الفقير

​الفقير​ المؤلف إيليا أبو ماضي


همّ ألم به مع الظلماء
فنأى بمقلته عن الاغفاء
نفس أقام الحزن بين ضلوعه
والحزن نار غير ذات ضياء
يرعى نجوم الليل ليس به هوى
ويخاله كلفا بهنّ الرائي
في قلبه نار (الخليل) وانما
في وجنتيه أدمع (الخنساء)
قد عضة اليأس الشديد بنابه
في نفسه والجوع في الاحشاء
يبكي بكاء الطفل فارق أمه
ما حيلة المحزون غير بكاء!
فأقام حلس الدار وهو كأنه
-لخلو تلك الدار_ في بيداء
حيران لا يدري أيقتل نفسه
عمدا فيخلص من أذى الدنياء
أم يستمر على الغضاضة والقذى
والعيش لا يحلو مع الضراء
طرد الكرى وأقام يشكو ليله
يا ليل طلت وطال فيك عنائي
يا ليل قد أغريت جسمي بالضنا
حتى ليؤلم فقده أعضائي
ورميتني يا ليل بالهم الذي
يفري الحشا، والهم أعسر داء
يا ليل مالك لا ترق لحالتي
أتراك والأيام من أعدائي؟
يا ليل حسبي ما لقيت من الشقا
رحماك لست بصخرة صماء
بن يا ظلام عن العيون فربّما
طلع الصباح وكان فيه عزائي
وارحمتا للبائسين فانهم
موتى وتحسبهم من الاحياء
إني وجدت حظوظهم مسودّة
فكأنما قدت من الظلماء
ابدأ يسر الزمان ومالهم
حظ كغيرهم من السرّاء
ما في أكفهم من الدنيا سوى
ان يكثروا الأحلام بالنعماء
تدنو بهم آمالهم نحو الهنا
هيهات يدنو بالخيال النائي
ابطر الأنام من السرور وعندهم
ان السرور مرادف العنقاء
إني لاحزن ان تكون نفوسهم
غرض الخطوب وعرضة الارزاء
أنا ما وقفت لكي اشبب بالطلا
مالي وللتشبب بالصهباء؟
لا تسألوني المدح أو وصف الدمى
إني نبذت سفاسف الشعراء
باعوا لأجل المال ماء حيائهم
مدحا وبت أصون ماء حيائي
لم يفهموا ما الشعر؛ إلا انه
قد بات واسطة إلى الاثراء
فلذاك ما لاقيت غير مشبب
بالغانيات وطالب لعطاء
ضاقت به الدنيا الرحيبة فانثنى
بالشعر يستجدي بني حواء
شقي القريض بهم وما سعدوا به
لولاهم اضحى من السعداء
نادوا علينا بالمحبة والهوى
وصدورهم طبعت على البغضاء
ألفوا الرياء فصار من عادتهم
لعن المهيمن شخص كل مرائي!
إن يغضبوا مما أقول فطالما
كره الأديب جماعة الغوغاء
أو ينكروا أدبي فلا تتعجبوا
فالرمد طلوع ذكاء
أو كلما نصر الحقيقة فاضل
قامت عليه قيامة السفهاء
أنا ما وقفت اليوم فيكم موقفي
إلا لأنذب حالة التعساء
عليّ احرّك بالقريض قلوبكم
ان القلوب مواطن الاهواء
لهفي على المحتاج بين ربوعكم
يمسي و يصبح وهو قيد شقاء
امسى سواء ليله وصباحه
شتان بين الصبح والامساء
قطع القنوط عليه خيط رجائه
والمرء لا يحيا بغير رجاء
لهفي! ولو أجدى التعيس تلهفي
لسفكت دمعي عنده ودمائي
قل للغني المستعز بماله
مهلا لقد اسرفت في الخيلاء
جبل الفقير أخوك من طين ومن
ماء، ومن طين جبلت وماء
فمن القساوة ان تكون منعما
ويكون رهن مصائب وبلاء
وتظل ترفل بالحرير أمامه
في حين قد امسى بغير كساء
اتضن بالدينار في اسعافه
وتجود بالآلاف في الفحشاء
انصر أخاك فان فعلت كفيته
ذلّ السؤال ومنة البخلاء
أذوي اليسار وما اليسار بنافع
إن لم يكن أهلوه أهل سخاء
كم ذا الجحود ومالكم رهن البلا
وبم الغرور وكلكم لفناء؟
ان الضعيف بحاجة لنضاركم
لا تقعدوا عن نصرة الضعفاء
انا لا اذكّر منكم أهل الندى
ليس الصحيح بحاجة لدواء
ان كانت الفقراء لا تجزيكم
فاللّه يجزيكم عن الفقراء