اللغة العربية كائن حي/الخلاصة


يتبيّن للقارئ مما ذكرناه عن احوال اللغة العربية فيما توالى عليها من العصور والادوار في اثناء نموّها وارتقائها من زمن الجاهلية الى هذا اليوم، انها سارت في كل ذلك سير الكائنات الحية بالدثور والتجدد المعبّر عنه بالنمو الحيوي.. فقد تولّدت في العصر الاسلامي ألفاظ وتراكيب لم تكن في العصر الجاهلي، وتولّدت في العصور التالية ما لم يكن فيها قبلها. وأخيرا تولّدت في نهضتها الاخيرة من الالفاظ والتراكيب ما لم يكن معهودا من قبل.. فالوقوف في سبيل هذا النمو مخالف للنواميس الطبيعية، فضلا عن انه لا يجدي نفعا.. فـاللغة كائن حي نام خاضع لناموس الارتقاء ولا بد من توالي الدثور والتولد فيها.. اراد أصحابها ذلك او لم يريدوا. تتولّد ألفاظا جديدة وتندثر الفاظ قديمة على مقتضيات الاحوال لحكمة شملت سائر الموجودات.

                                        * * *

وقد آن لنا ان نلخّص أقلامنا من قيود الجاهلية، ونخرجها من سجن البداوة.. والا فلا نستطيع البقاء في هذا الوسط الجديد. فلا ينبغي لنا احتقار كل لفظ لم ينطق به اهل البادية منذ بضعة عشر قرنا، لأن لغة البراري والخيام لا تصلح للتمدّن والقصور، الا اذا ألبسناها لباس المدن.. فلا بأس من استعمال الالفاظ المولّدة التي لا يقوم مقامها لفظ جاهلي، لأن معناها لم يكن معروفا في الجاهلية، او التي كان لها لفظ وترك فأصبح غريبا مهجورا.. فاستعمال اللفظ المولّد خير من احياء اللفظ الميّت، واستبقاء المولود الجديد أولى من احياء الميت القديم.. واذا عرض لنا تعبير اجنبي لم تستعمل العرب ما يقوم مقامه لا بأس من اقتباسه. وفي اعتقادنا ان اطلاق سراح الاقلام على هذه الصورة، يكشف لنا عن جماعة كبيرة من أرباب القرائح.. يقعدهم عن الاشتغال بالأدب خوفهم من الوقوع في خطأ لغوي او بياني يؤخَذون عليه.. وليست فيهم شجاعة ادبية تحملهم على عدم المبالاة بالنقد.. اذا كان فيما يكتبونه فائذة.. والخطأ اللغوي لا يقلّل شيئا من قدر الكاتب، لأن الاحاطة بكل اوضلع اللغة وقواعدها وشورادها لا يتأتّى الا لقليلين.

                                        * * * 

على اننا لا نقول في هذا الانطلاق نحو ما يقوله الافرنج في لغاتهم، لأن شأننا في لغتنا غير شؤونهم في لغاتهم.. فلا بد لنا مع هذا الاطلاق من الرجوع الى القواعد العامة والروابط الاساسية، فلا نفسد اللغة بألفاظ العامة وتراكيبهم.. ولا نكثر من الدخيل حتى تصير لغتنا مثل اللغة التركية العثمانية التي اصبحت لكثرة ما ادخلوه فيها من الالفاظ العربية والفارسية والافرنجية، لا مثيل لها في العالم الا اللغة الهندستانية (الاوردية) التي يكتب بها الهنود جرائدهم وكتبهم.. ام اللغة العثمانية، فاذا عُدّت ألفاظها باعتبار اللغات المؤلّفة منها، كان نحو 70% من الالفاظ العربية و15% من الفارسية، و5% من اللغات الافرنجية، و10% فقط من الالفاظ التركية الاصيلة، ويقال نحو ذلك في اللغة الاوردية، وفي اللغة المالطية.

                                       * * *

اما اللغة العربية، فلا بد من المحافظة على سلامتها والاهتمام باستبقائها على بلاغتها وفصاحتها، وخاصة بعد ان اخذت تنهض الى ارقى ما بلغت اليه في ابان شبابها.. فلا يستحسن الاستكثار فيها من الدخيل والمولَّد، وانما يؤخذ منهما بقدر الحاجة، على ان نعدّ ذلك الاقتباس نموّا وارتقاء، لا فسادا وانحطاطا.
على اننا نعدّ ما متبناه في هذا الموضوع خواطر ابديناها، وفتحنا بها باب البحث. وأما استيفاء الكلام في تاريخ اللغة وألفاظها وتراكيبها فلا يسعه الا المجلدات الضخمة.. فنتقدّم الى ائمة اللغة وكتّابها، وعلمائها ان يزيدونا من هذا الموضوع خدمة لهذه النهضة..

[انتهى]