الخوارزمي - مفاتيح العلوم/المقالة الثانية/الباب التاسع

بلغت الحضارة العربية أوج ازدهارها في مختلف فروع العلم والمعرفة في العصر العباسي الأول: 247-132هـ 750 - 861م لا سيما في عهد الخليفة عبدالله المأمون 198- 218 هـ 813 - 833م الذي حفل بالعلم والعلماء، ووجه اهتمامه إلى نقل علوم الحضارة اليونانية إلى اللغة العربية، وقام بإنشاء دار الحكمة في بغداد أول جامعة في الإسلام. وكان محمد بن موسى المعروف بالخُوارزمي - نسبة إلى خُوارزم من إقليم التركستان - (ان مؤلف كتاب مفاتيح العلوم هو محمد بن احمد الخوارزمي المتوفي عام ٣٨٧ للهجرة وليس له غير كتاب مفاتيخ العلوم ،فيجب عدم الخلط بينه وبين محمد بن موسى الخوارزمي )من أبرز العلماء الذين عملوا فيها وأشرفوا عليها، وقد تفرغ للتأليف والترجمة ونبغ في علوم عدة، أهمها: الرياضيات والفلك والتاريخ، وهو من أكبر العلماء العرب ويأتي في مقدم العلماء في العالم الذين كان لهم أثرهم الواضح في العلوم الرياضية والفلكية الحديثة باعتباره واضع علم الجبر في شكل مستقل ومنطقي وأبدع في كثير من بحوث هذا العلم التي ما زالت تدرّس في المدارس والجامعات حتى وقتنا الحاضر، كما يرجع إليه الفضل في تعريف الناس بالأرقام الهندية، ولم يسبقه أحد في هذا المجال، وقد استفاد بعلمه العلماء في العصر الحديث. ومن أبرز المؤلفات التي وضعها الخوارزمي ولم يسبقه فيها أحد كتابه المعروف "مفاتيح العلوم" الذي يعتبر بحق أول دائرة معارف إسلامية، ومن أوائل دوائر المعارف التي عرفها العالم، ويشمل العلوم الاجتماعية والعلوم الطبيعية التي كانت معروفة في الحضارتين العربية واليونانية، وما زالت تمثل الأصول التي تطورت عنها جل العلوم المعاصرة، وحظي هذا الكتاب باهتمام المستشرقين في أوروبا فقام بطبعه المستشرق فان فلوتن في مدينة ليدن في هولندا سنة 1895 وهو يرجح أن الخوارزمي ألفه ما بين سنتي 365 أو 381 هـ وطبع في مصر سنة 1978. وقد اتبع في تأليفه منهجاً علمياً في اختيار العلوم وتحديد الظواهر التي تبحث فيها، وموضوعاتها، والتعريف بالمصطلحات والمفردات المرتبطة بها، والفروع التي نشأت عنها، وصاغه بأسلوب سهل وبليغ، وعبارات موجزة وواضحة وكلمات منتقاة تطابق معانيها الحقائق التي أراد أن يبينها للعام والخاص من دون تكلف أو تطويل أو تكرار ممل. وقد بيّن غايته من تأليفه، وحدد فوائده التي يحتاج إليها، بقوله: "وقد جمعت في هذا الكتاب ما يحتاج إليه من هذا النوع متحرياً للإيجاز والاختصار ومتوقياً للتطويل والإكثار، وسميت هذا الكتاب "مفاتيح العلوم"، إذ كان مدخلاً إليها ومفتاحاً لأكثرها فمن قرأه وحفظ ما فيه ونظر في كتب الحكمة هذه لها وأحاط بها علماً وان لم يكن زاولها ولا جالس أهلها". وهذا هو المنهج الذي درج على اتباعه العلماء في وضع دوائر المعارف المعاصرة، سواء منها العام كدائرة المعارف البريطانية أو الخاص كدائرة المعارف الإسلامية. وقسم الخُوارزمي كتابه إلى قسمين سمى كلاً منهما مقالة، حيث يقول: "وجعلته مقالتين، أحدهما لعلوم الشريعة وما يقترن بها من العلوم العربية، والثانية لعلوم العجم من اليونانين وغيرهم من الأمم". وفي المقالة الأولى تناول العلوم التي نشأت وتفرعت عن الشريعة الإسلامية، في ستة أبواب كل منها مقسم إلى فصول عدة. الباب الأول: الفقه في أحد عشر فصلاً، تشمل أصوله المتفق عليها وهي: كتاب الله عز وجل، وسنة رسول الله ، وإجماع الأمة، والمختلف عليها بين فقهاء المسلمين وهي: القياس والاستحسان والاستصلاح. ثم يتعرض في بقية الفصول إلى الفرائض والعبادات من طهارة وصلاة وصوم وزكاة وحج، وأحكام المعاملات بين المسلمين في علاقاتهم مع بعضهم بعضاً. والباب الثاني في علم الكلام وتعريفه وما يبحث فيه من عقائد ومذاهب وما نشأ عنها من فرق في الديانات السماوية الثلاث الإسلام والمسيحية واليهودية، ثم التعريف بأصحاب هذه المذاهب والفرق وما بينها من خلاف. والباب الثالث يشمل علم اللغة العربية من نحو وصرف وإعراب واشتقاق الكلمات من أسماء وأفعال وحروف، ثم ذكر من وضعوا أصول قواعد اللغة العربية، وأبرزهم الخليل بن أحمد الفراهيدي صاحب كتاب "العين" وتلميذه سيبويه الذي وضع كتاب النحو وسماه "الكتاب". والباب الرابع وفيه يشرح أصول نظم الإدارة