الآراء والمعتقدات (1926)/الفصل الثاني: طرق البحث في علم النفس


الفصل الثاني

طرق البحث في علم النفس

استعان علم النفس في تكوينه بطرق كثيرة، ولا نستفيد من هذه الطرق في بحثنا عن مسائل الآراء والمعتقدات، فسيرى القارئ من ذكرها مختصراً أننا لا نستطيع أن ننتفع بها في مباحثنا إلا قليلاً .

الطريقة الروحية . — الطريقة الروحية هي أقدم طريقة استعملت في البحث عن النفس، وقد امتد دور تطبيقها وحدها زمناً طويلاً، فالمفكر حسب هذه الطريقة كان يختلى في غرفة مطالعته متجرداً عن العالم الخارجي فیفكر في نفسه وفي ما استنبطهُ من النتائج في الكتب.

لا شك في أنه ظهرت في القرن السابق طرق علمية أحسن من الطريقة الروحية

ولكنها غير مثمرة مثلها، واليكها :

الطريقة النفسية الجثمانية .– لما ظهرت هذه الطريقة ظُنَّ أنه سيكون لها مستقبل مجيد لتطبيقها حوادث الجسم على أحوال النفس، ولكن سرعان ما بدا للعلماء ضيق دائرتها، إذ لم تطبق تلك الحوادث إلا على أبسط الأحوال النفسية کسرعة المؤثر العصبي والزمن الضروري لانعكاس الحركة والنسبة العددية بين التهييج والحس الخ، على أن أموراً كهذه هي بالحقيقة عضوية قلما ينتفع بها علم النفس.

طريقة المراكز الدماغية . – تسمى هذه الطريقة في اسناد أيّ خلل في وظائف النفس إلى ضرر يقع في أحد الأعصاب، على هذه الصورة ظَنَّ أن في الدماغ مراكز هي مصدر أي عمل نفسی، إلا أنه قد غُضَّ النظر عن تلك المراكز الآن حتي التي لاح منها أنه ثابت صحیح كمركز النطق ومرکز الخط .

طريقة الفحص والاختبار . – ظل النجاح حليف هذه الطريقة وقتاً طويلاً، حتى أن المختبرات النفسية لا تزال مملوءة بآلات توزن بها الحركات التي يُظَنَّ أنها ذات علاقة بالعقل والذكاء، وقد طبع عدد غير يسير من الرسائل في البحث عن هذه الحركات فسلم بما جاء فيها بضعة علماء مشهورين، والرسالة التي نشرها أحد أنصار هذه الطريقة المتأخرين باحثاً فيها عن الرياضي ( هنري بوانكاره ) تدلنا على أن حظ علم النفس من الطريقة المذكورة ضئيل إلى الغاية، ولذا أعملت تماماً في الوقت الحاضر.

طريقة درس الأمراض النفسية . – هذه الطريقة هي التي أتت اكثر من غيرها بوثائق على النشاط النفسي اللاشعوری وعلى التصوف والتقليد وانحلال شخصية الانسان الخ، وهي على رغم كونها حديثة في تطبيقها فقد علمها أكابر الكتاب الروائيين السابقين كشكسبير، حقاً لقد اكتشف هؤلاء لما فيهم من دهاء عظيم ونظر ثاقب حوادث لم يعينها العلم الا أخيراً. فاطلعوا على أن مكبث متهوس، وعطيل مصاب بالصرع، وهملت سكير استحوذت عليه وساوس الخوف، والملك ليار سخيف سوداوی ذو جنون غير مطبق، ومما يجب ملاحظته هو أنه لو كان هؤلاء الأشخاص المشهورون في حالة اعتدال بدلاً من أن يكونوا ذوي نفسية مختلة مذيذبة لما اهتم الأدب والفن يأمرهم.

طريقة القياس النفسي. – مع اكتفاء هذه الطريقة الحديثة حتى الآن بالبحث عن الغرائز وعن قليل من الانفعالات البسيطة فانه يظهر أنها ستكون احدى الطرق المعتبرة في المستقبل، يقول أنصارها أنه لا بد من فحص أحوال الحيوانات الدنيا لفهم نفسية الانسان، غير أن هذا البيان لم ينل بعد ما يستحقه من الحظوة عند علماء النفس الذين يزعمون وجود فرق قاطع بين عقل الانسان و بين عقل الحيوان الذي هو دونه، فهم على عكس الطبيعة التي لا تعرف مثل هذه الفروق القاطعة، فقد قطعنا الدور الذي كان ( ديكارت ) يعد فيه الحيوانات آلات متحركة.

