الكمنجة المحطة

الكمنجة المحطّة

​الكمنجة المحطّة​ المؤلف إيليا أبو ماضي


شاهدتها كالميّت في اكفانه
فوجئت إلاّ عبرة أذريها
مهجورة كسفينة منبوذة
في الشّطّ غاب وراءه ماضيها
نسجت عليها خيوطها
و كسى الغبار غلالة تكسوها
أقوت و باتت كالمسامع بعدها
لا شيء يطربها و لا يشجيها
و كأنّها، في صمتها، مشدوهة
أن لا ترى بهتافها مشدوها
لاحسّ في أوتارها، لا شوق في
أضلاعها، لا حسن في باقيها
فارزح بحزنك، يا حزين، فإنّها
لا تنشر الشّكوى و لا تطويها
و إذا انفضى عهد التعلّل بالمنى
فالنّفس يشفقيها الذي يرديها
لله عهد مرّ لي ظلّها
أبكى عليه و تارة أبكيها
كانت كأنّ ضاوعها موصوله
بأضالعي و سرائري في فيها
كم مرّة حامت غرابيب الأسى
لتقيت من قلبي الجريح بنيها
فإذا الأغاريد اللّطيفة دونها
سور يصون حشاشتي و يقيها
كم هزّني الشّدو الرخيم فساقطت
نفسي همومما أوشكت تبليها
فإذا أنا مثل البنفسجية التي
ذبلت فباكرها النّدى يحييها
و لكم سمعت خفوق أجنحة المنى
و حفيفها في نغمة توحيها
فسكرت حتّى ما أوعى سكر امريء
بالخمر أترع كأسه ساقيها
ورأيتني من جنّة سحريّة
لا يرتوي من حسنها رائيها
و لمحت أحلام الشّباب مواكبا
تتلاى أمامي و الهوى حاديها
سرّ السعادة في الرّوءى إنّ الرءوى
لا كفّ تثبتها و لا تمحوها
و لكم سمعت دبيب أشباح الأسى
عند المسا في أنّه تزجيها
فذكرت ثمّ محاسنا الثرى
غابت و شوّهها البلى تشويها
فإذا أنا كالسنديانه شوشت
أغصانه الريح التي تلويها
أو كالسفينة في الضباب طريقها
ضلّت، و غابت أنجم تهديدها
شهد الدّجى و الفجر أنّي جازع
لسكونها جزع الغدير أخيها
ما أن سمعت أنينه و نشيجه
إلاّ و يعرو النفس ما يعروها
روّى الثرى، يا ليت روحي في الثرى
أو في النبات لعلّة يرويها
يا صاحبيّ، و في حنايا أضلعي
همّ يكظّ الروح بل يدميها
إنّ التي نقلت حكايات الهوى
لم يبق غير حكاية ترويها
كمدينة دكّ القضاء صروحها
دكّا و كفّن بالسكوت ذويها
نعيت فريع الفجر و ارتعش الدّجى
ما كان أهونها على ناعيها
لا تعجبا في الغاب من نوح الصّبا
و عويلها، إنّ الصّبا ترثيها
لو تسمعان نجّيها متمشّيا
كالسّحر في الأرواح يستهويها
لعلتما أنّ القضاء اغتالها
كيلا تبوح بكلّ سرّ فيها