَابِ ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ ذَلِكَ الْوَاحِدُ الْمُنْفَرِدُ بِنَفْسِهِ حُجَّةً ، لِوُقُوعِ الصَّوَابِ فِي خَبَرِهِ دُونَ الْجَمَاعَةِ . فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ الْقَطْعُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ ( بِأَنَّهُ ) مِمَّنْ لَا يَجُوزُ وُقُوعُ الْخَطَأِ مِنْهُ ، عَلِمْنَا : أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ فِي قَوْلِ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ دُونَ الْجَمَاعَةِ . وَلَوْ جَازَ هَذَا لَجَازَ أَنْ تَرْتَدَّ الْجَمَاعَةُ وَيَبْقَى الْوَاحِدُ عَلَى الْإِيمَانِ . وَلَوْ جَازَ وُقُوعُ هَذَا بَطَلَتْ الشَّرِيعَةُ لِعَدَمِ  مَنْ تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ فِي نَقْلِهَا . وَلَكَانَ ذَلِكَ الْوَاحِدُ الْبَاقِي مَحْكُومًا لَهُ بِاسْتِوَاءِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ . وَلَوَجَبَ الْقَطْعُ عَلَى عَيْنِهِ بِأَنَّهُ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى النَّاسِ فِي الْإِجْمَاعِ . وَهَذَا قَوْلٌ فَاحِشٌ لَا يَرْتَكِبُهُ ذُو بَصِيرَةٍ .
           وَأَيْضًا : فَإِنَّ النَّفَرَ الْيَسِيرَ يَجُوزُ ( أَنْ يَكُونَ ) بَاطِنُهُمْ خِلَافَ ظَاهِرِهِمْ ، وَأَنْ ( لَا ) يَكُونُوا مُعْتَقِدِينَ لِلْإِيمَانِ فِي الْحَقِيقَةِ . وَجَائِزٌ أَيْضًا : أَنْ لَا يَعْتَقِدُوا صِحَّةَ مَا يُظْهِرُونَهُ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ الَّتِي يُخَالِفُونَ بِهَا عَلَى الْجَمَاعَةِ ، وَمَنْ جَازَ ذَلِكَ عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ الْقَطْعُ عَلَى عَيْنِهِ : بِأَنَّهُ لَا يَقُولُ إلَّا الْحَقَّ ، وَأَمَّا الْجَمَاعَةُ فَإِنَّا نَعْلَمُ يَقِينًا : أَنَّهَا قَدْ اشْتَمَلَتْ عَلَى صِدْقٍ فِيمَا أَخْبَرَتْ : أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ بَاطِنُهُ كَظَاهِرِهِ فِي صِحَّةِ اعْتِقَادِهِ ، وَكَمَا تَعْلَمُ يَقِينًا : أَنَّ فِي الْأُمَّةِ مَنْ هُوَ كَذَلِكَ ، وَإِنْ لَمْ يُقْطَعْ بِهِ فِي وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ . وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إلَيَّ } وَقَالَ تَعَالَى : { وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ } فَوَجَبَ اتِّبَاعُ مَنْ عُلِمَ الْحَقُّ فِي حَيِّزِهِ وَنَاحِيَتِهِ ، دُونَ مَنْ يَجُوزُ عَلَيْهِ الْخَطَأُ وَالضَّلَالُ مِنْهُمْ .
            قَالَ أَبُو بَكْرٍ : فَهَذَا الْقَوْلُ أَظْهَرُ وَأَوْضَحُ دَلَالَةً مِمَّا حَكَيْنَاهُ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ : فِي إثْبَاتِ خِلَافِ الْوَاحِدِ عَلَى الْجَمَاعَةِ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ : { أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ } وَهَذَا يُوجِبُ جَوَازَ الِاقْتِدَاءِ بِالْوَاحِدِ مِنْهُمْ ، وَإِنْ خَالَفَتْهُ الْجَمَاعَةُ .
     قِيلَ لَهُ : لَا دَلَالَةَ فِي هَذَا عَلَى مَا ذَكَرْت ، لِاتِّفَاقِ الْجَمِيعِ : عَلَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ إذَا اخْتَلَفَتْ ، لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِمْ تَقْلِيدُ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ بِلَا نَظَرٍ وَلَا اسْتِدْلَالٍ ، فَصَارَ شَرْطُ مُسَاعَدَةِ الدَّلِيلِ لِقَوْلِهِ مُضْمِرًا فِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، وَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى مَا يُوجِبُهُ الدَّلِيلُ ، وَقَدْ أَقَمْنَا الدَّلَالَةَ : عَلَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ إذَا قَالَتْ قَوْلًا وَانْفَرَدَ عَنْهَا الْوَاحِدُ وَالنَّفَرُ  الْيَسِيرُ : أَنَّهُمْ شُذُوذٌ ، لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِمْ ، وَإِنَّمَا فَائِدَةُ قَوْلِهِ ﷺ { أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ } أَنَّ الْحَقَّ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمْ ، وَأَنَّهُ سَائِغٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ اسْتِعْمَالُ الرَّأْيِ فِي اتِّبَاعِ أَحَدِهِمْ ، عَلَى حَسَبِ مَا يَقُودُهُ إلَيْهِ الدَّلِيلُ ، وَأَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ لَهُ الْخُرُوجُ عَنْ أَقَاوِيلِهِمْ جَمِيعًا .
            وَأَيْضًا : فَإِنَّ قَوْلَهُ : ( فَلْيَلْزَمْ الْجَمَاعَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ ) يَنْفِي جَوَازَ اتِّبَاعِ الْوَاحِدِ وَتَرْكَ الْجَمَاعَةِ ، فَوَجَبَ : أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ( بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ ) مَحْمُولًا عَلَى الْحَالِ الَّتِي لَا يَكُونُ هُنَاكَ جَمَاعَةٌ يَلْزَمُ اتِّبَاعُهَا ، وَفِي الِاخْتِلَافِ الَّذِي يَسُوغُ لِكُلِّ وَاحِدٍ الْقَوْلُ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ ، وَلَوْلَا أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، لَكَانَ مَنْ اقْتَدَى بِوَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مُصِيبًا بِاقْتِدَائِهِ فِي كُلِّ حَالٍ ، وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ الصَّحَابَةَ قَدْ اخْتَلَفَتْ فِي أُمُورٍ ، تَحَزَّبُوا فِيهَا ، وَتَبَرَّأَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ، وَخَرَجُوا إلَى الْقِتَالِ وَسَفْكِ الدِّمَاءِ ، وَلَمْ يُسَوِّغُوا الْخِلَافَ فِيهِ . فَدَلَّ : عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ : { بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ } فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِمَّا يُسَوَّغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ ، فَيَجْتَهِدُ النَّاظِرُ فِي طَلَبِ الْحَقِّ مِنْ أَقَاوِيلِهِمْ ، غَيْرَ خَارِجٍ عَنْهَا ، وَلَا مُبْتَدِعٍ مَقَالَةً لَمْ يَقُولُوا بِهَا . وَنَظِيرُ مَا قَدَّمْنَا مِنْ خِلَافِ الْوَاحِدِ فِيمَا لَمْ يُسَوِّغْ الْجَمَاعَةُ خِلَافَهُ عَلَيْهَا : فَنَحْوُ مَذْهَبِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، كَانَ فِي الصَّرْفِ يُجِيزُ بَيْعَ الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ ، وَأَنْكَرَتْ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ هَذَا الْقَوْلَ ، فَرَجَعَ عَنْهُ . وَكَقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي مُتْعَةِ النِّسَاءِ ، وَإِنْكَارِ الصَّحَابَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ .
            وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : لَوْ أَنَّ قَاضِيًا ( قَضَى ) بِجَوَازِ بَيْعِ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ ، أَبْطَلْت قَضَاءَهُ ، لِأَنَّ جَمَاعَةَ الصَّحَابَةِ سِوَى ابْنِ عَبَّاسٍ : قَدْ أَجْمَعَتْ عَلَى بُطْلَانِهِ . قَالَ : وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ قَاضِيًا جَعَلَ ذَوِي الْأَرْحَامِ أَوْلَى مِنْ مَوْلَى الْعَتَاقَةِ ، أَبْطَلْت قَضَاءَهُ ، لِأَنَّ الصَّحَابَةَ سِوَى ابْنِ مَسْعُودٍ ، قَدْ أَجْمَعَتْ : عَلَى أَنَّ مَوْلَى الْعَتَاقَةِ أَوْلَى مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ .
            وَرُوِيَ أَيْضًا  فِيهِ حَدِيثٌ { فِي قِصَّةِ مَوْلَى ابْنَةِ حَمْزَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ جَعَلَ نِصْفَ مِيرَاثِهِ لِبِنْتِهِ ، وَنِصْفَ مِيرَاثِهِ لِابْنَةِ حَمْزَةَ } .
           قَالَ أَبُو بَكْرٍ : فَهَذِهِ مِنْ الْأَقَاوِيلِ الَّتِي أَنْكَرَتْ الْجَمَاعَةُ فِيهِ عَلَى الْوَاحِدِ ، وَلَمْ يُسَوِّغُوا لَهُ خِلَافَهُمْ فِيهِ .
   فَأَمَّا مَا سَوَّغُوا فِيهِ خِلَافَ الْوَاحِدِ إيَّاهُمْ ، وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهُمْ نَكِيرٌ عَلَيْهِ :
    فَنَحْوُ مَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ : فِي مَنْعِ الْعَوْلِ فِي زَوْجٍ وَأَبَوَيْنِ ، وَامْرَأَةٍ وَأَبَوَيْنِ ، وَفِي قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ : فِي أَنَّهُ لَا يُزَادُ بَنَاتُ الِابْنِ عَلَى تَكْمِلَةِ الثُّلُثَيْنِ مَعَ بِنْتِ الصُّلْبِ ، وَأَنَّهُ لَا يُفَضِّلُ أُمًّا عَلَى جَدٍّ ، فَأَظْهَرُوا خِلَافَ الْجَمَاعَةِ ( بِحَضْرَتِهَا ) ، وَلَمْ تُنْكِرْهُ الْجَمَاعَةُ عَلَيْهِمْ ، وَسَوَّغُوا لَهُمْ الِاجْتِهَادَ فِيهِ ، فَصَارَ ذَلِكَ إجْمَاعًا مِنْ الْجَمِيعِ عَلَى جَوَازِ الْخِلَافِ ، وَتَسْوِيغِ الِاجْتِهَادِ فِي تَرْكِ قَوْلِ الْجَمَاعَةِ . فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قُلْنَا : إنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ فِيمَا كَانَ هَذَا سَبِيلَهُ .
            قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَسَمِعْت بَعْضَ شُيُوخِنَا يَحْكِي عَنْ أَبِي حَازِمٍ الْقَاضِي - وَكَانَ هَذَا الشَّيْخُ مِمَّنْ جَالَسَهُ وَأَخَذَ عَنْهُ - فَذَكَرَا أَنَّ أَبَا حَازِمٍ كَانَ يَقُولُ : إنَّ الْخُلَفَاءَ الْأَرْبَعَةَ مِنْ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم إذَا اجْتَمَعَتْ عَلَى شَيْءٍ كَانَ اجْتِمَاعُهَا حُجَّةً ، لَا يَتَّسِعُ خِلَافُهَا فِيهِ ، وَيَحْتَجُّ فِيهِ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي { عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي ، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي ، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ } وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَذْهَبِ : لَمْ يُعْتَدَّ بِزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ خِلَافًا فِي تَوْرِيثِ ذَوِي  الْأَرْحَامِ ، وَحَكَمَ بِرَدِّ أَمْوَالٍ قَدْ كَانَتْ حَصَلَتْ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُعْتَضِدِ بِاَللَّهِ : عَلَى أَنَّ بَيْتَ الْمَالِ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ . فَرَدَّهَا إلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ ، وَقَبِلَ الْمُعْتَضِدُ فُتْيَاهُ وَأَنْفَذَ قَضَاءَهُ بِذَلِكَ ، وَكَتَبَ بِهِ إلَى الْآفَاقِ . وَبَلَغَنِي : أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْبَرْدَعِيِّ كَانَ أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، وَقَالَ هَذَا فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ . فَقَالَ أَبُو حَازِمٍ : لَا أَعُدُّ زَيْدًا خِلَافًا عَلَى الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ ، وَإِذَا لَمْ أَعُدَّهُ خِلَافًا فَقَدْ حَكَمْت بِرَدِّ الْمَالِ إلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ . فَقَدْ نَفَذَ قَضَايَ بِهِ ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَعَقَّبَهُ بِالْفَسْخِ .
   فَصْلٌ مِنْ هَذَا الْبَابِ :
           وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ . فَقَالَ قَائِلُونَ : إذَا ظَهَرَ الْقَوْلُ مِنْ جَمَاعَةٍ كَبِيرَةٍ ، أَوْ مِنْ وَاحِدٍ أَوْ اثْنَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْعَصْرِ وَانْتَشَرَ وَاسْتَفَاضَ فِي عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خِلَافٌ لِلْقَائِلِ بِهِ - فَهُوَ إجْمَاعٌ صَحِيحٌ . وَقَالَ آخَرُونَ : لَا يَكُونُ هَذَا إجْمَاعًا حَتَّى يَكُونَ الْقَائِلُونَ بِهِ الْجُمْهُورَ الْأَعْظَمَ ، وَيَكُونُ الَّذِي لَمْ يَظْهَرْ خِلَافُهُ عَدَدٌ قَلِيلٌ ، فَأَمَّا إذَا كَانَ الْقَائِلُونَ نَفَرًا يَسِيرًا ، وَالسَّاكِتُونَ الْجَمْعَ الْكَثِيرَ ، فَلَيْسَ يَنْعَقِدُ بِهَذَا إجْمَاعٌ ، وَإِنْ تَرَكَتْ الْجَمَاعَةُ إظْهَارَ الْخِلَافِ .
           قَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَمَّا إذَا كَانَ الْقَائِلُونَ بِهِ الْجَمْعَ الْكَثِيرَ وَالسَّاكِتُونَ نَفَرًا يَسِيرًا : هَذَا إجْمَاعٌ صَحِيحٌ إذَا لَمْ يُظْهِرُوا مُخَالَفَةَ الْجَمَاعَةِ بَعْدَ انْتِشَارِ الْمَقَالَةِ وَظُهُورِهَا . وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّتِهِ : مَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ صِحَّتُهُ مَوْقُوفَةً عَلَى مَعْرِفَةِ قَوْلِ كُلِّ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْعَصْرِ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ فِي هَذَا الْبَابِ ، أَوْ أَنْ يَكُونَ شَرْطُهُ ظُهُورَ قَوْلِ الْجَمَاعَةِ الْقَائِلَةِ بِهِ ، وَانْتِشَارَهُ فِي الْبَاقِينَ مِنْ غَيْرِ إظْهَارٍ مِنْهُمْ عَلَيْهِمْ خِلَافًا ، وَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ شَرْطُ الْإِجْمَاعِ وُجُودَ الْقَوْلِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعَصْرِ بِعَيْنِهِ ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُوصَلُ إلَيْهِ ، وَفِي وُجُوبِ اعْتِبَارِهِ بُطْلَانُ حُجَّةِ الْإِجْمَاعِ الَّذِي قَدْ حَكَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِصِحَّتِهِ ، وَلُزُومِ حُجَّتِهِ ، وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَحْكُمَ اللَّه تَعَالَى بِصِحَّةِ الْإِجْمَاعِ وَيَأْمُرَنَا بِلُزُومِهِ ( وَاعْتِبَارِهِ ) ثُمَّ لَا يُوصَلُ إلَيْهِ ، وَلَا يُوقَفُ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ . فَلَمَّا بَطَلَ هَذَا الْوَجْهُ صَحَّ الثَّانِي ، وَهُوَ : أَنَّ شَرْطَهُ ظُهُورُ الْقَوْلِ فِي الْجَمَاعَةِ الَّتِي يُعْتَدُّ بِإِجْمَاعِهِمْ . ثُمَّ لَا يَظْهَرُ مِنْهُمْ خِلَافٌ عَلَى الْقَائِلِينَ ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْقَائِلُ وَاحِدًا أَوْ اثْنَيْنِ وَنَفَرًا يَسِيرًا ، وَانْتَشَرَ قَوْلُهُمْ فِي الْجَمَاعَةِ ، لِأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا مُعْتَقِدِينَ لِخِلَافِهِمْ لَمَا جَازَ أَنْ تَتَّفِقَ هِمَمُهُمْ عَلَى كِتْمَانِهِ وَتَرْكِ إظْهَارِهِ ، إذْ لَيْسَ هُنَاكَ مَانِعٌ يَمْنَعُهُمْ مِنْ إظْهَارِ قَوْلِهِمْ وَمَعْلُومٌ : أَنَّ عَادَاتِ النَّاسِ وَتَعَارُفَهُمْ ، أَنَّ مِثْلَهُمْ لَا يَجُوزُ أَنْ تَتَّفِقَ هِمَمُهُمْ وَخَوَاطِرُهُمْ عَلَى كِتْمَانِ خِلَافٍ هُمْ مُعْتَقِدُونَ لَهُ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ يَمْنَعُهُمْ مِنْ إظْهَارِهِ . فَهَذَا يَدُلُّ : عَلَى أَنَّ سُكُوتَهُمْ بَعْدَ انْتِشَارِ الْمَقَالَةِ وَظُهُورِهَا فِيهِمْ مُوَافَقَةٌ مِنْهُمْ لِلْقَائِلِينَ .

بَابُ الْقَوْلِ فِي وَقْتِ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ

  	 اخْتَلَفَ ( الْعُلَمَاءُ ) فِي وَقْتِ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ .
فَقَالَ قَائِلُونَ : إذَا أَجْمَعَ أَهْلُ عَصْرٍ عَلَى قَوْلٍ لَمْ يَثْبُتْ إجْمَاعٌ مَا دَامُوا بَاقِينَ ، حَتَّى يَنْقَرِضَ أَهْلُ الْعَصْرِ ، مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ يَظْهَرُ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : إذَا أَجْمَعُوا عَلَى شَيْءٍ فَقَدْ صَحَّ الْإِجْمَاعُ وَثَبَتَتْ حُجَّتُهُ ، وَلَا يَجُوزُ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعَصْرِ وَلَا مِنْ أَهْلِ عَصْرٍ ثَانٍ مُخَالَفَتُهُمْ . انْقَرَضَ أَهْلُ الْعَصْرِ ، أَوْ لَمْ يَنْقَرِضُوا .
         قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا ، وَكَذَا كَانَ يَقُولُ أَبُو الْحَسَنِ مِنْ قِبَلُ : إنَّ الْآيَاتِ الْمُوجِبَةَ لِحُجَّةِ الْإِجْمَاعِ قَدْ أَوْجَبَتْ الْحُكْمَ بِصِحَّةِ إجْمَاعِهِمْ ، مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصِ وَقْتٍ مِنْ وَقْتٍ ، وَلَا حَالٍ مِنْ حَالٍ . فَثَبَتَ حُجَّةُ إجْمَاعِهِمْ فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ ، بِمُقْتَضَى الْآيِ الدَّالَّةِ عَلَى حُجَّةِ الْإِجْمَاعِ ، وَلَوْ لَمْ يَنْعَقِدْ الْإِجْمَاعُ قَبْلَ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ - لَوَجَبَ أَنْ لَا يَنْعَقِدَ إجْمَاعٌ أَبَدًا ، لِأَنَّ الصَّدْرَ الْأَوَّلَ إذَا أَجْمَعُوا ثُمَّ لَا يُعْتَدُّ بِإِجْمَاعِهِمْ مَا دَامُوا أَحْيَاءَ فَجَائِزٌ أَنْ يُلْحَقَ بِهِمْ مِنْ التَّابِعِينَ قَبْلَ انْقِرَاضِهِمْ مَنْ يُسَوَّغُ لَهُ الْقَوْلُ مَعَهُمْ ، وَالْخِلَافُ عَلَيْهِمْ ، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي جَوَازِ الِاعْتِرَاضِ بِخِلَافِهِ ، كَمَا كَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَشُرَيْحٌ وَإِبْرَاهِيمُ  وَالْحَسَنُ ، فِي آخَرِينَ مِنْ التَّابِعِينَ يُفْتُونَ مَعَ الصَّحَابَةِ ، وَيُخَالِفُونَهُمْ ، وَيُسَوِّغُ الصَّحَابَةُ لَهُمْ ذَلِكَ ، كَمَا سَوَّغُوا خِلَافَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ ، فَكَانَ يَجِبُ عَلَى هَذَا : أَنْ لَا يَنْعَقِدَ الْإِجْمَاعُ بِانْقِرَاضِ الصَّحَابَةِ ، لِأَنَّ هُنَاكَ مِنْ التَّابِعِينَ مَنْ هُوَ فِي حُكْمِهِمْ ، وَفِي مِثْلِ حَالِهِمْ فِي جَوَازِ إعْرَاضِهِ بِالْخِلَافِ عَلَيْهِمْ فِيمَا قَالُوهُ . فَإِنْ كَانَ ( ذَلِكَ ) كَذَلِكَ ، فَوَاجِبٌ أَلَّا يَصِحَّ ( ذَلِكَ ) الْإِجْمَاعُ بِإِجْمَاعِ التَّابِعِينَ بَعْدَهُمْ مَعَهُمْ ، لِأَنَّهُمْ قَدْ يُلْحَقُ بِهِمْ مِنْ أَتْبَاعِهِمْ مَنْ يُخَالِفُ ، عَلَيْهِمْ وَيُعْتَدُّ بِهِ وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَعْصَارِ ، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى بُطْلَانِ حُجَّةِ الْإِجْمَاعِ ، فَلَمَّا ثَبَتَتْ عِنْدَنَا حُجَّةُ الْإِجْمَاعِ بِمَا قَدَّمْنَا ، عَلِمْنَا : أَنَّ إجْمَاعَ أَهْلِ كُلِّ عَصْرٍ حُجَّةٌ فِي كُلِّ حِينٍ وَزَمَانٍ ، انْقَرَضَ أَهْلُ الْعَصْرِ ، أَوْ لَمْ يَنْقَرِضُوا ، وَأَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ بَعْدَ انْعِقَادِ إجْمَاعِهِمْ : أَنْ يُعْتَدَّ بِخِلَافِ أَحَدٍ عَلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِمْ ، وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ .
              وَأَيْضًا : فَلَمَّا ثَبَتَ : أَنَّ إجْمَاعَهُمْ حُجَّةٌ وَدَلِيلٌ لِلَّهِ تَعَالَى ، فَحَيْثُمَا وُجِدَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ ثَابِتًا فِي جِهَةِ الدَّلَالَةِ ، وَوُجُوبِ الْحُجَّةِ ، لِأَنَّ حُجَجَ اللَّهِ تَعَالَى وَدَلَائِلَهُ لَا تَخْتَلِفُ أَحْكَامُهَا بِالْأَزْمَانِ وَالْأَوْقَاتِ : كَنَصِّ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، لَمَّا كَانَا حُجَّةً لِلَّهِ تَعَالَى لَمْ يَخْتَلِفْ حُكْمُهُمَا فِيمَا لَا يُوجِبَانِهِ فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ . وَأَيْضًا : فَلَوْ لَمْ يَكُنْ إجْمَاعُهُمْ صَحِيحًا قَبْلَ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ : لَمَا أَمِنَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي أَجْمَعُوا عَلَيْهِ خَطَأً وَضَلَالًا ، وَقَدْ أَمِنَّا وُقُوعَ ذَلِكَ مِنْهُمْ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ } وقوله تعالى : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } وَسَائِرِ الْآيِ الْمُوجِبَةِ لِحُجَّةِ الْإِجْمَاعِ ، وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ { يَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ }  وَقَوْلُهُ ﷺ { لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالٍ } وَسَائِرُ الْأَخْبَارِ الْمُوجِبَةِ لِصِحَّةِ الْإِجْمَاعِ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصِ وَقْتٍ عَنْ وَقْتٍ ، وَلَوْ جَازَ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى خَطَأٍ قَبْلَ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ - لَجَازَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ أَيْضًا مَعَ انْقِرَاضِهِمْ ، وَهَذَا يُؤَدِّي إلَى بُطْلَانِ حُجَّةِ الْإِجْمَاعِ .
        فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : قَدْ خَالَفَ عُمَرُ أَبَا بَكْرٍ فِي التَّسْوِيَةِ فِي الْعَطَاءِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ( أَنَّهُ قَالَ ) : ( أَجْمَعَ رَأْيِ وَرَأْيُ عُمَرَ فِي جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ : أَنْ لَا تُبَاعَ أُمَّهَاتُ الْأَوْلَادِ ، ثُمَّ رَأَيْت أَنْ أَرِقَّهُنَّ ) وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ .
قِيلَ لَهُ : أَمَّا التَّسْوِيَةُ فِي الْعَطَاءِ فَلَمْ يَقَعْ عَلَيْهَا إجْمَاعٌ قَطُّ ، لِأَنَّ عُمَرَ قَدْ خَالَفَ أَبَا بَكْرٍ ، وَقَالَ لَهُ : أَتَجْعَلُ مَنْ لَا سَابِقَةَ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ كَذِي السَّابِقَةِ ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : إنَّمَا عَمِلُوا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَأُجُورُهُمْ عَلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى . فَلَمْ يَحْصُلْ مِنْهُمْ إجْمَاعٌ عَلَى التَّسْوِيَةِ . وَأَمَّا بَيْعُ أُمِّ الْوَلَدِ : فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنْ عَلِيٍّ ( وَذَلِكَ لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ : ثُمَّ رَأَيْت : أَنْ أَرِقَّهُنَّ ) ، وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ : ( رَأَيْت أَنْ أَرِقَّهُنَّ دَلِيلٌ أَنَّهُ ) رَأَى جَوَازَ بَيْعِهِنَّ ، لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ رَقِيقًا ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا ، مِثْلُ الرَّهْنِ ، وَالْمُسْتَأْجَرَة ، وَهِيَ عِنْدَنَا رَقِيقٌ ، وَلَا نَرَى بَيْعَهَا . فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَإِنَّمَا أَفَادَ بِقَوْلِهِ : رَأَيْت أَنْ أَرِقَّهُنَّ : أَنَّ لِلْمَوْلَى وَطْأَهُنَّ بِمِلْكِ الْيَمِينِ . وَأَخْذَ أَكْسَابِهَا ، وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِ الْأَرِقَّاءِ ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ : رَأَيْت : أَنْ أَبِيعَهُنَّ ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الْمَحْفُوظُ هُوَ الْأَوَّلُ ، وَأَنَّ مَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِهِ : رَأَيْت أَنْ أَبِيعَهُنَّ : إنَّمَا هُوَ لَفْظُ الرَّاوِي ، حَمَلَهُ عَلَى الْمَعْنَى عِنْدَهُ ، لَمَّا ظَنَّ أَنَّ قَوْلَهُ ( أَنْ ) أَرِقَّهُنَّ : يُوجِبُ جَوَازَ بَيْعِهِنَّ . فَإِنْ قِيلَ : إذَا كَانَ فِي الِابْتِدَاءِ جَائِزٌ لَهُمْ خِلَافُهُمْ ، فَهَلَّا جَوَّزْت لَهُمْ الْخِلَافَ بَعْدَ مُوَافَقَتِهِمْ إيَّاهُمْ ؟ ؟  قِيلَ لَهُ : إنَّمَا يَجُوزُ خِلَافُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ مَا لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُمْ الِاتِّفَاقُ ، الَّذِي هُوَ حُجَّةٌ لِلَّهِ تَعَالَى ، كَمَا يَجُوزُ لِلتَّابِعِيِّ مُخَالَفَةُ الصَّحَابِيِّ ، مَا لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُمْ ( إجْمَاعٌ ) ، فَإِذَا حَصَلَ الْإِجْمَاعُ سَقَطَ اعْتِبَارُ الْخِلَافِ ، لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ حَصَلَ ، وَفِي أَيِّ وَقْتٍ وُجِدَ - فَهُوَ حُجَّةٌ لِلَّهِ تَعَالَى ، فَحُكْمُهُ ثَابِتٌ أَبَدًا .
       فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : لِمَ جَعَلْت قَوْلَ بَعْضِهِمْ حُجَّةً عَلَى بَعْضٍ مَعَ كَوْنِهِمْ مِنْ أَهْلِ عَصْرٍ وَاحِدٍ ؟ وَلَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ الثَّابِتُونَ عَلَى تِلْكَ الْمَقَالَةِ حُجَّةً عَلَى مَنْ خَالَفَ عَلَيْهِمْ فِيهَا - لَجَازَ أَنْ يُجْعَلَ قَوْلُ الْمُخَالِفِ حُجَّةً ( عَلَى الْآخَرِينَ .
       قِيلَ لَهُ : لَمْ نَجْعَلْ قَوْلَ بَعْضِهِمْ حُجَّةً عَلَى بَعْضٍ ، وَإِنَّمَا جَعَلْنَا قَوْلَهُ فِي الْجَمَاعَةِ حُجَّةً ) عَلَيْهِمْ جَمِيعًا ، وَ ( لَوْ ) لَمْ يَكُونُوا قَدْ وَافَقُوا الْجَمَاعَةَ بَدِيًّا ، لَمَا كَانَ قَوْلُهُمْ حُجَّةً عَلَيْهِمْ ، لِأَنَّ الْحُجَّةَ إنَّمَا ثَبَتَتْ بِاتِّفَاقِ الْجَمِيعِ .

