الروضة الندية شرح الدرر البهية/كتاب النكاح/فصل مسائل متعددة في النكاح



فصل مسائل متعددة في النكاح


واذا تزوج العبد بغير إذن سيده فنكاحه باطل لحديث جابر عند أحمد وأبي داود والترمذي وحسنه وابن حبان والحاكم وصححاه قال : قال رسول الله () من تزوج بغير إذن سيده فهو عاهر وأخرجه أيضاً أبن ماجه من حديث ابن عمر قال الترمذي لا يصح إنما هو عن جابر . وأخرجه أبو داود من حديث ابن عمر أيضاً وفي إسناده مندل بن علي وهو ضعيف . وقد ذهب إلى عدم صحة عقد العبد بغير إذن مولاه الجمهور وقال مالك أن العقد نافذ ولسيده فسخه . ورد بأن العاهر الزاني والزنا باطل وفي رواية من حديث جابر بلفظ باطل .

وإذا عتقت الأمة ملكت أمر نفسها وخيرت في زوجها لحديث عائشة في صحيح مسلم وغيره أن بريرة خيرها النبي () وكان زوجها عبداً وكذا في صحيح البخاري من حديث ابن عباس . وفي حديث آخر لعائشة عند أحمد وأهل السنن أن زوج بريرة كان حراً وقد اختلفت الروايات في ذلك . وقد اختلف أهل العلم في ثبوت الخيار إذا كان الزوج حراً . فذهب الجمهور إلى أنه يثبت وجعلوا العلة في الفسخ عدم الكفاءة وقد وقع في بعض الروايات أن النبي () لبريرة ملكت نفسك فاختاري فإن هذا يفيد أنه لا فرق بين الحر والعبد . والحاصل أن الاختلاف في كون زوجها حراً أو عبداً لا يقدح في ذلك لأن ملكها لأمر نفسها يقتضي عدم الفرق . ولكن دعوى أن تمكينها لزوجها بعد علمها بالعتق وثبوت الخيار مبطل لخيارها لا دليل عليها وتركه () لاستفصال بريرة أو زوجها عن ذلك يفيد أنه غير مبطل ولو كان مبطلاً لم يتركه .

ويجوز فسخ النكاح بالعيب لحديث كعب بن زيد أو زيد بن كعب أن رسول الله () تزوج امرأة من بني غفار فلما دخل عليها ووضع ثوبه وقعد على الفراش أبصر بكشحها بياضاً فانحاز عن الفراش ثم قال خذي عليك ثيابك ولم يأخذ مما آتاها شيئاً أخرجه أحمد وسعيد بن منصور وابن عدي والبيهقي . وأخرجه من حديث كعب بن عجرة الحاكم في المستدرك . وأخرجه أبو نعيم في الطب والبيهقي من حديث ابن عمر وفي الحديث اضطراب . وروى مالك في الموطأ والدارقطني وسعيد بن منصور والشافعي وابن أبي شيبة عن عمر أنه قال ايما امرأة غر بها رجل بها جنون أو جذام أو برص فلما مهرها بما أصاب منها وصداق الرجل على من غره ورجال إسناده ثقات . وفي الباب عن على عند سعيد بن منصور وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أن النكاح يفسخ بالعيوب وإن اختلفوا في تفاصيل ذلك . وروي عن على وعمر وابن عباس أنها لا ترد النساء إلا بالعيوب الثلاثة المذكورة والرابع الداء في الفرج . وذهب بعض أهل العلم إلى أن المرأة ترد بكل عيب ترد به الجارية في البيع . ورجحه ابن القيم واحتج له في الهدي بالقياس على البيع . وذهب البعض إلى أن المرأة ترد الزوج بتلك الثلاثة وبالجب والعنة . والخلاف في هذا البحث طويل .

أقول اعلم أن الذي ثبت بالضرورة الدينية ، أن عقد النكاح لازم تثبت به أحكام الزوجية من جواز الوطء ووجوب النفقة ونحوها وثبوت الميراث وسائر الأحكام . وثبت بالضرورة الدينية أن يكون الخروج منه بالطلاق والموت . فمن زعم أنه يجوز الخروج من النكاح بسبب من الأسباب فعليه الدليل الصحيح المقتضي للانتقال عن ثبوته بالضرورة الدينية . وما ذكروه من العيوب لم يأت في الفسخ بها حجة نيرة ولم يثبت شئ منها . وأما قوله () إلحقي بأهلك فالصيغة صيغة طلاق . وعلى فرض الاحتمال فالواجب الحمل على المتيقن دون ما سواه وكذلك الفسخ بالعنة لم يرد به دليل صحيح . والأصل البقاء على النكاح حتى يأتي ما يوجب الانتقال عنه . ومن أعجب ما يتعجب منه تخصيص بعض العيوب بذلك دون بعض لا لمجرد دليل فسبحان الله وبحمده .

ويقر من أنكحة الكفار إذا أسلموا ما يوافق الشرع لحديث الضحاك بن فيروز عن أبيه عند أحمد وأهل السنن والشافعي والدارقطني والبيهقي وحسنه الترمذي وصححه ابن حبان قال أسلمت وعندي امرأتان أختان فأمرني النبي () أن أطلق إحداهما وأخرج أحمد وأبن ماجه والترمذي والشافعي وابن حبان والحاكم وصححاه عن ابن عمر قال أسلم غيلان الثقفي وتحته عشر نسوة في الجاهلية فأسلمن معه فأمره النبي () أن يختار منهن أربعاً وقد أعل الحديث بأن بالمغازي أن امرأة من الأنصار كانت عند رجل بمكة فأسلمت وهاجرت إلى المدينة فقدم زوجها وهي في العدة فاستقر على النكاح انتهى .

أقول إن إسلام المرأة مع بقاء زوجها في الكفر ليس لمنزلة الطلاق إذ لو كان كذلك لم يكن له عليها سبيل بعد انقضاء عدتها إلا برضاها مع تجديد العقد .

فالحاصل أن المرأة المسلمة إن حاضت بعد إسلامها ثم طهرت كان لها ان تتزوج بمن شاءت . فإذا تزوجت لم يبق للأول عليها سبيل إذا أسلم وإن لم تتزوج كانت تحت عقد زوجها الأول ولا يعتبر تجديد عقد ولا تراض هذا ما تقتضيه الأدلة وإن خالف أقوال الناس . وهكذا الحكم في ارتداد أحد الزوجين فإنه إذا عاد المرتد إلى الإسلام كان حكمه حكم إسلام من كان باقياً على الكفر

الروضة الندية شرح الدرر البهية - كتاب النكاح
تعريف النكاح | فصل حكم نكاح المتعة | فصل مسائل متعددة في النكاح | فصل المهر واجب وتكره المغالاة | فصل الولد للفراش ولا عبرة لشبهه بغير صاحبه