في الدولة الإسلامية، والمناصب المختلفة فيها وحدود مسؤولية كل منها وعلاقاتها بالأخرى، والمهمات التي تقوم بها كل إدارة وطرق مراقبة القائمين عليها ومحاسبتهم. الباب الخامس: وأفرده للحديث عن الشعر العربي وعروضه وأوزانه المختلفة وأشهر من نبغ فيه من العرب في العصر الجاهلي وفي الإسلام، كما ذكر نماذج من شعر كبار الشعراء العرب. الباب السادس: وهو عبارة عن موجز لتاريخ الأمم والدول والملوك والخلفاء قبل الإسلام وبعده ذكر فيه أباطرة الروح وأكاسرة الفرس وخلفاء المسلمين في مختلف العصور، ففي صفحات معدودة وفصول محددة وعبارات واضحة تحدث عن التاريخ السياسي للعالم حتى العصر الذي عاش فيه وهو القرن الرابع الهجري التاسع الميلادي. وفي المقالة الثانية استعرض علوم اليونان وغيرهم من الأمم في تسعة أبواب مفصلة في واحد وأربعين فصلاً، ولم يترك صغيرة ولا كبيرة من جزئيات هذه العلوم إلا ذكرها وعرفها وبيّن أهميتها وفوائدها وشرح المصطلحات العلمية المستخدمة للدلالة عليها وقد دل ذلك الى درايته الواسعة وعلمه الغزير واتقانه للغات عدة منها اليونانية والسريانية والفارسية. ففي الباب الأول تناول الفلسفة وبدأ بتعريفها فقال: "الفلسفة مشتقة من كلمة يونانية وهي فيلاسوفيا، وتفسيرها محبة الحكمة فلما أعربت قيل فيلسوف ثم اشتقت الفلسفة منه"، ثم ذكر أقسامها هي: جمل العلم الإلهي الأعلى، وألفاظ يكثر ذكرها في الفلسفة وفي كتبها. الباب الثاني المنطق في تسعة فصول عرفه بقوله: هذا العلم يسمى باليونانية "لوغيا" وبالسريانية "مليلوتا" وبالعربية المنطق، واثبت المصادر اليونانية التي نقل عنها وأهمها كتب الفيلسوف اليوناني أرسطو. الباب الثالث تعرض فيه إلى علم الطب في ثمانية فصول هي: التشريح والأمراض والأدواء، والأغذية، والأدوية المفردة، أدوية مفردة مشتبهة الاسماء، الأدوية المركبة، أوزان الأطباء ومكاييلهم، ثم النوادر. هذا الشرح الدقيق يدل الى تمكنه من معرفة معظم فروع علم الطب. الباب الرابع الارتماطيقي باليونانية الحساب بالعربية وهو علم العدد، والعدد هو الكثرة المركبة من الأحاد، ويشمل الكمية المفردة، الكمية المضافة، الأعداد المسطحة والمجسمة، العيارات، ثم حساب الهند، وحساب الجُمل ومبادئ الجبر والمقابلة. الباب الخامس علم الهندسة، ويسمى باليونانية "جو مطريا" وهي صناعة المساحة أما الهندسة فكلمة فارسية معربة، وفي الفارسية "أندازه" قال الخليل بن أحمد المهندس الذي يقدر مجاري القني ومواضعها، حيث تحتضر، وهو مشتق من "الهندزه" وهي فارسية فصيرت الزاي سينًا في الأعراب لأنه ليس بعد الدال زاي في كلام العرب: ويشمل هذا العلم: مقدمات الصناعة، الخطوط، البسائط، المجسمات. الباب السادس علم النجوم أو علم الفلك، يسمى بالعربية، التنجيم، وباليونانية "اصطرنوميا" واصطر هو النجم، ونوميا هو العلم، ويشمل اسماء النجوم السيارة والثابتة وصورها، تركيب الأفلاك وهيئة الأرض، مبادئ الأحكام ومواضعات أصحابها، آلات المنجمين. الباب السابع الموسيقى، معناه تأليف الألحان واللفظة يونانية، يسمى المطرب ومؤلف الألحان الموسيقور والموسيقار، وتشمل الموسيقى: اسامي الآلات الموسيقية وما يتبعها، جوامع الموسيقى المذكورة في كتب الحكماء، الإيقاعات المستعملة. الباب الثامن: الحيل أو علم حركة الأجسام والأثقال، والأسم اليوناني "منجا نيقون" وأحد أقسامها جر الأثقال بالقوة اليسيرة ومنها آلات الحركات وصنعة الأواني العجيبة ويورد اسماءها اليونانية مثل: البرطيس والمخل، والأسفين واللولب، والسهم. الباب التاسع والأخير والذي يختم به الكتاب، خصصه إلى العلم الذي وضع أصوله العرب، وهو علم الكيمياء، كما يقول: "اسم هذه الصناعة الكيمياء وهو عربي واشتقاقه من كمي ويكمي إذا ستر وأخفى، ويقال كمى الشهادة يكميها إذا كتمها، والمحققون لهذه الصناعة يسمونها الحكمة وعلى الإطلاق وبعضهم يسميها الصنعة وتشمل آلات هذه الصناعة وعقاقيرها وأدواتها والجواهر والأحجار لتدبيرات هذه الأشياء ومعالجاتها". وأول من اشتغل بالكيمياء من العرب خالد بن يزيد الأموي، وجابر بن حيان. لقد سبق الخوازمي المتوفى سنة 387 هـ العلماء المعاصرين في وضع أول موسوعة علمية بكتابه "مفاتيح العلوم" وهو نموذج من التراث العلمي للحضارة العربية.