فَصْلٌ

          وَإِذَا اخْتَلَفَتْ الْأُمَّةُ فِي مَسْأَلَةٍ عَلَى قَوْلَيْنِ ، فَقَالَ بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ طَائِفَةٌ ، وَبِالْقَوْلِ الْآخَرِ طَائِفَةٌ أُخْرَى مِثْلُهَا ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ مِمَّنْ يَجُوزُ الِاعْتِرَاضُ بِخِلَافِهَا ، وَلَا يَصِحُّ الْإِجْمَاعُ مَعَ وُجُودِ الْخِلَافِ مِنْهَا ، ثُمَّ انْقَرَضَتْ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ وَبَقِيَتْ الْأُخْرَى - فَإِنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ ذَكَرَ : أَنَّهُ إنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي شَيْءٍ جَرَوْا فِيهِ إلَى تَأْثِيمِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا ، وَلَمْ يُسَوِّغُوا اجْتِهَادَ الرَّأْيِ فِيهِ ، فَإِنَّ الطَّائِفَةَ الْبَاقِيَةَ يَكُونُ إجْمَاعُهَا حُجَّةً ، لِأَنَّا قَدْ عَلِمْنَا : أَنَّ الطَّائِفَةَ الْمُتَمَسِّكَةَ بِالْحَقِّ لَا يَخْلُو مِنْهَا زَمَانٌ ، وَهِيَ قَدْ شَهِدَتْ بِبُطْلَانِ قَوْلِ الطَّائِفَةِ الَّتِي انْقَرَضَتْ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهَا حَقًّا وَصَوَابًا ، وَوَجَبَ الْحُكْمُ بِفَسَادِ قَوْلِ الطَّائِفَةِ الَّتِي انْقَرَضَتْ . وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ شَيْئًا سَوَّغُوا فِيهِ الِاخْتِلَافَ ، وَأَبَاحُوا فِيهِ اجْتِهَادَ الرَّأْيِ ، فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ الْإِجْمَاعُ بِبَقَاءِ هَذِهِ الطَّائِفَةِ ، قَالَ : لِأَنَّ الطَّائِفَتَيْنِ جَمِيعًا قَدْ أَجْمَعُوا بَدِيًّا عَلَى تَسْوِيغِ الِاخْتِلَافِ ، وَوَسَّعُوا فِيهِ اجْتِهَادَ الرَّأْيِ ، وَهَذَا الْإِجْمَاعُ حُجَّةٌ لَا يَسَعُ خِلَافُهُ .
        قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَإِنَّمَا بُنِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَلَى أَصْلِهِ : فِي أَنَّ الْإِجْمَاعَ بَعْدَ الْخِلَافِ لَا يَرْفَعُ الْخِلَافَ الْمُتَقَدِّمَ فِيمَا كَانَ طَرِيقُهُ اجْتِهَادَ الرَّأْيِ . وَسَنَتَكَلَّمُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ تَعَالَى .

بَابٌ الْقَوْلُ فِي خِلَافِ الْأَقَلِّ عَلَى الْأَكْثَرِ

    	إذَا اخْتَلَفَتْ الْأُمَّةُ عَلَى قَوْلَيْنِ ، وَكُلُّ فِرْقَةٍ مِنْ الْكَثْرَةِ فِي حَدٍّ يَنْعَقِدُ بِمِثْلِهَا الْإِجْمَاعُ لَوْ لَمْ يُخَالِفْهَا مِثْلُهَا . فَإِنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْتَبِرُ إجْمَاعَ الْأَكْثَرِ وَهُمْ الْحَشْوُ . قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ : لَا يَنْعَقِدُ بِذَلِكَ إجْمَاعٌ ، وَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى مَا يُوجِبُهُ الدَّلِيلُ .
           وَالْحُجَّةُ لِهَذَا الْقَوْلِ : أَنَّ الْحَقَّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْقَلِيلِ ، بَعْدَ أَنْ يَكُونُوا فِي حَدٍّ مَتَى أَخْبَرَتْ عَنْ اعْتِقَادِهَا لِلْحَقِّ ، وَظَهَرَتْ عَدَالَتُهَا ، وَقَعَ الْعِلْمُ بِاشْتِمَالِ خَبَرِهَا عَلَى صِدْقٍ ، عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا فِيمَا سَلَفَ .
           وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَثْنَى عَلَى الْقَلِيلِ ، وَمَدَحَهُمْ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ } وَقَالَ تَعَالَى : { وَمَا آمَنَ مَعَهُ إلَّا قَلِيلٌ } وَ قَالَ تَعَالَى : { فَلَوْلَا كَانَ مِنْ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنْ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ } وَقَالَ تَعَالَى : { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } ،  وَآيَاتٌ نَحْوُهَا يَذُمُّ فِيهَا الْكَثِيرَ ، وَيَمْدَحُ الْقَلِيلَ . وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : { إنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ . قِيلَ : وَمَنْ هُمْ ؟ قَالَ : الَّذِينَ يَصْلُحُونَ إذَا فَسَدَ النَّاسُ } 
 وَقَالَ : { خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ }
وَعَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ : { إنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَظْهَرَ الْجَهْلُ وَيَقِلَّ الْعِلْمُ } .
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ { إنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْزِعُهُ مِنْ النَّاسِ ، وَلَكِنْ يَقْبِضُهُ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤَسَاءَ جُهَّالًا } 

وَقَالَ عليه السلام { سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً ، كُلُّهَا فِي النَّارِ إلَّا وَاحِدَةً } فِي أَخْبَارٍ نَحْوِهَا ، تُوجِبُ تَصْوِيبَ الْأَقَلِّ ، وَتَقْلِيلَ الْأَكْثَرِ ، فَبَطَلَ اعْتِبَارُ الْكَثْرَةِ وَالْقِلَّةِ إذَا وَقَعَ الْخِلَافُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَدْ ذَكَرْنَا ، وَيَجِبُ عَلَيْنَا حِينَئِذٍ طَلَبُ الدَّلِيلِ عَلَى الْحُكْمِ مِنْ غَيْرِ جِهَةِ الْإِجْمَاعِ ، وَقَدْ ارْتَدَّ أَكْثَرُ النَّاسِ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَنَعُوا الصَّدَقَةَ ، وَكَانَ الْمُحِقُّونَ - الْأَقَلَّ ، وَهُمْ الصَّحَابَةُ ، وَقَدْ كَانَ أَكْثَرُ النَّاسِ فِي زَمَنِ بَنِي أُمَيَّةَ عَلَى الْقَوْلِ بِإِمَامَةِ مُعَاوِيَةُ وَيَزِيدَ وَأَشْبَاهِهِمَا مِنْ مُلُوكِ بَنِي مَرْوَانَ ، وَالْأَقَلُّ كَانُوا عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ ، وَمَعْلُومٌ : أَنَّ الْحَقَّ كَانَ مَعَ الْأَقَلِّ ، دُونَ الْأَكْثَرِ .

        فَإِنْ قِيلَ : قَالَ النَّبِيُّ ﷺ { عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ ، وَهُوَ مِنْ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ } .
وَقَالَ : { يَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ } 
وَقَالَ : { عَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ } ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ اعْتِبَارِ إجْمَاعِ الْأَكْثَرِ .
       قِيلَ لَهُ : فَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْفِرْقَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرْنَا جَمَاعَةٌ ، فَلِمَ اعْتَبَرْت الْأَكْثَرَ ؟ وَلَا دَلَالَةَ فِي الْخَبَرِ عَلَيْهِ . وَقَوْلُهُ ﷺ : { عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ } يَعْنِي إذَا اجْتَمَعَتْ عَلَى شَيْءٍ وَخَالَفَهَا الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ ، فَلَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِمَا ، وَلُزُومِ اتِّبَاعِ الْجَمَاعَةِ ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ : { فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ } فَأَخْبَرَ أَنَّ لُزُومَ الْجَمَاعَةِ : إنَّمَا يَجِبُ إذَا لَمْ يُخَالِفْهَا إلَّا الْوَاحِدُ ، وَالْعَدَدُ الْيَسِيرُ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ { عَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ } مَعْنَاهُ : مَا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ فِي أُصُولِ اعْتِقَادَاتِهَا ، فَلَا تُنْقِضُوهُ وَتَصِيرُوا إلَى خِلَافِهِ ، وَكُلُّ مَنْ قَالَ بِقَوْلٍ بَاطِلٍ فَقَدْ خَالَفَ الْجَمَاعَةَ وَالسَّوَادَ الْأَعْظَمَ ، إمَّا فِي جُمْلَةِ اعْتِقَادِهَا ، أَوْ فِي تَفْصِيلِهِ .

بَابٌ الْقَوْلُ فِي إجْمَاعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ

 	( زَعَمَ قَوْمٌ ) مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ : أَنَّ إجْمَاعَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَا يُسَوِّغُ لِأَهْلِ سَائِرِ الْأَعْصَارِ مُخَالَفَتَهُمْ فِيمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ ، وَقَالَ سَائِرُ الْفُقَهَاءِ : أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَسَائِرُ النَّاسِ غَيْرُهُمْ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ ، وَلَيْسَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ مَزِيَّةٌ عَلَيْهِمْ فِي لُزُومِ اتِّبَاعِهِمْ .   
            وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ : أَنَّ جَمِيعَ الْآيِ الدَّالَّةِ عَلَى صِحَّةِ حُجَّةِ الْإِجْمَاعِ لَيْسَ فِيهَا تَخْصِيصُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِهَا مِنْ غَيْرِهِمْ ، لِأَنَّ قوله تعالى : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ } خِطَابٌ لِسَائِرِ الْأُمَّةِ لَا يَخْتَصُّ بِهَذَا الِاسْمِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ دُونَ غَيْرِهِمْ . وَكَذَلِكَ قوله تعالى : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ } وَقَوْلُهُ : { وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ } وقوله تعالى : { وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إلَيَّ } قَدْ عَمَّتْ هَذِهِ الْآيَاتُ سَائِرَ الْأُمَمِ فَغَيْرُ جَائِزٍ لِأَحَدٍ أَنْ يَخْتَصَّ ( بِهَا ) عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ دُونَ غَيْرِهِمْ .  وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ ، لَجَازَ أَنْ يُقَالَ فِي قوله تعالى : { وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ } وقوله تعالى : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ } وقوله تعالى : { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ } إنَّهُ مَخْصُوصٌ بِهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ دُونَ غَيْرِهِمْ ، فَلَمَّا بَطَلَ هَذَا لِأَنَّ عُمُومَ اللَّفْظِ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ ، كَذَلِكَ حُكْمُ الْآيَاتِ الْمُوجِبَةِ لِصِحَّةِ الْإِجْمَاعِ ، لَمَّا كَانَتْ مُبْهَمَةً ، لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ الِاقْتِصَارُ بِهَا عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ دُونَ غَيْرِهِمْ ، وَلَوْ جَازَ لِقَائِلٍ أَنْ يَخُصَّ بِهَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ ، لَجَازَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَخُصَّ بِهَا أَهْلَ الْكُوفَةِ دُونَ مَنْ سِوَاهُمْ ، فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ تَخْصِيصُ أَهْلِ الْكُوفَةِ فِيمَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَاتُ كَانَ كَذَلِكَ حُكْمُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِيهَا .
             وَأَيْضًا : فَلَوْ كَانَ إجْمَاعُهُمْ هُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي كَوْنِهِ حُجَّةً ، لَمَا خَفِيَ أَمْرُهُ عَلَى التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ ، فَلَمَّا لَمْ نَرَ أَحَدًا مِنْ تَابِعِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمِنْ غَيْرِهِمْ وَمِمَّنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ ، دَعَا سَائِرَ الْأَمْصَارِ إلَى اعْتِبَارِ إجْمَاعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَلُزُومِ اتِّبَاعِهِمْ . دَلَّ ذَلِكَ : عَلَى أَنَّهُ قَوْلٌ مُحْدَثٌ ، لَا أَصْلَ لَهُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ ، بَلْ إجْمَاعُ السَّلَفِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهِمْ ظَاهِرٌ فِي تَسْوِيغِ الِاجْتِهَادِ لِأَهْلِ سَائِرِ الْأَمْصَارِ مَعَهُمْ ، وَأَجَازُوا لَهُمْ مُخَالَفَتَهُمْ إيَّاهُمْ . فَقَدْ حَصَلَ مِنْ إجْمَاعِ السَّلَفِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهِمْ بُطْلَانُ قَوْلِ مَنْ اعْتَبَرَ إجْمَاعَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ .
           وَأَيْضًا : فَلَوْ كَانَ إجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حُجَّةً ، لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً فِي سَائِرِ الْأَعْصَارِ ، كَمَا أَنَّ إجْمَاعَ الْأُمَّةِ لَمَّا كَانَ حُجَّةً لَمْ يَخْتَلِفْ حُكْمُهُ فِي سَائِرِ الْأَزْمَانِ فِي كَوْنِهِ حُجَّةً ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ ، لَوَجَبَ اعْتِبَارُ إجْمَاعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي هَذَا الْوَقْتِ ، وَمَعْلُومٌ : أَنَّهُمْ فِي هَذَا الْوَقْتِ أَجْهَلُ النَّاسِ ، وَأَقَلُّهُمْ عِلْمًا ، وَأَبْعَدُهُمْ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ . فَإِنْ قِيلَ : إنَّمَا يُعْتَبَرُ الْآنَ إجْمَاعُ مَنْ يَتَفَقَّهُ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَهُمْ : أَصْحَابُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ .  قِيلَ لَهُ : أَفَتَعْتَبِرُ إجْمَاعَهُمْ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فِي هَذَا الْعَصْرِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ الصَّحَابَةِ . فَإِنْ قَالَ : نَعَمْ . قِيلَ لَهُ : فَاعْتَبِرْ إجْمَاعَ أَهْلِ الْكُوفَةِ مِنْ التَّابِعِينَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ الصَّحَابَةِ ، فَإِنَّهُمْ أَخَذُوا الْعِلْمَ عَمَّنْ انْتَقَلَ إلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ الصَّحَابَةِ .
    وَأَيْضًا : فَلَيْسَ يَخْلُو إجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ : مِنْ أَنْ تَكُونَ صِحَّتُهُ مُتَعَلِّقَةً بِالْمَوْضِعِ ، أَوْ بِالرِّجَالِ ذَوِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ ، فَإِنْ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِالْمَوْضِعِ ، فَالْمَوْضِعُ مَوْجُودٌ ، فَيَجِبُ اعْتِبَارُ إجْمَاعِ أَهْلِ الْمَوْضِعِ فِي سَائِرِ الْأَزْمَانِ . وَهَذَا خُلْفٌ مِنْ الْقَوْلِ . ( وَإِنْ اُعْتُبِرَ ) بِالرِّجَالِ دُونَ الْمَوْضِعِ ، فَإِنَّ الَّذِينَ نَزَلُوا الْكُوفَةَ هُمْ عُمْدَةُ أَهْلِ ( عِلْمِ ) الدِّينِ وَأَعْلَامُهُ . مِنْهُمْ : عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَحُذَيْفَةُ ، وَعَمَّارٌ ، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ ، وَآخَرُونَ ، مِنْ ذَوِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ . وَقِيلَ : إنَّهُ نَزَلَهَا مِنْ الصَّحَابَةِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَنَيِّفٌ ، فِيهِمْ سَبْعُونَ بَدْرِيًّا ، فَلِمَ خَصَصْت بِصِحَّةِ الْإِجْمَاعِ مَنْ أَخَذَ عَمَّنْ بَقِيَ بِالْمَدِينَةِ ؟ دُونَ مَنْ أَخَذَ عَمَّنْ نَزَلَ الْكُوفَةَ وَسَائِرَ الْأَمْصَارِ ؟ وَلِخَصْمِك أَنْ يُعَارِضَك فَيَقُولَ : إنَّمَا اُعْتُبِرَ إجْمَاعُ أَهْلِ الْكُوفَةِ ، دُونَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، لِأَنَّهُمْ أَخَذُوا عَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَكَرْنَاهُمْ ، وَهُمْ أَعْلَامُ الصَّحَابَةِ وَعُلَمَاؤُهُمْ .
          فَإِنْ قِيلَ : إنَّمَا خَصَصْنَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ بِصِحَّةِ الْإِجْمَاعِ ، لِأَنَّهَا دَارُ السُّنَّةِ وَدَارُ الْهِجْرَةِ ، وَلِأَنَّ سَائِرَ النَّاسِ عَنْهُمْ أَخَذُوا ، كَمَا كَانَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ حُجَّةً عَلَى التَّابِعِينَ ، لِأَنَّهُمْ عَنْهُمْ أَخَذُوا .
        قِيلَ لَهُ : فَتَعْتَبِرُ إجْمَاعَ ( أَهْلِ ) الْمَدِينَةِ مِنْ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ ثَبَتُوا بِالْمَدِينَةِ ، وَلَمْ يَخْرُجُوا  عَنْهَا دُونَ مَنْ خَرَجَ عَنْهَا ، وَانْتَقَلَ إلَى غَيْرِهَا مِنْ الصَّحَابَةِ ؟ أَوْ تَعْتَبِرُ إجْمَاعَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِمَّنْ كَانُوا بَعْدَ الصَّحَابَةِ ؟
 فَإِنْ قَالَ : أَعْتَبِرُ إجْمَاعَهُمْ خَاصَّةً فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ ، وَبَعْدَهُمْ ، وَلَا أَعْتَدُّ بِخِلَافِ مَنْ خَالَفَ عَلَيْهِمْ مِنْ الصَّحَابَةِ مِمَّنْ خَرَجَ عَنْهَا ، قَالَ قَوْلًا قَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى خِلَافِهِ ، وَقَدْ ثَبَتَ عِنْدَهُمْ بُطْلَانُهُ ، لِأَنَّهُ إنْ كَانَ كَذَلِكَ ، فَوَاجِبٌ أَنْ لَا يُجْعَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، ( وَعَبْدُ اللَّهِ ) بْنُ مَسْعُودٍ ، وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ ، وَنُظَرَاؤُهُمْ ، خِلَافًا ، وَكَفَى بِهَذَا خِزْيًا لِمَنْ بَلَغَهُ .
فَإِنْ قَالَ : إنَّمَا اُعْتُبِرَ إجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بَعْدَ الصَّحَابَةِ ، لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كُلَّهُمْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فِي الْأَصْلِ .
قِيلَ لَهُ : فَإِنَّمَا اعْتَبَرْت إجْمَاعَهُمْ بَعْدَ الصَّحَابَةِ ، لِأَنَّهُمْ أَخَذُوا عَنْ الصَّحَابَةِ فَهَلَّا اعْتَبَرْت إجْمَاعَ أَهْلِ الْكُوفَةِ ، لِأَنَّهُمْ أَخَذُوا عَنْ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ انْتَقَلُوا إلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ؟ . 
         وَأَمَّا قَوْلُهُ : إنَّ سَائِرَ النَّاسِ لَمَّا أَخَذُوا عَنْهُمْ ( وَجَبَ ) لُزُومُ اتِّبَاعِهِمْ ، كَمَا لَزِمَ التَّابِعِينَ اتِّبَاعُ الصَّحَابَةِ ، لِأَنَّهُمْ أَخَذُوا عَنْهُمْ .
     قِيلَ لَهُ : فَإِنَّ تَابِعِي أَهْلِ الْكُوفَةِ أَخَذُوا عَمَّنْ انْتَقَلَ إلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَنْ أَخَذَ عَنْهُمْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فَاعْتُبِرَ إجْمَاعُ أَهْلِ الْكُوفَةِ مَعَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ .
         فَإِنْ قَالَ : إنَّمَا اُعْتُبِرَ إجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، لِأَنَّ { النَّبِيَّ عليه السلام دَعَا لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَدَحَهُمْ فَقَالَ : اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي صَاعِهِمْ وَفِي مُدِّهِمْ } ، وَقَالَ : { مَنْ أَرَادَهُمْ بِسُوءٍ أَذَابَهُ اللَّهُ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ } ، وَقَالَ : { إنَّ الْإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إلَى جُحْرِهَا } ، وَقَالَ : { إنَّ الْمَدِينَةَ تَنْفِي خَبَثَهَا كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ } ، فَإِذَا كَانَ  النَّبِيُّ ﷺ قَدْ دَعَا لَهُمْ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِمْ ، وَمَدَحَهُمْ - وَجَبَ اتِّبَاعُهُمْ ، لِأَنَّهُ لَا يَدْعُو لَهُمْ وَلَا يَمْدَحُهُمْ إلَّا وَهُمْ مُؤْمِنُونَ .
        قِيلَ لَهُ : وَمَا فِي دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ فِي صَاعِهِمْ وَمُدِّهِمْ مِمَّا يُوجِبُ كَوْنَ إجْمَاعِهِمْ حُجَّةً ، وَكَيْفَ وَجْهُ تَعَلُّقِ صِحَّةِ إجْمَاعِهِمْ بِهِ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : { مَنْ أَرَادَهُمْ بِسُوءٍ أَذَابَهُ اللَّهُ كَمَا يَذُوبُ الثَّلْجُ } ، لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِحُجَّةِ الْإِجْمَاعِ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْخِلَافِ ( عَلَيْهِمْ ) إرَادَتُهُمْ بِسُوءٍ ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَتْ الصَّحَابَةُ حِينَ اخْتَلَفَتْ فِي الْحَوَادِثِ الَّتِي اجْتَهَدُوا فِيهَا آرَاءَهُمْ قَدْ أَرَادَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِسُوءٍ .
         وَأَيْضًا : فَإِنَّمَا دَعَا لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ الَّذِينَ كَانُوا فِي عَصْرِهِ ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُهَاجِرِينَ وَأَنْصَارًا ، وَكَانُوا مُجْتَمِعِينَ فِي الْمَدِينَةِ ، ثُمَّ تَفَرَّقُوا فِي الْبُلْدَانِ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ فَإِنْ كُنْت إنَّمَا جَعَلْت إجْمَاعَ هَؤُلَاءِ حُجَّةً ، فَهَذَا مَا لَا تَنَازُعَ فِيهِ ، وَإِنْ أَرَدْت إجْمَاعَ مَنْ بَعْدَهُمْ ، فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُمْ بِالْوَصْفِ الَّذِي ذَكَرْت بَعْدَ ذَهَابِ الصَّحَابَةِ ؟ . ( وَمَعْنَى ) قَوْلِهِ : { إنَّ الْإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إلَى جُحْرِهَا } : إنَّهَا دَارُ الْهِجْرَةِ ، هَاجَرَ إلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ مِنْ دُونِ الشِّرْكِ ، فَلَمَّا زَالَ فَرْضُ الْهِجْرَةِ زَالَ ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ بَعْدَ زَوَالِ الْهِجْرَةِ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يُقِيمَ فِي قَبِيلَتِهِ وَحَيِّهِ وَبَلَدِهِ ، وَلَا يُهَاجِرَ إلَيْهَا ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ حُكْمًا عَامًّا فِي سَائِرِ الْأَزْمَانِ ، لَوَجَبَ أَنْ يَكُونُوا كَذَلِكَ الْآنَ . وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا الْوَقْتِ أَهْلَ مِصْرٍ مِنْ الْأَمْصَارِ الْكِبَارِ وَقَدْ اسْتَوْلَى عَلَيْهِمْ مِنْ الْجَهْلِ وَقِلَّةِ الدِّينِ ، وَفَسَادِ الِاعْتِقَادِ ، وَعَدَمِ الْخَيْرِ مَا اسْتَوْلَى عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ .
         فَإِنْ قِيلَ : قَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي أَنَّهُ قَالَ : { إنَّ الدَّجَّالَ لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ ، وَإِنَّ عَلَى كُلِّ نَقْبٍ مِنْ أَنْقَابِهَا مَلَكًا شَاهِرًا سَيْفَهُ } وَهَذَا يَدُلُّ : عَلَى حِرَاسَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إيَّاهُمْ ، وَأَنَّهُ قَدْ أَبَانَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِمْ ، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ لَهُمْ مَزِيَّةٌ فِي لُزُومِ اتِّبَاعِهِمْ .
        قِيلَ لَهُ : وَمَا فِي هَذَا مَا يُوجِبُ مَا ذَكَرْت ، وَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَحْرُوسَةً سَوَاءٌ صَارَ أَهْلُهَا إلَى الضَّلَالِ ، أَوْ ثَبَتُوا عَلَى الْحَقِّ ؟ كَمَا حَرَسَ أَهْلَ مَكَّةَ مِنْ أَصْحَابِ الْفِيلِ ، وَكَانُوا مُشْرِكِينَ ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ وَصْفُهَا بِأَنَّ عَلَى أَنْقَابِهَا الْمَلَائِكَةَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي حَصَرَهَا الْمُشْرِكُونَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ ، فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ حِرَاسَةِ اللَّهِ تَعَالَى إيَّاهَا بِالْمَلَائِكَةِ ، وَأَنَّهُمْ لَا يَدْخُلُونَهَا ، فَيَكُونُ حُكْمُ الْخَبَرِ مَقْصُورًا عَلَى تِلْكَ الْحَالِ .

بَابٌ الْقَوْلُ فِي الْخُرُوجِ عَنْ اخْتِلَافِ السَّلَفِ

 	 إذَا اخْتَلَفَ أَهْلُ عَصْرٍ فِي مَسْأَلَةٍ عَلَى أَقَاوِيلَ مَعْلُومَةٍ ، لَمْ يَكُنْ لِمَنْ بَعْدَهُمْ : أَنْ يَخْرُجَ عَنْ جَمِيعِ أَقَاوِيلِهِمْ ، وَيُبْدِعَ قَوْلًا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ ، وَهَذَا مَعْنَى مَا حَكَاهُ هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي ذِكْرِ أَقْسَامِ أُصُولِ الْفِقْهِ . فَقَالَ : وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ وَمَا أَشْبَهَهُ يَعْنِي : أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ اخْتِلَافِهِمْ .
          وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ : قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ } وقوله تعالى : { وَاتَّبِعْ سَبِيلَ 
مَنْ أَنَابَ إلَيَّ } وقوله تعالى : { يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ } ، وقوله تعالى : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } وَهَذِهِ صِفَةُ أَهْلِ كُلِّ عَصْرٍ فِي الْخُرُوجِ عَنْ أَقَاوِيلِ الْجَمْعِ ، اتِّبَاعُ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَمُخَالَفَةُ مَنْ أَمَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ ، لِأَنَّا قَدْ عَلِمْنَا بِدَلَالَةِ صِحَّةِ الْإِجْمَاعِ : أَنَّ الْحَقَّ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمْ ، فَلَوْ جَازَ إبْدَاعُ قَوْلٍ لَمْ يَقُلْ بِهِ وَاحِدٌ مِنْهُمْ ، لَمَا أَمِنَّا أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّوَابُ ، وَأَنَّ مَا قَالُوهُ خَطَأٌ ، فَيُوجِبُ ذَلِكَ جَوَازَ إجْمَاعِهِمْ عَلَى الْخَطَأِ ، وَذَلِكَ مَأْمُونٌ وُقُوعُهُ مِنْهُمْ .
           فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : مَا ذَكَرْت ( لَا ) يَلْزَمُ الْقَائِلِينَ : أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ ، وَأَنَّ الْحَقَّ فِي جَمِيعِ أَقَاوِيلِ الْمُخْتَلِفِينَ ، لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ عِنْدَهُمْ أَنْ يَكُونَ هَؤُلَاءِ مُصِيبِينَ ، وَمَنْ يَقُولُ بِخِلَافِ قَوْلِهِمْ أَيْضًا مُصِيبًا ، إذَا كَانُوا حِينَ اخْتَلَفُوا فَقَدْ سَوَّغُوا الِاجْتِهَادَ فِي طَلَبِ الْحُكْمِ . 
          قِيلَ لَهُ : مَا ذَكَرْت مِنْ مَذْهَبِ مَنْ يَقُولُ : إنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ : لَا يَعْصِمُ الْقَائِلَ مِمَّا  أَلْزَمْنَاهُ ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ حِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْمَسْأَلَةِ عَلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ ، فَقَدْ أَجْمَعُوا : عَلَى أَنَّ مَا عَدَاهَا خَطَأٌ ، سَوَاءٌ كَانُوا مُصِيبِينَ فِي اخْتِلَافِهِمْ ، أَوْ بَعْضُهُمْ مُصِيبًا ، وَبَعْضُهُمْ مُخْطِئًا ، كَمَا لَوْ أَجْمَعُوا عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ ، كَانَ ذَلِكَ إجْمَاعًا مِنْهُمْ ، بِأَنَّ مَا عَدَاهُ خَطَأٌ ، وَإِنْ كَانَ إجْمَاعُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ ، فَالْإِلْزَامُ صَحِيحٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا لِمَنْ قَالَ : إنَّ الْحَقَّ فِي وَاحِدٍ ، وَلِمَنْ قَالَ : إنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ : قَدْ سَوَّغُوا الِاجْتِهَادَ فِي مِيرَاثِ الْجَدِّ ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى وُجُوهٍ قَدْ عُرِفَتْ ، فَأَوْجَبَ بَعْضُهُمْ الشَّرِكَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَخِ ، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ الْجَدَّ أَوْلَى ، فَلَوْ قَالَ بَعْدَهُمْ قَائِلٌ : إنِّي أَجْعَلُ الْمَالَ لِلْأَخِ دُونَ الْجَدِّ ، كَانَ مُخْطِئًا فِي قَوْلِهِ ، مُخَالِفًا لِإِجْمَاعِهِمْ ، وَلَوْ سَاغَ مَا قَالَ هَذَا السَّائِلُ ، لَسَاغَ مُخَالَفَةُ إجْمَاعِهِمْ الْوَاقِعِ عَنْ اجْتِهَادٍ ، لِأَنَّهُمْ حِينَ اجْتَهَدُوا فِي الْمَسْأَلَةِ ، فَقَدْ سَوَّغُوا الِاجْتِهَادَ فِيهَا ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُبِيحًا لِمَنْ بَعْدَهُمْ مُخَالَفَتَهُمْ فِيمَا أَدَّاهُ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُمْ ، كَذَلِكَ إذَا اخْتَلَفُوا فِيهَا عَلَى وُجُوهٍ مَعْلُومَةٍ ، وَإِنْ كَانَ اخْتِلَافُهُمْ عَنْ اجْتِهَادٍ ، فَغَيْرُ جَائِزٍ لِمَنْ بَعْدَهُمْ الْخُرُوجُ عَنْ أَقَاوِيلِهِمْ إذَا كَانَ إجْمَاعُهُمْ : عَلَى أَنْ لَا قَوْلَ فِي الْمَسْأَلَةِ - إلَّا مَا قَالُوهُ - مَانِعًا مِنْ تَسْوِيغِ الِاجْتِهَادِ فِي الْخُرُوجِ عَنْهُ .

