ألا جنبا قلبى الأذى لا يطيقه

ألا جنّبا قلبى الأذى لا يطيقهُ

​ألا جنّبا قلبى الأذى لا يطيقهُ​ المؤلف الشريف المرتضى


ألا جنّبا قلبى الأذى لا يطيقهُ
وقولوا له إذ ضلَّ: أينَ طريقُهُ
فما الشَّوقُ والأشجانُ إلاّ صَبوحُهُ
وما الهمُّ والأحزانُ إلا غبوقهُ
فإنْ أنتما لم تُسعداهُ بعبرةٍ
فلا تنكرا إن سحّ بالدّمعِ موقهُ
طوَى الموتُ أهلي بعدَ طيِّ أصادِقي
ولمّا يقمْ من بانَ عنه صديقهُ
فثكلٌ على ثكلٍ ورزءٌ يسوقهُ
إلى الكبدِ الحرّى عليه سؤوقهُ
وما المرءُ إِلاّ عُرضةٌ لمصيبةٍ
فطَوْراً بَنُوهُ ثمَّ طَوراً شَقيقُهُ
وما الدّهرُ إلاّ ترحةٌ بعد فرحةٍ
فلا كانَ منه بِرُّهُ وعقوقُهُ
أتانى من الطّرّاقِ ما يقرحُ الحشا
وكم طارقٍ لى لا يودُّ طروقهُ
وقالوا: معزُّ الدّينِ تاه به الرّدى
وسُدَّ به في وَسْطِ قاعٍ خُروقُهُ
فألهبَ خوفاً ليس يخبو حريقهُ
وأعقبَ سكراً ليس يَصْحو مُفيقُهُ
وذال ذهابٌ ليس يدنو إيابهُ
ووشكُ غروبٍ ليس يرجى شروقهُ
كأنِّي وقد فارقتُهُ شِعْبُ منزلٍ
تحمّل عنه راغمين فريقهُ
وإلاّ فصديانٌ على ظهر قفرةٍ
وما ماؤه إلاّ السّرابُ وريقهُ
فليس الذي تجري به العينُ ماؤها
ولكنَّه ماءُ الحياةِ أُريقُهُ
فمنْ لسرير الملك يركبُ متنَهُ
فيعلو به إشرافهُ وسموقهُ؟
ومَنْ لصفيحِ الهند يُنْثَرُ حولَه
فديغُ رءوسٍ فى الوغى وفليقهُ؟
ومَنْ للقنا تحمرُّ منه ترائبُ
كأنَّ خَلوقَ المعرساتِ خَلوقُهُ
ومَنْ للجيادِ الضُّمَّرِ القُودِ قادَها
إلى موقفٍ؛ دحضُ المقامِ زليقهُ؟
ومَنْ يحملِ العِبْءَ الرَّزينَ تكرُّماً
إذا كلَّ عن حملِ الثّقيلِ مطيقهُ؟
ومَنْ لثغور الملكِ يرتُقُ فتقَها
إذا التاث ثَغْرٌ أو تراءَتْ فتوقُهُ
فتىً كان رنَّاتِ السُّيوفِ سَماعُهُ
وفيضَ نجيعِ الذَّابلاتِ رحيقُهُ
ولم تُلفِهِ إِلاّ وفوقَ فَقارِهِ
جليلُ الذى يقتادنا ودقيقهُ
وقد علم الأملاك أنك فتهم
وإلا فقل من ذا الذي لا تفوته؟
فإن نزلوا فى الفجر هضباً رفيعةً
فمنزلك الأعلى من الفخرِ نيقهُ
وأنّك من قومٍ كفى الخطبَ بأسهمْ
وقامتْ بهمْ في مُعظم الأمرِ سُوقُهُ
إذا ما جرى منهم كريمٌ إلى ندًى
مصى لم يعقهُ دونه ما يعوقهُ
وفيهمْ شعابُ الملك تجرى وعندهمْ
إذا وشجتْ أغصانهُ وعروقهُ
وإن تنكص الأقدامُ جنباً فما لهمْ
إلى المجد إلاّ شدّهُ وعنيقهُ
قضى اللهُ لى من بعدك الحزنَ والأسى
وليسَ بمردودٍ قضاءٌ يسوقُهُ
وما كنتُ أخشى أنْ تبيتَ وبيننا
بعيدُ المدى شَحْطُ المزارِ سحيقُهُ
وأنِّيَ موفورٌ وأنتَ مُحَمَّلٌ
بثِقْلِ الثَّرى ما لا أراك تُطيقُهُ
يُفِيقُ الرّجالُ الشّاربونَ منَ الكَرى
وسكرك من خمرِ الرَّدَى لا تُفيقُهُ
ولِمْ لا أقيكَ السُّوءَ يوماً وطالما
وقيتَ من الأمر الذّعاف مذوقهُ
ولمّا عرانى ما عرانىَ والتوى
عليَّ أخٌ فيما عرا وشقيقُهُ
تشمّرتَ لى حتّى أضاء ظلامهُ
وطاوع عاصيه وأرحبَ ضيقهُ
فإنْ تمضِ فالأنواءُ تمضى وإنْ تغبْ
فقد غابَ عنّا من زمانٍ أنيقُهُ
وإن تَعْرَ منّا اليومَ فالغصنُ يُغتَدَى
وريقاً زماناً ثمّ يعرى وريقهُ
فما لفؤادى بعد يومك بهجةٌ
ولا شاقَ قلبي بعده ما يشوقُهُ
ولا لسلوٍّ خطرةٌ فى جوانحى
ولا لجفوني طعمُ نومٍ أذوقُهُ
سلامٌ على قبرٍ حَلَلْتَ ترابَه
وهبَّ عليه من نسيمٍ رقيقُهُ
ومن حوله وشىُ الرّياض منشّرٌ
وفيه من المسك الذّكى ّ فتيقهُ
فإنْ ضاقت الأرضُ الفضا بعد فقده
فقد وسِعَتْه تربةٌ لا تضيقُهُ
مَررنا عليه منشئينَ لقبرهِ
غمامَ دموعٍ والحنينُ يسوقُهُ
ومن قلّةِ الإنصافِ عيشىَ بعده
وفى الكفّ منّى لو أردتُ لحوقهُ