ومع ذلك فان تطبيق الطريقة المذكورة كثير المصاعب، إذ نشاهد أن حواس الحيوانات و مشاعرها تختلف عن حواسنا ومشاعرنا، ثم إن من يود أن يكتنه الحيوانات فعليه أن يلاحظ حركاتها وسكناتها ملاحظة وثيقة دقيقة، ولما كان هذا العمل شاقاً فان علم نفس الحيوانات – حتى العليا – لا يزال في المرحلة الأولى.

الطريقة التي اتخذناها في هذا الكتاب البحث عن الآراء والمعتقدات. – يشعر القارىء من الطرق التي ذكرناها آنفاً بأنها لا تصلح لبيان تكوين الآراء والمعتقدات وتطورها، ولذلك فاننا مضطرون الى الاستعانة بطرق أخرى، لقد حللنا – بعد أن درسنا ما هو مرتع لنفوذ المعتقد من ذكاء ومشاعر ولا شعور الخ – المعتقدات الدينية والاخلاقية الح باحثين عن عللها وأسبابها القاهرة، ومن تاريخ الماضي والحوادث اليومية الحاضرة تتكون مقومات موضوعنا، فالمعتقدات العظيمة هي في الغالب تراث الماضي، والذي يجلب النظر فيها كثيراً هو كونها حافلة بالمستحيلات التي يرفضها العقل النظري، وعندما نوضح كيفية اعتناقها يظهر لنا أن الرجل المتعلم والعالم الذي تعود مناهج المختبرات الدقيقة يفقد في ميدان المعتقد كل ما فيه من ملكة انتقاد و یؤمن بالمعجزات، وسيكون لنا في البحث عن مظاهر السحر والشعوذة بينات قاطعة في هذا الموضوع، وسوف نرى أن كثيراً من مشاهير علماء الطبيعة زعموا أنهم عاشوا بين الاشباح وأن أحد اكابر الاساتذة في علم وظائف الأعضاء قص أنه استحضر الأموات وحادثهم وأن أستأذاً آخر ليس أقل فضلاً منه قال مؤكداً إنه رآی مقاتلاً لابساً خوذة خرج من جسم فتاة تامّ الاعضاء كما دل على ذلك خص دورته الدموية وآثار تنفسه.

تثبت لنا هذه الحوادث أن العقل عاجز عن التأثير في اكثر المعتقدات خطأ، ولكن لماذا يبدو من الانسان مهما تكن تربيته سذاجة متناهية عندما يدخل في ساحة المعتقد ؟ قد سعينا لاكتشاف هذا السر في توسيعنا نطاق البحث فدرسنا مصدر الحركة في أنواع الحيوان فظهر لنا أن ما أتي به العلماء من ایضاح لم يكن ناقصاً أو لاغياً الا لمحاولتهم تطبيق مناهج المنطق العقلى على حوادث لم يملها العقل أبداً، ثم بدا لنا أنه يوجد في حركات الحياة المعقدة – كما في عالم اللاشعور الذي هو باعث الحركة الحقيقي – انتظام لا تأثير للعقل فيه ولا يمكن تعيينه بالفاظ غير صريحة کالفظ « الغريزة » مثلاً.

و بتوغلى في هذه المواضيع تحققت وجود أنواع منطقية هي – مع ما بينها و بين المنطق العقلى من تباين – أرفع أو أدنى منه بحسب الأحوال، على هذه الصورة استطعت أن أضم إلى المنطق العقلى الذي علم منذ القديم والمنطق العاطفي الذي بُحث عنه منذ بضع سنين أنواعاً منطقية جديدة قد تنتضد وقد تتصادم مغيرة أوضاع نفسيتنا، والذي يسيطر منها على دائرة المعرفة لا علاقة له بالمعتقدات أصلاً، وهذا هو السر في كون العالم في الفكر النير قد يأتي بآراء عقلية متناقضة حسب وجوده في دائرة المعرفة أو في دائرة المعتقد.

وليس علينا أن نطالب علم النفس المزاول ايضاح تلك المسائل، فقد ذكر علماء النفس ولا سيما ویلیام جیمس « أن علماً يدب الانتقاد النظري في جميع مفاصله لسريع العطب » ثم قال « إننا ننتظر وميضاَ ينفذ ظلام الحقائق النفسية الأساسية »، ونحن مع كوننا لا نشاطر تماماً رأى هذا المفكر الشهير قوله « إن كتب علم النفس لا تحوي سوى سلسلة من الحوادث التي لم تلاحظ بدقة ومماحكات عنيفة ونظريات تتم على الثرثرة » فإننا نعترف معه « أن علم النفس المُزاوّل لا يشتمل على قاعدة نستنبط منها نتيجة ما يستنبط المعلول من العلة »

إذاً فإننا نحاول بناء نظرية في تكوين الآراء والمعتقدات وتطورها على أرض مكتظةٍ في الظاهر وهى بكرٌ في الباطن.