بَابٌ الْقَوْلُ فِي التَّابِعِيِّ هَلْ يُعَدُّ خِلَافًا عَلَى الصَّحَابَةِ

	 قَالَ أَصْحَابُنَا : التَّابِعِيُّ الَّذِي قَدْ صَارَ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ مِنْ أَهْلِ الْفُتْيَا ، يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ عَلَى الصَّحَابَةِ ، كَأَنَّهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا يَجُوزُ خِلَافُ الصَّحَابِيِّ إلَّا لِصَحَابِيٍّ مِثْلِهِ .
             وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِنَا : أَنَّ الصَّحَابَةَ قَدْ سَوَّغَتْ لِلتَّابِعِينَ مُخَالَفَتَهُمْ ، وَالْفُتْيَا بِحَضْرَتِهِمْ ، وَتَنْفِيذِ أَحْكَامِهِمْ ، مَعَ إظْهَارِهِمْ لَهُمْ الْمُخَالَفَةَ فِي مَذَاهِبِهِمْ ، أَلَا تَرَى : أَنَّ عَلِيًّا وَعُمَرَ رضي الله عنهما قَدْ وَلَّيَا شُرَيْحًا الْقَضَاءَ ، وَلَمْ يَعْتَرِضَا عَلَيْهِ فِي أَحْكَامِهِ ، مَعَ إظْهَارِهِ الْخِلَافَ عَلَيْهِمَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَائِلِ .
       فَإِنْ قِيلَ : إنَّمَا وَلَّوْهُمْ الْحُكْمَ لِيَحْكُمُوا بِقَوْلِ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ عَلَيْهِمْ مِنْهُمْ .
   قِيلَ لَهُ : هَذَا غَلَطٌ ، لِأَنَّ فِي رِسَالَةِ عُمَرَ إلَى شُرَيْحٍ ، ( فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي السُّنَّةِ فَاجْتَهِدْ رَأْيَك ) وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالرُّجُوعِ إلَيْهِ ، وَلَا الْحُكْمِ بِقَوْلِهِ ، وَخَاصَمَ عَلِيٌّ عليه السلام إلَى شُرَيْحٍ وَرَضِيَ بِحُكْمِهِ ، حِينَ حَكَمَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ رَأْيِهِ ، وَشَاوَرَ عُمَرُ رضي الله عنه كَعْبَ بْنَ سَوْرٍ ، وَأَمَرَهُ بِالْحُكْمِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَزَوْجِهَا فِي الْكَوْنِ عِنْدَهَا ، فَجَعَلَ لَهَا كَعْبٌ قِسْمًا وَاحِدًا مِنْ أَرْبَعٍ . وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ : ( تَذَاكَرْت أَنَا وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، عِدَّةَ الْحَامِلِ ، الْمُتَوَفَّى عَنْهَا  زَوْجُهَا . فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : " آخِرُ الْأَجَلَيْنِ " وَقُلْت أَنَا : عِدَّتُهَا أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : أَنَا مَعَ ابْنِ أَخِي ) وَذَكَرَ إبْرَاهِيمُ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ : ( كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ إذَا قَدِمَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ صَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا وَدَعَاهُمْ ، قَالَ : فَصَنَعَ لَنَا مَرَّةً طَعَامًا ، فَجَعَلَ يَسْأَلُ وَيُفْتِي فَكَانَ يُخَالِفُنَا ، فَمَا كَانَ يَمْنَعُنَا أَنْ نَرُدَّ عَلَيْهِ إلَّا أَنَّا ( كُنَّا ) عَلَى طَعَامِهِ ) ، وَسُئِلَ ابْنُ عُمَرَ عَنْ فَرِيضَةٍ ، فَقَالَ : ( سَلُوا سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ ، فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِهَا مِنِّي ) وَسُئِلَ أَنَسٌ عَنْ مَسْأَلَةٍ ، فَقَالَ : ( سَلُوا مَوْلَانَا الْحَسَنَ ) . وَأَيْضًا : كَانَ التَّابِعِيُّ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ وَمِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ الِاجْتِهَادُ فِي اسْتِدْرَاكِ حُكْمِ الْحَادِثَةِ ، وَكَانَ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّحَابِيِّ ، لِأَنَّ الْعِلَّةَ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا جَازَ لِلصَّحَابِيِّ الْخِلَافُ عَلَى مِثْلِهِ مَوْجُودَةٌ فِي التَّابِعِيِّ : وَهُوَ كَوْنُهُ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ ، وَهُمَا فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ .
          فَإِنْ قِيلَ : لَا يَجُوزُ لِلتَّابِعِيِّ مُخَالَفَةُ الصَّحَابِيِّ ، لِأَنَّ الصَّحَابَةَ مَخْصُوصُونَ بِالْفَضْلِ دُونَهُمْ ، وَقَدْ مَدَحَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ { اقْتَدُوا بِاَللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي : أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ } وَقَالَ : { أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ } ، وَقَالَ : { لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبَا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ } وَإِذَا كَانَ هَذَا وَصْفَهُمْ لَمْ يَجُزْ : أَنْ يُسَاوِيَهُمْ أَحَدٌ فِي مَنْزِلَةٍ .
         قِيلَ لَهُ : أَمَّا الْفَضْلُ فَمُسَلَّمٌ لَهُمْ ، إلَّا أَنَّ الْفَضْلَ الَّذِي ذَكَرْت لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً  فِي مَنْعِ خِلَافِ الْمَفْضُولِ عَلَيْهِ ، لِأَنَّ الصَّحَابَةَ مُتَفَاضِلُونَ ، وَأَفْضَلُهُمْ : الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ ، بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ ، وَقَدْ سَوَّغُوا مَعَ ذَلِكَ الِاجْتِهَادَ لِمَنْ دُونَهُمْ مَعَهُمْ ، وَمُخَالَفَتَهُمْ ، مِثْلِ : ابْنِ عُمَرَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَنَسٍ رضي الله عنهم ، وَلَوْ كَانَ الْفَضْلُ مُوجِبًا لَهُمْ التَّفَرُّدَ بِالْفُتْيَا - لَمَا جَازَ لِأَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مُخَالَفَةُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ ، وَقَوْلُهُ عليه السلام : { اقْتَدُوا بِاَللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي } لَمَّا لَمْ يَمْنَعْ أَنْ يَقُولَ : مَعَهُمَا مِنْ دُونِهَا مِنْ الصَّحَابَةِ كَذَلِكَ لَا يُمْنَعُ التَّابِعِيُّ .
         فَإِنْ قِيلَ : لِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ مَزِيَّةٌ عَلَى قَوْلِ التَّابِعِيِّ ، لِأَنَّهُ قَدْ شَاهَدَ النَّبِيَّ ﷺ وَعَلِمَ بِمُشَاهَدَتِهِ مَصَادِرَ قَوْلِهِ وَمَخَارِجَهُ ، وَمِنْ بَعْدِهِمْ لَيْسَتْ لَهُ هَذِهِ الْحَالُ ، فَوَاجِبٌ أَنْ لَا يُزَاحِمُوهُمْ .
        قِيلَ لَهُ : مَا ( عَرَفَهُ الصَّحَابِيُّ ) بِالْمُشَاهَدَةِ ، قَدْ عَرَفَهُ التَّابِعِيُّ بِسَمَاعِهِ مِمَّنْ نَقَلَهُ إلَيْهِ ، فَلَا يَخْتَلِفُ حُكْمُهُ وَحُكْمُ الصَّحَابِيِّ فِي هَذَا الْوَجْهِ ، لِأَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي ، إطْلَاقِ لَفْظٍ يَشْتَمِلُ عَلَى حُكْمٍ يُرِيدُ بِهِ أَنْ يَنْقُلَ عَنْهُ لِيَشْتَرِكَ الْعَامُّ وَالْخَاصُّ فِي مَعْرِفَتِهِ ، وَلُزُومِ حُكْمِهِ ، إلَّا وَذَلِكَ اللَّفْظُ مَتَى نُقِلَ يُفِيدُ الْغَائِبَ مَا أَفَادَهُ الشَّاهِدُ ، وَلَا يَجُوزُ : أَنْ يُخَصَّ الشَّاهِدُ مِنْ دَلَالَةِ الْحَالِ وَمَخَارِجِ اللَّفْظِ ، بِمَا لَا يُفِيدُهُ اللَّفْظُ ، إذَا نُقِلَ عَنْهُ ، إلَّا وَحُكْمُهُ مَقْصُورٌ عَلَى الشَّاهِدِ ، وَمَخْصُوصٌ بِهِ ، دُونَ الْغَائِبِ . فَأَمَّا إذَا أَرَادَ ( عُمُومَ الْحُكْمِ ) فِي الْفَرِيقَيْنِ ، فَلَا مَعْنَى لِاعْتِبَارِ حَالِ الْمُشَاهَدَةِ وَمَخَارِجِ اللَّفْظِ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ شَاهَدَ النَّبِيَّ عليه السلام وَبَيْنَ غَيْرِهِ ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ فِي : { نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا ، ثُمَّ أَدَّاهَا إلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا . فَرُبَّ  حَامِلِ فِقْهٍ لَا فِقْهَ لَهُ ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ } فَجَعَلَ الْمَنْقُولَ إلَيْهِ الْغَائِبَ أَفْقَهَ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ بِمَعْنَى خِطَابِهِ مِنْ السَّامِعِ .
       وَأَيْضًا : فَإِنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ شَاهَدَ النَّبِيَّ ﷺ كَالْأَعْرَابِ وَنَحْوِهِمْ ، لَمْ يَكُنْ يَجُوزُ لَهُمْ الْفُتْيَا مَعَ مُشَاهَدَةِ الرَّسُولِ ﷺ ، فَلَيْسَ مُشَاهَدَتُهُ إذًا عِلَّةٌ لِوُجُوبِ الِاخْتِصَاصِ بِالْفُتْيَا ، وَمَنَعَ مَنْ لَمْ يُشَاهِدْ الْقَوْلَ مَعَهُ ، وَلَمَّا لَمْ يُمْنَعْ التَّابِعِيُّ : أَنْ يَقُولَ فِي الْفُتْيَا ، وَيَجْتَهِدَ رَأْيَهُ ، وَإِنْ لَمْ يُشَاهِدْ الرَّسُولَ ﷺ كَذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يُخَالِفَ الصَّحَابَةَ .

بَابٌ الْقَوْلُ فِي الْإِجْمَاعِ بَعْدَ الِاخْتِلَافِ

	  إذَا اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ فِي حُكْمِ مَسْأَلَةٍ وَانْقَرَضُوا ، ثُمَّ أَجْمَعَ أَهْلُ عَصْرٍ بَعْدَهُمْ عَلَى أَحَدِ تِلْكَ الْأَقَاوِيلِ الَّتِي قَالَ بِهِ أَهْلُ الْعَصْرِ الْمُتَقَدِّمِ - فَإِنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ : إجْمَاعُ أَهْلِ الْعَصْرِ الثَّانِي لَيْسَ بِحُجَّةٍ ، وَيَسَعُ كُلَّ أَحَدٍ خِلَافُهُ بِبَعْضِ الْأَقَاوِيلِ الَّتِي قَالَ بِهَا أَهْلُ الْعَصْرِ الْمُتَقَدِّمِ . وَقَالَ آخَرُونَ : هَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ : فَإِنْ كَانَ خِلَافًا يُؤَثِّمُ فِيهِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَإِنَّ إجْمَاعَ أَهْلِ الْعَصْرِ الثَّانِي يُسْقِطُ الْخِلَافَ الْأَوَّلَ . وَإِنْ كَانَ خِلَافًا يُؤَثِّمُ فِيهِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَسَوَّغُوا الِاجْتِهَادَ فِيهِ فَإِنَّ إجْمَاعَ مَنْ بَعْدَهُمْ لَا يُسْقِطُ الْخِلَافَ الْمُتَقَدِّمَ .
            قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَقَالَ أَصْحَابُنَا : إجْمَاعُ أَهْلِ الْعَصْرِ الثَّانِي حُجَّةٌ لَا يَسَعُ مَنْ بَعْدَهُمْ خِلَافُهُ ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ - فِي قَاضٍ حَكَمَ بِجَوَازِ بَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ بَعْدَ مَوْتِ مَوْلَاهَا : إنِّي أُبْطِلُ قَضَاءَهُ ، لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانَتْ اخْتَلَفَتْ فِيهِ ، ثُمَّ أَجْمَعَ بَعْدَ ذَلِكَ قُضَاةُ الْمُسْلِمِينَ وَفُقَهَاؤُهُمْ ( عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ لَا تُبَاعُ ، وَلَا تُورَثُ ، لَمْ يَخْتَلِفْ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ وَفُقَهَائِهِمْ ) فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ إلَى يَوْمِنَا هَذَا ، وَلَمْ يَكُنْ اللَّهُ تَعَالَى لِيَجْمَعَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلَى ضَلَالَةٍ ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ : فَكُلُّ أَمْرٍ اخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ ، ثُمَّ أَجْمَعَ التَّابِعُونَ مِنْ بَعْدِهِمْ جَمِيعًا عَلَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ ، وَتَرْكِ قَوْلِ الْآخَرِ ، فَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ أَحَدٌ ، إلَى يَوْمِنَا هَذَا ، فَعَمِلَ بِهِ عَامِلٌ الْيَوْمَ وَقَضَى بِهِ ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِقَاضٍ وَلِيَ هَذَا أَنْ يُجِيزَهُ ، وَلَكِنْ يَرُدُّهُ وَيَسْتَقْبِلُ فِيهِ الْقَضَاءَ بِمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ . 
             قَالَ أَبُو بَكْرٍ : فَقَدْ بَانَ مِنْ قَوْلِ مُحَمَّدٍ : أَنَّ هَذَا عِنْدَهُ إجْمَاعٌ صَحِيحٌ ، بِمَنْزِلَةِ الْإِجْمَاعِ الَّذِي يَتَقَدَّمُهُ اخْتِلَافٌ فِي بَابِ وُجُوبِ فَسْخِ قَضَاءِ الْقَاضِي ( بِبَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ ) وَكَانَ أَبُو الْحَسَنِ يَقُولُ : إجَازَةُ أَبِي حَنِيفَةَ قَضَاءَ الْقَاضِي بِبَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ ، لَا يَدُلُّ عَلَى : أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى الْإِجْمَاعَ الَّذِي حَصَلَ فِي مَنْعِ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ بَعْدَ الِاخْتِلَافِ الَّذِي كَانَ بَيْنَ السَّلَفِ فِيهِ إجْمَاعًا صَحِيحًا ، يَلْزَمُ صِحَّتُهُ ، وَيَجِبُ عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ اتِّبَاعُهُ ، إذْ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مَذْهَبُهُ : أَنَّهُ إجْمَاعٌ صَحِيحٌ ، وَإِنْ لَمْ يُفْسَخْ قَضَاءُ الْقَاضِي إذَا قَضَى بِخِلَافِهِ ، فَكَانَ يَذْكُرُ لِذَلِكَ وَجْهًا ذَهَبَ عَنِّي حِفْظُهُ ، وَاَلَّذِي يَقُولُهُ فِي ذَلِكَ : إنَّ مَنَازِلَ الْإِجْمَاعَاتِ مُخْتَلِفَةٌ كَمَنَازِلِ النُّصُوصِ ، يَكُونُ بَعْضُهَا آكَدَ مِنْ بَعْضٍ ، وَيُسَوَّغُ الِاجْتِهَادُ فِي تَرْكِ بَعْضِهَا ، وَلَا يَجُوزُ فِي تَرْكِ بَعْضٍ .
        أَلَا تَرَى : أَنَّ النَّصَّ الْمُتَّفَقَ عَلَى مَعْنَاهُ لَيْسَ فِي لُزُومِ حُجَّتِهِ بِمَنْزِلَةِ النَّصِّ الْمُخْتَلَفِ فِي مَعْنَاهُ ، وَإِنْ كَانَ حُجَّتُهُمَا جَمِيعًا عِنْدَنَا ثَابِتَةً ، كَذَلِكَ حُكْمُ الْإِجْمَاعَاتِ ، فَلَيْسَ يَمْتَنِعُ عَلَى هَذَا أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ الْإِجْمَاعِ الَّذِي قَدْ تَقَدَّمَهُ اخْتِلَافٌ ، وَبَيْنَ الْإِجْمَاعِ الَّذِي لَمْ يَسْبِقْهُ خِلَافٌ فِي بَابِ فَسْخِ قَضَاءِ الْقَاضِي ، بِخِلَافِ أَحَدِهِمَا وَمَنْعِهِ ذَلِكَ فِي الْآخَرِ ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُجَّةً لَا يَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ ، وَيَكُونُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ أَنَّهُ إجْمَاعٌ ، أَوْ لَيْسَ بِإِجْمَاعٍ ، وَهُوَ خِلَافٌ مَشْهُورٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ إجْمَاعٌ قَدْ سَبَقَهُ اخْتِلَافٌ ، وَقَدْ سَوَّغَ أَهْلُ الْعَصْرِ الْمُتَقَدِّمِ الِاجْتِهَادَ فِيهِ وَأَبَاحُوا فِيهِ الِاخْتِلَافَ ، فَسَاغَ الِاجْتِهَادُ فِي مَنْعِ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ بَعْدَهُمْ ، وَالْإِجْمَاعُ الَّذِي يُسَوِّغُ الِاجْتِهَادَ فِي خِلَافِهِ لَا يُفْسَخُ بِهِ قَضَاءُ الْقَاضِي ، وَلَا يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ إجْمَاعِ أَهْلِ عَصْرٍ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ خِلَافٌ ، فَيُفْسَخُ قَضَاءُ الْقَاضِي إذَا قَضَى بِخِلَافِهِ ، لِأَنَّ هَذَا إجْمَاعٌ لَا يُسَوِّغُ الِاجْتِهَادَ فِي رَدِّهِ ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الْفُقَهَاءِ يُخَالِفُ فِيهِ ، وَإِنَّمَا خَالَفَ فِيهِ قَوْمٌ - هُمْ شُذُوذٌ عِنْدَنَا - لَا نَعُدُّهُمْ خِلَافًا ، فَبَانَ بِمَا وَصَفْنَا : ( أَنَّهُ ) لَيْسَ فِي مَنْعِ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه فَسْخُ قَضَاءِ  الْقَاضِي بِبَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ - دَلَالَةٌ : عَلَى أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى الْإِجْمَاعَ بَعْدَ الِاخْتِلَافِ إجْمَاعًا صَحِيحًا .
              قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ : أَنَّ سَائِرَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْآيِ الْمُوجِبَةِ لِحُجَّةِ الْإِجْمَاعِ يُوجِبُ صِحَّةَ الْإِجْمَاعِ الْحَادِثِ بَعْدَ الِاخْتِلَافِ ، وَذَلِكَ أَنَّ قوله تعالى : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونُ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } وقوله تعالى : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ } وقوله تعالى : { وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ } وقوله تعالى : { وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إلَيَّ } مِنْ حَيْثُ دَلَّتْ هَذِهِ الْآيَاتُ عَلَى صِحَّةِ الْإِجْمَاعِ وَلُزُومِ حُجَّتِهِ إذَا لَمْ يَتَقَدَّمْهُ خِلَافٌ فَهِيَ دَالَّةٌ عَلَى ( صِحَّتِهِ وَلُزُومِ ) حُجَّتِهِ ، وَإِنْ تَقَدَّمَهُ اخْتِلَافٌ ، إذْ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ .
وَأَيْضًا : فَلَوْ جَازَ إجْمَاعُ أَهْلِ عَصْرٍ عَلَى قَوْلٍ يَجُوزُ الشَّكُّ فِي تَصْوِيبِهِ وَالْوُقُوفُ عَلَى اتِّبَاعِهِ ، لَبَطَلَ وُقُوعُ الْعِلْمِ : بِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِي كُلِّ عَصْرٍ مِنْ ( شُهَدَاءَ لِلَّهِ ) تَعَالَى ، مُتَمَسِّكِينَ بِالْحَقِّ غَيْرِ مُبْطِلِينَ وَلَا ضَالِّينَ ، وَهَذَا يُوجِبُ بُطْلَانَ الْقَوْلِ بِصِحَّةِ الْإِجْمَاعِ .   
             فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : لَمَّا اخْتَلَفُوا وَسَوَّغُوا الِاجْتِهَادَ فِيهِ ، صَارَ ذَلِكَ إجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى جَوَازِ الِاخْتِلَافِ ، وَتَسْوِيغِ الِاجْتِهَادِ فِيهِ ، فَقَدْ صَارَ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنْ تَجْوِيزِ ذَلِكَ - حُكْمًا لِلَّهِ تَعَالَى ، وَمَا ثَبَتَ بِهِ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى فِي وَقْتٍ ، فَهُوَ ثَابِتٌ أَبَدًا حَتَّى يَثْبُتَ نَسْخُهُ ، وَالنَّسْخُ مَعْدُومٌ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ .
              قِيلَ لَهُ : تَسْوِيغُهُمْ الِاجْتِهَادَ فِيهِ مَعْقُودٌ بِبَقَاءِ الْخِلَافِ وَعَدَمِ الْإِجْمَاعِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّا قَدْ عَلِمْنَا : أَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ حُجَّةَ الْإِجْمَاعِ ، فَعَلِمْنَا بِذَلِكَ : أَنَّ تَسْوِيغَهُمْ الِاجْتِهَادَ فِيهِ مُضَمَّنٌ بِهَذِهِ الشَّرِيطَةِ .  أَلَا تَرَى : أَنَّهُمْ لَوْ اخْتَلَفُوا ، ثُمَّ أَجْمَعُوا عَلَى قَوْلٍ كَانَ إجْمَاعُهُمْ قَاطِعًا لِاخْتِلَافِهِمْ بَدْءًا ، وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَمْ يَتَقَدَّمْهُ اخْتِلَافٌ ، وَكَثِيرٌ مِنْ الْإِجْمَاعَاتِ إنَّمَا حَصَلَتْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، أَلَا تَرَى : أَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا اخْتَلَفُوا بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ عليه السلام فِي أَمْرِ الْإِمَامَةِ ، فَقَالَتْ الْأَنْصَارُ : ( مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ ) ، ثُمَّ أَجْمَعُوا عَلَى بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه ، فَانْحَسَمَ ذَلِكَ الْخِلَافُ ، وَصَحَّ الْإِجْمَاعُ .
          وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ ، ثُمَّ أَجْمَعُوا عَلَى قِتَالِهِمْ ، فَكَانَ إجْمَاعُهُمْ بَعْدَ الِاخْتِلَافِ قَاطِعًا لِلْخِلَافِ السَّابِقِ لَهُ . وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ قِسْمَةِ السَّوَادِ ، ثُمَّ أَجْمَعُوا عَلَى تَرْكِ قِسْمَتِهِ ، فَكَانَ إجْمَاعًا صَحِيحًا ، لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ بَعْدَهُمْ مُخَالَفَتُهُ .   
         قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا : إنَّمَا يَلْزَمُ مَنْ يَقُولُ : إنَّ إجْمَاعَهُمْ بَعْدَ الِاخْتِلَافِ يَقْطَعُ الِاخْتِلَافَ ، لِأَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ إنَّمَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ بِانْقِرَاضِ أَهْلِ الْعَصْرِ ، فَأَمَّا مَنْ لَا يَعْتَبِرُ انْقِرَاضَ أَهْلِ الْعَصْرِ فِي صِحَّةِ وُقُوعِ الْإِجْمَاعِ ، فَإِنَّهُ يَأْبَى أَيْضًا أَنْ يَجْعَلَ إجْمَاعَهُمْ بَعْدَ اخْتِلَافِهِمْ إجْمَاعًا صَحِيحًا يَلْزَمُ حُجَّتُهُ ، لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنْهُمْ مِنْ انْعِقَادِ إجْمَاعِهِمْ عَلَى تَسْوِيغِ الِاجْتِهَادِ فِيهِ ، فَلَا يَنْعَقِدُ هَذَا الْإِجْمَاعُ عِنْدَهُمْ بِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَقَاوِيلِ . وَقَدْ قُلْنَا : إنَّ انْعِقَادَ إجْمَاعِهِمْ عَلَى تَسْوِيغِ الِاجْتِهَادِ وَجَوَازِ الِاخْتِلَافِ مُضَمَّنٌ بِعَدَمِ الْإِجْمَاعِ ، وَهُوَ كَمَا تَقُولُ فِي الْمُجْتَهِدِ : إنَّهُ مَأْمُورٌ بِإِمْضَاءِ مَا يُؤَدِّيهِ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ ( بَعْدَ ذَلِكَ ) ، وَكَانَ مَا لَزِمَهُ مِنْ ذَلِكَ مُضَمَّنًا بِبَقَاءِ الِاجْتِهَادِ الْأَوَّلِ ، فَإِنْ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى قَوْلٍ آخَرَ ، حَرُمَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ ، فَكَانَتْ صِحَّةُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَلُزُومُ حُكْمِهِ مَوْقُوفًا عَلَى بَقَاءِ الِاجْتِهَادِ الْمُؤَدِّي إلَى الْقَوْلِ بِهِ . وَكَذَلِكَ نَقُولُ : إنَّ تَسْوِيغَ الِاجْتِهَادِ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي اخْتَلَفُوا فِيهَا مَوْقُوفٌ عَلَى عَدَمِ وُقُوعِ الْإِجْمَاعِ عَلَى بَعْضِ تِلْكَ الْأَقَاوِيلِ ، فَمَتَى  حَصَلَ الْإِجْمَاعُ عَلَى قَوْلٍ مِنْهَا زَالَ الْخِلَافُ ، وَثَبَتَتْ حُجَّةُ الْإِجْمَاعِ .
          ثُمَّ لَيْسَ يَخْلُو الْقَائِلُ بِخِلَافِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَحَدِ مَعْنَيَيْنِ : إمَّا أَنْ يُحِيلَ وُجُودَ إجْمَاعٍ بَعْدَ اخْتِلَافٍ كَانَ فِي الْعَصْرِ الْمُتَقَدِّمِ ، وَيَمْنَعَ كَوْنَهُ ، أَوْ يُجِيزَ وُقُوعَهُ ، إلَّا أَنَّهُ ( لَا ) تَثْبُتُ حُجَّتُهُ ، وَلَا يُرْفَعُ ( الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ بِهِ ) ، فَإِنْ أَحَالَ وُجُودَ إجْمَاعٍ بَعْدَ اخْتِلَافٍ كَانَ فِي عَصْرٍ مُتَقَدِّمٍ ، فَإِنَّا نُوجِدُهُ ، ذَلِكَ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ دَفْعُهُ ، وَإِنْ كَانَ يُجِيزُ وُجُودَهُ ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ حُجَّتُهُ ، فَإِنَّ هَذَا يُوجِبُ عَلَيْهِ نَفْيَ صِحَّةِ إجْمَاعِ أَهْلِ الْأَعْصَارِ ، وَقَدْ ثَبَتَ عِنْدَنَا صِحَّةُ الْقَوْلِ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْأَعْصَارِ ، وَمَا كَانَ حُجَّةً لِلَّهِ تَعَالَى لَمْ يَخْتَلِفْ حُكْمُهُ بِاخْتِلَافِ الْأَزْمَانِ وَالْأَعْصَارِ ، وَلَوْ جَازَ عَلَى الْأُمَّةِ الْإِجْمَاعُ عَلَى الْخَطَأِ فِي عَصْرٍ ، لَجَازَ اجْتِمَاعُهَا عَلَى الْخَطَأِ فِي سَائِرِ الْأَزْمَانِ . وَهَذَا شَيْءٌ قَدْ عَلِمْت بُطْلَانَهُ . أَلَا تَرَى : أَنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ لَمَّا كَانَا حُجَّةً لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى الْأُمَّةِ ، لَمْ يَخْتَلِفْ حُكْمُهُمَا فِي ثُبُوتِ حُجَّتِهِمَا فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ حُجَجِ اللَّهِ تَعَالَى وَدَلَائِلِهِ ، إلَّا فِيمَا يَجُوزُ ( نَسْخُهُ ) وَتَبْدِيلُهُ . وَالْإِجْمَاعُ مِمَّا لَا يَجُوزُ وُقُوعُ النَّسْخِ فِيهِ ، لِأَنَّا إنَّمَا نَعْتَبِرُهُ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَا يَجُوزُ النَّسْخُ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ .
           فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : مَا أَنْكَرْت أَنْ يَكُونَ إجْمَاعُ أَهْلِ الْعَصْرِ الثَّانِي بَعْدَ الِاخْتِلَافِ الَّذِي كَانَ بَيْنَ أَهْلِ الْعَصْرِ الْمُتَقَدِّمِ صَوَابًا ، وَيُسَوَّغُ الْخِلَافُ عَلَيْهِ بِأَحَدِ أَقَاوِيلِ الْمُخْتَلِفِينَ الَّذِينَ  سَبَقُوهُمْ بِهِ ، كَمَا نَقُولُ فِي سَائِرِ الِاجْتِهَادِ : إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُخْتَلِفِينَ جَائِزٌ لَهُ الْقَوْلُ بِمَا صَارَ إلَيْهِ مِنْ الْمَذْهَبِ الَّذِي أَدَّاهُ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ .
         قِيلَ لَهُ : وَلَوْ سَاغَ هَذَا لَبَطَلَتْ حُجَّةُ الْإِجْمَاعِ رَأْسًا ، لِأَنَّ كُلَّ إجْمَاعٍ يَحْصُلُ عَلَى قَوْلٍ يَجُوزُ لِأَهْلِ الْعَصْرِ الثَّانِي خِلَافُهُ ، وَيَكُونُ كُلُّهُ جَائِزًا ، وَلَا يُقَدَّمُ فِي صِحَّةِ الْإِجْمَاعِ ، لِأَنَّهُ صَوَابٌ كَمَا قُلْت فِي الْمُجْتَهِدِينَ إذَا اخْتَلَفُوا ، وَهَذَا يُوجِبُ بُطْلَانَ حُجَّةِ الْإِجْمَاعِ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ : فَأَمَّا مَا وَعَدْنَا إيجَادَهُ مِنْ حُصُولِ إجْمَاعَاتٍ فِي الْأُمَّةِ بَعْدَ اخْتِلَافٍ شَائِعٍ فِي عَصْرٍ مُتَقَدِّمٍ . فَإِنَّهُ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى ، وَلَكِنَّا نَذْكُرُ مِنْهُ طَرَفًا نُبَيِّنُ بِهِ فَسَادَ قَوْلِ مَنْ أَبَى وُجُودَهُ ، فَمِنْ ذَلِكَ : 
        قَوْلُ عُمَرَ فِي الْمَرْأَةِ تُزَوَّجُ فِي عِدَّتِهَا : ( إنَّ مَهْرَهَا ( يُجْعَلُ ) فِي بَيْتِ الْمَالِ ) ، وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ . وَقَالَ عَلِيٌّ : الْمَهْرُ لَهَا ، بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا ، فَهَذَا قَدْ كَانَ خِلَافًا مَشْهُورًا فِي السَّلَفِ ، وَقَدْ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ بَعْدَهُمْ : عَلَى أَنَّ الْمَهْرَ إذَا وَجَبَ فَهُوَ لَهَا ، لَا يُجْعَلُ فِي بَيْتِ الْمَالِ . 
        وَمِنْهُ : قَوْلُ ( ابْنِ ) عُمَرَ ، وَالْحَسَنِ ، وَشُرَيْحٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَطَاوُسٌ ، فِي جَارِيَةٍ بَيْنَ رَجُلَيْنِ وَطِئَهَا أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ ، وَقَالَ مَكْحُولٌ وَالزُّهْرِيُّ : عَلَيْهِ الْحَدُّ . وَقَدْ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ بَعْدَ هَذَا الِاخْتِلَافِ ، أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ .
            وَاخْتَلَفَتْ الصَّحَابَةُ فِي عِدَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا . فَقَالَ عُمَرُ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ فِي آخَرِينَ : ( أَجَلُهَا أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا ) . وَقَالَ عَلِيٌّ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ : ( عِدَّتُهَا أَبْعَدُ الْأَجَلَيْنِ ) ، وَكَانَ هَذَا الْخِلَافُ مُنْتَشِرًا ظَاهِرًا فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ حَاجَّ فِيهِ  بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، وَفِيهِ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : ( مَنْ شَاءَ بَاهَلْته ) : أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى { وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } : نَزَلَ بَعْدَ قَوْلِهِ : { أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } وَقَدْ اتَّفَقَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ بَعْدَهُمْ : أَنَّ عِدَّتَهَا أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا .
 وَقَالَ عُمَرُ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ ، وَمَسْرُوقٌ ، وَطَاوُسٌ : أُمَّهَاتُ النِّسَاءِ مُبْهَمَةٌ يَحْرُمْنَ بِالْعَقْدِ . وَقَالَ عَلِيٌّ ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، ( وَمُجَاهِدٌ ) : هُنَّ كَالرَّبَائِبِ ، لَا يَحْرُمْنَ إلَّا بِالْوَطْءِ ، وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : إنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا تَزَوَّجَ بِأُمِّهَا ، وَإِنْ مَاتَتْ عِنْدَهُ لَمْ يَتَزَوَّجْ الْأُمَّ ، وَهَذَا أَيْضًا كَانَ مِنْ الْخِلَافِ الْمَشْهُورِ فِي السَّلَفِ ، وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ بَعْدَهُمْ : عَلَى أَنَّهُنَّ يَحْرُمْنَ بِالْعَقْدِ .
         وَقَالَ عَلِيٌّ ، وَعُمَرُ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ، وَسَعْدٌ ، وَشُرَيْحٌ : بَيْعُ الْأَمَةِ لَا يُفْسِدُ نِكَاحَهَا ، وَقَالَ ( ابْنُ ) مَسْعُودٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَأَنَسٌ ، وَجَابِرٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنُ : بَيْعُ الْأَمَةِ طَلَاقُهَا . وَاتَّفَقَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ بَعْدَهُمْ : عَلَى أَنَّ بَيْعَ الْأَمَةِ لَا يُفْسِدُ نِكَاحَهَا .
             وَنَظَائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ ، تَفُوقُ الْإِحْصَاءَ ، وَيَطُولُ الْكِتَابُ بِذِكْرِهَا ، وَإِذَا كُنَّا قَدْ وَجَدْنَا أَهْلَ الْأَعْصَارِ مِنْ الْفُقَهَاءِ بَعْدَهُمْ قَدْ اتَّفَقُوا عَلَى أَحَدِ الْأَقَاوِيلِ الَّتِي قَالُوا بِهَا ، فَلَوْ جَازَ مُخَالَفَتُهُمْ بَعْدَ إجْمَاعِهِمْ ( لَخَرَجَ إجْمَاعُهُمْ ) مِنْ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً لِلَّهِ تَعَالَى لَا يَسَعُ خِلَافُهُ ، وَلَا نَأْمَنُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ خَطَأٌ ، وَأَنَّ الصَّوَابَ فِي أَحَدِ الْأَقَاوِيلِ الَّتِي لَمْ يُجْمِعُوا عَلَيْهَا ، مِمَّا كَانَ السَّلَفُ اخْتَلَفُوا فِيهَا .
           فَإِنْ قَالَ الْقَائِلُ عَلَى مَا قَدَّمْنَا : لَوْ جَازَ أَنْ يُقَالَ فِيمَا اخْتَلَفَ فِيهِ السَّلَفُ وَسَوَّغُوا فِيهِ  الِاجْتِهَادَ ، وَأَنَّهُمْ سَوَّغُوا 

مَا لَمْ يَحْصُلْ إجْمَاعٌ ، لَجَازَ أَنْ يُقَالَ فِيمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ : إنَّمَا يَكُونُ حُجَّةً مَا لَمْ يَحْصُلْ خِلَافٌ ، فَإِذَا وَقَعَ بَعْدَهُمْ خِلَافٌ لَمْ يَكُنْ إجْمَاعًا . قِيلَ لَهُ : لَا يَجِبُ ذَلِكَ ، لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ حَيْثُمَا وُجِدَ فَهُوَ حُجَّةٌ لِلَّهِ تَعَالَى : كَالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَلَا جَائِزَ أَنْ يُقَالَ فِيهِ : إنَّهُ حُجَّةٌ مَا لَمْ يَكُنْ بَعْدَهُ خِلَافٌ . وَأَمَّا تَسْوِيغُ الِاجْتِهَادِ فِي الْمَسْأَلَةِ فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مُضَمَّنًا بِالشَّرِيطَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا ، فَيُقَالُ : إنَّ الِاجْتِهَادَ سَائِغٌ ، مَا لَمْ يُوجَدْ نَصٌّ ، أَوْ إجْمَاعٌ فَإِذَا وُجِدَ نَصٌّ أَوْ إجْمَاعٌ سَقَطَ جَوَازُ الِاجْتِهَادِ . أَلَا تَرَى : أَنَّ عُمَرَ كَانَ يُسَوِّغُ الِاجْتِهَادَ فِي أَمْرِ الْجَنِينِ ، حَتَّى لَمَّا أَخْبَرَهُ حَمَلُ بْنُ مَالِكٍ بِنَصِّ السُّنَّةِ . قَالَ : ( كِدْنَا أَنْ نَقْضِيَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ بِرَأْيِنَا ، وَفِيهِ سُنَّةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) .

           وَكَذَلِكَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ ، فَإِنَّمَا جَوَازُ اجْتِهَادِهِ عِنْدَ نَفْسِهِ مُضَمَّنٌ بِعَدَمِ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ ، فَإِنْ اجْتَهَدَ ثُمَّ وَجَدَ نَصًّا أَوْ إجْمَاعًا بِخِلَافِهِ تَرَكَ اجْتِهَادَهُ ، وَصَارَ إلَى مُوجِبِ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ ، فَكَذَلِكَ اجْتِهَادُ الصَّحَابَةِ فِي حُكْمِ الْحَادِثَةِ ، وَتَسْوِيغُهُمْ الْخِلَافَ فِيهِ ، مَعْقُودٌ بِهَذِهِ الشَّرِيطَةِ : وَهُوَ أَنْ ( لَا ) يَحْصُلَ بَعْدَهُ إجْمَاعٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

بَابٌ فِي وُقُوعِ الِاتِّفَاقِ ( عَلَى التَّسْوِيَةِ ) بَيْنَ شَيْئَيْنِ فِي الْحُكْمِ

 	   قَالَ أَصْحَابُنَا : إذَا ( أَجْمَعَ ) أَهْلُ عَصْرٍ عَلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ حُكْمِ شَيْئَيْنِ ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُخَالِفَ بَيْنَ حُكْمِهِمَا مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ . وَقَدْ ذَكَرَهُ عِيسَى فَقَالَ : أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ وَاحِدٌ فِي وُجُوبِ تَوْرِيثِهِمَا ، أَوْ حِرْمَانِهِمَا ، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . وَكَذَلِكَ الْخَالُ وَالْخَالَةُ ، فَمَنْ وَرَّثَ الْخَالَ وَرَّثَ الْخَالَةَ ، وَكَذَلِكَ مَنْ وَرَّثَ الْعَمَّةَ وَرَّثَ الْخَالَةَ ، وَمَنْ لَمْ يُوَرِّثْ أَحَدَهُمَا وَجَعَلَ الْمِيرَاثَ لِبَيْتِ الْمَالِ ، لَمْ يُوَرِّثْ الْآخَرَ .
                وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ : وُقُوعُ الِاتِّفَاقِ مِنْ الْجَمِيعِ عَلَى تَسَاوِيهِمَا فِي هَذَا الْوَجْهِ ، فَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَقَدْ خَالَفَ إجْمَاعَ الْجَمِيعِ ، وَلَوْ سَاغَ هَذَا لَسَاغَ الْخُرُوجُ عَنْ اخْتِلَافِهِمْ جَمِيعًا .
             فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : إنَّمَا لَمْ يَجُزْ الْخُرُوجُ عَنْ اخْتِلَافِهِمْ لِإِجْمَاعِهِمْ : عَلَى أَنْ لَا قَوْلَ فِي الْمَسْأَلَةِ إلَّا مَا قَالُوا ، فَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ إحْدَاثُ مَذْهَبٍ غَيْرِ مَذَاهِبِهِمْ .
        قِيلَ لَهُ : فَإِنَّمَا صَحَّ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ صَحَّ الْقَوْلُ بِلُزُومِ إجْمَاعِهِمْ ، وَأَنَّ الْحَقَّ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمْ وَلَا يَعْدُوهُمْ ، فَوَاجِبٌ أَنْ يَقُولَ مِثْلَهُ فِي مَسْأَلَتِنَا لِهَذِهِ الْعِلَّةِ بِعَيْنِهَا ، لِحُصُولِ إجْمَاعِهِمْ عَلَى التَّسْوِيَةِ ، فَلَا يَجُوزُ خِلَافُهُمْ . 
       فَإِنْ قَالَ : إنَّمَا سَوَّوْا بَيْنَهُمْ لِدَلَالَةٍ أَوْجَبَتْ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ ، فَتَحْتَاجُ أَنْ نَطْلُبَ الدَّلِيلَ ( فِي إيجَابِ التَّسْوِيَةِ أَوْ جَوَازِ التَّفْرِيقِ .   قِيلَ لَهُ : فَقُلْ مِثْلَهُ فِي كُلِّ إجْمَاعٍ وَقَعَ مِنْهُمْ ، إنَّهُ إنَّمَا يَصِحُّ لِدَلَالَةٍ أَوْجَبَتْ ذَلِكَ فَتَحْتَاجُ أَنْ تَنْظُرَ فِي الدَّلِيلِ ) فَإِنْ صَحَّ ثَبَتَ الْإِجْمَاعُ ، وَإِلَّا لَمْ يَثْبُتْ ، وَتَجْوِيزُ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى بُطْلَانِ حُجَّةِ الْإِجْمَاعِ .

بَابٌ الْقَوْلُ فِي اعْتِبَارِ الْإِجْمَاعِ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ

	   إذَا حَصَلَ الِاتِّفَاقُ عَلَى حُكْمِ شَيْءٍ ثُمَّ حَدَثَ مَعْنًى فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ فَاخْتَلَفُوا عِنْدَ حُدُوثِهِ ، فَإِنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَحْتَجُّ بَعْدَ حُدُوثِ الْخِلَافِ بِالْإِجْمَاعِ الْمُتَقَدِّمِ قَبْلَ حُدُوثِ الْمَعْنَى . وَذَلِكَ : نَحْوُ احْتِجَاجِ مَنْ يَحْتَجُّ فِي الْمَاءِ إذَا حَلَّتْهُ نَجَاسَةٌ لَمْ تُغَيِّرْ طَعْمَهُ وَلَوْنَهُ وَلَا رَائِحَتَهُ : أَنَّهُ طَاهِرٌ ، لِإِجْمَاعِنَا عَلَى طَهَارَتِهِ قَبْلَ حُدُوثِ النَّجَاسَةِ فِيهِ ، ( فَنَحْنُ ) عَلَى ذَلِكَ الْإِجْمَاعِ حَتَّى يُزِيلَنَا عَنْهُ دَلِيلٌ ، وَكَمَنْ يُجِيزُ لِلْمُتَيَمِّمِ إذَا رَأَى الْمَاءَ فِي الصَّلَاةِ الْمُضِيَّ فِيهَا . وَيَحْتَجُّ : أَنَّا قَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى صِحَّةِ دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ ، فَنَحْنُ عَلَى ذَلِكَ الْإِجْمَاعِ فِي بَقَاءِ صَلَاتِهِ ، حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى غَيْرِهِ ، وَكَمَنْ احْتَجَّ بِجَوَازِ بَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ بِاتِّفَاقِ الْجَمِيعِ عَلَى جَوَازِ بَيْعِهَا قَبْلَ الِاسْتِيلَادِ ، فَنَحْنُ عَلَى ذَلِكَ الْإِجْمَاعِ ، حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى امْتِنَاعِ جَوَازِ بَيْعِهَا . وَنَظَائِرُ ذَلِكَ مِنْ الْمَسَائِلِ .
               قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَهَذَا ( عِنْدَنَا ) مَذْهَبٌ سَاقِطٌ ، مَتْرُوكٌ ، لَا يَرْجِعُ الْقَائِلُ بِهِ إلَى تَحْصِيلِ دَلَالَتِهِ مَتَى حُقِّقَتْ عَلَيْهِ مَقَالَتُهُ ، ذَلِكَ : ( أَنَّهُ ) لَا يَخْلُو : مِنْ أَنْ يَكُونَ الْإِجْمَاعُ الْمُتَقَدِّمُ قَبْلَ حُدُوثِ الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ وَقَعَ الْخِلَافُ ، إنَّمَا وَجَبَ اتِّبَاعُهُ وَلُزُومُهُ لِأَجْلِ وُقُوعِ  الِاتِّفَاقِ ، أَوْ لِدَلِيلٍ غَيْرِهِ ، فَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ إنَّمَا ثَبَتَ قَبْلَ حُدُوثِ الْمَعْنَى الَّذِي كَانَ الْخِلَافُ مِنْ أَجْلِهِ لِلْإِجْمَاعِ الْوَاقِعِ عَلَيْهِ وَلَا إجْمَاعَ فِيهِ بَعْدَ حُدُوثِ الْمَعْنَى ، فَمِنْ أَيْنَ أَثْبَتَهُ ؟ وَقَوْلُهُ : وَنَحْنُ عَلَى مَا كُنَّا عَلَيْهِ مِنْ الْإِجْمَاعِ خَطَأٌ ، لِأَنَّ ذَلِكَ الْإِجْمَاعَ غَيْرُ مَوْجُودٍ . فَيُقَالُ فِيهِ : نَحْنُ عَلَى مَا كُنَّا عَلَيْهِ ، لِأَنَّ الَّذِي كُنَّا عَلَيْهِ قَدْ زَالَ ، فَإِنْ بَنَيْت مَوْضِعَ الْخِلَافِ عَلَى الْإِجْمَاعِ الْمَنْصُوصِ ، فَأَرِنَا وَجْهَ بِنَائِهِ ، مَقْرُونًا بِدَلَالَةٍ تُوجِبُ صِحَّتَهُ . فَإِنْ قَالَ : إنَّمَا حَكَمْت بَدْءًا فِي حَالِ مَا وَقَعَ الْإِجْمَاعُ ، بِدَلَالَةٍ غَيْرِ الْإِجْمَاعِ ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ . قِيلَ لَهُ : فَأَظْهِرْ تِلْكَ الدَّلَالَةَ حَتَّى تُنَوِّرَهَا ، فَإِنْ كَانَتْ مُوجِبَةً لَهُ بَعْدَ وُقُوعِ الْخِلَافِ كَإِيجَابِهَا لَهُ ( قَبْلَهُ ) حَكَمْنَا لَهُ ( بِحُكْمِهِ ) ، وَإِلَّا فَقَدْ أَخْلَيْت قَوْلَك مِنْ دَلِيلٍ يُعَضِّدُهُ ، وَحَصَلْت فِيهِ عَلَى دَعْوَى مُجَرَّدَةٍ . وَعَلَى أَنَّ أَكْثَرَ الْمَسَائِلِ مِنْ هَذَا الضَّرْبِ يُمْكِنُ عَكْسُهَا عَلَى الْقَائِلِ بِهَا فِي الْوَجْهِ الَّذِي يَحْتَجُّ بِهِ ، فَيَلْزَمُهُ بِهَا ضِدُّ مُوجِبِ حُكْمِهَا الَّذِي رَامَ إثْبَاتَهُ . فَلَا يُمْكِنُهُ الِانْفِصَالُ مِنْهَا . نَحْوُ قَوْلِهِ فِي الْمَاءِ بَعْدَ حُلُولِ النَّجَاسَةِ ( فِيهِ ) : إنَّهُ عَلَى أَصْلِ طَهَارَتِهِ ، لِإِجْمَاعِنَا عَلَى أَنَّهُ كَانَ طَاهِرًا قَبْلَ حُلُولِهَا فِيهِ ، فَنَحْنُ عَلَى ذَلِكَ الْإِجْمَاعِ ، حَتَّى يَنْقُلَنَا عَنْهُ دَلِيلٌ ، فَنَقْلِبَ عَلَيْهِ ، هَذَا فِي الْمُحْدِثِ إذَا تَوَضَّأَ بِهَذَا الْمَاءِ ، أَنَّهُ قَدْ أَجْمَعْنَا قَبْلَ طَهَارَتِهِ بِهَذَا أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ لَهُ الدُّخُولُ فِي الصَّلَاةِ إلَّا بِطَهَارَةٍ صَحِيحَةٍ ، وَاخْتَلَفْنَا بَعْدَ اسْتِعْمَالِهِ لَهُ ، هَلْ صَحَّ لَهُ الدُّخُولُ فِي الصَّلَاةِ أَمْ لَا ؟ فَنَحْنُ عَلَى مَا كُنَّا عَلَيْهِ مِنْ الْإِجْمَاعِ فِي بَقَاءِ الْحَدَثِ وَامْتِنَاعِ دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ ، حَتَّى تَقُومَ الدَّلَالَةُ عَلَى زَوَالِ حَدَثِهِ . وَكَذَلِكَ الْمُتَيَمِّمُ إذَا رَأَى الْمَاءَ فِي الصَّلَاةِ ، فَقَدْ اتَّفَقْنَا : ( عَلَى ) أَنَّ فَرْضَهُ لَمْ يَسْقُطْ بِالدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ ، وَاخْتَلَفْنَا إذَا بَنَى عَلَيْهَا بَعْدَ وُجُودِ الْمَاءِ ، فَنَحْنُ عَلَى مَا كُنَّا عَلَيْهِ فِي  بَقَاءِ الْفَرْضِ عَلَيْهِ حَتَّى يَنْقُلَنَا عَنْهُ دَلِيلٌ .
              فَكَذَلِكَ يُقَالُ لِمَنْ أَجَازَ بَيْعَ أُمِّ الْوَلَدِ بِالْإِجْمَاعِ الْمُتَقَدِّمِ فِي جَوَازِ بَيْعِهَا قَبْلَ الِاسْتِيلَادِ : إنَّا قَدْ أَجْمَعْنَا أَنَّهَا فِي حَالِ الْحَمْلِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا ، فَلَا تَزُولُ عَنْ ذَلِكَ الْإِجْمَاعِ بَعْدَ الْوِلَادَةِ ، حَتَّى يَنْقُلَنَا عَنْهُ دَلِيلٌ ، وَهَذَا أَيْضًا قَوْلُ مَنْ يَقُولُ : إنَّ النَّافِيَ لَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ ، فَنَقُولُ لَهُ : فَأَقِمْ الدَّلِيلَ عَلَى صِحَّةِ اعْتِقَادِك لِلنَّفْيِ ، لِأَنَّ اعْتِقَادَك لِنَفْيِ الْحُكْمِ : هُوَ إثْبَاتُ حُكْمٍ . فَمِنْ أَيْنَ ثَبَتَ هَذَا الِاعْتِقَادُ ؟ فَإِنَّك لَا تَأْبَى مِنْ إيجَابِ ( الدَّلِيلِ ) عَلَى الْمُثْبِتِ . وَأَنْتَ مُثْبِتٌ لِلْحُكْمِ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا ، كَذَلِكَ نَقُولُ لِلْقَائِلِ : بِأَنَّا عَلَى الْإِجْمَاعِ الْأَوَّلِ : إنَّك قَدْ أَثْبَتّ حُكْمًا لِغَيْرِ الْإِجْمَاعِ بَعْدَ وُقُوعِ الْخِلَافِ ، فَهَلُمَّ الدَّلَالَةُ عَلَيْهِ ، إلَى أَنْ نَرْجِعَ إلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ : لَا دَلِيلَ عَلَى النَّافِي فَيَلْزَمُك مَا أَلْزَمْنَاهُ ، وَمَا سَنُبَيِّنُهُ فِيمَا بَعْدُ : مِنْ فَسَادِ قَوْلِ الْقَائِلِينَ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ .
            فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : لَمَّا كَانَتْ الْحَالُ الْأُولَى يَقِينًا ، لَمْ يَجُزْ لَنَا بَعْدَ حُدُوثِ الْحَادِثَةِ : أَنْ نَزُولَ عَنْهَا بِالشَّكِّ ، لِأَنَّ الشَّكَّ لَا يُزِيلُ الْيَقِينَ ( فَوَجَبَ الْبَقَاءُ عَلَى الْحَالِ الْأُولَى .
          قِيلَ لَهُ : الْيَقِينُ غَيْرُ مَوْجُودٍ بَعْدَ وُجُودِ الشَّكِّ ) فَقَوْلُك لَا يَزُولُ الْيَقِينُ بِالشَّكِّ خَطَأٌ ، وَعَلَى أَنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ بِزَوَالِ حُكْمٍ قَدْ عَلِمْنَاهُ يَقِينًا بِغَيْرِ يَقِينٍ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إلَى الْكُفَّارِ } وَقَدْ كَانَ كُفْرُهُنَّ يَقِينًا ، فَأَزَالَهُ ظُهُورُ الْإِسْلَامِ مِنْهُنَّ مِنْ غَيْرِ حُصُولِ الْيَقِينِ بِزَوَالِهِ ، لِأَنَّ إظْهَارَهُنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ بِيَقِينٍ أَنَّهُنَّ كَذَلِكَ فِي الْحَقِيقَةِ . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي قِصَّةِ الْمُتَخَلِّفِينَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ : { وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا } إلَى آخِرِ الْآيَةِ ، فَحَكَمَ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ ، وَإِزَالَةِ حُكْمِ الذَّنْبِ الَّذِي قَدْ تُيُقِّنَ وُجُودُهُ مِنْهُمْ مِنْ غَيْرِ يَقِينٍ مِنَّا بِحَقِيقَتِهَا ، إلَّا مَا أَظْهَرُوا مِنْ التَّوْبَةِ ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : فِي قَوْمٍ آخَرِينَ : { سَيَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ لَكُمْ إذَا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا  عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إنَّهُمْ رِجْسٌ } فَأُمِرْنَا بِالْإِعْرَاضِ عَنْهُمْ مِنْ غَيْرِ قَبُولٍ لِتَوْبَتِهِمْ ، وَقَالَ تَعَالَى فِي قَوْمٍ آخَرِينَ : { وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا } فَوَقَفَ أَمْرُهُمْ مَعَ إظْهَارِهِمْ التَّوْبَةَ ، فَحَكَمَ فِي هَؤُلَاءِ بِثَلَاثَةِ أَحْكَامٍ : قَبُولِ التَّوْبَةِ مِنْ فَرِيقٍ مِنْهُمْ عَلَى الظَّاهِرِ . وَمَنْعِ قَبُولِ تَوْبَةِ آخَرِينَ . وَوَقْفِ أَمْرٍ فَرِيقٍ آخَرَ ، فَلَمْ يَأْمُرْ بِأَنْ يُحْمَلُوا عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي كَانَ يَقِينًا ، وَأَمَرَ بِقَبُولِ شَهَادَةِ الشُّهُودِ : عَلَى الْحُقُوقِ ، وَالْقَتْلِ ، وَالزِّنَا ، وَغَيْرِهِمَا . مِمَّا يُوجِبُ اسْتِحْقَاقَ الدَّمِ ، وَالْمَالِ ، وَشَهَادَةِ الشُّهُودِ ، وَلَا تُوجِبُ عِلْمَ الْيَقِينِ ، وَأَنَّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ عَلَيْهِ الْقَتْلُ ، وَالْمَالُ كَانَ يَقِينًا ، فَأَزَالَ ذَلِكَ الْيَقِينَ بِمَا لَيْسَ بِيَقِينٍ . وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ : أَنَّ رَجُلًا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ ، أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ لَهُ الْبَقَاءُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ اسْتِبَاحَتِهَا ، وَتَرْكِ مَسْأَلَةِ الْفُقَهَاءِ عَمَّا بُلِيَ بِهِ مِنْ النَّازِلَةِ .
               فَإِنْ احْتَجَّ الْقَائِلُ بِذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي الشَّاكِّ فِي الْحَدَثِ : أَنَّهُ يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ طَهَارَتَهُ الَّتِي كَانَتْ ، وَلَا يَزُولُ عَنْهَا بِالشَّكِّ ، وَبِمَا رُوِيَ عَنْ { النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَمَرَ الشَّاكَّ فِي صَلَاتِهِ بِالْبِنَاءِ عَلَى الْيَقِينِ } ، بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ : عَلَى أَنَّ الشَّاكَّ فِي طَلَاقِ امْرَأَتِهِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ ، فَكَانَتْ الْمَرْأَةُ زَوْجَتَهُ عَلَى مَا كَانَتْ ، وَكَذَلِكَ مَا ذَكَرْنَا : مِنْ وُجُوبِ الْبِنَاءِ عَلَى الْحَالِ الْأُولَى الَّتِي قَدْ ثَبَتَتْ قَبْلَ حُدُوثِ الْمَعْنَى الْمُوجِبِ لِلْخِلَافِ ، وَبَقَاءِ حُكْمِهَا حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى زَوَالِهِ . 
        قِيلَ لَهُ : لَيْسَ هَذَا مِنْ ذَاكَ فِي شَيْءٍ ، لِأَنَّ أَحْكَامَ الْحَوَادِثِ عَلَيْهَا دَلِيلٌ قَائِمَةٌ ، فَوَجَبَ عِنْدَ حُدُوثِ الْخِلَافِ طَلَبُ الدَّلِيلِ عَلَى الْحُكْمِ ، فَإِنْ وَجَدْنَا عَلَى مَوْضِعِ الْخِلَافِ دَلِيلًا مِنْ  الْإِجْمَاعِ الَّذِي كُنَّا عَلَيْهِ وَوُجُوبُ مُسَاوَاتِهِ لَهُ بَنَيْنَاهُ عَلَيْهِ ، وَإِلَّا اعْتَبَرْنَاهُ بِغَيْرِهِ مِنْ الْأُصُولِ ، فَحَكَمْنَا بِمَا يُوجِبُهُ كَسَائِرِ الْحَوَادِثِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا ، وَأَمَّا الشَّاكُّ فِي الصَّلَاةِ وَالْحَدَثِ ، وَالشَّاكُّ فِي طَلَاقِ امْرَأَتِهِ ، فَلَيْسَ عَلَى مَا شَكَكْنَا فِيهِ مِنْ ذَلِكَ دَلِيلٌ مِنْ أَصْلٍ يُرْجَعُ إلَيْهِ ، وَيُرَدُّ عَلَيْهِ ، فَحُكْمُ النَّبِيِّ ﷺ ( فِيهِ ) مِنْ ذَلِكَ بِإِلْغَاءِ الشَّكِّ وَالْبِنَاءِ عَلَى الْيَقِينِ ، وَاتَّبَعْنَاهُ ، وَلَمْ يَجُزْ لَنَا رَدُّ مَا وَصَفْنَا مِنْ أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ إلَيْهِ .
            وَنَظِيرُ هَذَا مِنْ الْأَحْكَامِ : مَا نَقُولُهُ فِي الْمَقَادِيرِ الَّتِي لَا سَبِيلَ إلَى إثْبَاتِهَا مِنْ طَرِيقِ الْمَقَايِيسِ ، وَإِنَّمَا طَرِيقُهَا التَّوْقِيفُ وَالِاتِّفَاقُ ، فَمَتَى عَدِمْنَا التَّوْقِيفَ وَقَفْنَا عِنْدَ الْإِجْمَاعِ ، وَأَلْغَيْنَا الْمُخْتَلَفَ فِيهِ ، إذْ لَا سَبِيلَ إلَى اعْتِبَارِ مِقْدَارِهِ بِمَقَادِيرَ غَيْرِهَا فِي الْأُصُولِ ، مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ ، وَذَلِكَ نَحْوُ مَا نَقُولُهُ فِي مُدَّةِ أَقَلِّ الْحَيْضِ وَأَكْثَرِهِ ، وَفِي مِقْدَارِ السَّفَرِ وَالْإِقَامَةِ ، وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ : إنَّهُ يَجُوزُ الْوُقُوفُ عِنْدَ الِاتِّفَاقِ ، وَإِلْغَاءُ الْخِلَافِ وَتَبْقِيَتُهُ عَلَى الْأَصْلِ ، إذْ لَا سَبِيلَ إلَى إثْبَاتِهِ مِنْ طَرِيقِ الْقِيَاسِ وَالِاجْتِهَادِ ، وَإِنَّمَا : طَرِيقُهُ التَّوْقِيفُ ، أَوْ الْإِيقَافُ ، وَقَدْ عَدِمْنَاهُمَا فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ .

بَابٌ الْقَوْلُ فِي تَقْلِيدِ الصَّحَابِيِّ إذَا لَمْ يُعْلَمْ خِلَافُهُ

	  قَالَ أَبُو بَكْرٍ : كَانَ أَبُو الْحَسَنِ يَقُولُ : كَثِيرًا مِمَّا أَرَى لِأَبِي يُوسُفَ فِي إضْعَافِ مَسْأَلَةٍ يَقُولُ : الْقِيَاسُ كَذَا ، إلَّا أَنِّي تَرَكْته لِلْأَثَرِ ، وَذَلِكَ الْآثَرُ قَوْلُ صَحَابِيٍّ لَا يُعْرَفُ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ نُظَرَائِهِ خِلَافُهُ .
         قَالَ أَبُو الْحَسَنِ : فَهَذَا يَدُلُّ مِنْ قَوْلِهِ دَلَالَةٌ بَيِّنَةٌ عَلَى أَنَّهُ ( كَانَ ) يَرَى " أَنَّ " تَقْلِيدَ الصَّحَابِيِّ إذَا لَمْ يُعْلَمْ خِلَافُهُ مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِ أَوْلَى مِنْ الْقِيَاسِ . قَالَ أَبُو الْحَسَنِ : أَمَّا أَنَا فَلَا يُعْجِبُنِي هَذَا الْمَذْهَبُ . قَالَ أَبُو الْحَسَنِ : وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَلَا يُحْفَظُ عَنْهُ ذَلِكَ ، إنَّمَا الَّذِي يُحْفَظُ عَنْهُ : أَنَّهُ قَالَ : إذَا اجْتَمَعَتْ الصَّحَابَةُ عَلَى شَيْءٍ سَلَّمْنَاهُ لَهُمْ ، وَإِذَا اجْتَمَعَ التَّابِعُونَ زَاحَمْنَاهُمْ .
         قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَقَدْ يُوجَدُ نَحْوُ مَا ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ أَيْضًا . وَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا : ( إنَّ الْقِيَاسَ ) فِيمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ وَقْتَ صَلَاةٍ : أَنْ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ ، إلَّا أَنَّهُمْ تَرَكُوا الْقِيَاسَ لِمَا رُوِيَ ( عَنْ عَمَّارٍ : أَنَّهُ أُغْمِيَ عَلَيْهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً فَقَضَى ) ، فَتَرَكُوا الْقِيَاسَ لِفِعْلِ عَمَّارٍ ، وَكَانَ أَبُو عُمَرَ الطَّبَرِيُّ يَحْكِي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْبَرْدَعِيِّ : أَنَّ قَوْلَ  الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ ، يُتْرَكُ لَهُ الْقِيَاسُ ، إذَا لَمْ يُعْلَمْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ نُظَرَائِهِ خِلَافُهُ ، قَالَ : وَكَانَ يُحْتَجُّ فِيهِ بِأَنَّ قِيَاسَ الصَّحَابِيِّ أَرْجَحُ مِنْ قِيَاسِنَا وَأَقْوَى ، لِعِلْمِهِمْ بِأَحْوَالِ الْمَنْصُوصَاتِ بِمُشَاهَدَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ خَبَرِ الْوَاحِدِ عَنْ النَّبِيِّ عليه السلام فِي كَوْنِهِ مُقَدَّمًا عَلَى الْقِيَاسِ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِوُقُوعِ مُخْبَرِهِ . كَذَلِكَ اجْتِهَادُ الصَّحَابِيِّ لَمَّا كَانَ أَقْوَى مِنْ اجْتِهَادِنَا - وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُقَدَّمًا عَلَى رَأَيْنَا . قَالَ : وَأَيْضًا فَإِنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ قَالَهُ نَصًّا وَتَوْثِيقًا ، وَجَائِزٌ أَنْ يَقُولَهُ اجْتِهَادًا ، فَصَارَ لَهُ هَذِهِ الْمَزِيَّةُ فِي لُزُومِ تَقْلِيدِهِ ، وَتَرْكِ قَوْلِنَا لِقَوْلِهِ .
            قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنَّ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فَلَهُ تَقْلِيدُ غَيْرِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ ، وَتَرْكُ رَأْيِهِ لِقَوْلِهِ ، وَإِنْ شَاءَ أَمْضَى اجْتِهَادَ نَفْسِهِ ( وَرَوَى دَاوُد بْنُ رَشِيدٍ ) ، عَنْ مُحَمَّدٍ مِثْلَ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ، ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ : لَيْسَ لِمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ تَقْلِيدُ غَيْرِهِ . وَكَانَ أَبُو الْحَسَنِ يَقُولُ : إنَّ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ فِي ذَلِكَ كَقَوْلِ مُحَمَّدٍ ، وَكَانَ يَحْتَجُّ لِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ : بِأَنَّ هَذَا عِنْدَهُ ضَرْبٌ مِنْ الِاجْتِهَادِ ، لِأَنَّهُ جَائِزٌ عِنْدَهُ أَنَّ مَنْ يُقَلِّدُهُ أَعْلَمُ وَأَعْرَفُ بِوُجُوهِ الْقِيَاسِ وَطُرُقِ الِاجْتِهَادِ مِنْهُ ، فَيَكُونُ تَقْلِيدُهُ إيَّاهُ ضَرْبًا مِنْ الِاجْتِهَادِ ، يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ اجْتِهَادُ مَنْ قَلَّدَهُ أَقْوَى وَأَوْثَقَ فِي نَفْسِهِ مِنْ اجْتِهَادِهِ . 
              قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَهَذَا يُقَوِّي مَا حَكَيْنَاهُ : مِنْ حِجَاجِ أَبِي سَعِيدٍ فِي تَقْلِيدِ الصَّحَابِيِّ ، وَيَكُونُ لِتَقْدِيمِ قِيَاسِ الصَّحَابِيِّ وَاجْتِهَادِهِ عَلَى اجْتِهَادِنَا فَضْلُ مَزِيَّةٍ بِمُشَاهَدَتِهِ لِلرَّسُولِ ﷺ ، وَمَعْرِفَتِهِ بِأَحْوَالِ النُّصُوصِ ، وَمَا نَزَلَتْ فِيهِ ، وَعِلْمِهِ بِتَصَارِيف الْكَلَامِ ، وَوُجُوهِ الْخِطَابِ  الَّتِي لَا يَبْلُغُهَا عِلْمُنَا وَمَعْرِفَتُنَا ، فَيَكُونُ قِيَاسُهُ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِنَا .
         وَمِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ أَيْضًالِهَذَا الْقَوْلِ ، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ { اقْتَدُوا بِاَللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي } قَدْ اقْتَضَى ظَاهِرَ لُزُومِ تَقْلِيدِهِمَا ، إذَا اتَّفَقَا عَلَى قَوْلٍ ، إلَّا أَنَّهُ قَدْ قَامَتْ الدَّلَالَةُ : عَلَى أَنَّهُمَا إذَا خَالَفَهُمَا غَيْرُهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ لَمْ يَلْزَمْ تَقْلِيدُهُمَا فَخَصَصْنَاهُ مِنْ اللَّفْظِ ، ، وَبَقِيَ حُكْمُهُ فِي لُزُومِ تَقْلِيدِهِمَا إذَا أَجْمَعَا عَلَى قَوْلٍ لَمْ يُخَالِفْهُمَا فِيهِ أَحَدٌ مِنْ نُظَرَائِهِمَا ، وَإِذَا لَزِمَ تَقْلِيدُهُمَا عِنْدَ اجْتِمَاعِهِمَا - لَزِمَ . تَقْلِيدُ أَحَدِهِمَا ، وَأَحَدُ الصَّحَابَةِ إذَا لَمْ يُعْلَمْ عَنْ غَيْرِهِ خِلَافُهُ ، لِأَنَّ أَحَدًا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا .
                 وَيَدُلُّ أَيْضًا : قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : { أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ } ، فَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي جَوَازَ الِاقْتِدَاءِ بِالْوَاحِدِ مِنْهُمْ ، وَأَنَّ الِاقْتِدَاءَ بِهِ هُدًى ، وَإِذَا كَانَ قَوْلُهُ مَحْكُومًا لَهُ بِالْهُدَى لَمْ يَجُزْ الْعُدُولُ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ .
               وَكَانَ أَبُو الْحَسَنِ يَحْتَجُّ فِي أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِيمَا يُسَوَّغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ ، وَلِلْقِيَاسِ مَدْخَلٌ فِي إثْبَاتِهِ : أَنَّهُ لَوْ كَانَ حُجَّةً ، لَمَا جَازَ لِغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِ مُخَالَفَتُهُ ، كَمَا أَنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ لَمَّا كَانَا حُجَّةً يَلْزَمُ اتِّبَاعُهُمَا لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ مُخَالَفَتُهُمَا .
            فَقِيلَ لَهُ : بِأَنَّ إجْمَاعَهُمْ حُجَّةٌ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَجَائِزٌ لِلْوَاحِدِ مِنْهُمْ مُخَالَفَةُ الْجَمَاعَةِ مَعَ كَوْنِ إجْمَاعِهِمْ حُجَّةً عَلَيْنَا . فَمَا أَنْكَرَتْ أَنْ لَا يَكُونَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ حُجَّةً ، وَيَكُونُ قَوْلُ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ حُجَّةً عَلَيْنَا يَلْزَمُنَا اتِّبَاعُهُ إذَا لَمْ يُخَالِفْهُ غَيْرُهُ ، 
           فَأَجَابَ بِأَنَّ خِلَافَ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ لِلْجَمَاعَةِ يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْإِجْمَاعِ .
          قَالَ : وَنَظِيرُ مَا قُلْنَا : أَنْ يُجْمِعُوا عَلَى شَيْءٍ ثُمَّ يَشِذَّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ ، فَيُخَالِفُهُمْ بَعْدَ  مُوَافَقَتِهِ إيَّاهُمْ ، فَلَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ ، لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ قَدْ انْعَقَدَ ، وَثَبَتَتْ حُجَّتُهُ فَلَا يُنْقِضُهُ خِلَافُ مَنْ خَالَفَهُمْ بَعْدَ مُوَافَقَتِهِ لَهُمْ . فَأَمَّا إذَا لَمْ يَحْصُلْ إجْمَاعٌ مِنْ جَمِيعِهِمْ ، فَلَمْ يَثْبُتْ هُنَاكَ حُجَّةٌ مِنْ جِهَةِ الْإِجْمَاعِ ، فَلِذَلِكَ جَازَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ مُخَالَفَتُهُ .
        قَالَ : وَوَجْهٌ آخَرُ : وَهُوَ أَنَّ الصَّحَابِيَّ لَمْ يَكُنْ يَدْعُو النَّاسَ إلَى تَقْلِيدِهِ وَاتِّبَاعِ قَوْلِهِ . ( أَلَا تَرَى : أَنَّ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَأَجَابَ فِيهَا ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : أَصَبْت الْحَقَّ ، أَوْ كَلَامًا نَحْوَهُ ، فَقَالَ عُمَرُ : وَاَللَّهِ مَا يَدْرِي عُمَرُ أَصَابَ أَوْ أَخْطَأَ ، وَلَكِنْ لَمْ آلُ عَنْ الْحَقِّ ) وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، فِي قَضِيَّةٍ قَضَى بِهَا ( فِي الْجَدِّ ) : لَيْسَ رَأْيِي حَقٌّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، فِي نَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الرِّوَايَاتِ عَنْهُمْ ، فِي نَفْيِ لُزُومِ تَقْلِيدِهِمْ . فَإِذَا لَمْ يَرَ هَؤُلَاءِ وُجُوبَ تَقْلِيدِهِمْ عَلَى النَّاسِ ، فَكَيْفَ يَجُوزُ لَنَا أَنْ نُقَلِّدَهُمْ؟
            قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَهَذَا يَحْتَمِلُ : أَنْ يَكُونَ الصَّحَابَةُ إنَّمَا مَنَعَتْ وُجُوبَ تَقْلِيدِهِمْ لِأَهْلِ عَصْرِهِمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ ، أَوْ أَنْ تَكُونَ مَسْأَلَةُ خِلَافٍ بَيْنَهُمْ فَأَخْبَرُوا : أَنَّهُمْ لَا يَلْزَمُ أَحَدٌ أَنْ يُقَلِّدَ بَعْضَهُمْ دُونَ بَعْضٍ فِيهَا ، وَأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ النَّظَرُ وَالِاجْتِهَادُ فِي طَلَبِ الْحُكْمِ دُونَ التَّقْلِيدِ . وَكَانَ أَبُو الْحَسَنِ يَرَى قَبُولَ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ ، ( لَازِمًا ) فِي الْمَقَادِيرِ الَّتِي لَا سَبِيلَ إلَى إثْبَاتِهَا مِنْ طَرِيقِ الْمَقَايِيسِ ، وَالِاجْتِهَادِ . وَيُعْزِي ذَلِكَ إلَى أَصْحَابِنَا ، وَيَذْكُرُ مَسَائِلَ قَالُوا فِيهَا بِتَقْلِيدِ الصَّحَابِيِّ وَلُزُومِ قَبُولِ قَوْلِهِ ، نَحْوِ مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام : لَا مَهْرَ أَقَلُّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ ، وَمَا رُوِيَ عَنْهُ ( إذَا قَعَدَ الرَّجُلُ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ ) وَنَحْوُ مَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ فِي أَقَلِّ الْحَيْضِ : أَنَّهُ ثَلَاثَةٌ ، وَأَنَّ أَكْثَرَهُ عَشَرَةٌ ( وَمَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ وَغَيْرِهِ ( فِي أَنَّ أَكْثَرَ النِّفَاسِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا ) ، وَمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ  رضي الله عنها : أَنَّ الْوَلَدَ لَا يَبْقَى فِي بَطْنِ أُمِّهِ بَعْدَ سَنَتَيْنِ بِمِقْدَارِ فَلْكَةِ مِغْزَلٍ ) .
             قَالَ أَبُو الْحَسَنِ : فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لَنَا سَبِيلٌ لِإِثْبَاتِ هَذِهِ الْمَقَادِيرِ مِنْ طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ وَالْمَقَايِيسِ وَكَانَ طَرِيقُهُ التَّوْقِيفَ أَوْ الِاتِّفَاقَ ، ثُمَّ وَجَدْنَا الصَّحَابِيَّ قَدْ قَطَعَ بِذَلِكَ وَأَثْبَتَهُ ، دَلَّ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِ : عَلَى أَنَّهُ قَالَهُ تَوْقِيفًا ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ بِهِمْ أَنَّهُمْ قَالُوهُ تَخْمِينًا وَتَظَنُّنًا ، فَصَارَ مَا كَانَ هَذَا وَصْفَهُ مِنْ الْمَقَادِيرِ إنَّمَا يَلْزَمُ قَبُولُ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ الْوَاحِدِ فِيهِ ، وَيَجِبُ اتِّبَاعُهُ مِنْ حَيْثُ كَانَ تَوْقِيفًا .
           قَالَ : وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا سَبِيلَ لَنَا إلَى إثْبَاتِ هَذَا الضَّرْبِ مِنْ الْمَقَادِيرِ مِنْ طَرِيقِ الْمَقَايِيسِ وَالرَّأْيِ وَأَنَّ طَرِيقَهُ التَّوْقِيفُ : أَنَّ هَذِهِ الْمَقَادِيرَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى ، لَيْسَ عَلَى جِهَةِ إيجَابِ الْفَصْلِ ( بَيْنَ ) قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ ، وَصَغِيرٍ وَكَبِيرٍ ، فَيَكُونُ مَوْكُولًا إلَى الِاجْتِهَادِ وَالرَّأْيِ ، وَإِنَّمَا هِيَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى مُبْتَدَأٌ ، كَمَقَادِيرِ أَعْدَادِ رَكَعَاتِ الصَّلَوَاتِ ، الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ، وَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ ، وَمَقَادِيرِ أَيَّامِ الصَّوْمِ الْوَاجِبِ ، وَمِقْدَارِ الْجَلْدِ فِي الْحَدِّ ، لَا سَبِيلَ إلَى إثْبَاتِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ وَالْمَقَايِيسِ لَوْ لَمْ يَرِدْ بِهِ تَوْقِيفٌ ، كَذَلِكَ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ مِنْ هَذِهِ الْمَقَادِيرِ هُوَ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ . 
         فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : قَدْ تُثْبِتُونَ أَنْتُمْ مَقَادِيرَ مِنْ طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ ، وَإِنْ تَعَلَّقَ بِهَا حُقُوقٌ لِلَّهِ تَعَالَى . فَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي حَدِّ الْبُلُوغِ : ثَمَانِي عَشْرَةَ سَنَةً مِنْ غَيْرِ تَوْقِيفٍ ، وَقَالَ فِي الْغُلَامُ  إذَا لَمْ يَكُنْ رَشِيدًا : لَا يُدْفَعُ إلَيْهِ مَالُهُ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : لِلرَّجُلِ أَنْ يَنْفِيَ وَلَدَهُ مَا لَمْ تَمْضِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا ، وَلَا تَوْقِيفَ لَهُمْ فِي إثْبَاتِ ( شَيْءٍ مِنْ ) هَذِهِ الْمَقَادِيرِ ، وَلَا اتِّفَاقَ ، فَأَثْبَتُوهَا مِنْ طَرِيقِ الرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ . وَإِذَا كَانَ الرَّأْيُ وَالِاجْتِهَادُ يَدْخُلُ فِي إثْبَاتِ شَيْءٍ مِنْ الْمَقَادِيرِ ، لَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ تَكُونَ الصَّحَابَةُ قَالَتْ بِالْمَقَادِيرِ الَّتِي ذُكِرَتْ عَنْهَا مِنْ طَرِيقِ الرَّأْيِ . فَلَا يَثْبُتُ بِهِ تَوْقِيفٌ . 
     قِيلَ : لَيْسَ هَذَا مِمَّا ذَكَرْنَا فِي شَيْءٍ ، لِأَنَّا إنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ فِي الْمَقَادِيرِ الَّتِي هِيَ حُقُوقٌ لِلَّهِ تَعَالَى ، لَا عَلَى ، جِهَةِ إيجَابِ الْفَصْلِ بَيْنَ الْقَلِيلِ الَّذِي قَدْ عُلِمَ ، وَبَيْنَ الْكَثِيرِ الَّذِي قَدْ عُرِفَ ، أَوْ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ عَلَى هَذَا الْحَدِّ ، فَوَكَّلَ حُكْمَ الْوَاسِطَةِ الَّتِي بَيْنَهُمَا إلَى آرَائِنَا وَمَا يُؤَدِّينَا إلَيْهِ اجْتِهَادُنَا ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ الْمَقَادِيرِ الَّتِي ذَكَرْنَا . أَلَا تَرَى : أَنَّ الْقِيَاسَ وَالِاجْتِهَادَ لَا يُوجِبَانِ حَدَّ الزِّنَا ( مِائَةَ جَلْدَةٍ ) ، وَلَا حَدَّ الْقَذْفِ ثَمَانِينَ ، وَلَا يَدُلَّانِ عَلَى مَقَادِيرِ أَعْدَادِ رَكَعَاتِ الصَّلَوَاتِ عَلَى اخْتِلَافِهَا ، وَلَا عَلَى مَقَادِيرِ أَيَّامِ الصَّوْمِ وَمَا جَرَى مَجْرَاهَا ، لِأَنَّهَا كُلُّهَا حُقُوقٌ لِلَّهِ تَعَالَى مُبْتَدَأَةٌ . كَذَلِكَ مَا وَصَفْنَا مِنْ الْمَقَادِيرِ الَّتِي حَكَيْنَا عَنْ الصَّحَابَةِ هُوَ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ .

بَابٌ الْقَوْلُ فِي وُجُوبِ النَّظَرِ وَذَمِّ التَّقْلِيدِ

  	اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي وُجُوبِ النَّظَرِ وَإِثْبَاتِ حُجَجِ الْعُقُولِ . فَقَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ : النَّظَرُ وَاجِبٌ ، وَحُجَجُ الْعُقُولِ صَحِيحَةٌ ثَابِتَةٌ ، تُعْرَفُ بِهَا صِحَّةُ الْمَذَاهِبِ مِنْ فَاسِدِهَا . وَقَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْجَهْلِ وَالْغَبَاوَةِ : لَا مَدْخَلَ لِلْعَقْلِ فِي تَصْحِيحِ شَيْءٍ وَلَا إفْسَادِهِ ، وَإِنَّمَا تُعْرَفُ صِحَّةُ الْمَذَاهِبِ وَفَسَادُهَا مِنْ طَرِيقِ الْخَبَرِ ، وَمَشْهُورٌ عَنْ دَاوُد الْأَصْفَهَانِيِّ : أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : بُلْ عَلَى الْعُقُولِ . وَمَوْجُودٌ فِي كُتُبِهِ : أَنَّ حُجَّةَ الْعُقُولِ لَا يَثْبُتُ بِهَا شَيْءٌ .
         قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَالْقَائِلُونَ بِنَفْيِ حُجَجِ الْعُقُولِ إنَّمَا يَنْفُونَهَا بِالْقَوْلِ ، فَأَمَّا اسْتِعْمَالُ الْعُقُولِ فِي إثْبَاتِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ أَوْ فِي نَفْيِهَا وَالْحِجَاجُ لَهَا مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ فَإِنَّهُمْ لَا يَخْلُونَ مِنْهُ ، لِأَنَّ ذَلِكَ صُورَتُهُ فِي عُقُولِ سَائِرِ الْعُقَلَاءِ ، إلَّا أَنَّ مِنْ الْعُلُومِ الْعَقْلِيَّةِ مَا هُوَ ظَاهِرٌ جَلِيٌّ ، وَمِنْهَا مَا هُوَ غَامِضٌ خَفِيٌّ . فَالْجَلِيُّ مِنْهُ : لَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ الشَّكُّ فِيهِ ، وَلَا إيرَادُ شُبْهَةٍ عَلَى نَفْسِهِ فِي نَفْيِهِ .  وَالْخَفِيُّ مِنْهَا : قَدْ يَعْرِضُ فِيهِ شُبْهَةٌ يَتْبَعُهَا النَّاظِرُ ، فَيَذْهَبُ عَنْ وَجْهِ الصَّوَابِ ، وَأَكْثَرُ مَا يَعْرِضُ هَذَا لِمَنْ نَظَرَ فِي الْفُرُوعِ قَبْلَ إحْكَامِ الْأُصُولِ ، أَوْ لَا يَنْظُرُ فِي شَيْءٍ مِنْ وَجْهِ النَّظَرِ . أَلَا تَرَى : أَنَّ أَحَدًا لَا يَعْتَرِيهِ الشَّكُّ وَلَا تَعْرِضُ لَهُ شُبْهَةٌ : فِي أَنَّ الْقَوْلَيْنِ الْمُتَضَادَّيْنِ لَا يَخْلُوَانِ مِنْ أَنْ يَكُونَا فَاسِدَيْنِ ، أَوْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا صَحِيحًا وَالْآخَرُ فَاسِدًا ، لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ لَهُ الِاعْتِقَادُ لِصِحَّتِهِمَا جَمِيعًا ، كَنَحْوِ قَوْلِ الْقَائِلِ : زَيْدٌ فِي الدَّارِ ( فِي هَذِهِ السَّاعَةِ ) . وَقَالَ آخَرُ : لَيْسَ هُوَ فِي هَذِهِ الدَّارِ ( فِي هَذِهِ السَّاعَةِ ) إنَّهُمَا جَمِيعًا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَا صَادِقَيْنِ ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَا كَاذِبَيْنِ ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا صَادِقًا وَالْآخَرُ كَاذِبًا ، وَهَذَا التَّقْسِيمُ وَمَا يَجُوزُ فِيهِ مِمَّا لَا يَجُوزُ طَرِيقُهُ الْعَقْلُ . وَسَائِرُ الْعُقَلَاءِ لَا يَشْتَرِكُونَ فِي الْعِلْمِ بِأَنَّ حُكْمَ هَذَا الْخَبَرِ وَاقِعٌ فِي أَحَدِ هَذِهِ الْأَوْصَافِ ، وَمَنْ نَفَى هَذَا فَهُوَ كَنَافِي عُلُومِ الْحِسِّ وَالْمُشَاهَدَاتِ . وَقَدْ يَكُونُ فِي الْمَحْسُوسَاتِ مَا يَدُقُّ وَيَلْطُفُ ، فَيَحْتَاجُ فِي صِحَّةِ وُقُوعِ الْعِلْمِ إلَى ضَرْبٍ مِنْ التَّأَمُّلِ . كَالشَّخْصِ إذَا رَأَيْنَاهُ مِنْ بَعِيدٍ ، وَكَالْهِلَالِ إذَا طَلَبْنَاهُ ، فَرُبَّمَا اشْتَبَهَ ، وَرُبَّمَا كَانَ إدْرَاكُهُ بَعْدَ التَّأَمُّلِ وَالتَّحْدِيقِ الشَّدِيدِ ، وَكَذَلِكَ عُلُومُ الْعَقْلِ : فِيهَا جَلِيٌّ ، وَفِيهَا خَفِيٌّ .
             وَيُبَيَّنُ بِمَا ذَكَرْنَا أَيْضًا : أَنَّ الْعِلْمَ يُفَرِّقُ مَا بَيْنَ الْبَهِيمَةِ وَبَيْنَ الْإِنْسَانِ الْعَاقِلِ الْمُمَيِّزِ ، كَالْعِلْمِ بِوُجُودِ الْأَشْيَاءِ الْمَحْسُوسَاتِ ، وَكَالْعِلْمِ يُفَرِّقُ مَا بَيْنَ الْحَيَوَانِ وَالْجَمَادَاتِ . وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْعَقْلِ حَظٌّ فِي التَّمْيِيزِ بَيْنَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي سَبِيلُ إدْرَاكِهَا الْعَقْلُ ( لَكَانَ الْإِنْسَانُ وَالْبَهِيمَةُ ) بِمَثَابَةٍ وَاحِدَةٍ ، فَكَأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَعْلَمُ إلَّا مَا تَعْلَمُهُ الْبَهِيمَةُ إذَا كَانَتْ عُلُومُهُ مَقْصُورَةً عَلَى مَا تُؤَدِّيهِ إلَيْهِ حَوَاسُّهُ .
           وَتَبَيَّنَ : أَنَّ اسْتِعْمَالَ حُجَجِ الْعُقُولِ ضَرُورَةٌ إذْ كُلُّ مَنْ نَفَاهَا فَإِنَّمَا يَنْفِيهَا بِحُجَجِ  الْعُقُولِ ، وَبِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ . وَيَحْتَجُّ لِصِحَّةِ التَّقْلِيدِ بِالْعُقُولِ ، وَلَا يَصِحُّ لَهُ الِاحْتِجَاجُ لِلتَّقْلِيدِ بِالتَّقْلِيدِ نَفْسِهِ ، إذْ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْمَسْأَلَةُ حُجَّةً لِنَفْسِهَا ، فَإِنَّمَا يَفْزَعُ إلَى مَعْنًى غَيْرِ التَّقْلِيدِ ، فَيَقُولُ : إنَّ ( النَّظَرَ بِدْعَةٌ ، وَإِنَّهُ يَدْعُو إلَى الْحِيرَةِ ، وَإِلَى الِاخْتِلَافِ وَالتَّبَايُنِ ) وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ النَّظَرِ ، وَإِنْ كَانَ فَاسِدًا ، فَقَدْ عَلِمْنَا : أَنَّ الْمُقَلِّدَ وَالنَّافِي لِلنَّظَرِ إنَّمَا يُثْبِتُهُ مِنْ حَيْثُ يَنْفِيهِ ، كَمَا أَنَّ النَّافِيَ لِعُلُومِ الْحِسِّ إنَّمَا يَرُومُ نَفْيَهَا بِحِجَاجٍ وَنَظَرٍ هُوَ دُونَ عُلُومِ الْحِسِّ فِي مَنْزِلَةِ الثَّبَاتِ وَالْوُضُوحِ ، فَيَقُولُ : إنَّمَا أَبْطَلَتْ عِلْمَ الْحِسِّ ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَرَى فِي النَّوْمِ مَا ( لَا ) يَشُكُّ فِي حَقِيقَتِهِ وَصِحَّتِهِ ، كَرُؤْيَتِهِ لِمَا يَرَاهُ فِي الْيَقَظَةِ ، ثُمَّ لَا يَجِدُ بَعْدَ الِانْتِبَاهِ لَهُ حَقِيقَةً ، وَكَمَا يَرَى الْإِنْسَانُ السَّرَابَ ، فَلَا يَشُكُّ فِي أَنَّهُ مَاءٌ ، ثُمَّ إذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ، وَكَالْمَرِيضِ يَجِدُ الْعَسَلَ مُرًّا ، فَلَمْ آمَنْ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ حُكْمُ سَائِرِ الْمَحْسُوسَاتِ ، فَيَرُومُ إبْطَالَ ( عُلُومِ ) الْحِسِّ بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ .
           كَذَلِكَ الْمُقَلِّدُ : إنَّمَا يَفْزَعُ فِي إثْبَاتِ التَّقْلِيدِ وَإِبْطَالِ النَّظَرِ ، إلَى النَّظَرِ وَالْحِجَاجِ ، فَيُنَاقِضُ فِي مَذْهَبِهِ ، وَيَهْدِمُ مَقَالَتَهُ بِحِجَاجِهِ . وَيُقَالُ لِلْقَائِلِ بِالتَّقْلِيدِ وَالنَّافِي لِحُجَجِ الْعُقُولِ : أَثْبَتَ الْقَوْلَ بِالتَّقْلِيدِ بِحُجَّةٍ ، فَإِنْ قَالَ بِغَيْرِ حُجَّةٍ ، فَقَدْ حَكَمَ عَلَى مَذْهَبِهِ بِالْفَسَادِ ، لِاعْتِرَافِهِ بِأَنَّهُ لَا حُجَّةَ لَهُ فِي إثْبَاتِهِ . وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه : " حَدُّ الْبُلُوغِ " فَإِنَّا قَدْ عَلِمْنَا : أَنَّ ابْنَ عَشْرِ سِنِينَ لَا يَكُونُ بَالِغًا ، وَقَدْ عَلِمْنَا : أَنَّ ابْنَ عِشْرِينَ سَنَةً يَكُونُ بَالِغًا ، فَهَذَانِ الطَّرَفَانِ قَدْ عَلِمْنَا حُكْمَهُمَا يَقِينًا ، وَوَكَّلَ حُكْمَ مَا بَيْنَهُمَا فِي إثْبَاتِ حَدِّ الْبُلُوغِ إلَى اجْتِهَادِنَا ، إذَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ تَوْقِيفٌ ، وَلَا يَثْبُتُ بِهِ إجْمَاعٌ ، فَأَوْجَبَ عِنْدَهُ اجْتِهَادُهُ : أَنْ يَكُونَ حَدُّ الْبُلُوغِ ثَمَانِي عَشْرَةَ سَنَةً . وَقَدْ بَيَّنَّا وَجْهَ قَوْلِهِ فِيهِ فِي مَوَاضِعَ غَيْرِ هَذَا .
          وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْغُلَامِ إذَا لَمْ يُؤْنَسْ مِنْهُ رُشْدٌ إنَّهُ ( قَدْ ) ثَبَتَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { حَتَّى إذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إسْرَافًا  وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا } فَذَكَرَ هَاهُنَا حَالًا لَا يُنْتَظَرُ فِي دَفْعِ الْمَالِ إلَيْهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ . وَقَالَ تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى : { وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إلَّا بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ } فَمَنَعَ إمْسَاكَ مَالِ الْيَتِيمِ بَعْدَ بُلُوغِ رُشْدِهِ ، فَكَانَ هَذَانِ الطَّرَفَانِ اللَّذَانِ هُمَا : حَالُ الصَّغِيرِ ، وَحَالُ بُلُوغِ الرُّشْدِ ( مَنْصُوصًا عَلَيْهِمَا ، وَوَكَّلَ حَدَّ بُلُوغِ الرُّشْدِ ) إلَى اجْتِهَادِنَا . فَكَانَ عِنْدَهُ إذَا بَلَغَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً ، فَقَدْ بَلَغَ رُشْدَهُ ، لِأَنَّ مِثْلَهُ ( يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ) جَدًّا . وَيَمْتَنِعُ فِي الْعَادَةِ أَنْ لَا يَكُونَ قَدْ بَلَغَ أَشُدَّهُ مَنْ لَهُ وَلَدٌ ، وَلِوَلَدِهِ وَلَدٌ ، فَكَذَلِكَ سَاغَ الِاجْتِهَادُ فِيهِ ( وَ ) فَارَقَ مَا وَصَفْنَا مِنْ الْمَقَادِيرِ .
          وَأَمَّا أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : فَإِنَّهُمَا قَالَا فِي مُدَّةِ نَفْيِ الْوَلَدِ : أَرْبَعِينَ يَوْمًا ; لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ سُكُوتَهُ سَاعَةً وَسَاعَتَيْنِ لَا يَمْنَعُ جَوَازَ نَفْيِهِ ، وَأَنَّهُ لَوْ سَكَتَ عَنْ نَفْيِهِ سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالِاتِّفَاقِ ، وَاعْتَبَرَ مُدَّةَ النِّفَاسِ الَّذِي هُوَ حَالُ الْوِلَادَةِ ، وَهَذَا مِمَّا يُسَوَّغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ، وَهَذَا نَظِيرُ الِاجْتِهَادِ فِي تَقْدِيمِ الْمُسْتَهْلَكَاتِ ، وَأُرُوشِ الْجِنَايَاتِ ، فَيَثْبُتُ مَقَادِيرُ الْقِيَمِ : أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَلَى وَجْهِ التَّقْرِيبِ لِمَا يَبْتَاعُ بِهِ النَّاسُ مِنْ الْأَثْمَانِ ، أَوْ مَا يَدْخُلُ بِهِ مِنْ النَّقْصِ بِالْجِرَاحَةِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَقَادِيرِ الَّتِي لَا تُعْلَمُ إلَّا مِنْ طَرِيقِ التَّوْقِيفِ فِي شَيْءٍ .
         وَإِنْ قَالَ : أَثْبَتَهُ بِحُجَّةٍ . قِيلَ لَهُ : فَمَا تِلْكَ الْحُجَّةُ ؟ فَإِنْ ادَّعَى نَصًّا ، أَوْ اتِّفَاقًا ، فَلَمْ يَجِدْهُ ، وَإِنْ فَزِعَ إلَى التَّقْلِيدِ ، وَقَالَ : حُجَّتِي فِي إثْبَاتِهِ هُوَ التَّقْلِيدُ نَفْسُهُ ، فَقَدْ أَبْطَلَ ، لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَكُونُ حُجَّةً  لِنَفْسِهَا ، وَهُوَ إنَّمَا ( يَسْأَلُ عَنْ ) التَّقْلِيدِ لِمَ قُلْت : إنَّهُ حُجَّةٌ . فَإِنْ قَالَ : هَذَا يَرْجِعُ عَلَيْك فِي قَوْلِك بِحُجَجِ الْقَوْلِ ، لِأَنَّا نَقُولُ لَك : أَثْبِتْ حُجَّةَ الْعَقْلِ بِالْعَقْلِ أَوْ بِغَيْرِهِ . فَإِنْ قُلْت : أُثْبِتُهَا بِغَيْرِ الْعَقْلِ ، قُلْنَا لَك : فَأَظْهِرْهُ .
  وَإِنْ قُلْت : أُثْبِتُهَا بِالْعَقْلِ ، فَفِي هَذَا نُوزِعْت ، وَإِنَّمَا جَعَلْت الْمَسْأَلَةَ دَلِيلًا لِنَفْسِهَا .
 قِيلَ لَهُ : أَوَّلُ مَا فِي هَذَا : أَنَّ اعْتِرَاضَك بِهِ احْتِجَاجٌ مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ ، وَمُنَاظَرَةٌ مِنْك فِي إفْسَادِ الْمَذْهَبِ ، وَفِي ذَلِكَ إثْبَاتٌ مِنْك لِحُجَّةِ الْعَقْلِ ، فَأَنْتَ مِنْ حَيْثُ أَرَدْت نَفْيَهَا أَثْبَتّهَا ، وَنَاقَضْت فِي قَوْلِك ، عَلَى أَنَّا نُجِيبُك إلَى سُؤَالِك ، وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْنَا لَك بِحَقِّ النَّظَرِ . فَنَقُولُ : إنَّا أَثْبَتْنَا دَلَائِلَ الْعُقُولِ بِالْعَقْلِ ، لِأَنَّ مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْعَقْلُ : ظَاهِرٌ جَلِيٌّ لَا يَرْتَابُ بِهِ أَحَدٌ ، وَلَا يَشُكُّ فِيهِ . وَمِنْهُ غَامِضٌ خَفِيٌّ ، فَوَصَلْنَا إلَى عِلْمِ الْخَفِيِّ مِنْهُ بِالْجَلِيِّ ، وَيَحْتَاجُ فِي إثْبَاتِ الْخَفِيِّ مِنْ أَحْكَامِ الْعُقُولِ إلَى نَظَرٍ وَتَأَمُّلٍ ، وَعَرَضَهُ عَلَى الْجَلِيِّ فِي إثْبَاتِ حُكْمِهِ . فَمَا صَحَّحَهُ صَحَّ ، وَمَا نَفَاهُ انْتَفَى ، كَمَا نَقُولُ فِي الْمَحْسُوبَاتِ : إنَّا أَثْبَتْنَا عُلُومَهَا بِالْحِسِّ ، وَإِنْ احْتَجْنَا فِي الْوُصُولِ إلَى اسْتِعْمَالِ آلَةِ الْحِسِّ . أَلَا تَرَى : أَنَّ مَنْ بَيْنِ يَدَيْهِ طَعَامٌ ، لَا يَدْرِي حُلْوٌ هُوَ أَمْ حَامِضٌ : أَنَّهُ لَا يَكْتَفِي بِوُجُودِ آلَةِ الْحِسِّ فِيهِ دُونَ ذَوْقِهِ ، حَتَّى يَعْرِفَ طَعْمَهُ . كَذَلِكَ الْعُلُومُ الْعَقْلِيَّةُ : مِنْهَا مَا هُوَ جَلِيٌّ ، يُعْتَبَرُ بِهِ الْخَفِيُّ مِنْهُ ، وَيُتَوَصَّلُ إلَى مَعْرِفَتِهِ بِاسْتِعْمَالِهِ . وَيُقَالُ لَهُ فِي النَّظَرِ وَمُوجِبِ الْقَوْلِ بِالتَّقْلِيدِ : خَبَرُنَا عَنْ قَوْلِك بِوُجُوبِ التَّقْلِيدِ ، هُوَ مَذْهَبٌ قَدْ عَلِمْت صِحَّتَهُ ، أَوْ لَمْ تَعْلَمْهَا . فَإِنْ قَالَ : لَا أَعْلَمُ صِحَّتَهُ ، فَقَدْ قَضَى عَلَى اعْتِقَادِهِ بِالْفَسَادِ ، لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَجُوزُ لَهُ  اعْتِقَادُ صِحَّةِ ( شَيْءٍ ) وَلَا يَدْرِي هَلْ صَحِيحٌ أَمْ فَاسِدٌ . وَإِنْ قَالَ : عَلِمْت صِحَّتَهُ . قِيلَ لَهُ : فَعَلِمْته بِدَلِيلٍ أَمْ بِلَا دَلِيلٍ ؟ فَإِنْ قَالَ : عَلِمْته بِلَا دَلِيلٍ . قِيلَ لَهُ : فَكَيْفَ عَلِمْت صِحَّتَهُ ؟ وَإِنْ قَالَ : عَلِمْته بِدَلِيلٍ . قِيلَ لَهُ : فَقَدْ تَرَكْت التَّقْلِيدَ وَلَجَأْت إلَى النَّظَرِ ، فَهَلَّا نَظَرْت فِي الْمَذْهَبِ الَّذِي قَلَّدْت فِيهِ غَيْرَك فَاسْتَدْلَلْت عَلَى صِحَّتِهِ أَوْ فَسَادِهِ ؟ وَقَدْ اسْتَغْنَيْت عَنْ التَّقْلِيدِ بِنَظَرٍ وَاسْتِدْلَالٍ ، كَمَا أَثْبَتَّ التَّقْلِيدَ ضَرُورَةً ، فَكُلُّ مَنْ لَمْ يُضْطَرَّ إلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ بِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ إثْبَاتُهُ ، وَلِخَصْمِهِ مَعَ ذَلِكَ : أَنْ يُعَارِضَهُ فَيَدَّعِيَ عِلْمَ الضَّرُورَةِ فِي إبْطَالِ التَّقْلِيدِ ، وَوُجُوبِ النَّظَرِ ، وَعَلَى أَنَّ مَا كَانَ الْعِلْمُ بِهِ ضَرُورَةً ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يَشْتَرِكَ سَائِرُ الْعُقَلَاءِ فِي وُقُوعِ الْعِلْمِ بِهِ إذَا تَسَاوَوْا فِي السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ . 
         وَيُقَالُ لِلْقَائِلِ بِالتَّقْلِيدِ : قَدْ وَجَدْنَا الْقَائِلِينَ بِالتَّقْلِيدِ مُخْتَلِفِي الْمَذَاهِبِ ، مُتَضَادِّي الِاعْتِقَادَاتِ عَلَى حَسَبِ تَقْلِيدِهِمْ لِمَنْ اتَّبَعُوهُ . فَأَيُّ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ الْمُتَضَادَّةِ الصَّحِيحُ ؟ وَأَيُّهَا الْفَاسِدُ ؟ إذْ يَسْتَحِيلُ اجْتِمَاعُهَا كُلُّهَا فِي الصِّحَّةِ .
فَإِنْ قَالَ : مَذْهَبِي هُوَ الصَّحِيحُ ، لِأَنَّ مَنْ قَلَّدْته أَوْلَى بِأَنْ يُقَلَّدَ مِنْ غَيْرِهِ ، فَلِذَلِكَ كَانَ مَذْهَبِي صَحِيحًا ، وَمَذْهَبُ غَيْرِي فَاسِدًا . قِيلَ لَهُ : وَلِمَ صَارَ مَنْ قَلَّدْته مَذْهَبُك أَوْلَى بِأَنْ يُقَلَّدَ مِنْ غَيْرِهِ مِمَّنْ قَلَّدَهُ خَصْمُك ؟ .
فَإِنْ قَالَ : لِأَنَّ مَنْ قَلَّدْته أَوْرَعُ وَأَزْهَدُ ، وَأَظْهَرُ صَلَاحًا .
قِيلَ لَهُ : فَتَأْمَنُ عَلَيْهِ الْخَطَأَ وَاعْتِقَادَ الْبَاطِلِ ؟ فَإِنْ قَالَ : نَعَمْ قَدْ أَمِنْت جَوَازَ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، فَقَدْ حَكَمَ لَهُ بِصِحَّةِ غَيْبِهِ ، وَأَنَّ بَاطِنَهُ كَظَاهِرِهِ ، وَهَذَا غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُحْكَمَ بِهِ لِأَحَدٍ ، إلَّا لِمَنْ شَهِدَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ .
وَإِنْ قَالَ : يَجُوزُ عَلَيْهِ اعْتِقَادُ الضَّلَالِ ، وَاخْتِيَارُ الْخَطَأِ ، وَالْعُدُولُ عَنْ الصَّوَابِ .
قِيلَ لَهُ : فَإِذَا جَازَ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، فَلَسْت تَأْمَنُ أَنْ تَكُونَ مُبْطِلًا فِي تَقْلِيدِك إيَّاهُ ، وَاعْتِقَادِك مَذْهَبَهُ ، فَلَسْتَ إذًا عَلَى عِلْمٍ مِنْ صِحَّةِ قَوْلِك وَبُطْلَانِ قَوْلِ خَصْمِك . وَقَدْ نَهَى اللَّهُ تَعَالَى  عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : { وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَك بِهِ عِلْمٌ } وَقَالَ تَعَالَى : { وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } .
          وَأَيْضًا : فَإِنَّك إذَا قَلَّدْت مَنْ لَا تَعْلَمُ صِحَّةَ قَوْلِهِ ، فَقَدْ جَعَلْت مَنْزِلَتَهُ أَعْلَى مِنْ مَنْزِلَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَوْلَى بِالسَّلَامَةِ مِنْ الْخَطَأِ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُوجِبْ اتِّبَاعَ الْأَنْبِيَاءِ إلَّا بَعْدَ إظْهَارِ الْأَعْلَامِ الْمُعْجِزَةِ عَلَى أَيْدِيهِمْ ، وَجَعَلَهَا حُجَّةً عَلَى صِحَّةِ دَعْوَاهُمْ ، فَكَانَ عَلَيْك فِي هَذَا أَمْرَانِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّك جَعَلْت مَنْزِلَةَ مَنْ قَلَّدْته بِغَيْرِ دَلَالَةٍ ، أَعْلَى مِنْ مَنْزِلَةِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَالثَّانِي : أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إذَا لَمْ يَجِبْ اتِّبَاعُهُ إلَّا بَعْدَ إقَامَةِ الدَّلَالَةِ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِهِ - فَمَنْ دُونَهُ أَوْلَى أَنْ لَا يُقْبَلَ قَوْلُهُ بِغَيْرِ دَلَالَةٍ . 
           وَمِمَّا يُبَيِّنُ لَك صِحَّةَ حُجَجِ الْعُقُولِ : أَنَّ كُلَّ عَاقِلٍ فَهُوَ يَجِدُ نَفْسَهُ يَفْزَعُ إلَى النَّظَرِ وَاسْتِعْمَالِ الْعَقْلِ فِيمَا لَيْسَ طَرِيقُ ، مَعْرِفَتِهِ الْحِسَّ وَالْخَبَرَ ، كَمَا يَجِدُهَا تَفْزَعُ إلَى الْحَوَاسِّ فِيمَا طَرِيقُ مَعْرِفَتِهِ الْحِسُّ ، وَإِلَى الِاسْتِخْبَارِ فِيمَا طَرِيقُ مَعْرِفَتِهِ الْخَبَرُ . فَلَوْلَا أَنَّ النَّظَرَ سَبَبٌ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى عُلُومٍ عَقْلِيَّةٍ - لَمَا كَانَتْ تَفْزَعُ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ ، كَمَا لَا تَفْزَعُ فِيمَا لَيْسَ طَرِيقُ مَعْرِفَتِهِ الذَّوْقَ إلَى الشَّمِّ ، وَلَا فِيمَا طَرِيقُ مَعْرِفَتِهِ السَّمَاعُ إلَى الذَّوْقِ ، وَإِنَّمَا تَفْزَعُ فِي طَلَبِ مَعْرِفَةِ الطُّعُومِ إلَى الذَّوْقِ ، وَفِي طَلَبِ مَعْرِفَةِ الْأَلْوَانِ إلَى الْبَصَرِ ، وَفِيمَا طَرِيقُ مَعْرِفَتِهِ السَّمْعُ إلَى الِاسْتِمَاعِ ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ : أَنَّ النَّظَرَ فِي طَبْعِ الْإِنْسَانِ ، كَالْحِسِّ ، قَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى عِيَارًا وَسَبَبًا إلَى الْوُصُولِ إلَى مَعْرِفَةِ أُمُورٍ بِهِ تُدْرَكُ . أَلَا تَرَى أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْعُقَلَاءِ ، لَا يَخْلُو مِنْ ذَلِكَ فِيمَا يَنُوبُهُ مِنْ أَمْرِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ ، حَتَّى الْعَامِّيُّ الْغُفْلُ الَّذِي لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ طَلَبُ الْعُلُومِ وَالْآدَابِ ، يَفْزَعُ إلَى النَّظَرِ وَاسْتِعْمَالِ الْعَقْلِ فِيمَا يَنُوبُهُ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاهُ ، كَمَا يَفْزَعُ إلَى الْحِسِّ فِيمَا طَرِيقُ مَعْرِفَتِهِ الْحِسُّ ، وَإِلَى الْخَبَرِ فِيمَا ( طَرِيقُ مَعْرِفَتِهِ ) الْخَبَرُ .
         وَالنَّافِي لِلنَّظَرِ وَحُجَجِ الْعُقُولِ ، كَالنَّافِي لِعُلُومِ وَصِحَّةِ وُقُوعِ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ . لَا فَرْقَ بَيْنَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى  ( قَدْ جَعَلَ ذَلِكَ فِي طِبَاعِ الْعُقَلَاءِ ، كَمَا جَعَلَ فِي طِبَاعِهِمْ الْحَوَاسَّ وَسَمَاعَ الْأَخْبَارِ ) .
 فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مِنْ الْحُمْقِ : إنَّمَا قُلْت بِالتَّقْلِيدِ اتِّبَاعًا لِلسَّلَفِ ، لِأَنَّهُمْ أَمَرُونَا بِالِاتِّبَاعِ ، وَنَهَوْنَا عَنْ الِابْتِدَاعِ وَاتِّبَاعِ الرَّأْيِ .
قِيلَ لَهُ : أَوَّلُ مَا فِي هَذَا ، أَنَّهُ تَخَرُّصٌ عَلَى السَّلَفِ ، لِأَنَّهُمْ قَدْ اسْتَعْمَلُوا النَّظَرَ وَالرَّأْيَ فِي حَوَادِثِ أُمُورِهِمْ ، وَلَا يَجْهَلُ ذَلِكَ إلَّا مَنْ كَانَ فِي غَايَةِ الْجَهْلِ وَالْغَبَاوَةِ ، وَأَحْسَبُ : أَنَّا قَدْ سَلِمْنَا لَك مَا ادَّعَيْته عَلَى السَّلَفِ . فَخَبِّرْنَا مِنْ أَيْنَ ثَبَتَ عِنْدَك لُزُومُ تَقْلِيدِ السَّلَفِ فِيمَا ذَكَرْت ؟ 

فَإِنْ قَالَ : لِأَنِّي قَدْ عَلِمْت : أَنَّهُمْ لَا يُجْمِعُونَ عَلَى خَطَأٍ . قِيلَ : وَمِنْ أَيْنَ ثَبَتَ عِنْدَك صِحَّةُ الْكِتَابِ ( وَالسُّنَّةِ ) ؟ فَلَا تَجِدُ بُدًّا مِنْ الرُّجُوعِ إلَى إثْبَاتِ النَّظَرِ وَحُجَجِ الْعُقُولِ ، لِأَنَّ بِهَا تَثْبُتُ النُّبُوَّاتُ بِالدَّلِيلِ ، وَالْأَعْلَامُ الْمُعْجِزَةُ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا أَحَدٌ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى ، وَمَنْ كَانَ هَذَا سَبِيلَهُ فَهُوَ لَمْ يَقُلْ بِالتَّقْلِيدِ ، لِأَنَّهُ إنَّمَا قَالَ بِتَقْلِيدِ السَّلَفِ إذَا أَجْمَعُوا عَلَى شَيْءٍ ، لِأَنَّ الدَّلَائِلَ قَدْ قَامَتْ عَلَى صِحَّةِ إجْمَاعِهِمْ ، فَهُوَ مِمَّا اتَّبَعَ الدَّلَائِلَ ، وَفِي ذَلِكَ إثْبَاتُ النَّظَرِ وَإِبْطَالُ التَّقْلِيدِ الَّذِي لَمْ تَقُمْ عَلَى صِحَّتِهِ دَلَالَةٌ . وَقَدْ أَكَّدَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَا فِي الْعُقُولِ مِنْ نَفْيِ التَّقْلِيدِ وَإِثْبَاتِ ( النَّظَرِ ) ، بِمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي كِتَابِهِ مِنْ الْأَمْرِ بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ فَقَالَ : { وَاعْتَبَرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ } ، وَالِاعْتِبَارُ هُوَ : النَّظَرُ وَالِاسْتِدْلَالُ . وَقَالَ : { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ } وَقَالَ تَعَالَى : { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا } وَقَالَ تَعَالَى : { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا } وَقَالَ تَعَالَى : { فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ } وَقَالَ تَعَالَى : { قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِي وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي } إلَى قوله تعالى : { فَهُمْ مُعْرِضُونَ } وَأَمَرَ إبْرَاهِيمَ ﷺ بِمُحَاجَّةِ الْكَافِرِ حَتَّى بُهِتَ الْكَافِرُ وَانْقَطَعَ ، وَأَخْبَرَ عَنْ اسْتِدْلَالِ إبْرَاهِيمَ عَلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَعْرِفَتِهِ ، فَقَالَ تَعَالَى : { فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا } إلَى قوله تعالى : { إنِّي وَجَّهْت وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا } ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : { وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ } . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى عَلَى نَسَقِ الْكَلَامِ : { أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهْ } وَقَالَ تَعَالَى : { أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إلَّا بِالْحَقِّ } وَقَالَ تَعَالَى : { وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ } وَقَالَ تَعَالَى : { وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } . وَاحْتَجَّ فِي إبْطَالِ قَوْلِ الثَّنَوِيَّةِ وَالْمَجُوس بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا } . وَقَالَ تَعَالَى : { وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ } . وَاحْتَجَّ عَلَى أَصْحَابِ الطَّبَائِعِ بِقَوْلِهِ : { وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ } إلَى قوله تعالى { يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ } فَأَدْحَضَ مَقَالَتَهُمْ ، وَأَبَانَ عَنْ فَسَادِهَا بِأَنَّ هَذَا ( لَوْ كَانَ ) مِنْ طَبْعِ التُّرْبَةِ وَالْمَاءِ وَالْهَوَاءِ - لَجَاءَتْ الطُّعُومُ مُتَسَاوِيَةً مُتَّفِقَةً ، وَلَمْ يَتْرُكْ لِمُلْحِدٍ تَأَمَّلَهُ شُبْهَةً ، وَقَالَ تَعَالَى : { وَجَادِلْهُمْ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } وَقَالَ تَعَالَى : { وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ } وَقَالَ تَعَالَى : { قُلْ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ } فَدَلَّهُمْ بِخَلْقِهَا ابْتِدَاءً ، عَلَى الْقُدْرَةِ عَلَى إعَادَتِهَا بَعْدَ إفْنَائِهَا ، وَقَالَ تَعَالَى : { قُلْ إنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ } فَحَثَّهُمْ عَلَى النَّظَرِ ، وَأَمَرَهُمْ بِالتَّفَكُّرِ وَالتَّدَبُّرِ . وَقَالَ تَعَالَى : { لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ، مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } فَلَوْ كَانَ الدِّينُ بِالتَّقْلِيدِ لَبَطَلَ الِاعْتِبَارُ وَمَوَاضِعُ الْفِكْرِ .

          وَنَظَائِرُ ذَلِكَ : مِنْ الْآيِ ، الَّتِي فِيهَا الْحِجَاجُ ، وَالنَّظَرُ ، وَالْأَمْرُ بِالِاعْتِبَارِ ، وَالْفِكْرِ . كَثِيرَةٌ يَطُولُ الْكِتَابُ بِذِكْرِهَا ، وَإِلَى هَذَا دَعَا النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَوَّلِ مَا بَعَثَهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إلَى أَنْ قُبِضَ . وَأَمَرَهُمْ بِالِاسْتِدْلَالِ وَالنَّظَرِ ، قَدْ نَقَلَتْ الْأُمَّةُ ذَلِكَ ، خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ ، نَقْلًا مُتَوَاتِرًا مُتَّصِلًا ، كَمَا نَقَلُوا دُعَاءَهُ إيَّاهُمْ إلَى التَّوْحِيدِ . وَإِلَى تَصْدِيقِ النَّبِيِّ ﷺ نَقَلُوا مَعَهُ دُعَاءَهُ إيَّاهُمْ إلَى الِاعْتِبَارِ وَالنَّظَرِ . فَمَنْ أَنْكَرَ حُجَجَ الْعُقُولِ وَدَلَائِلَهَا ، فَإِنَّمَا يَرُدُّ عَلَى اللَّهِ  تَعَالَى ، أَوْ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ أَنْكَرَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَأَمْرَ رَسُولِهِ ﷺ ( لَنَا ) بِالتَّوْحِيدِ وَالتَّصْدِيقِ بِالنُّبُوَّةِ ، لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ أَمَرَنَا بِذَلِكَ ، كَانَ أَمْرُهُ بِهِ مَقْرُونًا بِالْأَمْرِ ( بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ ) عَلَى التَّوْحِيدِ ، وَعَلَى تَصْدِيقِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَعْلُومٌ : أَنَّ أَمْرَهُ إيَّانَا بِالِاسْتِدْلَالِ بِهَذِهِ الْأَجْسَامِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ شَيْءٍ ، لَمْ يَحْدُثْ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ دَلَائِلُ لَمْ تَكُنْ ، وَأَنَّ هَذِهِ الدَّلَائِلَ كَانَتْ مَوْجُودَةً فِيهَا قَبْلَ أَمْرِهِ إيَّانَا بِالنَّظَرِ فِيهَا وَالِاسْتِدْلَالِ بِهَا ، فَعَلِمْنَا : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حِينَ خَلَقَهَا فَقَدْ أَرَادَ مِنْ الْعُقَلَاءِ الِاسْتِدْلَالَ بِهَا .
         وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى التَّقْلِيدَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ ، وَجَاءَتْ الْأَنْبِيَاءُ تَدْعُو إلَى تَرْكِ التَّقْلِيدِ ، وَإِلَى النَّظَرِ فِي الْحُجَجِ وَالدَّلَائِلِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوك عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ، إنْ يَتَّبِعُونَ إلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إلَّا يَخْرُصُونَ } فَحَكَمَ بِضَلَالِ أَكْثَرِ النَّاسِ إذَا لَمْ يَرْجِعُوا فِي مَذَاهِبِهِمْ إلَى حُجَّةٍ تُصَحِّحُهَا . وَقَالَ تَعَالَى : { وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَك بِهِ عِلْمٌ } وَقَالَ تَعَالَى: وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } وَهَذِهِ مَنْزِلَةُ الْمُقَلِّدِ . وَذَمَّ مَنْ احْتَجَّ بِالتَّقْلِيدِ فَقَالَ تَعَالَى: إنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ } وَقَالَ تَعَالَى: قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } وَجَعَلَ اللَّهُ تَارِكِي النَّظَرِ بِمَنْزِلَةِ الْبَهَائِمِ ، وَبِمَنْزِلَةِ الصُّمِّ وَالْبُكْمِ . فَقَالَ تَعَالَى : { إنْ هُمْ إلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ } وَقَالَ تَعَالَى : { صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ } لَمَّا أَعْرَضُوا عَنْ النَّظَرِ فِي الدَّلَائِلِ ، وَصَيَّرُوا أَنْفُسَهُمْ ، بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ ذَلِكَ ، مِثْلُ الْبَهِيمَةِ ، وَمَنْ لَمْ يَسْمَعْ  مَا خُوطِبَ بِهِ .
             وَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ قَالَ : إنَّ أَدِلَّةَ الْعُقُولِ صَحِيحَةٌ ، إلَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُحْوِجْ إلَيْهَا ، لِأَنَّهُ قَدْ أَغْنَانَا عَنْهَا بِالسَّمْعِ ، وَهَذَا قَوْلٌ مُتَنَاقِضٌ ، لِأَنَّ السَّمْعَ لَا يَثْبُتُ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا بِحُجَجِ الْعُقُولِ وَدَلَائِلِهَا ، وَلَا يُمْكِنُ الْوُصُولُ إلَى مَعْرِفَةِ صِدْقِ النَّبِيِّ ﷺ وَتَكْذِيبِ مُسَيْلِمَةَ إلَّا مِنْ جِهَةِ الْعُقُولِ وَالنَّظَرِ فِي الدَّلَائِلِ وَالْأَعْلَامِ ، وَأَنَّ مَا أَتَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ لَيْسَ فِي مَقْدُورِ الْبَشَرِ ، وَلَا يَتَأَتَّى فِعْلُهُ لِمَخْلُوقٍ ، وَإِنَّ مَا أَتَى بِهِ مُسَيْلِمَةُ مَخَارِيقَ وَحِيَلَ لَا تَعُوزُ أَحَدًا صَرْفُ هِمَّتِهِ إلَيْهِ إلَّا فَعَلَ مِثْلَهُ وَأَضْعَافَهُ . وَقَوْلُ هَذَا الْقَائِلِ يُضَاهِي قَوْلَ دَاوُد فِي قَوْلِهِ : إنِّي عَرَفْت اللَّهَ بِالْخَبَرِ . وَقَائِلُ هَذَا الْقَوْلِ مُقِرٌّ : أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ اللَّهَ تَعَالَى ، لِزَعْمِهِ أَنَّ الْعَقْلَ لَمْ يَدُلَّهُ عَلَى التَّوْحِيدِ ، وَلَا عَلَى إثْبَاتِ الصَّانِعِ ، وَلَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ إلَى عِلْمِ ذَلِكَ ، إلَّا مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ ، وَلَا وُصُولَ إلَى عِلْمِ صِحَّةِ الْخَبَرِ إلَّا بِالْعَقْلِ ، وَالِاسْتِدْلَالِ عَلَى صِدْقِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَذِبِ الْمُتَنَبِّي .
             وَعَلَى أَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَعْرِفَ الرَّسُولُ ﷺ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْمُرْسِلَ ، وَيَعْلَمَ النَّبِيَّ نَبِيًّا قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، فَقَوْلُ الْقَائِلِ : إنِّي عَرَفْت اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بِالْخَبَرِ ، لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ خِذْلَانٍ لَيْسَ وَرَاءَهُ غَايَةٌ ، وَمِنْ جَهَالَةٍ لَيْسَ وَرَاءَهَا نِهَايَةٌ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : إنَّمَا أَعْرِفُ دَلَائِلَ الْعُقُولِ بِانْضِمَامِ الْخَبَرِ إلَيْهَا ، وَمَتَى لَمْ يَنْضَمَّ إلَيْهَا الْخَبَرُ لَمْ تَكُنْ الْعُقُولُ مُفْضِيَةً إلَى عِلْمِ التَّوْحِيدِ ، وَإِلَى إثْبَاتِ الصَّانِعِ الْحَكِيمِ . 

قِيلَ لَهُ : هَذَا مُتَنَاقِضٌ ، لِأَنَّ الْخَبَرَ الَّذِي ادَّعَيْت أَنَّهُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ وُقُوعِ الْعِلْمِ بِدَلَائِل الْعَقْلِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا صَحِيحًا ، أَوْ فَاسِدًا ، أَوْ مَشْكُوكًا فِيهِ ، لَا يُعْلَمُ صِحَّتُهُ وَلَا فَسَادُهُ ، فَإِنْ كَانَ خَبَرًا فَاسِدًا أَوْ كَاذِبًا ، فَإِنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يُوجِبَ الْعِلْمَ ( بِمُخْبِرِهِ لِأَنَّ مُخْبِرَهُ كَذَبَ ، وَالْخَبَرُ الْمَشْكُوكُ فِيهِ أَيْضًا لَا يُوجِبُ الْعِلْمَ ) ، لِأَنَّهُ إذَا أَوْجَبَ الْعِلْمَ لَمْ يَكُنْ مَشْكُوكًا فِيهِ ، وَعَلَى أَنَّ هَذَا يُوجِبُ أَنْ ( لَا ) يَخْتَلِفَ فِي ذَلِكَ خَبَرُ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرُ خَبَرِهِ ، إذَا لَمْ تُرَاعَ صِحَّتُهُ فِي انْضِمَامِهِ إلَى دَلَائِلِ الْعُقُولِ . وَإِنْ كَانَ شَرْطُ ذَلِكَ الْخَبَرِ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا وَصِدْقًا ، فَإِنَّ هَذَا الْخَبَرَ لَا يُعْلَمُ صِحَّتُهُ مِنْ فَسَادِهِ إلَّا مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ ، فَيَحْتَاجُ أَوَّلًا أَنْ يُسْتَدَلَّ عَلَى صِحَّتِهِ أَوْ فَسَادِهِ مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ ، فَقَدْ أُوجِبَ اسْتِعْمَالُ دَلَالَةِ الْعَقْلِ قَبْلَ ثُبُوتِ الْخَبَرِ ، وَقَدْ اسْتَغْنَى الْعَقْلُ فِي دَلَالَتِهِ عَلَى مَدْلُولِهِ عَنْ خَبَرٍ يُضَادُّهُ ، فَتَنَاقَضَ قَوْلُك ، وَظَهَرَ تَجَاهُلُك .

           وَأَيْضًا : فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا أَمَرَنَا بِالِاسْتِدْلَالِ مِنْ جِهَةِ الْعُقُولِ فِي الْآيِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا ، عَلَى مَا كَلَّفَنَا الْعِلْمُ بِهِ ، مِنْ غَيْرِ شَرْطِ انْضِمَامِ خَبَرٍ إلَيْهِ .
          وَإِبْرَاهِيمُ عليه السلام قَدْ اسْتَدَلَّ عَلَى التَّوْحِيدِ قَبْلَ أَنْ جَاءَهُ الْوَحْيُ فِي قوله تعالى : { فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي } إلَى قوله تعالى : { إنِّي وَجَّهْت وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا } ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ ذَلِكَ سَبِيلُ كُلِّ مُكَلَّفٍ ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ } إلَى قوله تعالى { أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهْ } فَأَمَرَنَا بِالِاسْتِدْلَالِ عَلَى التَّوْحِيدِ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ إبْرَاهِيمُ عليه السلام .
       فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : لَسْت أَقُولُ : إنَّ الْخَبَرَ وَالْعَقْلَ مَعًا يُحْدِثَانِ لِي الْعِلْمَ بِمُوجِبَاتِ أَحْكَامِ الْعُقُولِ عِنْدَ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ . وَلَكِنِّي أَقُولُ : إنَّ الْخَبَرَ يُنَبِّهُ عَلَى النَّظَرِ ، وَعَلَى اعْتِبَارِ دَلَائِلِ الْعَقْلِ ، وَلَوْلَا الْخَبَرُ لَمَا كَانَ لِي سَبِيلٌ إلَى التَّنْبِيهِ عَلَيْهَا .
       قِيلَ لَهُ : فَهَذَا الْخَبَرُ الَّذِي يَقَعُ بِهِ التَّنَبُّهُ عَلَى النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ ، شَرْطُهُ عِنْدَك أَنْ يَكُونَ صِدْقُهُ مَعْلُومًا ، أَوْ جَائِزًا ، لَا يُعْلَمُ صِحَّتُهُ وَصِدْقُهُ . وَأَيُّ خَبَرٍ كَانَ وَقَعَ بِهِ التَّنَبُّهُ ،  وَإِنْ كَانَ شَرِيطَةُ هَذَا الْخَبَرِ أَنْ يَكُونَ ( مَعْلُومًا صِحَّتُهُ ) عِنْدَك ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُك أَنْ تَعْلَمَ صِدْقَهُ إلَّا بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ ، وَعَادَ عَلَيْك الْكَلَامُ الْأَوَّلُ الَّذِي قَدَّمْنَا عَلَى مَنْ قَالَ : إنِّي لَا أَعْلَمُ التَّوْحِيدَ إلَّا مِنْ جِهَةِ الْخَبَرِ ، وَإِنْ جَازَ عِنْدَك أَنْ يَكُونَ هَذَا الْخَبَرُ الَّذِي وَقَعَ بِهِ التَّنْبِيهُ ، خَبَرَ مَنْ يَجُوزُ عَلَيْهِ الْكَذِبُ ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ صِدْقًا أَوْ كَذِبًا ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَخْتَلِفَ فِي هَذَا أَنْ يَكُونَ الْمُخْبِرُ نَبِيًّا أَوْ غَيْرَ نَبِيٍّ ، لِوُجُودِ التَّنْبِيهِ فِي الْحَالَيْنِ ، فَلَيْسَ يُفِيدُك الْخَبَرُ فِي هَذِهِ الْحَالِ ، إلَّا مَا يُفِيدُك الْخَوَاطِرُ الْمُنَبِّهَةُ عَلَى الْفِكْرِ وَالنَّظَرِ ، فَقَدْ اسْتَغْنَى بِالْخَوَاطِرِ عَنْ الْخَبَرِ ، إذْ كَانَ كُلُّ أَحَدٍ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ لَا يَخْلُو مِنْهُ ، لِمَا يُرَى مِنْ اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، وَمَا يُشَاهِدُ مِنْ نَفْسِهِ مِنْ تَغَيُّرِ الْأَحْوَالِ الَّتِي لَا صُنْعَ لَهُ فِيهَا ، وَمَنْ لَمْ تُزْعِجْهُ هَذِهِ الْخَوَاطِرُ وَلَمْ تَبْعَثْهُ عَلَى الْفِكْرِ وَالنَّظَرِ ، فَخَبَرُ الْمُخْبِرِ لَهُ بِهِ أَوْلَى أَنْ لَا يُؤَثِّرَ فِيهِ . فَيَصِيرَ حِينَئِذٍ وُجُودُ الْمُخْبِرِ وَعَدَمُهُ سَوَاءً . 
              وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَزْعُمُ : أَنَّ الْعُلُومَ إلْهَامٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ، وَأَنَّ النَّظَرَ وَالِاسْتِدْلَالَ لَا يُوَصِّلَانِ إلَى عِلْمٍ يَرِدُ ، لِنَصِّ الْآيِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي الْأَمْرِ بِالِاسْتِدْلَالِ وَالْحَثِّ عَلَى النَّظَرِ وَالْفِكْرِ ، وَلَا يُمْكِنُ الْقَائِلَ بِهِ الِانْفِصَالُ مِمَّنْ يَقُولُ : قَدْ أُلْهِمْت الْعِلْمَ بِإِبْطَالِ الْإِلْهَامِ .
       وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا : مِنْ أَيْنَ حَكَمَ بِأَنَّ مَا سَبَقْت إلَى اعْتِقَادِهِ هُوَ عِلْمٌ حَتَّى قَضَيْت بِأَنَّهُ إلْهَامٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ، وَمَا أَنْكَرْت أَنْ يَكُونَ ظَنًّا لَا حَقِيقَةَ لَهُ ، وَهَلَّا يُمْكِنُك الِانْفِصَالُ مِمَّنْ يَعْتَقِدُ ضِدَّ مَقَالَتِك ، وَيَدَّعِي أَنَّهُ إلْهَامٌ ؟ فَإِنْ ادَّعَى دَلَالَةً أَوْجَبَتْ لَهُ ذَلِكَ - فَقَدْ تَرَكَ الْقَوْلَ بِالْإِلْهَامِ ، وَرَجَعَ إلَى الِاسْتِدْلَالِ . وَإِنْ أَقَامَ عَلَى الدَّعْوَى مِنْ غَيْرِ بُرْهَانٍ - فَهُوَ وَخَصْمُهُ فِي الدَّعْوَى سَوَاءٌ . وَإِلَى ذَلِكَ يَئُولُ عَاقِبَةُ مَذَاهِبِ الْمُبْطِلِينَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .

بَابٌ الْقَوْلُ فِي النَّافِي وَهَلْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ

 	 اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي النَّافِي وَهَلْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ ؟ فَقَالَ قَائِلُونَ : لَيْسَ عَلَيْهِ إقَامَةُ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّةِ نَفْيِهِ لِمَا نَفَاهُ مِنْ الْعَقْلِيَّاتِ ، وَلَا فِي السَّمْعِيَّاتِ ، وَإِنَّمَا الدَّلِيلُ عَلَى الْمُثْبِتِ . وَقَالَ آخَرُونَ : عَلَيْهِ إقَامَةُ الدَّلِيلِ عَلَى نَفْيِ مَا نَفَاهُ فِي الْعَقْلِيَّاتِ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ إقَامَةُ الدَّلَالَةِ عَلَى مَا نَفَاهُ مِنْ السَّمْعِيَّاتِ . وَقَالَ آخَرُونَ : عَلَى كُلِّ مَنْ نَفَى شَيْئًا وَأَثْبَتَهُ إقَامَةُ الدَّلَالَةِ عَلَى نَفْيِ مَا نَفَاهُ ، وَعَلَى إثْبَاتِ مَا أَثْبَتَهُ ، وَذَلِكَ فِي الْعَقْلِيَّاتِ وَالسَّمْعِيَّاتِ سَوَاءٌ .
              قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ ، وَكَذَلِكَ كَانَ يَقُولُ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ رحمه الله . وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ : أَنَّ كُلَّ مَنْ نَفَى شَيْئًا ، فَهُوَ لَا مَحَالَةَ مُثْبِتٌ لِوُجُودِ اعْتِقَادِ ( صِحَّةِ ذَلِكَ ) . فَاقْتَضَى أَصْلُهُ وُجُوبَ إقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّةِ مَا أَثْبَتَهُ مِنْ صِحَّةِ اعْتِقَادِهِ فِي إسْقَاطِ الدَّلِيلِ عَلَى النَّافِي - فَهُوَ مِنْ حَيْثُ يَرُومُ إسْقَاطَ الدَّلِيلِ عَلَى النَّافِي ، فَقَدْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ إقَامَةَ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّةِ اعْتِقَادِهِ لِذَلِكَ .
            وَأَيْضًا : فَإِنَّ قَائِلَ هَذَا الْقَوْلِ ، قَدْ قَضَى لِخَصْمِهِ بِإِسْقَاطِ الدَّلَائِلِ عَنْهُ فِي نَفْيِ قَوْلِهِ ، لِأَنَّ خَصْمَهُ نَافٍ لِصِحَّةِ مَقَالَتِهِ ، وَلَا دَلَالَةَ عَلَيْهِ إذًا فِي نَفْيِهِ مَقَالَتَهُ عَلَى أَصْلِهِ ، وَلَا دَلَالَةَ أَيْضًا عَلَى الْقَائِلِ : بِأَنَّ النَّفْيَ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ عَلَى مَذْهَبِهِ ، فَيُوجِبُ هَذَا تَنَاقُضَ الْقَوْلَيْنِ ،  لِأَنَّهُ حَكَمَ بِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ ( فِي نَفْيِهِ ) لِمَا نَفَاهُ ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى خَصْمِهِ أَيْضًا فِي نَفْيِ صِحَّةِ قَوْلِهِ ، وَهَذَا غَايَةُ التَّنَاقُضِ وَالْفَسَادِ .
        وَيُقَالُ لِقَائِلِ هَذَا الْقَوْلِ : إذَا نَفَيْت حُكْمًا خُولِفْت فِي نَفْيِهِ ، وَزَعَمْت أَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَيْك فَهَلْ عَلِمْت صِحَّةَ مَا نَفَيْته ؟
فَإِنْ قَالَ : قَدْ عَلِمْت ( أَنَّ ) مَا نَفَيْته فَهُوَ مُنْتَفٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ .
    قِيلَ لَهُ : بِمَ عَلِمْته وَخَصْمُك بِإِزَائِك يُخَالِفُك فِيهِ ، وَمَنْ ادَّعَى عِلْمَ شَيْءٍ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ بُرْهَانٍ .
  فَإِنْ قَالَ : لَا أَعْلَمُهُ حَقًّا .
  قِيلَ لَهُ : فَلِمَ اعْتَقَدْته مَنْفِيًّا بِغَيْرِ دَلَالَةٍ ، وَأَنْتَ لَا تَدْرِي أَحَقٌّ هُوَ أَمْ بَاطِلٌ ، وَقَدْ نَهَاك اللَّهُ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : ( وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) فَإِنْ جَازَ لَك أَنْ تَعْتَقِدَ صِحَّةَ مَا لَا تَعْلَمُهُ حَقًّا وَصَوَابًا إذَا كُنْت نَافِيًا ، وَلَا تُلْزِمُ نَفْسَك إقَامَةَ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ ، فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ تُثْبِتَ مَا لَا تَعْلَمُهُ ثَابِتًا بِغَيْرِ دَلِيلٍ ؟ وَلَوْ كَانَ مَا قَالَتْهُ هَذِهِ الطَّائِفَةُ حَقًّا ، كَانَ لَا دَلِيلَ عَلَى مَنْ نَفَى حَدَثَ الْعَالَمِ ، وَنَفَى إثْبَاتَ الصَّانِعِ ، وَلَجَازَ لَهُ الْقَوْلُ فِي نَفْيِ ذَلِكَ ، وَتَرْكُ النَّظَرِ فِي إثْبَاتِ ذَلِكَ أَوْ نَفْيِهِ ، وَهَذَا لَا يَقُولُهُ مُسْلِمٌ . 
          وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّ مَنْ نَفَى مَا طَرِيقُهُ الْعَقْلُ فَعَلَيْهِ إقَامَةُ دَلَالَةٍ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ مَا طَرِيقُهُ السَّمْعُ . فَإِنَّهُ يَحْتَجُّ فِيهِ : بِأَنَّ فِي الْعَقْلِ دَلَالَةً عَلَى إثْبَاتِ الْمُثْبِتِ ، وَنَفْيِ الْمُنْتَفِي بِمَا طَرِيقُ إثْبَاتِهِ أَوْ نَفْيِهِ الْعَقْلُ . فَلِمَ يَخْتَلِفُ فِيهِ حُكْمُ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ . وَأَمَّا السَّمْعِيَّاتُ فَطَرِيقُهَا السَّمْعُ ، وَلَا مَدْخَلَ لِلْعَقْلِ فِي إثْبَاتِهِ ، فَمَنْ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ مِنْهَا  شَيْءٌ مِنْ جِهَةِ السَّمْعِ ، جَازَ لَهُ أَنْ يَقُولَ : لَمْ يَبِنْ لِي أَنَّ ذَلِكَ ثَابِتٌ ، وَمَنْ ادَّعَى إثْبَاتَهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ ، وَإِلَّا فَالْأَصْلُ أَنَّهُ غَيْرُ مُثْبِتٍ . فَيُقَالُ لِلْقَائِلِ بِهَذَا الْقَوْلِ : إنَّك وَإِنْ كُنْت نَافِيًا لِلْحُكْمِ الَّذِي نَازَعَك فِيهِ خَصْمُك ، فَإِنَّك مُثْبِتٌ لِصِحَّةِ اعْتِقَادِك بِأَنْ لَا دَلِيلَ عَلَيْك ، وَإِنَّ نَفْيَ هَذَا الْحُكْمِ وَاجِبٌ . وَهَذَا شَيْءٌ طَرِيقُهُ السَّمْعُ ، فَلِمَ ثَبَتَ اعْتِقَادُك كَذَلِكَ بِغَيْرِ دَلَالَةٍ وَنَاقَضْت فِي قَوْلِك : إنَّ النَّافِيَ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ ، وَإِنَّ الدَّلِيلَ عَلَى الْمُثْبِتِ .
      ثُمَّ يُقَالُ لَهُ : إنَّ طَرِيقَ أَحْكَامِ الشَّرْعِ ، وَإِنْ كَانَ أُصُولُهَا السَّمْعَ - فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ نَصَبَ فِي أُصُولِهَا دَلَائِلَ عَلَى فُرُوعِهَا فِي النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ ، فَقَدْ جَرَتْ مَجْرَى الْعَقْلِيَّاتِ فِي وُجُوبِ دَلَائِلِهَا عَلَى الْمَنْفِيِّ وَالْمُثْبَتِ مِنْهَا ، فَهَلَّا أَوْجَبْت إقَامَةَ الدَّلَالَةِ عَلَى نَفْيِ مَا نَفَيْت كَمَا أَوْجَبْتهَا عَلَى إثْبَاتِ مَا أَثْبَتّ ؟ .
           وَأَيْضًا : فَإِنَّك قَدْ اسْتَدْلَلْت عَلَى النَّفْيِ بِمَا ذَكَرْته : مِنْ أَنَّ أَصْلَهُ النَّفْيُ حَتَّى يَزُولَ عَنْهُ السَّمْعُ ، وَذَلِكَ ضَرْبٌ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى النَّفْيِ ، وَهُوَ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ ، فَقَدْ نَاقَضْت فِي قَوْلِك : إنَّ النَّافِيَ فِي هَذَا الْبَابِ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ .
وَيُقَالُ : هَلْ عَلِمْت : أَنَّ مَا نَفَيْت مِنْ ذَلِكَ لَا دَلِيلَ عَلَى إثْبَاتِهِ ؟ فَإِنْ قَالَ : نَعَمْ . قِيلَ لَهُ مِنْ أَيْنَ عَلِمْته ؟ فَإِنْ قَالَ عَلِمْته بِدَلَالَةٍ . قِيلَ لَهُ : فَأَنْتَ إنَّمَا نَفَيْته بِدَلَالَةٍ ، فَأَظْهِرْ ذَلِكَ الدَّلِيلَ . وَقَدْ تَرَكْتَ مَعَ ذَلِكَ أَصْلَك لِإِقْرَارِك بِأَنَّ عَلَى النَّفْيِ دَلِيلًا . فَإِنْ قَالَ : لَسْت أَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ . قِيلَ لَهُ : فَنَفَيْتَهُ بِجَهْلٍ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ مِنْك بِنَفْيِ الدَّلَالَةِ ، فَهَلَّا أَثْبَتَّهُ مَعَ الْجَهْلِ بِدَلَالَتِهِ ؟ وَكَيْفَ صَارَ النَّفْيُ فِي هَذَا الْوَجْهِ أَوْلَى مِنْ الْإِثْبَاتِ وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ هَذِهِ طَرِيقَتُهُ فِي نَفْيِ الشَّيْءِ بِغَيْرِ دَلَالَةٍ . فَقَالَ تَعَالَى : { بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ } فَعَنَّفَهُمْ  عَلَى نَفْيِ مَا لَمْ يَعْلَمُوهُ مَنْفِيًّا .وَقَالَ تَعَالَى : { وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَك بِهِ عِلْمٌ } وَلَمْ يُخَصِّصْ بِهِ الْإِثْبَاتَ مِنْ النَّفْيِ .
           وَأَيْضًا : فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ نَصَّ : أَنَّهُ قَدْ بَيَّنَ أَحْكَامَ الشَّرْعِ فِي كِتَابِهِ ، وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ وَفِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ النَّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ ، فَلَمْ يُخَصِّصْ بِالْبَيَانِ أَحَدَ الْقِسْمَيْنِ دُونَ الْآخَرِ ، وَذَلِكَ نَحْوُ قوله تعالى : { وَأَنْزَلْنَا عَلَيْك الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً } وَقَالَ تَعَالَى : { مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ } وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ ( لَمْ ) يُرِدْ بِهِ وُقُوعَ الْبَيَانِ فِي الْجَمِيعِ نَصًّا . وَإِنَّمَا أَرَادَ نَصًّا وَدَلِيلًا ، وَلَمْ يُخَصِّصْ الْإِثْبَاتَ مِنْ النَّفْيِ فَهُوَ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا . فَهَلَّا طَلَبْت دَلَالَةَ النَّفْيِ فِي الْكِتَابِ : كَدَلَالَةِ الْإِثْبَاتِ . وَقَالَ تَعَالَى { لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } فَأَمَرَ بِالتَّفَكُّرِ فِي اسْتِدْرَاكِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ ، وَلَمْ يُخَصِّصْ الْإِثْبَاتَ مِنْ النَّفْيِ ، فَهُوَ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا .
       فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : { الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي ، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ } ، وَالنَّافِي مُنْكِرٌ ، فَلَا بَيِّنَةَ عَلَيْهِ وَالْمُثْبِتُ مُدَّعٍ فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ . قِيلَ : لَوْ اكْتَفَيْنَا بِهَذَا الْخَبَرِ ( فِي ) دَحْضِ مَقَالَتِك ، وَفَسَادِ أَصْلِك ، كَانَ كَافِيًا ، لِأَنَّك مُدَّعٍ لِنَفْيِ الْحُكْمِ بِإِنْكَارِك لَهُ ، وَمُدَّعٍ لِبُطْلَانِ قَوْلِ خَصْمِك الْمُثْبِتِ لِمَا نَفَيْت ، وَمُدَّعٍ بِأَنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى فِي ذَلِكَ النَّفْيِ دُونَ الْإِثْبَاتِ ، وَمُدَّعٍ لِصِحَّةِ اعْتِقَادِك بِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَيْك فِيمَا نَفَيْت مِنْ ذَلِكَ . فَمِنْ حَيْثُ كُنْت مُدَّعِيًا فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ كَانَ عَلَيْك إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى صِحَّةِ دَعَاوِيك هَذِهِ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ ﷺ { الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنْ ادَّعَى } .
فَإِنْ تَرَكَ الِاحْتِجَاجَ بِظَاهِرِ الْخَبَرِ ، وَقَالَ : لَمَّا اتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّ مَنْ ادَّعَى شَيْئًا فِي يَدَيْ  رَجُلٍ فَجَحَدَهُ : إنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي دُونَ الَّذِي الشَّيْءُ فِي يَدِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى الَّذِي فِي يَدِهِ بَيِّنَةٌ ، إذْ كَانَ مُنْكِرًا وَجَبَ مِثْلُهُ فِي مُنْكِرِ الْحُكْمِ وَالْمُدَّعِي لِإِثْبَاتِهِ .
قِيلَ لَهُ : قَدْ رَضِينَا بِهَذِهِ الْقَضِيَّةِ أَيْضًا ، فَأَنْتَ مُثْبِتٌ فِي مَسْأَلَتِنَا مِنْ الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنَا ، فَأَلْزِمْ نَفْسَك إقَامَةَ الدَّلَالَةِ مِنْ حَيْثُ كُنْت مُدَّعِيًا لِإِثْبَاتِ الْمَعَانِي الَّتِي ذَكَرْنَا ، وَلِمَ صِرْت بِإِسْقَاطِ الدَّلَالَةِ عَنْك أَوْلَى مِنْ حَيْثُ كَانَ مُثْبِتًا ؟ وَأَسْقَطْت عَنْ الَّذِي الشَّيْءُ فِي يَدِهِ مِنْ حَيْثُ كَانَ مُنْكِرًا ؟ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةُ ، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْيَمِينُ ، إذْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْكِرًا لِمِلْكِ صَاحِبِهِ ، وَمُدَّعِيًا لِمِلْكِ نَفْسِهِ ، وَإِنَّمَا أَوْجَبَ النَّبِيُّ ﷺ الْبَيِّنَةَ عَلَى الَّذِي لَيْسَ الشَّيْءُ فِي يَدِهِ لِأَنَّ الَّذِي الشَّيْءُ فِي يَدِهِ ظَاهِرَةُ يَدِهِ تُوجِبُ لَهُ الْمِلْكَ ، فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى بَيِّنَةٍ أَكْثَرَ مِنْ شَهَادَةِ ظَاهِرَةِ الْيَدِ ، وَالْخَارِجُ لَيْسَ لَهُ ظَاهِرٌ يَشْهَدُ لَهُ ، فَاحْتَاجَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ إلَى بَيِّنَةٍ ، وَأَمَّا الْمُتَنَازِعَانِ فِي نَفْيِ الْحُكْمِ وَإِثْبَاتِهِ ، فَلَيْسَ مَعَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ظَاهِرٌ يَشْهَدُ لَهُ ، فَوَجَبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى صِحَّةِ مَا يَدَّعِيهِ مِنْ نَفْيٍ وَإِثْبَاتٍ .
      وَنَظِيرُ ذَلِكَ مِنْ مُدَّعِي الْمِلْكِ : أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ فِي يَدِ غَيْرِهِمَا ، وَهُمَا يَدَّعِيَانِهِ ، فَيُطَالَبُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْبَيِّنَةِ ، وَإِنْ كَانَ مُنْكِرًا لِدَعْوَى صَاحِبِهِ ، إذْ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهَا ظَاهِرٌ يَشْهَدُ ( لَهُ ) .
        وَأَيْضًا : فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُخَلِّ الْمُنْكِرَ مِنْ يَمِينٍ أَوْجَبَهَا عَلَيْهِ ، لِقَطْعِ الْمُنَازَعَةِ فِي الْخُصُومَةِ ، فَهَلْ تُوجِبُ أَنْتَ عَلَى مُنْكِرِ الْحُكْمِ سَبَبًا يَفْصِلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَصْمِهِ غَيْرَ نَفْيِهِ إيَّاهُ .
          قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَقَدْ يَجِيءُ مَسَائِلُ تُشَاكِلُ هَذَا الْبَابَ فِي إقَامَةِ الدَّلَالَةِ عَلَى الْمُثْبِتِ وَالنَّافِي جَمِيعًا ، بَعْدَ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ الَّذِي انْتَحَلَهُ قَدْ انْطَوَى تَحْتَ جُمْلَةٍ تَقْتَضِي النَّفْيَ إنْ كَانَ بَاقِيًا ، وَالْإِثْبَاتُ إنْ كَانَ مُثْبَتًا ، فَيَبْنِي الْقَائِلُ بِهِ مَقَالَتَهُ فِي الْفَرْعِ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى  الْجُمْلَةِ الَّتِي تَفَرَّدَتْ . فَيَقُولُ : لَمْ يَثْبُتْ تَحْرِيمُ مَا سُمِّيَ تَحْرِيمُهُ ، أَوْ لَمْ يَثْبُتْ نَفْيُ مَا أَرَدْت نَفْيَهُ ، إذَا نَفَتْهُ الْجُمْلَةُ الْمُقْتَضِيَةُ لِنَفْيِ أَحْكَامٍ هَذَا مِنْهَا ، أَوْ يُعَلِّقُهُ بِالْجُمْلَةِ الَّتِي تَقْتَضِي الْإِثْبَاتَ ، إذَا رَامَ إثْبَاتَهُ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرْنَا مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِينَ : بِأَنَّ النَّافِيَ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ ، لِأَنَّ الْمُثْبِتَ وَالنَّافِيَ سَوَاءٌ فِي هَذَا الْبَابِ ، مِنْ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَيْهِ إقَامَةُ الدَّلِيلِ عَلَى مَا نَفَاهُ أَوْ أَثْبَتَهُ ، إلَّا أَنَّ دَلَالَتَهُ فِي ذَلِكَ : هِيَ الْجُمْلَةُ الَّتِي أَسْنَدَ إلَيْهَا مَقَالَتَهُ ، عَلَى الْوَصْفِ الَّذِي قَدَّمْنَا .
      نَظِيرُ ذَلِكَ : أَنَّ قَائِلًا لَوْ قَالَ لَنَا : لِمَ أَبَحْتُمْ أَكْلَ الْأَرْنَبِ ؟ لَجَازَ لَنَا أَنْ نَقُولَ : لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ تَحْرِيمُهُ ; إذْ كَانَ الْأَصْلُ 

الْإِبَاحَةَ فِي مِثْلِهِ ، فَمَنْ رَامَ الْعُدُولَ عَنْ هَذَا الْأَصْلِ ، وَإِخْرَاجَ شَيْءٍ مِنْهُ احْتَاجَ إلَى دَلَالَةٍ فِي إثْبَاتِ خَطَرِهِ ، فَإِذَا عَلَّقَهُ بِهَذَا الْأَصْلِ كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى نَفْيِ الْحَظْرِ ، وَيَحْتَاجُ مُثْبِتُ الْحَظْرِ إلَى إقَامَةِ الدَّلَالَةِ عَلَى مَا ادَّعَى ، فَلَا يَحْتَاجُ الْقَائِلُ بِالْإِبَاحَةِ إلَى أَكْثَرَ مِنْ ثَبَاتِهِ عَلَى الْأَصْلِ ، وَإِنْ لَمْ يُعَلِّقْهُ الْمَسْئُولُ بِأَصْلٍ يَقْتَضِي إبَاحَتَهُ - لَمْ يَصِحَّ لَهُ أَنْ يَقُولَ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ تَحْرِيمُهُ ، لِأَنَّهُ يُقَالُ : أَفَتَثْبُتُ إبَاحَتُهُ ؟ فَإِنْ قَالَ : نَعَمْ . قِيلَ لَهُ : فَدَلَّ عَلَى ثُبُوتِ الْإِبَاحَةِ .

         وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ قَائِلٌ : لِمَ أَجَزْتُمْ بَيْعَ الْعَقَارِ قَبْلَ الْقَبْضِ ؟ فَقُلْنَا : لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ حَظْرُهُ ، وَقَدْ أَطْلَقَ اللَّهُ الْبُيُوعَ بِلَفْظٍ عَامٍّ ، فَقَالَ تَعَالَى : { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا } فَمَنْ ادَّعَى الْحَظْرَ وَإِخْرَاجَ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ ، كَانَ عَلَيْهِ إقَامَةُ الدَّلِيلِ ، وَإِلَّا فَالْحُكْمُ الْإِبَاحَةُ وَالْجَوَازُ ، كَانَ هَذَا كَلَامًا صَحِيحًا ، وَلَوْ اقْتَصَرَ الْمَسْئُولُ عَلَى قَوْلِهِ لَمْ يَثْبُتْ حَظْرُهُ ، وَلَمْ يَنْسُبْهُ إلَى أَصْلٍ مِنْ عُمُومٍ أَوْ جُمْلَةٍ تَقْتَضِي إبَاحَتَهُ ، لَمْ يَصِحَّ لَهُ الْقَوْلُ ( بِهِ ) ، إلَّا بِإِقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى نَفْيِهِ ، وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الْإِثْبَاتِ . لَوْ قَالَ قَائِلٌ : لِمَ أَجَزْتُمْ نِكَاحَ الْمُحْرِمِ ؟ جَازَ أَنْ تَقُولَ :  لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ حَظْرُهُ ، إذْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَبَاحَ النِّكَاحَ عَلَى الْإِطْلَاقِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاءِ } فَمَنْ ادَّعَى حَظْرَ شَيْءٍ مِنْهُ ، وَإِخْرَاجَهُ مِنْ الْعُمُومِ ، احْتَاجَ إلَى دَلَالَةٍ ، وَإِلَّا فَأَنَا مُعْتَصِمٌ بِالظَّاهِرِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ : لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ حَظْرُهُ وَيَقْتَصِرُ عَلَيْهِ ، لِأَنَّ خَصْمَهُ يَقُولُ ( لَهُ ) : فَدَلَّ عَلَى إبَاحَتِهِ . فَتَسَاوَيَا جَمِيعًا فِيهِ ، وَيَحْتَاجُ الْمَسْئُولُ حِينَئِذٍ إلَى إقَامَةِ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ . فَهَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ مِمَّا يَصِحُّ لِلْقَائِلِ فِيهِ بِالنَّفْيِ أَوْ الْإِثْبَاتِ أَنْ يَقُولَ : إنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فَسَادُهُ ، أَوْ لِأَنَّهُ ثَبَتَتْ صِحَّتُهُ ; إذْ عَلَّقَهُ بِأَصْلٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ ، عَلَى مَا بَيَّنَّا ، وَيَكُونُ الْأَصْلُ الَّذِي بَنَاهُ عَلَيْهِ ، هُوَ دَلَالَتُهُ عَلَى نَفْيِ مَا نَفَاهُ ، وَإِثْبَاتِ مَا أَثْبَتَهُ . ( وَ ) مَنْ رَامَ الْخُرُوجَ عَنْ ذَلِكَ الْأَصْلِ ، احْتَاجَ إلَى دَلَالَةٍ فِي خُرُوجِهِ عَنْهُ ، وَمَنْ اعْتَصَمَ بِالْأَصْلِ لَا يَحْتَاجُ إلَى دَلَالَةٍ أَكْثَرَ مِنْ تَعَلُّقِهِ بِهِ .
             قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَمِمَّا يُضَاهِي هَذَا الْمَعْنَى وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ بِعَيْنِهِ : إثْبَاتُ الْمَقَادِيرِ الَّتِي لَا سَبِيلَ إلَى إثْبَاتِهَا مِنْ طَرِيقِ الْمَقَايِيسِ وَالِاجْتِهَادِ ، وَإِنَّمَا طَرِيقُ إثْبَاتِهَا التَّوْقِيفُ وَالِاتِّفَاقُ ، فَجَائِزٌ عِنْدَ وُقُوعِ الْخِلَافِ لِمَنْ أَثْبَتَ مِقْدَارًا قَدْ دَخَلَ فِي اتِّفَاقِ الْجَمِيعِ ، أَنْ يَقُولَ : أَثْبَتْنَا هَذَا الْقَدْرَ بِالِاتِّفَاقِ ، وَلَمْ تَقُمْ الدَّلَائِلُ عَلَى إثْبَاتِ مَا سِوَاهُ مِمَّا اخْتَلَفُوا فِيهِ ، إذَا لَمْ يَجِدْ فِيهِ تَوْقِيفًا ، وَلَا اتِّفَاقًا ، وَلَا سَبِيلَ إلَى إثْبَاتِهِ مِنْ طَرِيقِ الْقِيَاسِ وَالرَّأْيِ .
          نَظِيرُ ذَلِكَ : إنَّا إذَا قُلْنَا : إنَّ أَقَلَّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ، وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةٌ . ( فَقِيلَ لَنَا لِمَ قُلْتُمْ إنَّهُ لَا يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ ، وَلَا أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةٍ ؟ ) جَازَ لَنَا أَنْ نَعْتَصِمَ فِيهِ بِمَوْضِعِ الِاتِّفَاقِ ، عَلَى أَنَّ هَذَيْنِ الْمِقْدَارَيْنِ يَكُونَانِ حَيْضًا .  وَنَقُولُ : إنَّ مَوْضِعَ الْخِلَافِ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ اتِّفَاقٌ وَلَا تَوْقِيفٌ ، فَلَمْ نُثْبِتْهُ ، وَلَا سَبِيلَ إلَى إثْبَاتِهِ مِنْ طَرِيقِ الْمَقَايِيسِ فَتَسُومُنَا إقَامَةُ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ . 
        فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَيَقُولُ لَك خَصْمُك : قَدْ اتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّهَا مَأْمُورَةٌ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ تَرَى فِيهِ الدَّمَ ، فَلَا أَزُولُ عَنْ هَذَا الِاتِّفَاقِ إلَّا بِتَوْقِيفٍ أَوْ اتِّفَاقٍ مِثْلِهِ . فَيُوجِبُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَقَلُّ الْحَيْضِ يَوْمًا وَأَحَدًا ، حَسْبَمَا ذَكَرْته مِنْ الثَّلَاثَةِ وَالْعَشَرَةِ .
      قِيلَ لَهُ : لَمْ تُؤْمَرْ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ عَلَى جِهَةِ الْقَطْعِ مِنَّا بِكَوْنِ ذَلِكَ الدَّمِ حَيْضًا ، وَإِنَّمَا أَمَرْنَاهَا أَمْرًا مُرَاعًا ، وَالثَّلَاثَةُ وَالْعَشَرَةُ مُتَّفَقٌ عَلَى أَنَّهَا حَيْضٌ ، لَا عَلَى جِهَةِ الْمُرَاعَاةِ وَالتَّرَقُّبِ بِحَالٍ ثَانِيَةٍ . 
      أَلَا تَرَى : إنَّهَا مَأْمُورَةٌ بِتَرْكِ أَوَّلِ صَلَاةِ حَضَرَ وَقْتُهَا بَعْدَ رُؤْيَةِ الدَّمِ ( وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رُؤْيَةُ الدَّمِ ) هَذَا الْقَدْرُ مِنْ الْوَقْتِ حَيْضًا ، وَإِنَّمَا كَانَ أَمْرُنَا إيَّاهَا بِذَلِكَ مُرَاعًا وَمُتَرَقَّبًا بِهِ حَالًا ثَانِيَةً عِنْدَ مُخَالِفِينَا ، كَذَلِكَ حُكْمُهَا فِي رُؤْيَةِ الدَّمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً ، مَحْمُولٌ عَلَى ذَلِكَ ، وَأَمَّا إذَا صَارَتْ ثَلَاثَةً ، فَقَدْ حَصَلَ الْيَقِينُ بِوُجُودِ الْحَيْضِ عِنْدَ الْجَمِيعِ ، فَلِذَلِكَ جَازَ لَنَا أَنْ نَقِفَ عِنْدَ الْإِجْمَاعِ ، وَنَنْفِيَ مَا سِوَاهُ ، مَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ تَوْقِيفٌ وَلَا ثَبَتَ فِيهِ اتِّفَاقٌ .
           وَمِنْ نَظَائِرِ مَا ذَكَرْنَا فِي الْحَيْضِ : مُدَّةُ أَقَلِّ السَّفَرِ أَنَّهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ، وَأَنَّ أَقَلَّ الْإِقَامَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، مِنْ بَابِ قَصْرِ الصَّلَاةِ وَالْإِفْطَارِ ، وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ الْمُعَلِّقَةِ بِالسَّفَرِ ، وَهَاتَانِ الْمُدَّتَانِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا ، فَجَازَ لَنَا الْوُقُوفُ عِنْدَهُمَا ، لِاتِّفَاقِ الْجَمِيعِ عَلَى اعْتِبَارِهِمَا وَنَفْيِ  مَا عَدَاهُمَا ، مِمَّا يُوجِبُ خِلَافًا ، لِعَدَمِ التَّوْقِيفِ أَوْ الِاتِّفَاقِ فِيهِ ، وَامْتِنَاعِ جَوَازِ الْقَوْلِ فِيهِ مِنْ طَرِيقِ الْقِيَاسِ ، وَكَذَلِكَ مُدَّةُ الْحَمْلِ قَدْ اتَّفَقُوا أَنَّهَا تَكُونُ سَنَتَيْنِ ، وَمَا زَادَ فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ ، وَإِنْ لَمْ يَرِدْ فِيهِ تَوَقُّفٌ ، وَلَا حَصَلَ عَلَيْهِ اتِّفَاقٌ ، وَلَا مَدْخَلَ لِلْقِيَاسِ فِيهِ ، فَلَمْ نُثْبِتْهُ .
       وَمِثْلُهُ : مَا يُقْطَعُ فِيهِ السَّارِقُ ، أَنَّ الْعَشَرَةَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، لِأَنَّهُ يُقْطَعُ فِيهَا ، وَمَا دُونَهَا ، فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ ، فَلَمْ نُثْبِتْهُ مَعَ وُجُودِ الْخِلَافِ ( إلَّا بِتَوْقِيفٍ ) فَلَا سَبِيلَ إلَى إثْبَاتِهِ مِنْ طَرِيقِ الْمَقَايِيسِ وَالِاجْتِهَادِ .
        وَمِثْلُهُ : أَنَّ نَصْبَ الْأَمْوَالِ الْمُعْتَبَرَةِ لِإِيجَابِ الزَّكَوَاتِ لَا سَبِيلَ إلَى إثْبَاتِهَا إلَّا مِنْ طَرِيقِ التَّوْقِيفِ ، أَوْ الِاتِّفَاقِ ، وَلَا يَجُوزُ إثْبَاتُهَا مِنْ غَيْرِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ ، فَمَتَى اخْتَلَفْنَا فِي مِلْكٍ إذَا انْفَرَدَ عَنْ الْيَدِ ، هَلْ يَكُونُ نِصَابًا صَحِيحًا ، أَوْ لَا يَكُونُ النِّصَابُ الصَّحِيحُ إلَّا بِانْضِمَامِ الْيَدِ إلَى الْمِلْكِ ، جَازَ الْوُقُوفُ عِنْدَ الِاتِّفَاقِ ، فِي كَوْنِهِمَا جَمِيعًا شَرْطًا فِي ثُبُوتِ النِّصَابِ وَنَفْيِ مَا عَدَاهُ بِانْفِرَادِ الْمِلْكِ عَنْ الْيَدِ ، نَحْوُ مَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنَّهُ مَنْ وَرِثَ دَيْنًا ، أَنَّهُ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ ، إذَا قَبَضَهُ فِيمَا مَضَى ، حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ حَوْلٌ بَعْدَ الْقَبْضِ ، إذْ كَانَ اجْتِمَاعُ الْيَدِ وَالْمِلْكِ ( عِنْدَ الْجَمِيعِ ) نِصَابًا صَحِيحًا . وَاخْتَلَفُوا عِنْدَ انْفِرَادِ الْمِلْكِ عَنْ الْيَدِ فَوَجَبَ الْوُقُوفُ عِنْدَ الِاتِّفَاقِ ، وَنَفْيُ مَا عَدَاهُ ، إذْ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ دَلَالَةٌ .
     وَمِثْلُهُ مَا قَالَ فِي السِّخَالِ : إنَّهُ لَا صَدَقَةَ فِيهَا ، لِأَنَّ النِّصَابَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ ، وُجُودُ السِّنِّ وَالْمِقْدَارِ ، وَانْفِرَادُ الْمِقْدَارِ عَنْ السِّنِّ مُخْتَلَفٌ فِي كَوْنِهِ نِصَابًا ، فَلَمْ يَثْبُتْ  مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ ذَلِكَ . وَأَثْبَتَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ ، مِنْ إيجَابِ الصَّدَقَةِ عِنْدَ اجْتِمَاعِ الْأَمْرَيْنِ .
        فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : قَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي السِّخَالِ وَالْمَسَانِّ إذَا اجْتَمَعَا ، هَلْ يَكْمُلُ بِهِمَا نِصَابٌ ؟ وَقَدْ أَثْبَتَ نِصَابًا مَعَ وُجُودِ الْخِلَافِ .
   قِيلَ لَهُ : لَا نَأْبَى ( إثْبَاتَهُ مَعَ وُجُودِ الْخِلَافِ إذَا كَانَ هُنَاكَ تَوْقِيفٌ يَقْتَضِي إثْبَاتَهُ ، وَإِنَّمَا أَبَيْنَا ) إثْبَاتَهُ مِنْ غَيْرِ أَحَدِ هَذَيْنِ  الْوَجْهَيْنِ  تَوْقِيفٍ أَوْ اتِّفَاقٍ ، وَمَنَعْنَا أَنْ يَكُونَ لِلْقِيَاسِ وَالِاجْتِهَادِ مَدْخَلٌ فِي ذَلِكَ .
         وَالتَّوْقِيفُ الْمُوجِبُ لِمَا وَصَفْنَا : مَا رُوِيَ عَنْ { النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ : فِي صَدَقَةِ الْمَوَاشِي وَيُعَدُّ صَغِيرُهَا وَكَبِيرُهَا } وَلِأَنَّ أَسْمَاءَ الْمِقْدَارِ الَّذِي عَلَّقَ النَّبِيُّ ﷺ الْوُجُوبَ يَتَنَاوَلُهُمَا جَمِيعًا عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ : { فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ } وَأَمَّا إذَا انْفَرَدَتْ السِّخَالُ عَنْ الْمَسَانِّ فَإِنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُهَا هَذَا الِاسْمُ ، فَلَمْ يُوجَدْ فِيهَا تَوْقِيفٌ وَلَا اتِّفَاقٌ فَلَمْ يَثْبُتْ . 
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : يَلْزَمُك عَلَى هَذَا الْأَصْلِ : أَنْ تَجْعَلَ الْجَمْعَ الَّذِي يَنْعَقِدُ بِهِ الْجُمُعَةُ أَرْبَعِينَ ، لِاتِّفَاقِ الْجَمِيعِ عَلَى صِحَّةِ انْعِقَادِهَا بِأَرْبَعِينَ ، وَاخْتِلَافِهِمْ فِيمَا دُونَهَا ، وَلَا تَوْقِيفَ فِيهِ . وَهَذَا أَيْضًا مَا لَا سَبِيلَ إلَى إثْبَاتِهِ إلَّا مِنْ طَرِيقِ الِاتِّفَاقِ أَوْ التَّوْقِيفِ .
قِيلَ لَهُ : قَدْ اتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّ حُصُولَ الثَّلَاثَةِ مِنْ شَرَائِطِ صِحَّتِهَا . فَأَثْبَتْنَاهَا ، وَمَا زَادَ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ تَوْقِيفٌ وَلَا اتِّفَاقٌ ، فَلَمْ نُثْبِتْهُ .
          وَأَيْضًا فَقَدْ ثَبَتَ عِنْدَنَا التَّوْقِيفُ فِي جَوَازِهَا بِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ ، لِمَا رَوَى جَابِرٌ { أَنَّ  النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فَقَدِمَتْ عِيرٌ فَنَفَرَ النَّاسُ إلَيْهَا ، وَلَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إلَّا اثْنَا عَشَرَ } وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَتْرُكْ الْجُمَعَ مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ . وَلَوْ كَانُوا قَدْ عَادُوا إلَى الصَّلَاةِ لَذَكَرَ . فَدَلَّ أَنَّهُ صَلَّى بِاثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا ، وَإِذَا جَازَتْ بِاثْنَيْ عَشَرَ جَازَتْ بِثَلَاثَةٍ ، لِأَنَّ أَحَدًا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا .
           وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى إنَّهُ قَدْ رُوِيَ : أَنَّ أَوَّلَ جُمُعَةٍ كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ مَقْدِمِ النَّبِيِّ ﷺ إلَيْهَا ، صَلَّاهَا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ بِاثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا ، فَثَبَتَ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ جَوَازُهَا بِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ .