المغني - كتاب الرهن

المغني موفق الدين أبو محمد عبد الله بن قدامة المقدسي الحنبلي

(الجزء التاسع – كتاب الرهن) • كتاب الرهن فصل: جواز الرهن في الحضر والسفر فصل: عدم وجوب الرهن فصل: أحوال الرهن الحال الأول الحال الثاني الحال الثالث o مسألة: ولا يصح الرهن إلا أن يكون مقبوضا من جائز الأمر فصل: لو حجر على الراهن لفلس قبل التسليم لم يكن له تسليمه فصل: تصرف الراهن في الرهن قبل القبض فصل: استدامة القبض شرط للزوم الرهن فصل: ليس للمرتهن قبض الرهن إلا بإذن الراهن o مسألة: القبض في الرهن فصل: إن رهنه سهما مشاعا مما لا ينقل فصل: لو رهنه دارا, فخلى بينه وبينها وهما فيها ثم خرج الراهن صح القبض فصل: إن رهنه مالا له في يد المرتهن صح الرهن فصل: إذا رهنه المضمون كالمغصوب والعارية والمقبوض في بيع فاسد أو على توجه السوم صح فصل: الوكالة في قبض الرهن فصل: إذا أقر الراهن بتقبيض الرهن أو أقر المرتهن بقبضه كان ذلك مقبولا فصل: إذا رهنه عينين, فتلفت إحداهما قبل قبضها انفسخ العقد فيها دون الباقية فصل: انهدام الدار المرهونة قبل قبضها فصل: كل عين جاز بيعها جاز رهنها فصل: يصح أن يرهن بعض نصيبه من المشاع, كما يصح أن يرهن جميعه فصل: يصح رهن المرتد والقاتل في المحاربة والجاني فصل: صحة رهن المدبر فصل: رهن المكاتب فصل: رهن من علق عتقه بصفة تحل قبل حلول الحق فصل: جواز رهن الجارية دون ولدها ورهن ولدها دونها فصل: رهن ما يسرع إليه الفساد فصل: صحة رهن العصير فصل: رهن الثمرة قبل بدو صلاحها فصل: رهن المصحف فصل: يجوز أن يستعير شيئا يرهنه فصل: فك المعير الرهن, وتأدية الدين الذي عليه بإذن الراهن فصل: لو استعار من رجل عبدا ليرهنه بمائة فرهنه عند رجلين فصل: لو كان لرجلين عبدان فأذن كل واحد منهما لشريكه في رهن نصيبه من أحد العبدين فرهناهما عند رجل مطلقا فصل: رهن ما لا يصح بيعه فصل: رهن سواد العراق والأرض الموقوفة على المسلمين فصل: رهن المجهول فصل: لو رهن عبدا أو باعه, يعتقده مغصوبا فصل: رهن المبيع في مدة الخيار فصل: رهن ثمرة شجر يحمل في السنة حملين لا يتميز أحدهما من الآخر فصل: لو رهنه منافع داره شهرا لم يصح فصل: رهن المكاتب من يعتق عليه فصل: رهن الوارث لتركة الميت أو بيعها وعلى الميت دين فصل: رهن العبد المسلم للكافر o مسألة: إذا قبض الرهن من تشارطا أن الرهن يكون على يده صار مقبوضا فصل: جعل الرهن في يد عدلين فصل: إذا لم يتغير العدل عن الأمانة ولا حدثت بينه وبين أحدهما عداوة فهل لأحد أن ينقل الرهن عن يده؟ فصل: لو أراد العدل رده عليهما, فله ذلك وعليهما قبوله فصل: إذا كان الرهن على يدي عدل وشرطا له أن يبيعه عند حلول الحق, صح فصل: لو أتلف الرهن في يد العدل أجنبي فعلى الجاني قيمته فصل: إذا أذنا للعدل في البيع وعينا له نقدا لم يجز له أن يخالفهما وإن اختلفا فصل: ومتى قدرا له ثمنا لم يجز له بيعه بدونه وإن أطلقا فله بيعه بثمن مثله فصل: إذا باع العدل الرهن بإذنهما, وقبض الثمن فتلف في يده من غير تعد فلا ضمان عليه فصل: إن ادعى العدل دفع الثمن إلى المرتهن فأنكر، هل يقبل قوله؟ فصل: إذا غصب المرتهن الرهن من العدل ثم رده إليه, زال عنه الضمان فصل: إذا استقرض ذمى من مسلم مالا ورهنه خمرا لم يصح o مسألة: لا يرهن مال من أوصى إليه بحفظ ماله إلا من ثقة فصل: ولو أخذ الرهن بمال اليتيم فيكون في بيع أو قرض في البيع ثلاث مسائل الأولى الثانية الثالثة فصل: حكم المكاتب حكم ولي اليتيم فصل: لو كان مال اليتيم رهنا فاستعاده الوصى لليتيم, جاز فصل: لو رهن الوصى أو الحاكم مال اليتيم عند مكاتبه أو ولده الكبير، صح فصل: لو أوصى إلى رجل بقضاء دينه فرهن شيئا من تركته عند الغريم أو غيره, ضمن o مسألة: إذا قضاه بعض الحق, كان الرهن بحاله على ما بقي o مسألة: إذا أعتق الراهن عبده المرهون, فقد صار حرا ويؤخذ إن كان له مال بقيمة المعتق فيكون رهنا فصل: إن أعتقه بإذن المرتهن, نفذ عتقه فصل: إن تصرف الراهن بغير العتق كالبيع, والإجارة والهبة والوقف, والرهن وغيره فصل: لا يجوز للراهن وطء أمته المرهونة في قول أكثر أهل العلم o مسألة: إن كانت جارية, فأولدها الراهن خرجت أيضا من الرهن وأخذ منه قيمتها, فتكون رهنا فصل: إن كان الوطء بإذن المرتهن خرجت من الرهن, ولا شيء للمرتهن فصل: لو أذن في ضربها, فضربها فتلفت فلا ضمان عليه فصل: إقرار الراهن بالوطء فصل: لا يحل للمرتهن وطء الجارية المرهونة، إجماعا o مسألة: إذا جنى العبد المرهون فالمجني عليه أحق برقبته من مرتهنه, حتى يستوفي حقه فصل: إن كانت الجناية على سيد العبد فلا يخلو من حالين الحال الأول الحال الثاني فصل: وإن جنى العبد المرهون على عبد لسيده, لم يخل من حالين الحال الأول الحال الثاني فصل: إن كانت الجناية على موروث سيده فيما دون النفس كأطرافه أو ماله فهي كالجناية على أجنبي فصل: إن كانت الجناية على مكاتب السيد, فهي كالجناية على ولده فصل: إن جنى العبد المرهون بإذن سيده فهي كالجناية بغير إذنه، إن كان ممن يعلم تحريم الجناية o مسألة: إن جرح العبد المرهون أو قتل, فالخصم في ذلك سيده فصل: إذا أقر رجل بالجناية على الرهن فكذباه فلا شيء لهما فصل: لو كان الرهن أمة حاملا فضرب بطنها أجنبي فألقت جنينا ميتا, ففيه عشر قيمة أمه o مسألة: وإذا اشترى منه سلعة على أن يرهنه بها شيئا من ماله يعرفانه أو على أن يعطيه بالثمن حميلا يعرفانه, فالبيع جائز فصل:لو شرط رهنا أو ضمينا معينا فجاء بغيرهما, لم يلزم البائع قبوله فصل: وإن تعيب الرهن أو استحال العصير خمرا قبل قبضه فللبائع الخيار بين قبضه معيبا, ورضاه بلا رهن فصل: لو وجد بالرهن عيبا بعد أن حدث عنده عيب آخر فله رده وفسخ البيع فصل: ولو لم يشترطا رهنا في البيع, فتطوع المشترى برهن وقبضه البائع كان حكمه حكم الرهن المشروط في البيع فصل: وإذا تبايعا بشرط أن يكون المبيع رهنا على ثمنه, لم يصح فصل: إذا شرط في البيع رهنا فاسدا كالمحرم, والمجهول والمعدوم...إلخ؛ ففي فساد البيع روايتان فصل: الشروط في الرهن قسمان: صحيح وفاسد فصل: وإذا رهنه أمة فشرط كونها عند امرأة, أو ذى محرم لها أو كونها في يد المرتهن أو أجنبي على وجه لا يفضي إلى الخلوة بها، جاز فصل: الشروط الفاسدة فصل: إن شرط أنه متى حل الحق ولم يوفنى فالرهن لي بالدين، أو: فهو مبيع لي بالدين الذي عليك، فهو شرط فاسد فصل: لو قال الغريم: رهنتك عبدي هذا على أن تزيدنى في الأجل كان باطلا فصل: إذا كان له على رجل ألف فقال: أقرضنى ألفا, بشرط أن أرهنك عبدي هذا بالألفين، فهل يجوز؟ فصل: إذا فسد الرهن وقبضه المرتهن لم يكن عليه ضمانه o مسألة: لا ينتفع المرتهن من الرهن بشيء, إلا ما كان مركوبا أو محلوبا فيركب ويحلب بقدر العلف الحال الأول: ما لا يحتاج إلى مؤنة فصل: إن شرط في الرهن أن ينتفع به المرتهن فالشرط فاسد فصل: الحال الثاني ما يحتاج فيه إلى مؤنة فصل: غير المحلوب والمركوب نوعان النوع الأول: حيوان وغيره النوع الثاني: غير الحيوان فصل: إذا أنفق على الحيوان متبرعا لم يرجع بشيء فصل: إذا انتفع المرتهن بالرهن, حسب من دينه بقدر ما انتفع به o مسألة: غلة الدار وخدمة العبد وحمل الشاة وغيرها, وثمرة الشجرة المرهونة من الرهن فصل: إذا ارتهن أرضا, أو دارا أو غيرهما تبعه في الرهن ما يتبع في البيع فصل: ليس للراهن الانتفاع بالرهن فصل: لا يمنع الراهن من إصلاح الرهن, ودفع الفساد عنه ومداواته إن احتاج إليها o مسألة: ومؤنة الرهن على الراهن وإن كان عبدا فمات فعليه كفنه, وإن كان مما يخزن فعليه كراء مخزنه فصل: إن كان الرهن ثمرة فاحتاجت إلى سقى وتسوية وجذاذ فذلك على الراهن, وإن احتاجت إلى تجفيف والحق مؤجل فعليه التجفيف فصل: وإن كان الرهن ماشية تحتاج إلى إطراق الفحل لم يجبر الراهن عليه فصل: إن كان عبدا يحتاج إلى ختان, والدين حال أو أجله قبل برئه منع منه فصل: إن كان الرهن نخلا, فاحتاج إلى تأبير فهو على الراهن وليس للمرتهن منعه فصل: كل زيادة تلزم الراهن إذا امتنع, أجبره الحاكم عليها o مسألة: إذا تلف الرهن بغير جناية من المرتهن فصل: إذا قضاه جميع الحق أو أبرأه من الدين, بقي الرهن أمانة في يده فصل: إذا قبض المرتهن الرهن, فوجده مستحقا لزمه رده على مالكه والرهن باطل من أصله o مسألة: اختلاف الراهن والمرتهن في القيمة وفي قدر الحق فصل: اختلاف الراهن والمرتهن في قدر الرهن فصل: فإن قال: بعتك هذا الثوب على أن ترهننى بثمنه عبديك هذين قال: بل على أن أرهنك هذا وحده ففيها روايتان فصل: إذا أرسل الراهن وكيلا للمرتهن فاختلفوا فصل: إذا كان على رجل ألفان أحدهما برهن والآخر بغير رهن, فقضى ألفا فصل: إذا اتفق المتراهنان على قبض العدل للرهن لزم الرهن في حقهما فصل: إذا كان في يد رجل عبد فقال: رهنتنى عبدك هذا بألف فقال: بل قد غصبته, أو استعرته فالقول قول السيد فصل: وإذا ادعى على رجلين فقال: رهنتمانى عبدكما بدينى عليكما فأنكراه فالقول قولهما فصل: إذا رهن عينا عند رجلين فنصفها رهن عند كل واحد منهما بدينه فصل: لو ادعى رجلان على رجل أنه رهنهما عبده، ثم ادعى كل واحد منهما أنه الرهن له فصل: إذا أذن للراهن في بيع الرهن بعد حلول الحق، جاز فصل: إذا حل الحق لزم الراهن الإيفاء o مسألة: المرتهن أحق بثمن الرهن من جميع الغرماء فصل: لو باع شيئا أو باعه وكيله وقبض الثمن، فتلف وتعذر رده فصل: من استأجر دارا أو بعيرا بعينه أو غيرهما بعينه ثم أفلس المؤجر فالمستأجر أحق بالعين التي استأجرها من الغرماء فصل: لو باع سلعة ثم أفلس قبل تقبيضها فالمشترى أحق بها من الغرماء فصل: رجل عنده رهون كثيرة لا يعرف أصحابها, ولا من رهن عنده

كتاب الرهن الرهن في اللغة: الثبوت والدوام يقال: ماء راهن أي راكد ونعمة راهنة أي ثابتة دائمة وقيل: هو من الحبس قال الله تعالى: {كل امرئ بما كسب رهين} وقال: {كل نفس بما كسبت رهينة} وقال الشاعر: وفارقتك برهن لا فكاك له ** يوم الوداع فأضحى الرهن قد غلقا شبه لزوم قلبه لها, واحتباسه عندها لشدة وجده بها بالرهن الذي يلزمه المرتهن, فيبقيه عنده ولا يفارقه وغلق الرهن: استحقاق المرتهن إياه لعجز الراهن عن فكاكه والرهن في الشرع: المال الذي يجعل وثيقة بالدين ليستوفى من ثمنه إن تعذر استيفاؤه ممن هو عليه وهو جائز بالكتاب والسنة والإجماع, أما الكتاب فقول الله تعالى: {وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة} وتقرأ: "فرهن" والرهان: جمع رهن والرهن: جمع الجمع قاله الفراء وقال الزجاج: يحتمل أن يكون جمع رهن مثل سقف وسقف وأما السنة, فروت عائشة رضي الله عنها (( أن رسول الله -- اشترى من يهودي طعاما ورهنه درعه )) متفق عليه وروى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله --: (( الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا, ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا وعلى الذي يركب ويشرب النفقة )) رواه البخاري وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله -- قال (( لا يغلق الرهن )) وأما الإجماع, فأجمع المسلمون على جواز الرهن في الجملة.

فصل: ويجوز الرهن في الحضر كما يجوز في السفر قال ابن المنذر: لا نعلم أحدا خالف في ذلك إلا مجاهدا, قال: ليس الرهن إلا في السفر لأن الله تعالى شرط السفر في الرهن بقوله تعالى: {وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة} ولنا أن النبي -- (( اشترى من يهودي طعاما ورهنه درعه, وكانا بالمدينة )) ولأنها وثيقة تجوز في السفر فجازت في الحضر كالضمان فأما ذكر السفر, فإنه خرج مخرج الغالب لكون الكاتب يعدم في السفر غالبا ولهذا لم يشترط عدم الكاتب وهو مذكور معه أيضا.

 فصل: 

والرهن غير واجب لا نعلم فيه مخالفا لأنه وثيقة بالدين, فلم يجب كالضمان والكتابة وقول الله تعالى: {فرهان مقبوضة} إرشاد لنا لا إيجاب علينا بدليل قول الله تعالى: {فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته} ولأنه أمر به عند إعواز الكتابة, والكتابة غير واجبة فكذلك بدلها.

 فصل: 

ولا يخلو الرهن من ثلاثة أحوال:

 أحدها, أن يقع بعد الحق فيصح بالإجماع لأنه دين ثابت تدعو الحاجة إلى أخذ الوثيقة به فجاز أخذها به كالضمان, ولأن الله تعالى قال: {وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة} فجعله بدلا عن الكتابة فيكون في محلها ومحلها بعد وجوب الحق, وفي الآية ما يدل على ذلك وهو قوله: {إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} فجعله جزاء للمداينة مذكورا بعدها بفاء التعقيب. 
 الحال الثاني أن يقع الرهن مع العقد الموجب للدين, فيقول: بعتك ثوبي هذا بعشرة إلى شهر ترهني بها عبدك سعدا فيقول: قبلت ذلك فيصح أيضا وبه قال مالك والشافعي, وأصحاب الرأي لأن الحاجة داعية إلى ثبوته فإنه لو لم يعقده مع ثبوت الحق ويشترط فيه, لم يتمكن من إلزام المشتري عقده وكانت الخيرة إلى المشتري والظاهر أنه لا يبذله, فتفوت الوثيقة بالحق. 
 الحال الثالث أن يرهنه قبل الحق فيقول: رهنتك عبدي هذا بعشرة تقرضنيها فلا يصح في ظاهر المذهب وهو اختيار أبي بكر والقاضي وذكر القاضي: أن أحمد نص عليه, في رواية ابن منصور وهو مذهب الشافعي واختار أبو الخطاب أنه يصح فمتى قال: رهنتك ثوبي هذا بعشرة تقرضنيها غدا وسلمه إليه ثم أقرضه الدراهم لزم الرهن وهو مذهب مالك وأبي حنيفة لأنه وثيقة بحق, فجاز عقدها قبل وجوبه كالضمان أو فجاز انعقادها على شيء يحدث في المستقبل, كضمان الدرك ولنا أنه وثيقة بحق لا يلزم قبله فلم تصح قبله كالشهادة, ولأن الرهن تابع للحق فلا يسبقه كالشهادة, والثمن لا يتقدم البيع وأما الضمان فيحتمل أن يمنع صحته وإن سلمنا فالفرق بينهما أن الضمان التزام مال تبرعا بالقول فجاز من غير حق ثابت, كالنذر بخلاف الرهن. 
  

مسألة: قال : [ولا يصح الرهن إلا أن يكون مقبوضا من جائز الأمر] يعني لا يلزم الرهن إلا بالقبض وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وقال بعض أصحابنا: ما كان مكيلا أو موزونا لا يلزم رهنه إلا بالقبض, وفيما عداهما روايتان إحداهما لا يلزم إلا بالقبض والأخرى يلزم بمجرد العقد, كالبيع وقد نص أحمد على هذا في رواية الميموني وحمل القاضي كلام الخرقي على المكيل والموزون خاصة وليس بصحيح فإن كلام الخرقي مع عمومه قد أتبعه بما يدل على إرادة التعميم, وهو قوله: فإن كان مما ينقل فقبضه أخذه إياه من راهنه منقولا وإن كان مما لا ينقل, كالدور والأرضين فقبضه بتخلية راهنه بينه وبينه وقد وقال أحمد في الدار والجارية إذا ردها إلى الراهن: لم يكن رهنا في الحال وهذا كقول الخرقي وقال مالك: يلتزم الرهن بمجرد العقد قبل القبض لأنه عقد يلزم بالقبض فلزم قبله, كالبيع ولنا قول الله تعالى: {فرهان مقبوضة} وصفها بكونها مقبوضة ولأنه عقد إرفاق يفتقر إلى القبول, فافتقر إلى القبض كالقرض ولأنه رهن لم يقبض, فلا يلزم إقباضه كما لو مات الراهن ولا يشبه البيع, فإنه معاوضة وليس بإرفاق وقول الخرقي: " من جائز الأمر " يعني أن الراهن الذي يرهن ويقبض يكون جائز التصرف في ماله, وهو الحر المكلف الرشيد ولا يكون محجورا عليه لصغر أو جنون أو سفه أو فلس, ويعتبر ذلك في حال رهنه وإقباضه لأن العقد والتسليم ليس بواجب وإنما هو إلى اختيار الراهن فإذا لم يكن له اختيار صحيح, لم يصح ولأنه نوع تصرف في المال فلم يصح من المحجور عليه من غير إذن, كالبيع فإن جن أحد المتراهنين قبل القبض أو مات لم يبطل الرهن لأنه عقد يئول إلى اللزوم, فلم يبطل بجنون أحد المتعاقدين أو موته كالبيع الذي فيه الخيار ويقوم ولي المجنون مقامه, فإن كان المجنون الراهن وكان الحظ في التقبيض مثل أن يكون شرطا في بيع يستضر بفسخه ونحوه أقبضه وإن كان الحظ في تركه, لم يجز له تقبيضه وإن كان المجنون المرتهن قبضه وليه إن اختار الراهن وإن امتنع لم يجبر وإذا مات, قام وارثه مقامه في القبض فإن مات الراهن لم يلزم ورثته تقبيضه لأنهم يقومون مقام الراهن ولم يلزمه ذلك فإن لم يكن على الميت دين سوى هذا الدين, فأحب الورثة تقبيض الرهن جاز وإن كان عليه دين سواه فظاهر المذهب أنه ليس للوارث تخصيص المرتهن بالرهن نص عليه أحمد في رواية على بن سعيد وهو مذهب الشافعي وذكر القاضي فيه رواية أخرى, أن لهم ذلك أخذا مما نقل ابن منصور وأبو طالب عن أحمد أنه قال: إذا مات الراهن أو أفلس, فالمرتهن أحق به من الغرماء ولم يعتبر وجود القبض بعد الموت أو قبله وهذا لا يعارض ما نقله على بن سعيد لأنه خاص وهذا عام والاستدلال به على هذه الصورة يضعف جدا لندرتها فكيف يعارض به الخاص, لكن يجوز أن يكون هذا الحكم مبنيا على الرواية التي لا يعتبر فيها القبض في غير المكيل والموزون فيكون الرهن قد لزم قبل القبض ووجب تقبيضه على الراهن, فكذلك على وارثه ويختص هذا بما عدا المكيل والموزون وأما ما لم يلزم الرهن فيه فليس للورثة تقبيضه لأن الغرماء تعلقت ديونهم بالتركة قبل لزوم حقه في الرهن, فلم يجز تخصيصه به بغير رضاهم كما لو أفلس الراهن إلا إذا قلنا: إن للورثة التصرف في التركة, ووفاء الدين من أموالهم فإن قيل: فما الفائدة في القول بصحة الرهن إذا لم يختص به المرتهن؟ قلنا: فائدته أنه يحتمل أن يرضى الغرماء بتسليمه إليه فيتم الرهن ولا فرق في جميع ما ذكرناه بين ما قبل الإذن في القبض وما بعده لكون الإذن يبطل بالجنون والموت والإغماء والحجر.

فصل: ولو حجر على الراهن لفلس قبل التسليم لم يكن له تسليمه لأن فيه تخصيصا للمرتهن بثمنه وليس له تخصيص بعض غرمائه وإن حجر عليه لسفه, فحكمه حكم ما لو زال عقله بجنون على ما أسلفناه وإن أغمى عليه لم يكن للمرتهن قبض الرهن, وليس لأحد تقبيضه لأن المغمى عليه لا ولاية عليه وإن أغمى على المرتهن لم يكن لأحد أن يقوم مقامه في قبض الرهن أيضا وانتظر إفاقته وإن خرس, وكانت له كتابة مفهومة أو إشارة معلومة فحكمه حكم المتكلمين, إن أذن في القبض جاز وإلا فلا وإن لم تفهم إشارته ولا كتابته لم يجز القبض وإن كان أحد هؤلاء قد أذن في القبض, فحكمه حكم من لم يأذن لأن إذنهم يبطل بما عرض لهم وجميع هذا تناوله قول الخرقي: من جائز الأمر " وليس أحد من هؤلاء جائز الأمر.

فصل: إذا تصرف الراهن في الرهن قبل القبض بهبة أو بيع أو عتق أو جعله صداقا, أو رهنه ثانيا بطل الرهن الأول سواء قبض الهبة والمبيع والرهن الثاني أو لم يقبضه لأنه أخرجه عن إمكان استيفاء الدين من ثمنه, أو فعل ما يدل على قصده ذلك وإن دبر العبد أو أجره, أو زوج الأمة لم يبطل الرهن لأن هذا التصرف لا يمنع البيع فلا يمنع صحة الرهن ولأنه لا يمنع ابتداء الرهن, فلا يقطع استدامته كاستخدامه وإن كاتب العبد انبنى على صحة رهن المكاتب فإن قلنا: يجوز رهنه لم يبطل رهنه وإن قلنا: لا يجوز رهنه بطل رهنه, كما لو أعتقه.

فصل: واستدامة القبض شرط للزوم الرهن فإذا أخرجه المرتهن عن يده باختياره زال لزوم الرهن وبقي العقد, كأنه لم يوجد فيه قبض سواء أخرجه بإجارة أو إعارة أو إيداع أو غير ذلك فإذا عاد فرده إليه عاد اللزوم بحكم العقد السابق قال أحمد, في رواية ابن منصور: إذا ارتهن دارا ثم أكراها صاحبها خرجت من الرهن, فإذا رجعت إليه صارت رهنا وقال في من رهن جارية ثم سأل المرتهن أن يبعثها إليه لتخبز لهم, فبعث بها فوطئها: انتقلت من الرهن فإن لم يكن وطئها, فلا شيء قال أبو بكر: لا يكون رهنا في تلك الحال فإذا ردها رجعت إلى الرهن وممن أوجب استدامة القبض مالك وأبو حنيفة وهذا على القول الصحيح فأما على قول من قال: ابتداء القبض ليس بشرط فأولى أن يقول: الاستدامة غير مشترطة لأن كل شرط يعتبر في الاستدامة, يعتبر في الابتداء وقد يعتبر في الابتداء ما لا يعتبر في الاستدامة قال أبو الخطاب: إذا قلنا: القبض شرط في الابتداء كان شرطا في الاستدامة وقال الشافعي استدامة القبض ليست شرطا لأنه عقد يعتبر القبض في ابتدائه فلم يشترط استدامته كالهبة ولنا, قول الله تعالى: {فرهان مقبوضة} لأنها إحدى حالتي الرهن فكان القبض فيها شرطا كالابتداء ويفارق الهبة لأن القبض في ابتدائها يثبت الملك, فإذا ثبت استغنى عن القبض ثانيا والرهن يراد للوثيقة من بيعه واستيفاء دينه من ثمنه, فإذا لم يكن في يده لم يتمكن من بيعه ولم تحصل وثيقة وإن أزيلت يد المرتهن لغير حق, كغصب أو سرقة أو إباق العبد, أو ضياع المتاع ونحو ذلك لم يزل لزوم الرهن لأن يده ثابتة حكما, فكأنها لم تزل.

فصل: وليس للمرتهن قبض الرهن إلا بإذن الراهن لأنه لا يلزمه تقبيضه فاعتبر إذنه في قبضه كالواهب فإن تعدى المرتهن, فقبضه بغير إذن لم يثبت حكمه وكان بمنزلة من لم يقبض وإن أذن الراهن في القبض, ثم رجع عن الإذن قبله زال حكم الإذن وإن رجع عن الإذن بعد قبضه لم يؤثر رجوعه لأن الرهن قد لزم لاتصال القبض به وكل موضع زال لزوم الرهن لزوال القبض, اعتبر الإذن في القبض الثاني لأنه قبض يلزم به الرهن أشبه الأول ويقوم ما يدل على الإذن مقامه, مثل إرساله العبد إلى مرتهنه ورده لما أخذه من المرتهن إلى يده ونحو ذلك لأن ذلك دليل على الإذن, فاكتفى به كدعاء الناس إلى الطعام وتقديمه بين أيديهم, يجري مجرى الإذن في أكله.

مسألة: قال : [ والقبض فيه من وجهين فإن كان مما ينقل فقبض المرتهن له أخذه إياه من راهنه منقولا وإن كان مما لا ينقل, كالدور والأرضين فقبضه تخلية راهنه بينه وبين مرتهنه لا حائل دونه] وجملة ذلك أن القبض في الرهن كالقبض في البيع والهبة, فإن كان منقولا فقبضه نقله أو تناوله وإن كان أثمانا أو شيئا خفيفا يمكن قبضه باليد, فقبضه تناوله بها وإن كان مكيلا رهنه بالكيل, أو موزونا رهنه بالوزن فقبضه اكتياله أو اتزانه لقول النبي --: (( إذا سميت الكيل فكل )) وإن ارتهن الصبرة جزافا, أو كان ثيابا أو حيوانا فقبضه نقله لقول ابن عمر: (( كنا نشترى الطعام من الركبان جزافا فنهانا النبي -- أن نبيعه حتى ننقله من مكانه )) متفق عليه وإن كان الرهن غير منقول كالعقار والثمرة على الشجرة فقبضه التخلية بين مرتهنه وبينه من غير حائل, بأن يفتح له باب الدار أو يسلم إليه مفتاحها وإن خلى بينه وبينها وفيها قماش للراهن صح التسليم لأن اتصالها بملك الراهن, لا يمنع صحة التسليم كالثمرة في الشجرة وكذلك لو رهنه دابة عليها حمل للراهن فسلمها إليه, صح التسليم ولو رهن الحمل وهو على الدابة وسلمها إليه بحملها صح القبض لأن القبض حصل فيهما جميعا, فيكون موجودا في الرهن منهما.

فصل: وإن رهنه سهما مشاعا مما لا ينقل خلى بينه وبينه سواء حضر الشريك أو لم يحضر وإن كان منقولا كالجوهرة يرهن نصفها فقبضها تناولها, ولا يمكن تناولها إلا برضا الشريك فإن رضي الشريك تناولها, وإن امتنع الشريك فرضي المرتهن والراهن بكونها في يد الشريك جاز, وناب عنه في القبض وإن تنازع الشريك والمرتهن نصب الحاكم عدلا تكون في يده لهما وإن ناولها الراهن للمرتهن بغير رضا الشريك فتناولها, فإن قلنا: استدامة القبض شرط لم يكفه ذلك التناول وإن قلنا: ليس بشرط فقد حصل القبض لأن الرهن حصل في يده مع التعدي في غيره فأشبه ما لو رهنه ثوبا فسلمه إليه مع ثوب لغيره فتناولهما معا ولو رهنه ثوبا, فاشتبه عليه بغيره فسلم إليه أحدهما لم يثبت القبض لأنه لا يعلم أنه أقبضه الرهن, فإن تبين أنه الرهن تبين صحة التسليم وإن سلم إليه الثوبين معا حصل القبض لأنه قد تسلم الرهن يقينا.

فصل: ولو رهنه دارا, فخلى بينه وبينها وهما فيها ثم خرج الراهن صح القبض وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة: لا يصح حتى يخلى بينه وبينها بعد خروجه منها لأنه ما كان في الدار فيده عليها, فما حصلت التخلية ولنا أن التخلية تصح بقوله مع التمكن منها وعدم المانع فأشبه ما لو كانا خارجين عنها, ولا يصح ما ذكره ألا ترى أن خروج المرتهن منها لا يزيل يده عنها ودخوله إلى دار غيره لا يثبت يده عليها, ولأنه بخروجه عنها محقق لقوله فلا معنى لإعادة التخلية.

فصل: وإن رهنه مالا له في يد المرتهن عارية أو وديعة أو غصبا أو نحوه صح الرهن لأنه مالك له يمكن قبضه, فصح رهنه كما لو كان في يده وظاهر كلام أحمد لزوم الرهن بنفس العقد من غير احتياج إلى أمر زائد, فإنه قال: إذا حصلت الوديعة في يده بعد الرهن فهو رهن فلم يعتبر أمرا زائدا وذلك لأن اليد ثابتة والقبض حاصل وإنما يتغير الحكم لا غير, ويمكن تغير الحكم مع استدامة القبض كما لو طولب الوديعة فجحدها لتغير الحكم وصارت مضمونة عليه من غير أمر زائد ولو عاد الجاحد فأقر بها, وقال لصاحبها: خذ وديعتك فقال: دعها عندك وديعة كما كانت ولا ضمان عليك فيها لتغير الحكم من غير حدوث أمر زائد وقال القاضي وأصحاب الشافعي: لا يصير رهنا حتى تمضى مدة يتأتى قبضه فيها فإن كان منقولا فبمضى مدة يمكن نقله فيها, وإن كان مكيلا فبمضى مدة يمكن اكتياله فيها وإن كان غير منقول فبمضى مدة التخلية وإن كان غائبا عن المرتهن لم يصر مقبوضا حتى يوافيه هو أو وكيله, ثم تمضى مدة يمكن قبضه فيها لأن العقد يفتقر إلى القبض والقبض إنما يحصل بفعله أو بإمكانه ويكفي ذلك, ولا يحتاج إلى وجود حقيقة القبض لأنه مقبوض حقيقة فإن تلف قبل مضى مدة يتأتى قبضه فيها فهو كتلف الرهن قبل قبضه ثم هل يفتقر إلى الإذن من الراهن في القبض؟ يحتمل وجهين: أحدهما, يفتقر لأنه قبض يلزم به عقد غير لازم فلم يحصل بغير إذن, كما لو كان في يد الراهن وإقراره في يده لا يكفي كما لو أقر المغصوب في يد غاصبه مع إمكان أخذه منه والثاني, لا يفتقر إلى إذن في القبض لأن إقراره له في يده بمنزلة إذنه في القبض فإن أذن له في القبض ثم رجع عنه قبل مضى مدة يتأتى القبض فيها لم يلزم الرهن حتى يعود فيأذن, ثم تمضى مدة يقبضه في مثلها.

فصل: وإذا رهنه المضمون كالمغصوب والعارية والمقبوض في بيع فاسد أو على توجه السوم صح, وزال الضمان وبهذا قال مالك وأبو حنيفة وقال الشافعي: لا يزول الضمان ويثبت فيه حكم الرهن, والحكم الذي كان ثابتا فيه يبقى بحاله لأنه لا تنافي بينهما بدليل أنه لو تعدى في الرهن صار مضمونا ضمان الغصب وهو رهن كما كان فكذلك ابتداؤه, لأنه أحد الرهن ولنا أنه مأذون له في إمساكه رهنا لم يتجدد منه فيه عدوان فلم يضمنه, كما لو قبضه منه ثم أقبضه إياه أو أبرأه من ضمانه وقولهم: لا تنافي بينهما ممنوع فإن الغاصب يده عادية يجب عليه إزالتها ويد المرتهن محقة جعلها الشرع له, ويد المرتهن يد أمانة ويد الغاصب والمستعير ونحوهما يد ضامنة وهذان متنافيان ولأن السبب المقتضى للضمان زال فزال الضمان لزواله, كما لو رده إلى مالكه وذلك لأن سبب الضمان الغصب والعارية ونحوهما وهذا لم يبق غاصبا ولا مستعيرا, ولا يبقى الحكم مع زوال سببه وحدوث سبب يخالف حكمه حكمه وأما إذا تعدى في الرهن فإنه يلزمه الضمان, لعدوانه لا لكونه غاصبا ولا مستعيرا وها هنا قد زال سبب الضمان, ولم يحدث ما يوجبه فلم يثبت.

فصل: ويجوز أن يوكل في قبض الرهن ويقوم قبض وكيله مقام قبضه, في لزوم الرهن وسائر أحكامه وإن وكل المرتهن الراهن في قبض الرهن له من نفسه لم يصح ولم يكن ذلك قبضا لأن الرهن وثيقة ليستوفي الحق منه عند تعذر استيفائه من الراهن, فإذا كان في يد الراهن لم يحصل معنى الوثيقة وقد ذكرنا في البيع أن المشترى لو دفع إلى البائع غرارة وقال: كل حقى في هذه ففعل, كان ذلك قبضا فيخرج ها هنا كذلك.

فصل: وإذا أقر الراهن بتقبيض الرهن أو أقر المرتهن بقبضه كان ذلك مقبولا فيما يمكن صدقهما فيه وإن أقر الراهن بالتقبيض, ثم أنكره وقال: أقررت بذلك ولم أكن قبضت شيئا أو أقر المرتهن بالقبض ثم أنكر, فالقول قول المقر له فإن طلب المنكر يمينه ففيه وجهان أحدهما, لا يلزمه يمين لأن الإقرار أقوى من البينة ولو قامت البينة بذلك وطلب المشهود عليه يمين خصمه لم يقبل منه فكذلك الإقرار والثاني, يلزمه اليمين وهو قول الشافعي في منصوصه لأن العادة جارية بأن الإنسان يشهد على نفسه بالقبض قبله فتسمع دعواه ويلزم خصمه اليمين, لما ذكرنا من حكم العادة وهذا أجود ويفارق البينة فإنها لا تشهد بالحق قبله, ولو فعلت ذلك لم تكن بينة عادلة وقال القاضي: إن كان المقر غائبا فقال: أقررت لأن وكيلى كتب إلى بذلك ثم بان لي خلافه سمعنا قوله, وأحلفنا خصمه وإن أقر أنه باشر ذلك بنفسه ثم عاد فأكذب نفسه لم يحلف خصمه وهذا قول بعض أصحاب الشافعي, فأما إن اختلفا في القبض فقال المرتهن: قبضته وأنكر الراهن فالقول قول من هو في يده لأنه إن كان في يد الراهن فالأصل معه, وهو عدم الإقباض ولم يوجد ما يدل على خلافه وإن كان في يد المرتهن, فقد وجد القبض لكونه لا يحصل في يده إلا بعد قبضه وإن اختلفا في الإذن فقال الراهن: أخذته بغير إذني قال: بل بإذنك وهو في يد المرتهن, فالقول قوله لأن الظاهر معه فإن العقد قد وجد ويده تدل على أنه بحق ويحتمل أن يكون القول قول الراهن لأن الأصل عدم الإذن وهذا مذهب الشافعي وذكر القاضي هذين الوجهين.

فصل: وإذا رهنه عينين, فتلفت إحداهما قبل قبضها انفسخ العقد فيها دون الباقية لأن العقد كان صحيحا فيهما وإنما طرأ انفساخ العقد في إحداهما, فلم يؤثر كما لو اشترى شيئين ثم رد أحدهما بعيب أو خيار أو إقالة, والراهن مخير بين إقباض الباقية وبين منعها وإن كان التلف بعد قبض الأخرى فقد لزم الرهن فيها فإن كان الرهن مشروطا في بيع ثبت للبائع الخيار لتعذر الرهن بكماله, فإن رضي لم يكن له المطالبة ببدل التالفة لأن الرهن لم يلزم فيها وتكون المقبوضة رهنا بجميع الثمن ولو تلفت إحدى العينين بعد القبض فلا خيار للبائع لأن الرهن لو تلف كله لم يكن له خيار, فإذا تلف بعضه أولى ثم إن كان تلفها بعد قبض العين الأخرى فقد لزم الرهن فيها وإن كان قبل قبض الأخرى, فالراهن مخير بين إقباضها وبين تركه فإن امتنع من تقبيضها ثبت للبائع الخيار, كما لو لم تتلف الأخرى.

فصل: وإن رهنه دارا فانهدمت قبل قبضها لم ينفسخ عقد الرهن لأن ماليتها لم تذهب بالكلية فإن عرصتها وأنقاضها باقية, ويثبت للمرتهن الخيار إن كان الرهن مشروطا في بيع لأنها تعيبت ونقصت قيمتها فإن قيل: فلم لا ينفسخ عقد الرهن كما تنفسخ الإجارة؟ قلنا: الإجارة عقد على منفعة السكنى وقد تعذرت وعدمت فبطل العقد لعدم المعقود عليه, والرهن عقد استيثاق يتعلق بالأعيان التي فيها المالية وهي باقية فعلى هذا تكون العرصة والأنقاض من الأخشاب والأحجار ونحوهما من الرهن لأن العقد ورد على جميع الأعيان والأنقاض منها وما دخل في العقد استقر بالقبض.

فصل: وكل عين جاز بيعها جاز رهنها لأن مقصود الرهن الاستيثاق بالدين للتوصل إلى استيفائه من ثمن الرهن إن تعذر استيفاؤه من ذمة الراهن, وهذا يتحقق في كل عين جاز بيعها ولأن ما كان محلا للبيع كان محلا لحكمة الرهن ومحل الشيء محل حكمته, إلا أن يمنع مانع من ثبوته أو يفوت شرط فينتفي الحكم لانتفائه, فيصح رهن المشاع لذلك وبه قال ابن أبي ليلى ومالك والبتي, والأوزاعي وسوار والعنبري, والشافعي وأبو ثور وقال أصحاب الرأي: لا يصح رهنه إلا أن يرهنه من شريكه, أو يرهنها الشريكان من رجل واحد أو يرهن رجلا داره من رجلين فيقبضانها معا لأنه عقد تخلف عنه مقصوده لمعنى اتصل به, فلم يصح كما لو تزوج أخته من الرضاع بيانه أن مقصوده الحبس الدائم, والمشاع لا يمكن المرتهن حبسه لأن شريكه ينتزعه يوم نوبته ولأن استدامة القبض شرط, وهذا يستحق زوال اليد عنه لمعنى قارن العقد فلم يصح رهنه كالمغصوب ولنا أنها عين يجوز بيعها في محل الحق, فيصح رهنها كالمفرزة ولا نسلم أن مقصوده الحبس بل مقصوده استيفاء الدين من ثمنه عند تعذره من غيره والمشاع قابل لذلك, ثم يبطل ما ذكروه برهن القاتل والمرتد والمغصوب ورهن ملك غيره بغير إذنه من غير ولاية فإنه يصح عندهم.

فصل: ويصح أن يرهن بعض نصيبه من المشاع, كما يصح أن يرهن جميعه سواء رهنه مشاعا في نصيبه مثل أن يرهن نصف نصيبه, أو يرهن نصيبه من معين مثل أن يكون له نصف دار فيرهن نصيبه من بيت منها بعينه وقال القاضي: يحتمل أن لا يصح رهن حصته من معين من شيء تمكن قسمته لاحتمال أن يقتسم الشريكان, فيحصل الرهن في حصة شريكه ولنا أنه يصح بيعه فصح رهنه كغيره, وما ذكره لا يصح لأن الراهن ممنوع من التصرف في الرهن بما يضر بالمرتهن فيمنع من القسمة المضرة كما يمنع من بيعه.

فصل: ويصح رهن المرتد والقاتل في المحاربة والجاني, سواء كانت جنايته عمدا أو خطأ على النفس وما دونها وقال القاضي: لا يصح رهن القاتل في المحاربة واختار أبو بكر أنه لا يصح رهن الجاني وهو مذهب الشافعي ومبنى الخلاف في هذا على الخلاف في بيعه, وقد سبق الكلام فيه في موضعه ثم إن كان المرتهن عالما بحاله فلا خيار له لأنه دخل على بصيرة فأشبه المشترى إذا علم العيب, وإن لم يكن عالما ثم علم بعد إسلام المرتد وفداء الجاني فكذلك لأن العيب زال, فهو كما لو زال عيب المبيع وإن علم قبل ذلك فله رده وفسخ البيع إن كان مشروطا في عقد بيع لأن الشرط اقتضاه سليما فإذا سلم إليه معيبا, ملك الفسخ كالبيع وإن اختار إمساكه, فليس له أرش ولا شيء لأن الرهن بجملته لو تلف قبل قبضه لم يملك بدله فبعضه أولى وكذلك لو لم يعلم حتى قتل العبد بالردة أو القصاص, أو أخذ في الجناية فلا أرش للمرتهن وذكر القاضي أن قياس المذهب أن له الأرش في هذه المواضع قياسا على البيع وليس الأمر كذلك فإن المبيع عوض عن الثمن, فإذا فات بعضه رجع بما يقابله من الثمن ولو فات كله, مثل أن يتلف المبيع قبل قبضه رجع بالثمن كله والرهن ليس بعوض, ولو تلف كله قبل القبض لما استحق الرجوع بشيء فكيف يستحق الرجوع ببدل عينه أو فوات بعضه؟ وإن امتنع السيد من فداء الجاني, لم يجبر ويباع في الجناية لأن حق المجني عليه مقدم على الرهن فأشبه ما لو حدثت الجناية بعد الرهن فعلى هذا إن استغرق الأرش قيمته, بيع وبطل الرهن وإن لم يستغرقها بيع منه بقدر الأرش, والباقي رهن.

فصل: ويصح رهن المدبر في ظاهر المذهب بناء على جواز بيعه ومنع منه أبو حنيفة والشافعي لأنه علق عتقه بصفة أشبه ما لو علق عتقه بصفة توجد قبل حلول الحق ولنا, أنه عقد يقصد منه استيفاء الحق من العين أشبه الإجارة ولأنه علق عتقه بصفة لا تمنع استيفاء الحق أشبه ما لو علقه بصفة توجد بعد حلول الحق وما ذكروه ينتقض بهذا الأصل, ويفارق التدبير التعليق بصفة تحل قبل حلول الدين لأن الرهن لا يمنع عتقه بالصفة فإذا عتق تعذر استيفاء الدين منه فلا يحصل المقصود, والدين في المدبر يمنع عتقه بالتدبير ويقدم عليه فلا يمنع حصول المقصود والحكم فيما إذا علم التدبير أو لم يعلم, كالحكم في العبد الجاني على ما فصل فيه ومتى مات السيد قبل الوفاء فعتق المدبر, بطل الرهن وإن عتق بعضه بقي الرهن فيما بقي وإن لم يكن للسيد مال يفضل عن وفاء الدين, بيع المدبر في الدين وبطل التدبير لأن الدين مقدم على التدبير ولا يبطل الرهن وإن كان الدين لا يستغرقه, بيع منه بقدر الدين وعتق منه ثلث الباقي وما بقي للورثة.

فصل: فأما المكاتب, فالصحيح أنه لا يصح رهنه وهو مذهب الشافعي لأن استدامة القبض في الرهن شرط في الصحيح ولا يمكن ذلك في المكاتب وقال القاضي: قياس المذهب صحة رهنه وهو مذهب مالك لأنه يجوز بيعه وإيفاء الدين من ثمنه فعلى هذا يكون ما يؤديه من نجوم كتابته رهنا معه فإن عجز ثبت الرهن فيه وفي اكتسابه, وإن عتق كان ما أداه من نجومه رهنا بمنزلة ما لو كسب العبد القن ثم مات.

فصل: وأما من علق عتقه بصفة تحل قبل حلول الحق, كمن علق عتقه بهلال رمضان ومحل الحق آخره لم يصح رهنه لكونه لا يمكن بيعه عند حلول الحق, ولا استيفاء الدين من ثمنه وإن كان الدين يحل قبلها مثل أن يعلق عتقه بآخر رمضان والحق يحل في أوله, صح رهنه لإمكان استيفاء الدين من ثمنه فإن كانت تحتمل الأمرين كقدوم زيد, فقياس المذهب صحة رهنه لأنه في الحال محل للرهن يمكن أن يبقى حتى يستوفي الدين من ثمنه فصح رهنه كالمريض والمدبر وهذا مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه ويحتمل أن لا يصح رهنه لأن فيه غررا, إذ يحتمل أن يعتق قبل حلول الحق ولأصحاب الشافعي فيه اختلاف على نحو ما ذكرنا.

فصل: ويحوز رهن الجارية دون ولدها ورهن ولدها دونها لأن الرهن لا يزيل الملك, فلا يحصل بذلك تفرقة ولأنه يمكن تسليم الولد مع أمه والأم مع ولدها, فإن دعت الحاجة إلى بيعها في الدين بيع ولدها معها لأن الجمع في العقد ممكن والتفريق بينهما حرام, فوجب بيعه معها فإذا بيعا معا تعلق حق المرتهن من ذلك بقدر قيمة الجارية من الثمن فإذا كانت قيمتها مائة, مع أنها ذات ولد وقيمة الولد خمسون فحصتها ثلثا الثمن وإن لم يعلم المرتهن بالولد, ثم علم فله الخيار في الرد والإمساك لأن الولد عيب فيها لكونه لا يمكن بيعها بدونه, فإن أمسك فهو كما لو علم حال العقد ولا شيء له غيرها, وإن ردها فله فسخ البيع إن كانت مشروطة فيه.

فصل: ويصح رهن ما يسرع إليه الفساد سواء كان مما يمكن إصلاحه بالتجفيف, كالعنب والرطب أو لا يمكن كالبطيخ والطبيخ ثم إن كان مما يجفف, فعلى الراهن تجفيفه لأنه من مؤنة حفظه وتبقيته فلزم الراهن كنفقة الحيوان وإن كان مما لا يجفف, فإنه يباع ويقضى الدين من ثمنه إن كان حالا, أو يحل قبل فساده وإن كان لا يحل قبل فساده جعل ثمنه مكانه رهنا, سواء شرط في الرهن بيعه أو أطلق وقال أصحاب الشافعي: إن كان مما يفسد قبل محل الدين فشرط المرتهن على الراهن بيعه وجعل ثمنه مكانه صح وإن أطلق, فعلى قولين: أحدهما لا يصح لأن بيع الرهن قبل حلول الحق لا يقتضيه عقد الرهن فلم يجب, ولم يصح رهنه كما لو شرط أن لا يبيعه وذكر القاضي فيه وجهين كالقولين ولنا, أن العرف يقتضي ذلك لأن المالك لا يعرض ملكه للتلف والهلاك فإذا تعين حفظه في بيعه حمل عليه مطلق العقد, كتجفيف ما يجف والإنفاق على الحيوان وحرز ما يحتاج إلى حرز وأما إذا شرط أن لا يباع, فلا يصح لأنه شرط ما يتضمن فساده وفوات المقصود فأشبه ما لو شرط أن لا يجفف ما يجف, أو لا ينفق على الحيوان وإذا ثبت ما ذكرناه فإنه إن شرط للمرتهن بيعه أو أذن له في بيعه بعد العقد, أو اتفقا على أن يبيعه الراهن أو غيره باعه وإن لم يمكن ذلك باعه الحاكم, وجعل ثمنه رهنا ولا يقضى الدين من ثمنه لأنه ليس له تعجيل وفاء الدين قبل حلوله وكذلك الحكم إن رهنه ثيابا فخاف تلفها أو حيوانا وخاف موته قال أحمد, في من رهن ثيابا يخاف فسادها كالصوف: أتى السلطان فأمره ببيعها.

فصل: ويصح رهن العصير لأنه يجوز بيعه, وتعرضه للخروج عن المالية لا يمنع صحة رهنه كالمريض والجاني ثم إن استحال إلى حال لا يخرج فيها عن المالية كالخل, فالرهن بحاله وإن صار خمرا زال لزوم العقد ووجبت إراقته, فإن أريق بطل العقد فيه ولا خيار للمرتهن لأن التلف حصل في يده وإن عاد خلا عاد اللزوم, بحكم العقد السابق كما لو زالت يد المرتهن عن الرهن ثم عادت إليه وإن استحال خمرا قبل قبض المرتهن له بطل الرهن, ولم يعد بعوده خلا لأنه عقد ضعيف لعدم القبض فيه فأشبه إسلام أحد الزوجين قبل الدخول وذكر القاضي أن العصير إذا استحال خمرا بعد القبض بطل الرهن, ثم إذا عاد خلا عاد ملكا لصاحبه مرهونا بالعقد السابق لأنه يعود مملوكا بحكم الملك الأول, فيعود حكم الرهن أيضا لأنه زال بزوال الملك فيعود بعوده وهذا مذهب الشافعي وقال مالك وأبو حنيفة: هو رهن بحاله لأنه كانت له قيمة حالة كونه عصيرا ويجوز أن يصير له قيمة, فلا يزول الملك عنه كما لو ارتد الجاني ولأن اليد لم تزل عنه حكما, ولهذا لو غصبه غاصب فتخلل في يده كان ملكا للمغصوب منه, ولو زالت يده لكان ملكا للغاصب كما لو أراقه فجمعه إنسان, فتخلل في يده كان له دون من أراقه وهذا القول هو قولنا الأول في المعنى, إلا أن يقولوا ببقاء اللزوم فيه حال كونه خمرا ولم يظهر لي فائدة الخلاف بعد اتفاقهم على عوده رهنا باستحالته خلا وأرى القول ببقائه رهنا أقرب إلى الصحة لأن العقد لو بطل لما عاد صحيحا من غير ابتداء عقد فإن قالوا: يمكن عوده صحيحا لعود المعنى الذي بطل بزواله كما أن زوجة الكافر إذا أسلمت خرجت من حكم العقد, لاختلاف دينهما فإذا أسلم الزوج في العدة عادت الزوجية بالعقد الأول, لزوال الاختلاف في الدين قلنا: هناك ما زالت الزوجية ولا بطل العقد ولو بطل بانقضاء العدة لما عاد إلا بعقد جديد, وإنما العقد كان موقوفا مراعى فإذا أسلم في العدة تبينا أنه لم يبطل وإن لم يسلم تبينا أنه كان قد بطل, وها هنا قد جزمتم ببطلانه.

فصل: وهل يصح رهن الثمرة قبل بدو صلاحها من غير شرط القطع أو الزرع الأخضر؟ فيه وجهان أحدهما يجوز وهو اختيار القاضي لأن الغرر يقل فيه, فإن الثمرة متى تلفت عاد إلى حقه في ذمة الراهن ولأنه يجوز بيعه, فجاز رهنه ومتى حل الحق بيع وإن اختار المرتهن تأخير بيعه, فله ذلك والثاني لا يصح وهو منصوص الشافعي لأنه لا يجوز بيعه فلا يصح رهنه, كسائر ما لا يجوز بيعه وذكر القاضي أنه يجوز رهن المبيع الذي يشترط قبضه كالمكيل والموزون قبل قبضه لأن قبضه مستحق, فيمكن المشترى قبضه ثم يقبضه أما البيع فإنه يفضي إلى أن يربح فيما لم يضمن وهو منهي عنه ويحتمل أن لا يصح رهنه لأنه لا يصح بيعه.

فصل: وفي رهن المصحف روايتان إحداهما, لا يصح رهنه نقل الجماعة عنه: أرخص في رهن المصحف وذلك لأن المقصود من الرهن استيفاء الدين من ثمنه ولا يحصل ذلك إلا ببيعه وبيعه غير جائز والثانية, يصح رهنه فإنه قال: إذا رهن مصحفا لا يقرأ فيه إلا بإذنه فظاهر هذا صحة رهنه وهو قول مالك والشافعي وأبي ثور, وأصحاب الرأي بناء على أنه يصح بيعه فصح رهنه كغيره.

فصل: ويجوز أن يستعير شيئا يرهنه قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم, على أن الرجل إذا استعار من الرجل شيئا يرهنه على دنانير معلومة عند رجل سماه إلى وقت معلوم, ففعل أن ذلك جائز وينبغى أن يذكر المرتهن والقدر الذي يرهنه به, وجنسه ومدة الرهن لأن الضرر يختلف بذلك فاحتيج إلى ذكره, كأصل الرهن ومتى شرط شيئا من ذلك فخالف, ورهنه بغيره لم يصح الرهن لأنه لم يؤذن له في هذا الرهن فأشبه من لم يأذن في أصل الرهن, قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على ذلك وإن أذن له في رهنه بقدر من المال فنقص عنه مثل أن يأذن له في رهنه بمائة, فيرهنه بخمسين صح لأن من أذن في مائة فقد أذن في خمسين وإن رهنه بأكثر, مثل أن رهنه بمائة وخمسين احتمل أن يبطل في الكل لأنه خالف المنصوص عليه فبطل, كما لو قال: ارهنه بدنانير فرهنه بدراهم أو بحال فرهنه بمؤجل أو بمؤجل فرهنه بحال فإنه لا يصح كذلك ها هنا وهذا منصوص الشافعي والوجه الثاني أنه يصح في المائة, ويبطل في الزائد عليها لأن العقد تناول ما يجوز وما لا يجوز فجاز فيما دون غيره كتفريق الصفقة ويفارق ما ذكرنا من الأصول فإن العقد لم يتناول مأذونا فيه بحال, وكل واحد من هذه الأمور يتعلق به غرض لا يوجد في الآخر فإن الراهن قد يقدر على فكاكه في الحال ولا يقدر على ذلك عند الأجل وبالعكس وقد يقدر على فكاكه بأحد النقدين دون الآخر, فيفوت الغرض بالمخالفة وفي مسألتنا إذا صح في المائة المأذون فيها لم يختلف الغرض فإن أطلق الرهن في الإذن من غير تعيين, فقال القاضي: يصح وله رهنه بما شاء وهو قول أصحاب الرأي وأحد قولي الشافعي والآخر: لا يجوز حتى يبين قدر الذي يرهنه به, وصفته وحلوله وتأجيله لأن هذا بمنزلة الضمان, لأن منفعة العبد لسيده والعارية ما أفادت المنفعة إنما حصلت له نفعا يكون الرهن وثيقة عنه, فهو بمنزلة الضمان في ذمته وضمان المجهول لا يصح ولنا أنها عارية, فلم يشترط لصحتها ذكر ذلك كالعارية لغير الرهن والدليل على أنه عارية أنه قبض ملك غيره لمنفعة نفسه, منفردا بها من غير عوض فكان عارية كقبضه للخدمة وقولهم: إنه ضمان غير صحيح لأن الضمان يثبت في الذمة, ولهذا ثبت في الرقبة ولأن الضمان لازم في حق الضامن وهذا له الرجوع في العبد قبل الرهن, وإلزام المستعير بفكاكه بعده وقولهم: إن المنافع للسيد قلنا: المنافع مختلفة فيجوز أن يستعيره لتحصيل منفعة واحدة وسائر المنافع للسيد كما لو استعاره لحفظ متاع وهو مع ذلك يخيط لسيده أو يعمل له شيئا, أو استعاره ليخيط له ويحفظ المتاع لسيده فإن قيل: لو كان عارية لما صح رهنه لأن العارية لا تلزم والرهن لازم قلنا: العارية غير لازمة من جهة المستعير فإن لصاحب العبد المطالبة بفكاكه قبل حلول الدين ولأن العارية قد تكون لازمة, بدليل ما لو أعاره حائطا ليبنى عليه أو أرضا ليدفن فيها أو ليزرع فيها ما لا يحصد قصيلا إذ ثبت هذا, فإنه يصح رهنه بما شاء إلى أي وقت شاء ممن شاء لأن الإذن يتناول الكل بإطلاقه, وللسيد مطالبة الراهن بفكاك الرهن حالا كان أو مؤجلا في محل الحق وقبل محله لأن العارية لا تلزم ومتى حل الحق فلم يقبضه, فللمرتهن بيع الرهن واستيفاء الدين من ثمنه ويرجع المعير على الراهن بالضمان وهو قيمة العين المستعارة, أو مثلها إن كانت من ذوات الأمثال ولا يرجع بما بيعت به سواء بيعت بأقل من القيمة أو أكثر, في أحد الوجهين والصحيح أنها إن بيعت بأقل من قيمتها رجع بالقيمة لأن العارية مضمونة فيضمن نقص ثمنها, وإن بيعت بأكثر رجع بما بيعت به لأن العبد ملك للمعير فيكون ثمنه كله له وكذلك لو أسقط المرتهن حقه عن الراهن, رجع الثمن كله إلى صاحبه فإذا قضى به دين الراهن رجع به عليه ولا يلزم من وجوب ضمان النقص أن لا تكون الزيادة لصاحب العبد, كما لو كان باقيا بعينه وإن تلف الرهن ضمنه الراهن بقيمته سواء تلف بتفريط أو غير تفريط نص على هذا أحمد وذلك لأن العارية مضمونة. فصل: وإن فك المعير الرهن, وأدى الدين الذي عليه بإذن الراهن رجع عليه وإن قضاه متبرعا لم يرجع بشيء وإن قضاه بغير إذنه محتسبا بالرجوع بغير إذنه, فهل يرجع؟ على روايتين بناء على ما إذا قضى دينه بغير إذنه ويترجح الرجوع ها هنا لأن له المطالبة بفكاك عبده, وأداء دينه فكاكه وإن اختلفا في الإذن فالقول قول الراهن مع يمينه لأنه منكر وإن شهد المرتهن للمعير قبلت شهادته لأنه لا يجر بها نفعا, ولا يدفع بها ضررا وإن قال: أذنت لي في رهنه بعشرة قال: بل بخمسة فالقول قول المالك لأنه منكر للزيادة وبهذا قال الشافعي وأبو ثور, وأصحاب الرأي وإن كان الدين مؤجلا فقضاه حالا بإذنه رجع به حالا, وإن قضاه بغير إذنه فقال القاضي: يرجع به حالا أيضا لأنه له المطالبة بفكاك عبده في الحال.

 فصل: 

ولو استعار من رجل عبدا ليرهنه بمائة فرهنه عند رجلين, صح لأن تعيين ما يرهن به ليس بشرط فكذلك من يرهن عنده ولأن رهنه من رجلين أقل ضررا من رهنه عند رجل واحد لأنه ينفك منه بعضه بقضاء بعض الدين, بخلاف ما لو كان رهنا عند واحد فعلى هذا إذا قضى أحدهما ما عليه من الدين خرج نصيبه من الرهن لأن عقد الواحد مع الاثنين عقدان في الحقيقة ولو استعار عبدا من رجلين, فرهنه عند واحد بمائة فقضاه نصفها عن أحد النصيبين ففيه وجهان أحدهما, لا ينفك من الرهن شيء لأنه عقد واحد من راهن واحد مع مرتهن واحد, فأشبه ما لو كان العبد لواحد والثاني ينفك نصف العبد لأن كل واحد منهما إنما أذن في رهن نصيبه بخمسين فلا يكون رهنا بأكثر منها, كما لو صرح له بذلك فقال: ارهن نصيبي بخمسين لا تزد عليها فعلى هذا الوجه, إن كان المرتهن عالما بذلك فلا خيار له وإن لم يكن عالما بذلك, والرهن مشروط في بيع احتمل أن يكون له الخيار لأنه دخل على أن كل جزء من الرهن وثيقة بجميع الدين وقد فاته ذلك, واحتمل أن لا يكون له خيار لأن الرهن سلم له كله بالدين كله وهو دخل على ذلك ولو كان رهن هذا العبد عند رجلين فقضى أحدهما, انفك نصيب كل واحد من المعيرين من نصفه وإن قضى نصف دين أحدهما انفك في نصيب أحدهما على أحد الوجهين وفي الآخر, ينفك نصف نصيب كل واحد منهما والله أعلم.

 فصل: 

ولو كان لرجلين عبدان فأذن كل واحد منهما لشريكه في رهن نصيبه من أحد العبدين فرهناهما عند رجل مطلقا, صح فإن شرط أحدهما أنني متى قضيت ما على من الدين انفك الرهن في العبد الذي رهنته, وفي العبد الآخر أو في قدر نصيبي من العبد الآخر فهذا شرط فاسد لأنه شرط أن ينفك بقضاء الدين رهن على دين آخر ويفسد الرهن لأن في هذا الشرط نقصا على المرتهن, وكل شرط فاسد ينقص حق المرتهن يفسد الرهن فأما إن شرط أنه لا ينفك شيء من العبد حتى يقضى جميع الدين فهو فاسد, أيضا لأنه شرط أن يبقى الرهن محبوسا بغير الدين الذي هو رهن به لكنه لا ينقص حق المرتهن فهل يفسد الرهن بذلك؟ على وجهين.

 فصل: 

ولا يصح رهن ما لا يصح بيعه, كأم الولد والوقف والعين المرهونة لأن مقصود الرهن استيفاء الدين من ثمنه, وما لا يجوز بيعه لا يمكن ذلك فيه ولو رهن العين المرهونة عند المرتهن لم يجز فلو قال الراهن للمرتهن: زدني ما لا يكون الرهن الذي عندك رهنا به وبالدين الأول لم يجز وبهذا قال أبو حنيفة ومحمد وهو أحد قولي الشافعي وقال مالك وأبو يوسف وأبو ثور والمزني وابن المنذر يجوز ذلك لأنه لو زاده رهنا جاز فكذلك إذا زاد في دين الرهن, ولأنه لو فدى المرتهن العبد الجاني بإذن الراهن ليكون رهنا بالمال الأول وبما فداه به جاز, فكذلك ها هنا ولأنها وثيقة محضة فجازت الزيادة فيها كالضمان ولنا, أنها عين مرهونة فلم يجز رهنها بدين آخر كما لو رهنها عند غير المرتهن, فأما الزيادة في الرهن فيجوز لأنه زيادة استيثاق بخلاف مسألتنا وأما العبد الجاني فيصح فداؤه, ليكون رهنا بالفداء والمال الأول لكون الرهن لا يمنع تعلق الأرش بالجاني لكون الجناية أقوى, ولأن لولي الجناية المطالبة ببيع الرهن وإخراجه من الرهن فصار بمنزلة الرهن الجائز قبل قبضه ويجوز أن يزيده في الرهن الجائز حقا قبل لزومه, فكذلك إذا صار جائزا بالجناية ويفارق الرهن الضمان فإنه يجوز أن يضمن لغيره إذا ثبت هذا فرهنه بحق ثان كان رهنا بالأول خاصة, فإن شهد بذلك شاهدان يعتقدان فساده لم يكن لهما أن يشهدا به وإن اعتقدا صحته لم يكن لهما أن يشهدا أنه رهنه بالحقين مطلقا, بل يشهدان بكيفية الحال ليرى الحاكم فيه رأيه.

 فصل: 

وأما رهن سواد العراق والأرض الموقوفة على المسلمين, فالصحيح في المذهب أنه لا يجوز بيعها فكذلك رهنها وهذا منصوص الشافعي وما كان فيها من بنائها فحكمه حكمها, وما كان فيها من غير ترابها أو من الشجر المجدد فيها إن أفرده بالبيع والرهن فهل يصح؟ على روايتين, نص عليهما في البيع إحداهما: يصح لأنه طلق والثانية لا يجوز لأنه تابع لما لا يجوز بيعه ولا رهنه فهو كأساسات الحيطان وإن رهنه مع الأرض, بطل في الأرض وهل يجوز في الأشجار والبناء على الرواية التي يجوز رهنها منفردة؟ يخرج على الروايتين في تفريق الصفقة وهذا مذهب الشافعي رضي الله عنه

 فصل: 

ولا يصح رهن المجهول لأنه لا يصح بيعه فلو قال: رهنتك هذا الجراب أو البيت أو الخريطة بما فيها لا يصح لأنه مجهول وإن لم يقل: بما فيها صح رهنها للعلم بها, إلا أن يكون ذلك مما لا قيمة له كالجراب الخلق ونحوه ولو قال: رهنتك أحد هذين العبدين لم يصح لعدم التعيين وفي الجملة أنه يعتبر للعلم في الرهن ما يعتبر في البيع وكذلك القدرة على التسليم, فلا يصح رهن الآبق ولا الجمل الشارد ولا غير مملوك.

 فصل: 

ولو رهن عبدا أو باعه, يعتقده مغصوبا فبان ملكه مثل إن رهن عبد أبيه, فبان أن أباه قد مات وصار العبد ملكه بالميراث أو وكل إنسانا يشتري له عبدا من سيده, ثم إن الموكل باع العبد أو رهنه يعتقده لسيده الأول فبان أن تصرفه بعد شراء الوكيل له, ونحو ذلك صح تصرفه لأنه تصرف صدر من أهله وصادف ملكه, فصح كما لو علم ويحتمل أن لا يصح لأنه اعتقده باطلا.

 فصل: 

ولو رهن المبيع في مدة الخيار لم يصح إلا أن يرهنه المشترى والخيار له وحده, فيصح تصرفه ويبطل خياره ذكره أبو بكر وهو مذهب الشافعي وكذلك بيعه وتصرفاته ولو أفلس المشترى فرهن البائع عين ماله التي له الرجوع فيها قبل الرجوع فيها لم يصح لأنه رهن مالا يملكه وكذلك لو رهن الأب العين التي وهبها لابنه قبل رجوعه فيها, لم يصح لما ذكرناه وللشافعي في ذلك وجهان أحدهما يصح لأن له استرجاع العين, فتصرفه فيها يدل على رجوعه فيها ولنا أنه رهن ما لا يملكه بغير إذن المالك ولا ولاية عليه, فلم يصح كما لو رهن الزوج نصف الصداق قبل الدخول.

 فصل: 

ولو رهن ثمرة شجر يحمل في السنة حملين لا يتميز أحدهما من الآخر, فرهن الثمرة الأولى إلى محل تحدث الثانية على وجه لا يتميز فالرهن باطل لأنه مجهول حين حلول الحق فلا يمكن استيفاء الدين منه, فلم يصح كما لو كان مجهولا حين العقد وكما لو رهنه إياها بعد اشتباهها فإن شرط قطع الأولى إذا خيف اختلاطها بالثانية, صح فإن كان الحمل المرهون بحق حالا وكانت الثمرة الثانية تتميز من الأولى إذا حدثت فالرهن صحيح فإن وقع التواني في قطع الأولى حتى اختلطت بالثانية, وتعذر التميز لم يبطل الرهن لأنه وقع صحيحا وقد اختلط بغيره على وجه لا يمكن فصله فعلى هذا إن سمح الراهن بكون الثمرة رهنا, أو اتفقا على قدر المرهون منهما فحسن وإن اختلفا, فالقول قول الراهن مع يمينه في قدر الرهن لأنه منكر للقدر الزائد والقول قول المنكر.

 فصل: 

ولو رهنه منافع داره شهرا لم يصح لأن مقصود الرهن استيفاء الدين من ثمنه, والمنافع تهلك إلى حلول الحق وإن رهنه أجرة داره شهرا لم يصح لأنها مجهولة وغير مملوكة.

 فصل: 

ولو رهن المكاتب من يعتق عليه لم يصح لأنه لا يملك بيعه وأجازه أبو حنيفة لأنهم لا يدخلون معه في الكتابة ولو رهن العبد المأذون من يعتق على السيد, لم يصح لأن ما في يده ملك لسيده فقد صار حرا بشرائه إياه.

 فصل: 

ولو رهن الوارث تركة الميت أو باعها وعلى الميت دين, صح في أحد الوجهين وقال أصحاب الشافعي: لا يصح في أحد الوجهين إذا كان على الميت دين يستغرق التركة لأنه تعلق به حق آدمي, فلم يصح رهنه كالمرهون ولنا أنه تصرف صادف ملكه, ولم يعلق به حقا فصح كما لو رهن المرتد وفارق المرهون لأن الحق تعلق به باختياره, فأما في مسألتنا فالحق تعلق به بغير اختياره فلم يمنع تصرفه وهكذا كل حق ثبت من غير إثباته كالزكاة والجناية, فلا يمنع رهنه فإذا رهنه ثم قضى الحق من غيره, فالرهن بحاله وإن لم يقض الحق فللغرماء انتزاعه لأن حقهم أسبق, والحكم فيه كالحكم في الجاني وهكذا الحكم لو تصرف في التركة ثم رد عليه مبيع باعه الميت بعيب ظهر فيه أو حق تجدد تعلقه بالتركة, مثل إن وقع إنسان أو بهيمة في بئر حفره في غير ملكه بعد موته فالحكم واحد وهو أن تصرفه صحيح غير نافذ, فإن قضى الحق من غيره نفذ وإلا فسخ البيع والرهن.

 فصل: 

قال القاضي: لا يصح رهن العبد المسلم لكافر واختار أبو الخطاب صحة رهنه إذا شرطا كونه على يد مسلم, ويبيعه الحاكم إذا امتنع مالكه وهذا أولى لأن مقصود الرهن يحصل من غير ضرر.

 مسألة: 

قال: وإذا قبض الرهن من تشارطا أن الرهن يكون على يده صار مقبوضا وجملته أن المتراهنين إذا شرطا كون الرهن على يدي رجل رضياه واتفقا عليه, جاز وكان وكيلا للمرتهن نائبا عنه في القبض فمتى قبضه صح قبضه, في قول جماعة الفقهاء منهم عطاء وعمرو بن دينار, والثوري وابن المبارك والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وقال الحكم والحارث العكلى وقتادة وابن أبي ليلى: لا يكون مقبوضا بذلك لأن القبض من تمام العقد, فتعلق بأحد المتعاقدين كالإيجاب والقبول ولنا أنه قبض في عقد, فجاز فيه التوكيل كسائر القبوض وفارق القبول لأن الإيجاب إذا كان لشخص كان القبول منه, لأنه يخاطب به ولو وكل في الإيجاب والقبول قبل أن يوجب له صح أيضا, وما ذكروه ينتقض بالقبض في البيع فيما يعتبر القبض فيه إذا ثبت هذا فإنه يجوز أن يجعلا الرهن على يدي من يجوز توكيله, وهو الجائز التصرف مسلما كان أو كافرا عدلا أو فاسقا, ذكرا أو أنثى ولا يجوز أن يكون صبيا لأنه غير جائز التصرف مطلقا فإن فعلا كان قبضه وعدم القبض واحدا, ولا عبدا بغير إذن سيده لأن منافع العبد لسيده فلا يجوز تضييعها في الحفظ بغير إذنه فإن أذن له السيد, جاز وأما المكاتب فإن كان بجعل جاز لأن له الكسب, وبذل منافعه بغير إذن السيد وإن كان بغير جعل لم يجز لأنه ليس له التبرع بمنافعه.

 فصل: 

فإن: جعلا الرهن في يد عدلين, جاز ولهما إمساكه ولا يجوز لأحدهما الانفراد بحفظه وإن سلمه أحدهما إلى الآخر, فعليه ضمان النصف لأنه القدر الذي تعدى فيه وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي وفي الآخر إذا رضي أحدهما بإمساك الآخر, جاز وبهذا قال أبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة إن كان مما ينقسم اقتسماه وإلا فلكل واحد منهما إمساك جميعه لأن اجتماعهما على حفظه يشق عليهما, فحمل الأمر على أن لكل واحد منهما الحفظ ولنا أن المتراهنين لم يرضيا إلا بحفظهما فلم يجز لأحدهما الانفراد بذلك كالوصيين لا ينفرد أحدهما بالتصرف وقولهم: إن الاجتماع على الحفظ يشق ليس كذلك فإنه يمكن جعله في مخزن لكل واحد منهما عليه قفل.

 فصل: 

وما دام العدل بحاله, لم يتغير عن الأمانة ولا حدثت بينه وبين أحدهما عداوة فليس لأحدهما, ولا للحاكم نقل الرهن عن يده لأنهما رضيا به في الابتداء وإن اتفقا على نقله جاز لأن الحق لهما لم يعدهما وكذلك لو كان الرهن في يد المرتهن, فلم يتغير حاله لم يكن للراهن ولا للحاكم نقله عن يده وإن تغيرت حال العدل بفسق أو ضعف عن الحفظ, أو حدثت عداوة بينه وبينهما أو بين أحدهما فلمن طلب نقله عن يده ذلك, ويضعانه في يد من يتفقان عليه فإن اختلفا وضعه الحاكم على يد عدل, وإن اختلفا في تغير حاله بحث الحاكم وعمل بما يظهر له وهكذا لو كان في يد المرتهن, فتغيرت حاله في الثقة والحفظ فللراهن رفعه عن يده إلى الحاكم ليضعه في يد عدل وإذا ادعى الراهن تغير حال المرتهن, فأنكر بحث الحاكم عن ذلك وعمل بما بان له وإن مات العدل أو المرتهن, لم يكن لورثتهما إمساكه إلا بتراضيهما فإن اتفقا على ذلك جاز وإن اتفقا على عدل يضعانه على يده, فلهما ذلك لأن الحق لهما فيفوض أمره إليهما فإن اختلف الراهن والمرتهن عند موت العدل أو اختلف الراهن وورثة المرتهن, رفعا الأمر إلى الحاكم ليضعه على يد عدل وإن كان الرهن في يد اثنين فمات أحدهما, أو تغيرت حاله بفسق أو ضعف عن الحفظ, أو عداوة بين أحد المتراهنين أقيم مقامه عدل ينضم إلى العدل الآخر فيحفظان معا.

 فصل: 

ولو أراد العدل رده عليهما, فله ذلك وعليهما قبوله وبهذا قال الشافعي لأنه أمين متطوع بالحفظ فلا يلزمه المقام عليه فإن امتنعا, أجبرهما الحاكم فإن تغيبا نصب الحاكم أمينا يقبضه لهما لأن للحاكم ولاية على الممتنع من الحق الذي عليه ولو دفعه إلى الأمين من غير امتناعهما ضمن, وضمن الحاكم لأنه لا ولاية له على غير الممتنع وكذا لو تركه العدل عند آخر مع وجودهما ضمن وضمن القابض وإن امتنعا, ولم يجد حاكما فتركه عند عدل آخر لم يضمن وإن امتنع أحدهما, لم يكن له دفعه إلى الآخر فإن فعل ضمن والفرق بينهما أن أحدهما يمسكه لنفسه, والعدل يمسكه لهما هذا فيما إذا كان حاضرين فأما إذا كانا غائبين, نظرت فإن كان للعدل عذر من مرض أو سفر أو نحوه رفعه إلى الحاكم, فقبضه منه أو نصب له عدلا يقبضه لهما فإن لم يجد حاكما, أودعه عند نفسه وليس له دفعه إلى ثقة يودعه عنده مع وجود الحاكم, فإن فعل ضمن فإن لم يكن له عذر وكانت الغيبة بعيدة إلى مسافة القصر قبضه الحاكم منه, فإن لم يجد حاكما دفعه إلى عدل وإن كانت الغيبة دون مسافة القصر فهو كما لو كانا حاضرين لأن ما دون مسافة القصر في حكم الإقامة وإن كانا أحدهما حاضرا والآخر غائبا, فحكمهما حكم الغائبين وليس له دفعه إلى الحاضر منهما وفي جميع هذه الأقسام متى دفعه إلى أحدهما لزمه رده إلى يده, وإن لم يفعل فعليه ضمان حق الآخر.

 فصل: 

إذا كان الرهن على يدي عدل وشرطا له أن يبيعه عند حلول الحق, صح ويصح بيعه وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي فإن عزل الراهن العدل عن البيع صح عزله, ولم يملك البيع وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة ومالك لا ينعزل لأن وكالته صارت من حقوق الرهن فلم يكن للراهن إسقاطه كسائر حقوقه وقال ابن أبي موسى ويتوجه لنا مثل ذلك فإن أحمد قد منع الحيلة في غير موضع من كتبه, وهذا يفتح باب الحيلة للراهن فإنه يشترط ذلك للمرتهن ليجيبه إليه, ثم يعزله والأول هو المنصوص عنه لأن الوكالة عقد جائز فلم يلزم المقام عليها كسائر الوكالات, وكونه من حقوق الراهن لا يمنع من جوازه كما لو شرطا الرهن في البيع فإنه لا يصير لازما, وكذلك لو مات الراهن بعد الإذن انفسخت الوكالة وقياس المذهب أنه متى عزله عن البيع, فللمرتهن فسخ البيع الذي حصل الرهن بثمنه كما لو امتنع الراهن من تسليم الرهن المشروط في البيع فأما إن عزله المرتهن, فلا ينعزل لأن العدل وكيل الراهن إذ الرهن ملكه ولو انفرد بتوكيله صح, فلم ينعزل بعزل غيره لكن لا يجوز بيعه بغير إذنه وهكذا لو لم يعزلاه فحل الحق, لم يبعه حتى يستأذن المرتهن لأن البيع لحقه فلم يجز حتى يأذن فيه ولا يحتاج إلى تجديد إذن من الراهن, في ظاهر كلام أحمد لأن الإذن قد وجد مرة فيكفي كما في الوكالة في سائر الحقوق وذكر القاضي وجها آخر, أنه يحتاج إلى تجديد إذن لأنه يكون له غرض في قضاء الحق من غيره والأول أولى فإن الإذن كاف ما لم يغير والغرض لا اعتبار به مع صريح الإذن بخلافه بدليل ما لو جدد الإذن له, بخلاف المرتهن فإن المبيع يفتقر إلى مطالبته بالحق ومذهب الشافعي نحو من هذا.

 فصل: 

ولو أتلف الرهن في يد العدل أجنبي فعلى الجاني قيمته, تكون رهنا في يده وله المطالبة بها لأنها بدل الرهن وقائمة مقامه, وله إمساك الرهن وحفظه فإن كان المتراهنان أذنا له في بيع الرهن فقال القاضي: قياس المذهب أن له بيع قيمته لأن له بيع نماء الرهن تبعا للأصل فالقيمة أولى وقال أصحاب الشافعي: ليس له ذلك لأنه متصرف بالإذن, فلا يملك بيع ما لم يؤذن له في بيعه والمأذون في بيعه قد تلف وقيمته غيره وللقاضي أن يقول: إنه قد أذن له في بيع الرهن, والقيمة رهن يثبت لها حكم الأصل من كونه يملك المطالبة بها, وإمساكها واستيفاء دينه من ثمنها فكذلك بيعها, فإن كانت القيمة من جنس الدين وقد أذن له في وفائه من ثمن الرهن ملك إيفاءه من القيمة لأنها بدل الرهن من جنس الدين, فأشبهت ثمن البيع.

 فصل: 

وإذا أذنا للعدل في البيع وعينا له نقدا لم يجز له أن يخالفهما وإن اختلفا, فقال أحدهما: بعه بدراهم وقال الآخر: بدنانير لم يقبل قول واحد منهما لأن لكل واحد منهما فيه حقا للراهن ملك اليمين, وللمرتهن حق الوثيقة واستيفاء حقه ويرفع الأمر إلى الحاكم فيأمر من يبيعه بنقد البلد, سواء كان من جنس الحق أو من غير جنسه وافق قول أحدهما أو لم يوافق لأن الحظ في ذلك والأولى أن يبيعه بما يرى الحظ فيه, فإن كان في البلد نقدان باعه بأغلبهما فإن تساويا فقال القاضي: يبيع بما يؤديه اجتهاده إليه وهو قول الشافعي لأنه الأحظ, والغرض تحصيل الحظ فإن تساويا باع بجنس الدين, فإن لم يكن فيها جنس الدين عين له الحاكم ما يبيعه به وحكمه حكم الوكيل في وجوب الاحتياط, والمنع من البيع بدون ثمن المثل ومن البيع نساء متى خالف لزمه ما يلزم الوكيل المخالف وذكر في البيع نساء رواية أخرى, أنه يجوز بناء على الوكيل ولا يصح لأن البيع ها هنا لإيفاء دين حال يجب تعجيله والبيع نساء يمنع ذلك وكذا نقول في الوكيل متى وجدت في حقه قرينة دالة على منع البيع نساء لم يجز له ذلك, وإنما الروايتان فيه عند انتفاء القرائن وكل موضع حكمنا بأن البيع باطل وجب رد المبيع إن كان باقيا فإن تعذر, فللمرتهن تضمين من شاء من العدل والمشترى بأقل الأمرين من قيمة الرهن أو قدر الدين لأنه يقبض قيمة الرهن مستوفيا لحقه لا رهنا فلذلك لم يكن له أن يقبض أكثر من دينه, وما بقي من قيمة الرهن للراهن يرجع به على من شاء منهما وإن استوفى دينه من الرهن رجع الراهن بقيمته على من شاء منهما ومتى ضمن المشترى لم يرجع على أحد لأن العين تلفت في يده, وإن ضمن العدل رجع على المشترى.

فصل: ومتى قدرا له ثمنا لم يجز له بيعه بدونه وإن أطلقا فله بيعه بثمن مثله, أو زيادة عليه وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة له بيعه ولو بدراهم والكلام معه في الوكالة فإن أطلقا فباع بأقل من ثمن المثل مما يتغابن الناس به, صح ولا ضمان عليه لأن ذلك لا يضبط غالبا وإن كان النقص مما لا يتغابن الناس به أو باع بأنقص مما قررا له, صح البيع وضمن النقص كله ذكره أصحابنا والأولى أنه لا يصح البيع لأنه بيع لم يؤذن له فيه فأشبه ما لو خالف في النقد.

فصل: وإذا باع العدل الرهن بإذنهما, وقبض الثمن فتلف في يده من غير تعد فلا ضمان عليه لأنه أمين, فهو كالوكيل ولا نعلم في هذا خلافا ويكون من ضمان الراهن وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة ومالك من ضمان المرتهن لأن البيع لأجله ولنا أنه وكيل الراهن في البيع والثمن ملكه, وهو أمين له في قبضه فإذا تلف كان من ضمان موكله, كسائر الأمناء وإن ادعى التلف فالقول قوله مع يمينه لأنه أمين ويتعذر عليه إقامة البينة على ذلك, وإن كلفناه البينة شق عليه وربما أدى إلى أن لا يدخل الناس في الأمانات فإن خالفاه في قبض الثمن, فقالا: ما قبضه من المشترى وادعى ذلك ففيه وجهان: أحدهما القول قوله, لأنه أمين والآخر: لا يقبل لأن هذا إبراء للمشترى من الثمن فلا يقبل قوله فيه كما لو أبرأه من غير الثمن وإن خرج المبيع مستحقا, فالعهدة على الراهن دون العدل إذا كان قد أعلم المشترى أنه وكيل وكذلك كل وكيل باع مال غيره وهذا مذهب الشافعي وقال أبو حنيفة العهدة على الوكيل والكلام معه في الوكالة فإن علم المشترى بعد تلف الثمن في يد العدل رجع على الراهن, ولا شيء على العدل فإن قيل: فلم لا يرجع المشترى على العدل لأنه قبض الثمن بغير حق؟ قلنا: لأنه سلمه إليه على أنه أمين في قبضه يسلمه إلى المرتهن فلذلك لم يجب الضمان عليه, فأما المرتهن فقد بان له أن عقد الرهن كان فاسدا فإن كان مشروطا في بيع, ثبت له الخيار فيه وإلا سقط حقه فإن كان الراهن مفلسا, حيا أو ميتا كان المرتهن والمشترى أسوة الغرماء لأنهم متساوون في ثبوت حقهم في الذمة فاستووا في قسمة ماله بينهم فأما إن خرج مستحقا بعد ما دفع الثمن إلى المرتهن, رجع المشترى على المرتهن وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يرجع على العدل ويرجع العدل على أيهما شاء من الراهن والمرتهن ولنا أن عين ماله صار إلى المرتهن بغير حق, فكان رجوعه عليه كما لو قبضه منه فأما إن كان المشترى رده بعيب لم يرجع على المرتهن لأنه قبض الثمن بحق, ولا على العدل لأنه أمين ووكيل ويرجع على الراهن وإن كان العدل حين باعه لم يعلم المشترى أنه وكيل كان للمشترى الرجوع عليه, ويرجع هو على الراهن إن أقر بذلك أو قامت به بينة, وإن أنكر ذلك فالقول قول العدل مع يمينه فإن نكل عن اليمين, فقضى عليه بالنكول أو ردت اليمين على المشترى فحلف, ورجع على العدل لم يرجع العدل على الراهن لأنه يقر أنه ظلمه وعلى قول الخرقي القول في حدوث العيب قول المشترى مع يمينه وهو إحدى الروايتين عن أحمد فإذا حلف المشترى رجع على العدل, ورجع العدل على الراهن وإن تلف العبد المبيع في يد المشترى ثم بان مستحقا قبل وزن ثمنه فللمغصوب منه تضمين من شاء من الغاصب والعدل والمرتهن, ويستقر الضمان على المشترى لأن التلف في يده هذا إذا علم بالغصب وإن لم يكن عالما, فهل يستقر الضمان عليه أو على الغاصب؟ على روايتين.

فصل: فإن ادعى العدل دفع الثمن إلى المرتهن فأنكر, فقال القاضي وأبو الخطاب يقبل قوله في حق الراهن ولا يقبل في حق المرتهن وهو مذهب الشافعي لأن العدل وكيل الراهن في دفع الدين إلى المرتهن وليس بوكيل للمرتهن في ذلك, إنما هو وكيله في الحفظ فقط فلم يقبل قوله عليه فيما ليس بوكيل له فيه كما لو وكل رجلا في قضاء دين, فادعى أنه سلمه إلى صاحب الدين وقال الشريف أبو جعفر وأبو الخطاب في رءوس مسائلهما: يقبل قوله على المرتهن في إسقاط الضمان عن نفسه ولا يقبل في إيجاب الضمان على غيره وهذا مذهب أبي حنيفة لأنه أمين فقبل قوله في إسقاط الضمان عن نفسه, كالمودع يدعى رد الوديعة فعلى هذا إذا حلف العدل له سقط الضمان عنه, ولم يثبت عن المرتهن أنه قبضه وعلى القول الأول يحلف المرتهن ويرجع على من شاء منهما فإن رجع على العدل, لم يرجع العدل على الراهن لأنه يقول: ظلمني وأخذ مني بغير حق فلم يرجع على الراهن كما لو غصبه مالا آخر فإن رجع على الراهن, فهل يرجع الراهن على العدل؟ نظرت فإن كان دفعه إلى المرتهن بحضرة الراهن أو ببينة فماتت أو غابت لم يرجع عليه لأنه أمين ولم يفرط في القضاء, وإن دفعه إليه بغير بينة في غيبة الراهن ففيه روايتان: إحداهما يرجع الراهن عليه لأنه مفرط في القضاء بغير بينة, فلزمه الضمان كما لو تلف الرهن بتفريطه ويحتمل أن يكون هذا معنى قول الخرقي ومن أمر رجلا أن يدفع إلى رجل مالا, وادعى أنه دفعه إليه لم يقبل قوله على الآمر إلا ببينة والرواية الثانية لا يرجع الراهن عليه لأنه أمين في حقه, سواء صدقه في القضاء أو كذبه إلا أنه إن كذبه فله عليه اليمين.

فصل: إذا غصب المرتهن الرهن من العدل ثم رده إليه, زال عنه الضمان ولو كان الرهن في يد المرتهن فتعدى فيه ثم أزال التعدي, أو سافر به ثم رده لم يزل عنه الضمان لأن استئمانه زال بذلك, فلم يفسد بفعله مع بقائه في يده بخلاف التي قبلها فإن رده إلى يد نائب مالكها, فأشبه ما لو ردها إلى يد مالكها.

فصل: وإذا استقرض ذمى من مسلم مالا ورهنه خمرا لم يصح, سواء جعله على يد ذمى أو غيره فإن باعها الراهن أو نائبه الذمي, وجاء المقرض بثمنها لزمه قبوله فإن أبى قيل له: إما أن تقبض, وإما أن تبرئ لأن أهل الذمة إذا تقابضوا في العقود الفاسدة جرت مجرى الصحيحة قال عمر رضي الله عنه في أهل الذمة معهم الخمر: ولوهم بيعها, وخذوا من أثمانها وإن جعلها على يد مسلم فباعها لم يجبر المرتهن على قبول الثمن لأن ذلك البيع فاسد لا يقران عليه, ولا حكم له.

مسألة: قال: ولا يرهن مال من أوصى إليه بحفظ ماله إلا من ثقة وجملته أن ولي اليتيم ليس له رهن ماله إلا عند ثقة يودع ماله عنده لئلا يجحده أو يفرط فيه فيضيع قال القاضي: ليس لوليه رهن ماله إلا بشرطين: أحدهما, أن يكون عند ثقة الثاني أن يكون له فيه حظ وهو أن يكون به حاجة إلى نفقة, أو كسوة أو إنفاق على عقاره المتهدم أو أرضه, أو بهائمه ونحو ذلك وماله غائب يتوقع وروده, أو ثمرة ينتظرها أو له دين مؤجل يحل أو متاع كاسد يرجو نفاقه فيجوز لوليه الاقتراض ورهن ماله وإن لم يكن له شيء ينتظره, فلا حظ له في الاقتراض فيبيع شيئا من أصول ماله ويصرفه في نفقته وإن لم يجد من يقرضه, ووجد من يبيعه نسيئة وكان أحظ من بيع أصله جاز أن يشتريه نسيئة ويرهن به شيئا من ماله, والوصى والحاكم وأمينه في هذا سواء وكذلك الأب إلا أن للأب أن يرهن من نفسه لولده ولنفسه من ولده, ومن عداه بخلافه على إحدى الروايتين.

فصل: فأما أخذ الرهن بمال اليتيم فيكون في بيع أو قرض, وقد ذكرنا القرض في باب المصراة وفي البيع ثلاث مسائل: إحداهن أن يبيع ما يساوى مائة نقدا بمائة أو دونها نسيئة ويأخذها رهنا, فهذا بيع فاسد لأن بيعه نقدا أحوط وكذلك لو جعل بعض الثمن نسيئة الثانية أن يبيعه بمائة نقدا وعشرين نسيئة, يأخذ بها رهنا فهذا جائز لأنه لو باعه بمائة نقدا جاز فإذا زاد عليها, فقد زاده خيرا سواء قلت الزيادة أو كثرت الثالثة باعه بمائة وعشرين نسيئة, وأخذ بها رهنا فهذا جائز أيضا ذكره القاضي وهو قول بعض أصحاب الشافعي وقال بعضهم: لا يجوز لأنه تغرير بماله وبيع النقد أحوط له ولنا, أن هذا عادة التجار وقد أمرناه بالتجارة وطلب الربح وهذا من جهاته, والتغرير يزول بالرهن

فصل: وحكم المكاتب فيما ذكرناه حكم ولي ليتيم لأن له أن يتصرف فيما في يديه فيما له فيه الحظ فأما المأذون, فإن دفع له سيده مالا يتجر فيه أو لم يدفع إليه فقال القاضي: ليس له التصرف بالنسيئة لأن ديونه تتعلق بذمة السيد, فيتضرر بذلك لأن الدين غرر بخلاف المكاتب.

فصل: ولو كان مال اليتيم رهنا فاستعاده الوصى لليتيم, جاز وإن استعاده لنفسه لم يجز لأنه لا يملك التصرف في مال اليتيم لنفسه وعليه الضمان لأنه قبضه على وجه ليس له قبضه وإن فكه بمال اليتيم, وأطلق فهو لليتيم وإن فكه بمال نفسه وأطلق, فالظاهر أنه استعاده لنفسه فإن قال: استعدته لليتيم قبل قوله وإن تلف قبل ذلك ضمنه وإن قال استعدته لليتيم بعد هلاكه أو هلاك بعضه لم يقبل قوله لأننا حكمنا بالضمان ظاهرا, فلا يزول بقوله والأولى أن يقبل قوله لأنه أمين وهو أعلم بنيته فيقبل قوله فيها كما قبل التلف.

فصل: ولو رهن الوصى أو الحاكم مال اليتيم عند مكاتبه, أو ولده الكبير صح لأنه لا ولاية له عليهما.

فصل: ولو أوصى إلى رجل بقضاء دينه فرهن شيئا من تركته عند الغريم أو غيره, ضمن لأنه لم يؤذن له في رهنها فضمن كما لو لم يوص إليه بقضاء دينه.

مسألة: قال: وإذا قضاه بعض الحق, كان الرهن بحاله على ما بقي وجملة ذلك أن حق الوثيقة يتعلق بالرهن جميعه فيصير محبوسا بكل الحق وبكل جزء منه, لا ينفك منه شيء حتى يقضى جميع الدين سواء كان مما يمكن قسمته أو لا يمكن قال ابن المنذر أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن من رهن شيئا بمال, فأدى بعض المال وأراد إخراج بعض الرهن أن ذلك ليس له, ولا يخرج شيء حتى يوفيه آخر حقه أو يبرئه من ذلك كذلك قال مالك والثوري والشافعي وإسحاق وأبو ثور, وأصحاب الرأي لأن الرهن وثيقة بحق فلا يزول إلا بزوال جميعه كالضمان والشهادة.

مسألة: قال: وإذا أعتق الراهن عبده المرهون, فقد صار حرا ويؤخذ إن كان له مال بقيمة المعتق فيكون رهنا وجملة ذلك أنه ليس للراهن عتق الرهن لأنه يبطل حق المرتهن من الوثيقة, فإن أعتق نفذ عتقه موسرا كان أو معسرا نص عليه أحمد وبه قال (( شريك )) والحسن بن صالح وأصحاب الرأي والشافعي في أحد أقواله, إلا أن أبا حنيفة قال: يستسعى العبد في قيمته إن كان المعتق معسرا وعن أحمد رواية أخرى: لا ينفذ عتق المعسر ذكرها الشريف أبو جعفر وهو قول مالك والقول الثاني للشافعي لأن عتقه يسقط حق المرتهن من الوثيقة من عين الرهن وبدلها فلم ينفذ, لما فيه من الإضرار بالمرتهن ولأنه عتق يبطل حق غير المالك فنفذ من الموسر دون المعسر, كعتق شرك له من عبد وقال عطاء والبتى وأبو ثور لا ينفذ عتق الراهن موسرا كان أو معسرا وهو القول الثالث للشافعي لأنه معنى يبطل حد الوثيقة من الرهن فلم ينفذ كالبيع ولنا أنه إعتاق من مالك جائز التصرف تام الملك, فنفذ كعتق المستأجر ولأن الرهن عين محبوسة لاستيفاء الحق, فنفذ فيها عتق المالك كالمبيع في يد البائع والعتق يخالف البيع, فإنه مبنى على التغليب والسراية وينفذ في ملك الغير ويجوز عتق المبيع قبل قبضه, والآبق والمجهول وما لا يقدر على تسليمه, ويجوز تعليقه على الشروط بخلاف البيع إذا ثبت هذا فإنه إن كان موسرا أخذت من قيمته فجعلت مكانه رهنا لأنه أبطل حق الوثيقة بغير إذن المرتهن, فلزمته قيمته كما لو أبطلها أجنبي أو كما لو أتلفه, وتكون القيمة رهنا لأنها نائبة عن العين وبدل عنها وإن كان معسرا فالقيمة في ذمته, فإن أيسر قبل حلول الحق أخذت منه القيمة فجعلت رهنا إلا أن يختار تعجيل الحق, فيقضيه ولا يحتاج إلى رهن وإن أيسر بعد حلول الحق, طولب بالدين خاصة لأن ذمته تبرأ به من الحقين معا والاعتبار بقيمة العبد حال الإعتاق لأنه حال الإتلاف وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة في المعسر: يستسعى العبد في قيمته, ثم يرجع على الراهن وفيه إيجاب الكسب على العبد ولا صنع له ولا جناية منه, وإلزام الغرم لمن وجد منه الإتلاف أولى كحال اليسار وكسائر الإتلاف.

فصل: وإن أعتقه بإذن المرتهن, فلا نعلم خلافا في نفوذ عتقه على كل حال لأن المنع كان لحق المرتهن وقد أذن فيسقط حقه من الوثيقة موسرا كان المعتق أو معسرا, لأنه أذن فيما ينافي حقه فإذا وجد زال حقه, وقد رضي به لرضاه بما ينافيه وإذنه فيه فلم يكن له بدل فإن رجع عن الإذن قبل العتق, وعلم الراهن برجوعه كان كمن لم يأذن فإن علم الراهن برجوعه, فأعتق ففيه وجهان بناء على عزل الوكيل بدون علمه وإن رجع بعد العتق, لم ينفع رجوعه والقول قول المرتهن مع يمينه لأن الأصل عدم الإذن ولو اختلف الراهن وورثة المرتهن فالقول قول ورثة المرتهن أيضا, إلا أن أيمانهم على نفي العلم لأنها على فعل الغير وإن اختلف المرتهن وورثة الراهن فالقول قول المرتهن مع يمينه, وإن لم يحلف قضى عليه بالنكول.

فصل: وإن تصرف الراهن بغير العتق كالبيع, والإجارة والهبة والوقف, والرهن وغيره فتصرفه باطل لأنه تصرف يبطل حق المرتهن من الوثيقة, غير مبنى على التغليب والسراية فلم يصح بغير إذن المرتهن كفسخ الرهن فإن أذن فيه المرتهن, صح وبطل الرهن لأنه أذن فيما ينافي حقه فيبطل بفعله, كالعتق وإن زوج الأمة المرهونة لم يصح وهذا اختيار أبي الخطاب وقول مالك والشافعي وقال القاضي وجماعة من أصحابنا: يصح, وللمرتهن منع الزوج من وطئها ومهرها رهن معها وهذا مذهب أبي حنيفة لأن محل النكاح غير محل عقد الرهن ولذلك صح رهن الأمة المزوجة, ولأن الرهن لا يزيل الملك فلا يمنع التزويج كالإجارة ولنا, أنه تصرف في الرهن بما ينقص ثمنه ويستغل بعض منافعه فلم يملكه الراهن بغير رضا المرتهن, كالإجارة ولا يخفى تنقيصه لثمنها فإنه يعطل منافع بعضها, ويمنع مشتريها من وطئها وحلها ويوجب عليه تمكين زوجها من استمتاعها في الليل ويعرضها بوطئه للحمل الذي يخاف منه تلفها, ويشغلها عن خدمته بتربية ولدها فتذهب الرغبة فيها وتنقص نقصا كثيرا, وربما منع بيعها بالكلية وقولهم: إن محل عقد النكاح غير محل الرهن غير صحيح فإن محل الرهن محل البيع والبيع يتناول جملتها ولهذا يباح لمشتريها استمتاعها, وإنما صح رهن المزوجة لبقاء معظم المنفعة فيها وبقائها محلا للبيع كما يصح رهن المستأجرة, ويفارق الرهن الإجارة فإن التزويج لا يؤثر في مقصود الإجارة ولا يمنع المستأجر من استيفاء المنافع المستحقة له ويؤثر في مقصود الرهن, وهو استيفاء الدين من ثمنها فإن تزويجها يمنع بيعها أو ينقص ثمنها, فلا يمكن استيفاء الدين بكماله.

فصل: ولا يجوز للراهن وطء أمته المرهونة في قول أكثر أهل العلم وقال بعض أصحاب الشافعي رضي الله عنه له وطء الآيسة والصغيرة لأنه لا ضرر فيه فإن علة المنع الخوف من الحمل مخافة أن تلد منه, فتخرج بذلك عن الرهن أو تتعرض للتلف وهذا معدوم فيهما وأهل العلم على خلاف هذا قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن للمرتهن منع الراهن من وطء أمته المرهونة ولأن سائر من يحرم وطؤها لا فرق فيه بين الآيسة والصغيرة وغيرهما, كالمعتدة والمستبرأة والأجنبية ولأن الذي تحبل فيه يختلف ولا ينحزر, فمنع من الوطء جملة كما حرم الخمر للسكر وحرم منه اليسير الذي لا يسكر, لكون السكر يختلف وإن وطئ فلا حد عليه لأنها ملكه وإنما حرمت عليه لعارض كالمحرمة والصائمة, ولا مهر عليه لأن المرتهن لا حق له في منفعتها ووطؤها لا ينقص قيمتها فأشبه ما لو استخدمها وإن تلف جزء منها أو نقصها, مثل إن افتض البكر أو أفضاها فعليه قيمة ما أتلف فإن شاء جعل رهنا معها, وإن شاء جعله قضاء من الحق إن لم يكن حل فإن كان الحق قد حل جعله قضاء لا غير فإنه لا فائدة في جعله رهنا ولا فرق بين الكبيرة والصغيرة فيما ذكرناه.

مسألة: قال: وإن كانت جارية, فأولدها الراهن خرجت أيضا من الرهن وأخذ منه قيمتها, فتكون رهنا وجملته أن الراهن إذا وطئ أمته المرهونة فأولدها خرجت من الرهن, وعليه قيمتها حين أحبلها كما لو جرح العبد كانت عليه قيمته حين جرحه ولا فرق بين الموسر والمعسر, إلا أن الموسر يؤخذ منه قيمتها والمعسر يكون في ذمته قيمتها على حسب ما ذكرنا في العتق وهذا قول أصحاب الرأي وقول الشافعي ها هنا كقوله في العتق, إلا أنه إذا قال له: لا ينفذ الإحبال فإنما هو في حق المرتهن فأما في حق الراهن فهو ثابت لا يجوز له أن يهبها للمرتهن ولو حل الحق وهي حامل, لم يجز بيعها لأنها حامل بحر فإذا ولدت لم يجز بيعها حتى تسقى ولدها اللبأ, فإن وجد من يرضعه بيعت وإلا تركت حتى ترضعه ثم يباع منها بقدر الدين خاصة, ويثبت للباقى حكم الاستيلاد فإذا مات الراهن عتق وإن رجع هذا المبيع إلى الراهن بإرث أو بيع أو هبة أو غير ذلك أو بيع جميعها, ثم رجعت إليه ثبت لها حكم الاستيلاد وقال مالك إن كانت الأمة تخرج إلى الراهن وتأتيه خرجت من الرهن, وإن تسور عليها أخذ ولدها وبيعت ولنا أن هذه أم ولد, فلم يثبت فيها حكم الرهن كما لو كان الوطء سابقا على الرهن أو نقول: معنى ينافي الرهن في ابتدائه, فنافاه في دوامه كالحرية.

فصل: فإن كان الوطء بإذن المرتهن خرجت من الرهن, ولا شيء للمرتهن لأنه أذن في سبب ما ينافي حقه فكان إذنا فيه ولا نعلم في هذا خلافا وإن لم تحبل, فهي رهن بحالها فإن قيل: إنما أذن في الوطء ولم يأذن في الإحبال قلنا: الوطء هو المفضى إلى الإحبال ولا يقف ذلك على اختياره, فالإذن في سببه إذن فيه فإن أذن ثم رجع فهو كمن لم يأذن وإن اختلفا في الإذن, فالقول قول من ينكره وإن أقر المرتهن بالإذن وأنكر كون الولد من الوطء المأذون فيه, أو قال: هو من زوج أو زنا فالقول قول الراهن بأربعة شروط أحدها أن يعترف المرتهن بالإذن والثاني, أن يعترف بالوطء والثالث أن يعترف بالولادة والرابع أن يعترف بمضى مدة بعد الوطء يمكن أن تلد فيها, فحينئذ لا يلتفت إلى إنكاره ويكون القول قول الراهن بغير يمين لأننا لم نلحقه به بدعواه بل بالشرع فإن أنكر شرطا من هذه الشروط, فقال: لم آذن أو قال: أذنت فما وطئت أو قال: لم تمض مدة تضع فيها الحمل منذ وطئت أو قال: ليس هذا ولدها وإنما استعارته فالقول قوله لأن الأصل عدم ذلك كله وبقاء الوثيقة صحيحة حتى تقوم البينة وهذا مذهب الشافعي.

فصل: ولو أذن في ضربها, فضربها فتلفت فلا ضمان عليه لأن ذلك تولد من المأذون فيه كتولد الإحبال من الوطء. فصل: إذا أقر الراهن بالوطء لم يخل من ثلاثة أحوال أحدها, أن يقر به حال العقد أو قبل لزومه فحكم هذين واحد, ولا يمنع ذلك صحة العقد لأن الأصل عدم الحمل فإن بانت حائلا أو حاملا بولد لا يلحق بالراهن, فالرهن بحاله وكذلك إن كان يلحق به لكن لا تصير به أم ولد, مثل إن وطئها وهي زوجته ثم ملكها ورهنها وإن بانت حاملا بولد تصير به أم ولد بطل الرهن, ولا خيار للمرتهن وإن كان مشروطا في بيع لأنه دخل مع العلم بأنها قد لا تكون رهنا فإذا خرجت من الرهن بذلك السبب الذي علمه, لم يكن له خيار كالمريض إذا مات والجاني إذا اقتص منه وهذا قول أكثر أصحاب الشافعي وقال بعضهم: له الخيار لأن الوطء نفسه لا يثبت الخيار, فلم يكن رضاه به رضي بالحمل الذي يحدث منه بخلاف الجناية والمرض ولنا أن إذنه في الوطء إذن فيما يئول إليه, كذلك رضاه به رضي بما يئوله إليه الحال الثالث أقر بالوطء بعد لزوم الرهن فإنه يقبل في حقه, ولا يقبل في حق المرتهن لأنه أقر بما يفسخ عقدا لازما لغيره فلم يقبل كما لو أقر بذلك بعد بيعها ويحتمل أن يقبل لأنه أقر في ملكه بما لا تهمة فيه, لأنه يستضر بذلك أكثر من نفعه بخروجها من الرهن والأول أصح لأن إقرار الإنسان على غيره لا يقبل وهكذا الحكم فيما إذا أقر بأنه غصبها أو أنها كانت جنت جناية تعلق أرشها برقبتها وللشافعي في ذلك قولان وإن أقر أنه أعتقها, صح إقراره وخرجت من الرهن وبهذا قال أبو حنيفة وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يقبل بناء على أنه لا يصح إعتاقه للرهن ولنا أنه لو أعتقه لنفذ عتقه, فقبل إقراره بعتقه كغير الرهن ولأن إقراره بعتقه يجري مجرى عتقه, فأشبه ما لو قال: أنت حر ويتخرج أن لا ينفذ إقرار المعسر بناء على أنه لا ينفذ إعتاقه وكل موضع قلنا: القول قول الراهن فقال القاضي: ذلك مع يمينه لأن كذبه محتمل ويحتمل أن لا يستحلف لأنه لو رجع عن إقراره, لم يقبل فلا فائدة في استحلافه واختلف أصحاب الشافعي في استحلافه على نحو الوجهين والصحيح عندي أنه إذا أقر بالعتق لم يستحلف لأن ذلك جرى مجرى قوله: أنت حر فلم يحتج إلى يمين, كما لو صرح به وإن أقر بالغصب والجناية فإنه إن لم يدع ذلك المغصوب منه والمجني عليه لم يلتفت إلى قول الراهن, وجها واحدا وإن ادعياه فاليمين عليهما لأن الحق لهما, ورجوعهما عنه مقبول فكانت اليمين عليهما كسائر الدعاوى وإن أقر باستيلاد أمته, فعليه اليمين لأن نفعها عائد إليه من حل استمتاعها وملك خدمتها فكانت اليمين عليه, بخلاف ما قبلها وإن قلنا: القول قول المرتهن فعليه اليمين بكل حال لأنه لو اعترف ثبت الحق في الرهن ويمينه على نفي العلم لأنها على نفي فعل الغير, فإذا حلف سقطت الدعوى بالنسبة إليه وبقي حكمها في حق الراهن, بحيث لو عاد إليه الرهن ظهر فيه حكم إقراره وإن أراد المجني عليه أو المغصوب منه, أن يغرماه في الحال فلهما ذلك لأنه منع من استيفاء الجناية بتصرفه فلزمه أرشها, كما لو قتله.

 فصل: 

ولا يحل للمرتهن وطء الجارية المرهونة إجماعا لقول الله تعالى: {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم} وليست هذه زوجة ولا ملك يمين فإن وطئها عالما بالتحريم فعليه الحد لأنه لا شبهة له فيه, فإن الرهن استيثاق بالدين ولا مدخل لذلك في إباحة الوطء لأن وطء المستأجرة يوجب الحد مع ملكه لنفعها, فالرهن أولى فإن ادعى الجهل بالتحريم واحتمل صدقه لكونه ممن نشأ ببادية أو حديث عهد بالإسلام, فلا حد عليه وولده حر لأنه وطئها معتقدا إباحة وطئها فهو كما لو وطئها يظنها أمته, وعليه قيمة ولدها يوم الولادة لأن اعتقاده الحل منع انخلاق الولد رقيقا ففوت رق الولد على سيدها فلزمته قيمته, كالمغرور بحرية أمة وإن لم يحتمل صدقه كالناشئ ببلاد الإسلام مختلطا بهم من أهل العلم, لم تقبل دعواه لأنه لا يخلو ممن يسمع منه ما يعلم به تحريم ذلك فيكون كمن لم يدع الجهل, وولده رقيق للراهن لأنه من زنا ولا فرق في جميع ما ذكرنا بين أن يكون الوطء بإذن الراهن أو بغير إذنه وهذا المنصوص عن الشافعي ويحتمل أن لا تجب قيمة الولد مع الإذن في الوطء وهو قول بعض أصحاب الشافعي لأن الإذن في الوطء إذن فيما يحدث منه بدليل أنه لو أذن المرتهن للراهن في الوطء, فحملت منه سقط حقه من الرهن ولو أذن في قطع إصبع فسرت إلى أخرى, لم يضمنها ووجه الأول أن وجوب الضمان يمنع انخلاق الولد رقيقا وسببه اعتقاد الحل وما حصل ذلك بإذنه, بخلاف الوطء فإن خروجها من الرهن بالحمل الذي الوطء المأذون فيه سبب له وأما المهر فإن كان الوطء بإذن الراهن, فلا مهر له وقال أبو حنيفة يجب له لأنه يجب لها ابتداء فلا يسقط بإذن غيرها وعن الشافعي كالمذهبين ولنا أنه أذن في سببه, وهو حقه فلم يجب كما لو أذن في قتلها, ولأن المالك أذن في استيفاء المنفعة فلم يجب عوضها كالحرة المطاوعة وإن كان بغير إذن, فالمهر واجب سواء أكرهها أو طاوعته وقال الشافعي لا يجب المهر مع المطاوعة لأن النبي -- نهى عن مهر البغى ولأن الحد إذا وجب على الموطوءة لم يجب المهر كالحرة ولنا, أن المهر يجب للسيد فلا يسقط بمطاوعة الأمة وإذنها كما لو أذنت في قطع يدها, ولأنه استوفى هذه المنفعة المملوكة للسيد بغير إذنه فكان عليه عوضها كما لو أكرهها, وكأرش بكارتها لو كانت بكرا والحديث مخصوص بالمكرهة على البغاء فإن الله تعالى سماها بذلك مع كونها مكرهة عليه, فقال: {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا} وقولهم: لا يجب الحد والمهر قلنا: لا يجب المهر لها وفي مسألتنا لا يجب لها وإنما يجب لسيدها, ويفارق الحرة فإن المهر لو وجب لوجب لها وقد أسقطت حقها بإذنها, وهاهنا المستحق لم يأذن ولأن الوجوب في حق الحرة بإكراهها وسقوطه بمطاوعتها, فكذلك السيد ها هنا لما تعلق السقوط بإذنه ينبغي أن يثبت عند عدمه, وسواء وطئها معتقدا للحل أو غير معتقد له أو ادعى شبهة, أو لم يدعها لأن المهر حق آدمي فلا يسقط بالشبهات ولا تصير هذه الأمة أم ولد للمرتهن بحال, سواء ملكها بعد الوضع أو قبله وسواء حكمنا برق الولد أو حريته لأنه أحبلها في غير ملكه.

 مسألة: 

قال: وإذا جنى العبد المرهون فالمجني عليه أحق برقبته من مرتهنه, حتى يستوفي حقه فإن اختار سيده أن يفديه وفعل فهو رهن بحاله وجملته أن العبد المرهون إذا جنى على إنسان, أو على ماله تعلقت الجناية برقبته فكانت مقدمة على حق المرتهن لا نعلم في هذا خلافا وذلك لأن الجناية مقدمة على حق المالك, والملك أقوى من الرهن فأولى أن يقدم على الرهن فإن قيل: فحق المرتهن أيضا يقدم على حق المالك قلنا: حق المرتهن ثبت من جهة المالك بعقده وحق الجناية ثبت بغير اختياره مقدما على حقه, فيقدم على ما ثبت بعقده ولأن حق الجناية مختص بالعين يسقط بفواتها, وحق المرتهن لا يسقط بفوات العين ولا يختص بها فكان تعلقه بها أخف وأدنى, فإن كانت جنايته موجبة للقصاص فلولي الجناية استيفاؤه فإن اقتص سقط الرهن, كما لو تلف وإن عفا على مال تعلق برقبة العبد وصار كالجناية الموجبة للمال, فيقال للسيد: أنت مخير بين فدائه وبين تسليمه للبيع فإن اختار فداءه فبكم يفديه؟ على روايتين إحداهما بأقل الأمرين من قيمته أو أرش جنايته لأنه إن كان الأرش أقل, فالمجني عليه لا يستحق أكثر من أرش جنايته وإن كانت القيمة أقل فلا يلزمه أكثر منها, لأن ما يدفعه عوض عن العبد فلا يلزم أكثر من قيمته كما لو أتلفه والثانية, يفديه بأرش جنايته بالغا ما بلغ لأنه ربما يرغب فيه راغب فيشتريه بأكثر من قيمته فإذا فداه فهو رهن بحاله لأن حق المرتهن قائم لوجود سببه, وإنما قدم حق المجني عليه لقوته فإذا زال ظهر حكم الرهن كحق من لا رهن له مع حق المرتهن في تركة مفلس, إذا أسقط المرتهن حقه ظهر حكم الآخر فإن امتنع قيل للمرتهن: أنت مخير بين فدائه وبين تسليمه فإن اختار فداءه فبكم يفديه؟ على الروايتين فإن فداه بإذن الراهن, رجع به عليه لأنه أدى الحق عنه بإذنه فرجع به كما لو قضى دينه بإذنه, وإن فداه متبرعا لم يرجع بشيء وإن نوى الرجوع فهل يرجع بذلك؟ على وجهين, بناء على ما لو قضى دينه بغير إذنه وإن زاد في الفداء على الواجب لم يرجع به وجها واحدا ومذهب الشافعي كما ذكرنا في هذا الفصل, إلا أنه لا يرجع بما فداه به بغير إذنه قولا واحدا وإن شرط له الراهن الرجوع رجع, قولا واحدا وإن قضاه بإذنه من غير شرط الرجوع ففيه وجهان وهذا أصل يذكر في غير هذا الموضع فإن فداه, وشرط أن يكن رهنا بالفداء مع الدين الأول فقال القاضي: يجوز ذلك لأن المجني عليه يملك بيع العبد وإبطال الرهن, فصار بمنزلة الرهن الجائز قبل قبضه والزيادة في دين الرهن قبل لزومه جائزة ولأن أرش الجناية متعلق به, وإنما ينتقل من الجناية إلى الرهن ويحتمل أن لا يصح لأن العبد رهن بدين فلا يجوز رهنه ثانيا بدين سواه كما لو رهنه بدين سوى هذا وذهب أبو حنيفة إلى أن ضمان جناية الرهن على المرتهن, فإن فداه لم يرجع بالفداء وإن فداه الراهن أو بيع في الجناية سقط دين الرهن إن كان بقدر الفداء وبناء على أصله في أن الرهن من ضمان المرتهن وهذا يأتى الكلام عليه, -إن شاء الله تعالى- وإذا لم يفد الجاني فبيع في الجناية التي تستغرق قيمته بطل الرهن وإن لم تستغرقها, بيع منه بقدر أرش الجناية وباقيه رهن إلا أن يتعذر بيع بعضه, فيباع الكل ويجعل بقية الثمن رهنا وقال أبو الخطاب: هل يباع منه بقدر الجناية أم يباع جميعه, ويكون الفاضل من ثمنه عن أرش جنايته رهنا؟ على وجهين.

 فصل: 

وإن كانت الجناية على سيد العبد فلا يخلو من حالين أحدهما أن تكون الجناية غير موجبة للقود, كجناية الخطأ أو شبه العمد أو إتلاف مال, فيكون هدرا لأن العبد مال لسيده فلا يثبت له مال في ماله الثاني أن تكون موجبة للقود, فلا يخلو من أن تكون على النفس أو على ما دونها فإن كانت على ما دون النفس فالحق للسيد, فإن عفا على مال سقط القصاص ولم يجب المال لما ذكرنا وكذلك إن عفا على غير مال وإن أحب أن يقتص فله ذلك لأن السيد لا يملك الجناية على عبده فيثبت له ذلك بجنايته عليه, ولأن القصاص يجب للزجر والحاجة تدعو إلى زجره عن سيده فإن اقتص فعليه قيمته, تكون رهنا مكانه وقضاء عن الدين لأنه يخرجه عن كونه رهنا باختياره فكان عليه بدله, كما لو أعتقه وإن كانت الجناية على النفس فللورثة استيفاء القصاص وليس لهم العفو على مال وذكر القاضي وجها آخر, أن لهم ذلك لأن الجناية حصلت في ملك غيرهم فكان لهم العفو على مال كما لو جنى على أجنبي وللشافعي قولان, كالمذهبين فإن عفا بعض الورثة سقط القصاص وهل يثبت لغير العافي نصيبه من الدية؟ على الوجهين ومذهب الشافعي في هذا الفصل كله على نحو ما ذكرناه.

 فصل: 

وإن جنى العبد المرهون على عبد لسيده, لم يخل من حالين أحدهما أن لا يكون مرهونا فحكمه حكم الجناية على طرف سيده, له القصاص إن كانت جنايته موجبة له وإن عفا على مال أو غيره أو كانت الجناية لا توجب القصاص, ذهبت هدرا وسواء كان المجني عليه قنا أو مدبرا أو أم ولد الحال الثاني أن يكون رهنا, فلا يخلو إما أن يكون رهنا عند مرتهن القاتل أو عند غيره فإن كان عند مرتهن القاتل والجناية موجبة للقصاص, فلسيده القصاص فإن اقتص بطل الرهن في المجني عليه وعليه قيمته للمقتص منه, فإن عفا على مال أو كانت الجناية موجبة للمال وكانا رهنا بحق واحد فجنايته, هدر لأن الحق يتعلق بكل واحد منهما فإذا قتل أحدهما بقي الحق متعلقا بالآخر, وإن كان كل واحد منهما مرهونا بحق مفرد ففيه أربع مسائل المسألة الأولى أن يكون الحقان سواء, وقيمتهما سواء فتكون الجناية هدرا سواء كان الحقان من جنسين, مثل أن يكون أحدهما بمائة دينار والآخر ألف درهم قيمتها مائة دينار أو من جنس واحد لأنه لا فائدة في اعتبار الجناية المسألة الثانية أن يختلف الحقان وتتفق القيمتان, مثل أن يكون دين أحدهما مائة ودين الآخر مائتين وقيمة كل واحد منهما مائة فإن كان دين القاتل أكثر, لم ينقل إلى دين المقتول لعدم الغرض فيه وإن كان دين المقتول أكثر, نقل إلى القاتل لأن للمرتهن غرضا في ذلك وهل يباع القاتل, وتجعل قيمته رهنا مكان المقتول أو ينقل بحاله؟ على وجهين أحدهما لا يباع لأنه لا فائدة فيه والثاني, يباع لأنه ربما زاد فيه مزايد فبلغه أكثر من ثمنه فإن عرض للبيع فلم يزد فيه, لم يبع لعدم ذلك المسألة الثالثة أن يتفق الدينان وتختلف القيمتان بأن يكون دين كل واحد منهما مائة, وقيمة أحدهما مائة والآخر مائتين فإن كانت قيمة المقتول أكثر, فلا غرض في النقل فيبقى بحاله وإن كانت قيمة الجاني أكثر, بيع منه بقدر جنايته يكون رهنا بدين المجني عليه والباقي رهن بدينه, وإن اتفقا على تبقيته ونقل الدين إليه صار مرهونا بهما فإن حل أحد الدينين, بيع بكل حال لأنه إن كان دينه المعجل بيع ليستوفى من ثمنه وما بقي منه رهن بالدين الآخر فإن كان المعجل الآخر بيع ليستوفى بقدره, والباقي رهن بدينه المسألة الرابعة أن يختلف الدينان والقيمتان مثل أن يكون أحد الدينين خمسين والآخر ثمانين, وقيمة أحدهما مائة والآخر مائتين فإن كان دين المقتول أكثر نقل إليه, وإلا فلا وأما إن كان المجني عليه رهنا عند غير مرتهن القاتل فللسيد القصاص لأنه مقدم على حق المرتهن بدليل أن الجناية الموجبة للمال مقدمة عليه, فالقصاص أولى فإن اقتص بطل الرهن في المجني عليه لأن الجناية عليه لم توجب مالا يجعل رهنا مكانه, وعليه قيمة المقتص منه وتكون رهنا لأنه أبطل حق الوثيقة فيه باختياره, وللسيد العفو على مال فتصير الجناية كالجناية الموجبة للمال فيثبت المال في رقبة العبد لأن السيد لو جنى على العبد, لوجب أرش جنايته لحق المرتهن فلأن يثبت على عبده أولى فإن كان الأرش لا يستغرق قيمته بعنا منه بقدر أرش الجناية, يكون رهنا عند مرتهن المجني عليه وباقيه باق عند مرتهنه وإن لم يمكن بيع بعضه, بيع جميعه وقسم ثمنه بينهما على حسب ذلك يكون رهنا وإن كانت الجناية تستغرق قيمته, نقل الجاني فجعل رهنا عند الآخر ويحتمل أن يباع لاحتمال أن يرغب فيه راغب أكثر من ثمنه, فيفضل من قيمته شيء يكن رهنا عند مرتهنه وهذا كله قول الشافعي.

 فصل: 

فإن كانت الجناية على موروث سيده فيما دون النفس كأطرافه أو ماله فهي كالجناية على أجنبي, وله القصاص إن كانت موجبة له والعفو على مال غيره وإن كانت موجبة للمال ابتداء, ثبت فإن انتقل ذلك إلى السيد بموت المستحق فله ما لمورثه من القصاص والعفو على مال, لأن الاستدامة أقوى من الابتداء فجاز أن يثبت بها ما لا يثبت في الابتداء وإن كانت الجناية على نفسه بالقتل, ثبت الحكم لسيده وله أن يقتص فيما يوجب القصاص وإن عفا على مال أو كانت الجناية موجبة للمال ابتداء, فهل يثبت للسيد؟ فيه وجهان أحدهما يثبت وهو قول بعض أصحاب الشافعي لأن الجناية على غيره فأشبهت الجناية على ما دون النفس والثاني, لا يثبت له ماله في عبده ولا له العفو عليه وهو قول أبي ثور لأنه حق ثبت للسيد ابتداء فلم يكن له ذلك, كما لو كانت الجناية عليه وأصل الوجهين وجوب الحق في ابتدائه هل يثبت للقتيل ثم ينتقل إلى وارثه أو يثبت للوارث ابتداء؟ على وجهين وكل موضع يثبت له المال في رقبة عبده, فإنه يقدم على الرهن لأنه يثبت للموروث كذلك فينتقل إلى وارثه كذلك وإن اقتص في هذه الصورة لم يلزمه بدل الرهن لأنه إذا قدم المال على حق المرتهن, فالقصاص أولى ولأن القصاص يثبت للموروث مقدما على حق المرتهن فكذلك في حق وارثه.

 فصل: 

وإن كانت الجناية على مكاتب السيد, فهي كالجناية على ولده وتعجيزه كموت ولده فيما ذكرنا والله أعلم.

 فصل: 

فإن جنى العبد المرهون بإذن سيده, وكان ممن يعلم تحريم الجناية وأنه لا يجب عليه قبول ذلك من سيده فهي كالجناية بغير إذنه, وإن كان أعجميا أو صبيا لا يعلم ذلك فالسيد هو القاتل, والقصاص والدية متعلقان به لا يباع العبد فيها موسرا كان السيد أو معسرا كما لو باشر السيد القتل وذكر القاضي وجها آخر, أن العبد يباع إذا كان السيد معسرا لأنه باشر الجناية والصحيح الأول لأن العبد آلة فلو تعلقت الجناية به بيع فيها وإن كان السيد موسرا وحكم إقرار العبد بالجناية, حكم إقرار العبد غير المرهون على ما مضى بيانه في موضعه.

 مسألة: 

قال: وإن جرح العبد المرهون أو قتل, فالخصم في ذلك سيده وما قبض بسبب ذلك من شيء فهو رهن وجملته أنه إذا جنى على الرهن فالخصم في ذلك سيده لأنه مالكه, والأرش الواجب بالجناية ملكه وإنما للمرتهن فيه حق الوثيقة فصار كالعبد المستأجر والمودع, وبهذا قال الشافعي وغيره فإن ترك المطالبة أو أخرها أو كان غائبا, أو له عذر يمنعه منها فللمرتهن المطالبة بها لأن حقه متعلق بموجبها فكان له الطلب به, كما لو كان الجاني سيده ثم إن كانت الجناية موجبة للقصاص فللسيد القصاص لأنه حق له وإنما يثبت ليستوفى, فإن اقتص أخذت منه قيمة أقلهما قيمة فجعلت مكانه رهنا نص عليه أحمد في رواية ابن منصور وهذا قول إسحاق ويتخرج أن لا يجب عليه شيء وهو مذهب الشافعي لأنه لم يجب بالجناية مال, ولا استحق بحال وليس على الراهن أن يسعى للمرتهن في اكتساب مال ولنا أنه أتلف مالا استحق بسبب إتلاف الرهن, فغرم قيمته كما لو كانت الجناية موجبة للمال وهكذا الحكم فيما إذا ثبت القصاص للسيد في عبده المرهون, وإنما أوجبنا أقل القيمتين لأن حق المرتهن إنما يتعلق بالمالية والواجب من المال هو أقل القيمتين, لأن الرهن إن كان أقل لم يجب أكثر من قيمته وإن كان الجاني أقل لم يجب أكثر من قيمته وإن عفا على مال صح عفوه, ووجب أقل القيمتين لما ذكرنا هذا إذا كان القصاص قتلا وإن كان جرحا أو قلع سن ونحوه, فالواجب بالعفو أقل الأمرين من أرش الجرح أو قيمة الجاني وإن عفا مطلقا أو على غير مال, انبنى ذلك على موجب العمد ما هو؟ فإن قلنا: موجبه أحد شيئين ثبت المال وإن قلنا: موجبه القصاص عينا فحكمه حكم ما لو اقتص إن قلنا ثم: يجب قيمته على الراهن وجب ها هنا وهو اختيار أبي الخطاب لأنه فوت بدل الرهن بفعله أشبه ما لو اقتص وإن قلنا: لا يجب على الراهن شيء ثم لم يجب ها هنا شيء وهو قول القاضي, ومذهب الشافعي لأنه اكتساب مال فلا يجبر عليه وأما إن كانت الجناية موجبة للمال أو ثبت المال بالعفو عن الجناية الموجبة للقصاص, فإنه يتعلق به حق الراهن والمرتهن ويكون من غالب نقد البلد كقيم المتلفات, فلو أراد الراهن أن يصالح عنها أو يأخذ حيوانا عنها لم يجز إلا بإذن المرتهن, فإن أذن فيه جاز لأن الحق لهما لا يخرج عنهما وما قبض من شيء فهو رهن بدلا عن الأول, نائبا عنه وقائما مقامه فإن عفا الراهن عن المال, فقال القاضي: يسقط حق الراهن دون حق المرتهن فتؤخذ القيمة تكن رهنا فإذا زال الرهن رجع الأرش إلى الجاني, كما لو أقر أن الرهن مغصوب أو جان وإن استوفى الدين من الأرش احتمل أن يرجع الجاني على العافي لأن ماله ذهب في قضاء دينه فلزمته غرامته, كما لو غصبه أو استعاره فرهنه واحتمل أن لا يرجع عليه لأنه لم يوجد منه في حق الجاني ما يقتضي وجوب الضمان وإنما استوفى بسبب كان منه حال ملكه, فأشبه ما لو جنى إنسان على عبده ثم وهبه لغيره فتلف بالجناية السابقة وقال أبو الخطاب: يصح العفو مطلقا ويؤخذ من الراهن قيمته تكون رهنا لأنه أسقط دينه عن غريمه, فصح كسائر ديونه قال: ولا يمكن كونه رهنا مع عدم حق الراهن فيه فلزمته القيمة, لتفويته حق المرتهن فأشبه ما لو تلف بدل الرهن وقال الشافعي لا يصح العفو أصلا لأن حق المرتهن متعلق به فلم يصح عفو الراهن عنه كالرهن نفسه, وكما لو وهب الرهن أو غصب فعفي عن غاصبه وهذا أصح في النظر وإن قال المرتهن: أسقطت حقى من ذلك سقط لأنه ينفع الراهن ولا يضره وإن قال: أسقطت الأرش أو: أبرأت منه لم يسقط لأنه ملك للراهن, فلا يسقط بإسقاط غيره وهل يسقط حقه؟ فيه وجهان أحدهما يسقط وهو قول القاضي لأن ذلك يتضمن إسقاط حقه فإذا لم يسقط حق غيره سقط حقه, كما لو قال: أسقطت حقى وحق الراهن والثاني: لا يسقط لأن العفو والإبراء منه لا يصح فلم يصح ما تضمنه.

 فصل: 

وإذا أقر رجل بالجناية على الرهن فكذباه فلا شيء لهما وإن كذبه المرتهن, وصدقه الراهن فله الأرش ولا حق للمرتهن فيه, فإن صدقه المرتهن وحده تعلق حقه بالأرش وله قبضه فإذا قضى الراهن الحق, أو أبرأه المرتهن رجع الأرش إلى الجاني ولا شيء للراهن فيه وإن استوفى حقه من الأرش, لم يملك الجاني مطالبة الراهن بشيء لأنه مقر له باستحقاقه.

 فصل: 

ولو كان الرهن أمة حاملا فضرب بطنها أجنبي فألقت جنينا ميتا, ففيه عشر قيمة أمه وإن ألقته حيا ثم مات لوقت يعيش مثله ففيه قيمته ولا يجب ضمان نقص الولادة لأنه لا يتميز نقصها عما وجب ضمانه من ولدها ويحتمل أن يضمن نقصها بالولادة لأنه حصل بفعله فلزمه ضمانه, كما لو غصبها ثم جنى عليها ويحتمل أن يجب أكثر الأمرين من نقصها أو ضمان جنينها لأن سبب ضمانها وجد فإذا لم يجتمع ضمانهما, وجب ضمان أكثرهما وإن ضرب بطن بهيمة فألقت ولدها ميتا ففيه ما نقصتها الجناية لا غير, وما وجب من ذلك كله فهو رهن مع الأم وقال الشافعي ما وجب لنقص الأم أو لنقص البهيمة فهو رهن معها, وكذلك ما وجب في ولدها وما وجب في جنين الأمة فليس برهن لأن نماء الرهن ليس برهن ولنا أن هذا ضمان يجب بسبب الجناية على الرهن فكان من الرهن, كالواجب لنقص الولادة وضمان ولد البهيمة وقولهم: إن نماء الرهن لا يدخل في الرهن غير مسلم.

 مسألة: 

قال: وإذا اشترى منه سلعة على أن يرهنه بها شيئا من ماله يعرفانه أو على أن يعطيه بالثمن حميلا يعرفانه, فالبيع جائز فإن أبى تسليم الرهن أو أبى الحميل أن يتحمل فالبائع مخير في فسخ البيع, وفي إقامته بلا رهن ولا حميل الحميل: الضمين وهو فعيل بمعنى فاعل يقال: ضمين وحميل, وقبيل وكفيل وزعيم, وصبير بمعنى واحد وجملة ذلك أن البيع بشرط الرهن أو الضمين صحيح والشرط صحيح أيضا لأنه من مصلحة العقد, غير مناف لمقتضاه ولا نعلم في صحته خلافا إذا كان معلوما ولذلك قال الخرقي يعرفانه في الرهن والضمين معا ومعرفة الرهن تحصل بأحد شيئين المشاهدة, أو الصفة التي يعلم بها الموصوف كما في السلم ويتعين بالقبض وأما الضمين فيعلم بالإشارة إليه أو تعريفه بالاسم والنسب, ولا يصح بالصفة بأن يقول: رجل غنى من غير تعيين لأن الصفة لا تأتى عليه ولو قال: بشرط رهن أو ضمين كان فاسدا لأن ذلك يختلف وليس له عرف ينصرف إليه بإطلاق ولو قال: بشرط رهن أحد هذين العبدين أو: يضمننى أحد هذين الرجلين لم يصح لأن الغرض يختلف فلم يصح مع عدم التعيين كالبيع وهذا مذهب الشافعي وحكى عن مالك وأبي ثور أنه يصح شرط الرهن المجهول, ويلزمه أن يدفع إليه رهنا بقدر الدين لأنه وثيقة فجاز شرطها مطلقا كالشهادة وقال أبو حنيفة إذا قال: على أن أرهنك أحد هذين العبدين جاز لأن بيعه جائز عنده ولنا, أنه شرط رهنا مجهولا فلم يصح كما لو شرط رهن ما في كمه, ولأنه عقد يختلف فيه المعقود عليه فلم يصح مع الجهل كالبيع, وفارق الشهادة فإن لها عرفا في الشرع حملت عليه والكلام مع أبي حنيفة قد مضى في البيع, فإن الخلاف فيهما واحد إذا ثبت هذا فإن المشترى إن وفي بالشرط فسلم الرهن أو حمل عنه الحميل, لزم البيع وإن أبى تسليم الرهن أو أبى الحميل أن يتحمل عنه, فللبائع الخيار بين فسخ البيع وبين إمضائه والرضا به بلا رهن ولا حميل فإن رضي به لزمه البيع وهذا قول الشافعي وأصحاب الرأي ولا يلزم المشترى تسليم الرهن وقال مالك وأبو ثور: يلزم الرهن إذا كان مشروطا في عقد البيع ويجبر عليه المشترى وإن وجده الحاكم دفعه إلى البائع لأن عقد البيع وقع عليه فأشبه الخيار وقال القاضي: ما عدا المكيل والموزون يلزم فيه الرهن بمجرد العقد وقد مضى الكلام معه في أول الباب ولأنه رهن, فلم يلزم قبل القبض كما لو لم يكن مشروطا في البيع أو كغير المكيل والموزون, وإنما لزم الخيار والأجل بالشرط لأنه من توابع البيع لا ينفرد بنفسه, والرهن عقد منفرد بنفسه ليس من التوابع ولأن الخيار والأجل يثبت بالقول ولا يفتقر إلى تسليم, فاكتفى في ثبوته بمجرد القول بخلاف الرهن وأما الضمين فلا خلاف في أنه لا يلزمه الضمان, إذ لا يلزمه شغل ذمته وأداء دين غيره باشتراط غيره ولو وعده بأنه يضمن ثم لم يفعل لم يلزم في الحكم, كما لو وعده أنه يبيعه ثم أبى ذلك ومتى لم يف المشترى للبائع بشرطه كان له الفسخ, كما لو شرط صفة في الثمن فلم يف بها ولأنه أحد المتعاقدين, فإذا لم يف بما شرط في العقد ثبت الخيار لصاحبه كالبائع إذا شرط المبيع على صفة, فبان بخلافها.

 فصل: 

ولو شرط رهنا أو ضمينا معينا فجاء بغيرهما, لم يلزم البائع قبوله وإن كان ما أتى به خيرا من المشروط مثل أن يأتى بأكثر قيمة من المشروط, وحميل أوثق من المعين لأنه عقد على معين فلم يلزمه قبول غيره كالبيع, ولأن الغرض يختلف بالأعيان فمنها ما يسهل بيعه والاستيفاء من ثمنه ومنها ما هو أقل مؤنة وأسهل حفظا, وبعض الذمم أملأ من بعض وأسهل إيفاء فلا يلزمه قبول غير ما عينه, كسائر العقود.

 فصل: 

وإن تعيب الرهن أو استحال العصير خمرا قبل قبضه فللبائع الخيار بين قبضه معيبا, ورضاه بلا رهن فيما إذا تخمر العصير وبين فسخ البيع ورد الرهن وإن علم بالعيب بعد قبضه فكذلك وليس له مع إمساكه أرش من أجل العيب لأن الرهن إنما لزم فيما حصل قبضه, وهو الموجود والجزء الفائت لم يلزم تسليمه فلم يلزم الأرش بدلا عنه, بخلاف المبيع وإن تلف أو تعيب بعد القبض فلا خيار للبائع وإن اختلفا في زمن حدوث العيب وهو مما لا يحتمل إلا قول أحدهما, فالقول قوله من غير يمين لأن اليمين إنما تراد لدفع الاحتمال وهذا لا يحتمل وإن احتمل قوليهما معا انبنى على اختلاف المتبايعين في حدوث العيب في المبيع, وفيه روايتان فيكون فيه ها هنا وجهان أحدهما القول قول الراهن وهو قول أبي حنيفة والشافعي لأن الأصل صحة العقد ولزومه والآخر, القول قول المرتهن وهو قياس قول الخرقي لقوله مثل ذلك في البيع لأنهما اختلفا في قبض المرتهن للجزء الفائت, فكان القول قوله كما لو اختلفا في قبض جزء منفصل منه وإن اختلفا في زمن التلف فقال الراهن: بعد القبض وقال المرتهن: قبله فالقول قوله لأنه منكر للقبض وإن كان الرهن عصيرا فاستحال خمرا, واختلفا في زمن استحالته فالقول قول الراهن نص عليه أحمد وقال القاضي: يخرج فيه رواية أخرى أن القول قول المرتهن, كالاختلاف في البيع وهو قول أبي حنيفة لأن الأصل عدم القبض كما لو اختلفا في زمن التلف ولنا أنهما اتفقا على العقد والقبض, واختلفا فيما يفسد به فكان القول قول من ينفيه كما لو اختلفا في شرط فاسد, ويفارق اختلافهما في حدوث العيب من وجهين أحدهما أنهما اتفقا على القبض ها هنا وثم اختلفا في قبض الجزء الفائت الثاني, أنهما اختلفا هنا فيما يفسد العقد والعيب بخلافه.

 فصل: 

ولو وجد بالرهن عيبا بعد أن حدث عنده عيب آخر فله رده وفسخ البيع لأن العيب الحادث في ملك الراهن لا يلزم المرتهن ضمانه, بخلاف المبيع وخرجه القاضي على روايتين بناء على البيع فعلى قوله: لا يملك الرد لا يملك الفسخ والصحيح ما ذكرناه وإن هلك الرهن في يد المرتهن, ثم علم أنه كان معيبا لم يملك فسخ البيع لأنه تعذر عليه رده فإن قيل: فالرهن غير مضمون ولهذا لا يمنع رده بحدوث العيب فيه, قلنا: إنما تضمن قيمته لأن العقد لم يقع على ملكه وإنما وقع على الوثيقة, فهو مضمون بالوثيقة أما إذا تعيب فقد رده فيستحق بدل ما رده, وهاهنا لم يرد شيئا فلو أوجبنا له بدله لأوجبنا على الراهن غير ما شرط على نفسه.

 فصل: 

ولو لم يشترطا رهنا في البيع, فتطوع المشترى برهن وقبضه البائع كان حكمه حكم الرهن المشروط في البيع, ولا ينفك شيء منه حتى يقضى جميع الدين ولا يملك الراهن انتزاعه ولا التصرف فيه, إلا بإذن المرتهن إلا أنه إذا رده بعيب أو غيره لم يملك فسخ البيع.

 فصل: 

وإذا تبايعا بشرط أن يكون المبيع رهنا على ثمنه, لم يصح قاله ابن حامد وهو قول الشافعي لأن المبيع حين شرط رهنه لم يكن ملكا له وسواء شرط أنه يقبضه ثم يرهنه أو شرط رهنه قبل قبضه, وروى عن أحمد أنه قال: إذا حبس المبيع ببقية الثمن فهو غاصب, ولا يكون رهنا إلا أن يكون شرطا عليه في نفس البيع وهذا يدل على صحة الشرط لأنه يجوز بيعه فجاز رهنه وقال القاضي: معنى هذه الرواية أنه شرط عليه في نفس البيع رهنا غير المبيع, فيكون له حبس المبيع حتى يقبض الرهن وإن لم يف به فسخ البيع فأما شرط رهن المبيع بعينه على ثمنه فلا يصح لوجوه, منها أنه غير مملوك له ومنها أن البيع يقتضي إيفاء الثمن من غير المبيع والرهن يقتضي الوفاء منه ومنها أن البيع يقتضي تسليم المبيع أولا ورهن المبيع يقتضي أن لا يسلمه حتى يقبض الثمن ومنها أن البيع يقتضي أن يكون إمساك المبيع مضمونا والرهن يقتضي أن لا يكون مضمونا, وهذا يوجب تناقض أحكامهما وظاهر الرواية صحة رهنه وقولهم: إنه غير مملوك قلنا إنما شرط رهنه بعد ملكه وقولهم البيع يقتضي إيفاء الثمن من غير المبيع غير صحيح إنما يقتضي وفاء الثمن مطلقا ولو تعذر وفاء الثمن من غير المبيع لاستوفى من ثمنه وقولهم: البيع يقتضي تسليم المبيع قبل تسليم الثمن ممنوع وإن سلم فلا يمتنع أن يثبت بالشرط خلافه كما أن مقتضى البيع حلول الثمن ووجوب تسليمه في الحال, ولو شرط التأجيل جاز وكذلك مقتضى البيع ثبوت الملك في المبيع والتمكين من التصرف فيه, وينتفى بشرط الخيار وهذا هو الجواب عن الوجه الثالث والرابع فأما إن لم يشترط ذلك في البيع لكن رهنه عنده بعد البيع, فإن كان بعد لزوم البيع فالأولى صحته لأنه يصح رهنه عند غيره فصح عنده كغيره, ولأنه يصح رهنه على غير ثمنه فصح رهنه على ثمنه وإن كان قبل لزوم البيع انبنى على جواز التصرف في المبيع, ففي كل موضع جاز التصرف فيه جاز رهنه وما لا فلا لأنه نوع تصرف فأشبه بيعه.

 فصل: 

وإذا شرط في البيع رهنا فاسدا كالمحرم, والمجهول والمعدوم وما لا يقدر على تسليمه, أو غير المعين أو شرط رهن المبيع على ثمنه ففي فساد البيع روايتان, مضى توجيههما في الشروط الفاسدة في البيع واختار أبو الخطاب ها هنا فساد البيع وهو قول أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي وقد مضى ذكر ذلك.

 فصل: 

والشروط في الرهن تنقسم قسمين صحيحا وفاسدا فالصحيح مثل أن يشترط كونه على يد عدل عينه, أو عدلين أو أكثر أو أن يبيعه العدل عند حلول الحق ولا نعلم في صحة هذا خلافا, وإن شرط أن يبيعه المرتهن صح وبه قال أبو حنيفة ومالك وقال الشافعي: لا يصح لأنه توكيل فيما يتنافى فيه الغرضان فلم يصح, كما لو وكله في بيعه من نفسه ووجه التنافي أن الراهن يريد الصبر على المبيع والاحتياط في توفير الثمن والمرتهن يريد تعجيل الحق, وإنجاز البيع ولنا أن ما جاز توكيل غير المرتهن فيه جاز توكيل المرتهن فيه, كبيع عين أخرى ولأن من جاز أن يشترط له الإمساك جاز اشتراط البيع له, كالعدل ولا يضر اختلاف الغرضين إذا كان غرض المرتهن مستحقا له, وهو استيفاء الثمن عند حلول الحق وإنجاز البيع وعلى أن الراهن إذا وكله مع العلم بغرضه فقد سمح له بذلك, والحق له فلا يمنع من السماحة به كما لو وكل فاسقا في بيع ماله وقبض ثمنه ولا نسلم أنه لا يجوز توكيله في بيع شيء من نفسه, وإن سلمنا فلأن الشخص الواحد يكون بائعا مشتريا وموجبا, قابلا وقابضا من نفسه لنفسه بخلاف مسألتنا.

 فصل: 

وإذا رهنه أمة فشرط كونها عند امرأة, أو ذى محرم لها أو كونها في يد المرتهن أو أجنبي على وجه لا يفضي إلى الخلوة بها, مثل أن يكون لهما زوجات أو سرارى أو نساء من محارمهما معهما في دارهما, جاز لأنه لا يفضي إلى محرم وإن لم يكن كذلك فسد الشرط لأنه يفضي إلى الخلوة المحرمة ولا يؤمن عليها ولا يفسد الرهن لأنه لا يعود إلى نقص, ولا ضرر في حق المتعاقدين ويكون الحكم فيه كما لو رهنها من غير شرط يصح الرهن, ويجعلها الحاكم على يد من يجوز أن تكون عنده وإن كان الرهن عبدا فشرط موضعه جاز, وإن لم يشترط موضعه صح أيضا كالأمة ويحتمل أن لا يصح لأن للأمة عرفا, بخلاف العبد والأول أصح فإن الأمة إذا كان المرتهن ممن يجوز وضعها عنده كالعبد وإذا كان مرتهن العبد امرأة لا زوج لها, فشرطت كونه عندها على وجه يفضي إلى خلوته بها لم يجز أيضا فاستويا.

 فصل: 

والقسم الثاني, الشروط الفاسدة مثل أن يشترط ما ينافي مقتضى الرهن نحو أن يشترط ألا يباع الرهن عند حلول الحق أو لا يستوفى الدين من ثمنه, أو لا يباع ما خيف تلفه أو بيع الرهن بأى ثمن كان أو أن لا يبيعه إلا بما يرضيه فهذه شروط فاسدة لمنافاتها مقتضى العقد, فإن المقصود مع الوفاء بهذه الشروط مفقود وكذلك إن شرط الخيار للراهن أو أن لا يكون العقد لازما في حقه أو توقيت الرهن, أو أن يكون رهنا يوما ويوما لا أو كون الرهن في يد الراهن أو أن ينتفع به, أو ينتفع به المرتهن أو كونه مضمونا على المرتهن أو العدل فهذه كلها فاسدة, لأن منها ما ينافي مقتضى العقد ومنها ما لا يقتضيه العقد ولا هو من مصلحته وإن شرطا شيئا منها في عقد الرهن, فقال القاضي: يحتمل أن يفسد الرهن بها بكل حال لأن العاقد إنما بذل ملكه بهذا الشرط فإذا لم يسلم له لم يصح العقد, لعدم الرضى به بدونه وقيل: إن شرط الرهن مؤقتا أو رهنه يوما ويوما لا فسد الرهن وهل يفسد بسائرها؟ على وجهين, بناء على الشروط الفاسدة في البيع ونصر أبو الخطاب في " رءوس المسائل " صحته وبه قال أبو حنيفة لأن النبي -- قال (( لا يغلق الرهن )) وهو مشروط فيه شرط فاسد ولم يحكم بفساده وقيل: ما ينقص حق المرتهن يبطله, وجها واحدا وما لا فعلى وجهين وهذا مذهب الشافعي لأن المرتهن شرطت له زيادة لم تصح له, فإذا فسدت الزيادة لم يبطل أصل الرهن.

 فصل: 

وإن شرط أنه متى حل الحق ولم يوفنى فالرهن لي بالدين أو: فهو مبيع لي بالدين الذي عليك فهو شرط فاسد روى ذلك عن ابن عمر وشريح والنخعي ومالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم أحدا خالفهم والأصل في ذلك ما روى معاوية بن عبد الله بن جعفر قال: قال رسول الله --: (( لا يغلق الرهن )) رواه الأثرم قال الأثرم قلت: لأحمد ما معنى قوله: (( لا يغلق الرهن ))؟ قال: لا يدفع رهنا إلى رجل ويقول: إن جئتك بالدراهم إلى كذا وكذا, وإلا فالرهن لك قال ابن المنذر: هذا معنى قوله: (( لا يغلق الرهن )) عند مالك والثوري وأحمد وفي حديث معاوية بن عبد الله بن جعفر أن رجلا رهن دارا بالمدينة إلى أجل مسمى فمضى الأجل فقال الذي ارتهن: منزلى فقال النبي -- (( لا يغلق الرهن )) ولأنه علق البيع على شرط, فإنه جعله مبيعا بشرط أن لا يوفيه الحق في محله والبيع المعلق بشرط لا يصح وإذا شرط هذا الشرط فسد الرهن ويتخرج أن لا يفسد, لما ذكرنا في سائر الشروط الفاسدة وهذا ظاهر قول أبي الخطاب في " رءوس المسائل " واحتج بقول النبي -- (( لا يغلق الرهن )) فنفى غلقه دون أصله فيدل على صحته, ولأن الراهن قد رضي برهنه مع هذا الشرط فمع بطلانه أولى أن يرضى به ولنا أنه رهن بشرط فاسد, فكان فاسدا كما لو شرط توفيته وليس في الخبر أنه شرط ذلك في ابتداء العقد, فلا يكون فيه حجة.

 فصل: 

ولو قال الغريم: رهنتك عبدي هذا على أن تزيدنى في الأجل كان باطلا لأن الأجل لا يثبت في الدين إلا أن يكون مشروطا في عقد وجب به, فإذا لم يثبت الأجل لم يصح الرهن لأنه جعله في مقابلته, ولأن ذلك يضاهي ربا الجاهلية كانوا يزيدون في الدين ليزدادوا في الأجل.

 فصل: 

إذا كان له على رجل ألف فقال: أقرضنى ألفا, بشرط أن أرهنك عبدي هذا بالألفين فنقل حنبل عن أحمد أن القرض باطل وهو مذهب الشافعي لأنه قرض يجر منفعة وهو الاستيثاق بالألف الأول وإذا بطل القرض بطل الرهن فإذا قيل: أليس لو شرط أنه يعطيه رهنا بما يقترضه جاز؟ قلنا: ليس هذا قرضا جر منفعة لأن غاية ما حصل له تأكيد الاستيفاء لبدل ما أقرضه, وهو مثله والقرض يقتضي وجوب الوفاء وفي مسألتنا شرط في هذا القرض الاستيثاق لدينه الأول, فقد شرط استيثاقا لغير موجب القرض ونقل مهنا أن القرض صحيح ولعل أحمد حكم بصحة القرض مع فساد الشرط كى لا يفضي إلى جر المنفعة بالقرض أو حكم بفساد الرهن في الألف الأول وحده, وصححه فيما عداه ولو كان مكان القرض بيع فقال: بعنى عبدك هذا بألف على أن أرهنك عبدي به وبالألف الآخر الذي على فالبيع باطل, رواية واحدة لأن الثمن مجهول فإنه جعل الثمن ألفا ومنفعة هي وثيقة بالألف الأول وتلك المنفعة مجهولة, ولأنه شرط عقد الرهن بالألف الأول فلم يصح كما لو أفرده, أو كما لو باعه داره بشرط أن يبيعه الآخر داره.

 فصل: 

وإذا فسد الرهن وقبضه المرتهن لم يكن عليه ضمانه لأنه قبضه بحكم أنه رهن, وكل عقد كان صحيحه غير مضمون أو مضمونا ففاسده كذلك فإن كان مؤقتا أو شرط أنه يصير للمرتهن بعد انقضاء مدته, صار بعد ذلك مضمونا لأنه مقبوض بحكم بيع فاسد وحكم الفاسد من العقود حكم الصحيح في الضمان فإن كان أرضا فغرسها قبل انقضاء الأجل فهو كغرس الغاصب لأنه غرس بغير إذن, وإن غرس بعد الأجل وكان قد شرط أن الرهن يصير له فقد غرس بإذن لأن البيع وإن كان فاسدا, فقد تضمن الإذن في التصرف فيكون الراهن مخيرا بين ثلاثة أشياء بين أن يقر غرسه له, وبين أخذه بقيمته وبين أن يجبره على قلعه ويضمن له ما نقص. مسألة: قال: [ولا ينتفع المرتهن من الرهن بشيء, إلا ما كان مركوبا أو محلوبا فيركب ويحلب بقدر العلف] الكلام في هذه المسألة في حالين أحدهما ما لا يحتاج إلى مؤنة كالدار والمتاع ونحوه, فلا يجوز للمرتهن الانتفاع به بغير إذن الراهن بحال لا نعلم في هذا خلافا لأن الرهن ملك الراهن فكذلك نماؤه ومنافعه فليس لغيره أخذها بغير إذنه, فإن أذن الراهن للمرتهن في الانتفاع بغير عوض وكان دين الرهن من قرض لم يجز لأنه يحصل قرضا يجر منفعة, وذلك حرام قال أحمد: أكره قرض الدور وهو الربا المحض يعنى: إذا كانت الدار رهنا في قرض ينتفع بها المرتهن وإن كان الرهن بثمن مبيع, أو أجر دار أو دين غير القرض فأذن له الراهن في الانتفاع, جاز ذلك روى ذلك عن الحسن وابن سيرين وبه قال إسحاق فأما إن كان الانتفاع بعوض مثل إن استأجر المرتهن الدار من الراهن بأجرة مثلها, من غير محاباة جاز في القرض وغيره لكونه ما انتفع بالقرض, بل بالإجارة وإن حاباه في ذلك فحكمه حكم الانتفاع بغير عوض, لا يجوز في القرض ويجوز في غيره ومتى استأجرها المرتهن أو استعارها, فظاهر كلام أحمد أنها تخرج عن كونها رهنا فمتى انقضت الإجارة أو العارية, عاد الرهن بحاله قال أحمد في رواية الحسن بن ثواب عن أحمد إذا كان الرهن دارا فقال المرتهن: اسكنها بكرائها, وهي وثيقة بحقى ينتقل فيصير دينا ويتحول عن الرهن وكذلك إن أكراها للراهن قال أحمد في رواية ابن منصور: إذا ارتهن دارا, ثم أكراها لصاحبها خرجت من الرهن فإذا رجعت إليه صارت رهنا والأولى أنها لا تخرج عن الرهن, إذا استأجرها المرتهن أو استعارها لأن القبض مستدام ولا تنافي بين العقدين, وكلام أحمد في رواية الحسن بن ثواب محمول على أنه أذن للراهن في سكناها كما في رواية ابن منصور لأنها خرجت عن يد المرتهن فزال اللزوم لزوال اليد, بخلاف ما إذا سكنها المرتهن ومتى استعار المرتهن الرهن صار مضمونا عليه وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة: لا ضمان عليه ومبنى ذلك على العارية فإنها عندنا مضمونة وعنده غير مضمونة.

 فصل: 

فإن شرط في الرهن أن ينتفع به المرتهن فالشرط فاسد لأنه ينافي مقتضى الرهن وعن أحمد أنه يجوز في المبيع قال القاضي: معناه أن يقول: بعتك هذا الثوب بدينار, بشرط أن ترهننى عبدك يخدمني شهرا فيكون بيعا وإجارة فهو صحيح وإن أطلق فالشرط باطل لجهالة ثمنه وقال مالك: لا بأس أن يشترط في البيع منفعة الرهن إلى أجل في الدور والأرضين, وكرهه في الحيوان والثياب وكرهه في القرض ولنا أنه شرط في الرهن ما ينافيه, فلم يصح كما لو شرطه في القرض.

 فصل: 

الحال الثاني ما يحتاج فيه إلى مؤنة فحكم المرتهن في الانتفاع به, بعوض أو بغير عوض بإذن الراهن كالقسم الذي قبله وإن أذن له في الإنفاق والانتفاع بقدره, جاز لأنه نوع معاوضة وأما مع عدم الإذن فإن الرهن ينقسم قسمين محلوبا ومركوبا وغيرهما, فأما المحلوب والمركوب فللمرتهن أن ينفق عليه ويركب, ويحلب بقدر نفقته متحريا للعدل في ذلك ونص عليه أحمد, في رواية محمد بن الحكم وأحمد بن القاسم واختاره الخرقي وهو قول إسحاق وسواء أنفق مع تعذر النفقة من الراهن, لغيبته أو امتناعه من الإنفاق أو مع القدرة على أخذ النفقة من الراهن, واستئذانه وعن أحمد رواية أخرى لا يحتسب له بما أنفق وهو متطوع بها, ولا ينتفع من الرهن بشيء وهذا قول أبي حنيفة ومالك والشافعي لقول النبي --: (( الرهن من راهنه له غنمه وعليه غرمه )) ولأنه ملك غيره لم يأذن له في الانتفاع به, ولا الإنفاق عليه فلم يكن له ذلك كغير الرهن ولنا ما روى البخاري, وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله -- (( الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا, ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا )) وعلى الذي يركب ويشرب النفقة فجعل منفعته بنفقته وهذا محل النزاع فإن قيل: المراد به أن الراهن ينفق وينتفع قلنا: لا يصح لوجهين أحدهما, أنه قد روى في بعض الألفاظ: " إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها ولبن الدر يشرب, وعلى الذي يشرب ويركب نفقته " فجعل المنفق المرتهن فيكون هو المنتفع والثاني أن قوله: (( بنفقته )) يشير إلى أن الانتفاع عوض النفقة, وإنما ذلك حق المرتهن أما الراهن فإنفاقه وانتفاعه لا بطريق المعاوضة لأحدهما بالآخر ولأن نفقة الحيوان واجبة, وللمرتهن حق قد أمكنه استيفاء حقه من نماء الرهن والنيابة عن المالك فيما وجب عليه واستيفاء ذلك من منافعه فجاز ذلك كما, يجوز للمرأة أخذ مؤنتها من مال زوجها عند امتناعه بغير إذنه والنيابة عنه في الإنفاق عليها والحديث نقول به: والنماء للراهن, ولكن للمرتهن ولاية صرفها إلى نفقته لثبوت يده عليه وولايته وهذا فيمن أنفق محتسبا بالرجوع, فأما إن أنفق متبرعا بغير نية الرجوع لم ينتفع به رواية واحدة.

 فصل: 

وأما غير المحلوب والمركوب, فيتنوع نوعين حيوان وغيره فأما الحيوان كالعبد والأمة ونحوهما, فهل للمرتهن أن ينفق ويستخدمه بقدر نفقته؟ ظاهر المذهب أنه لا يجوز ذكرها الخرقي ونص عليه أحمد في رواية الأثرم قال: سمعت أبا عبد الله يسأل عن الرجل يرهن العبد فيستخدمه فقال: الرهن لا ينتفع منه بشيء, إلا حديث أبي هريرة خاصة في الذي يركب ويحلب ويعلف قلت له: فإن كان اللبن والركوب أكثر؟ قال: لا إلا بقدر ونقل حنبل عن أحمد أن له استخدام العبد أيضا - وبه قال أبو ثور - إذا امتنع المالك من الإنفاق عليه قال أبو بكر: خالف حنبل الجماعة, والعمل على أنه لا ينتفع من الرهن بشيء إلا ما خصه الشرع به فإن القياس يقتضي أن لا ينتفع بشيء منه, تركناه في المركوب والمحلوب للأثر ففيما عداه يبقى على مقتضى القياس النوع الثاني غير الحيوان, كدار استهدمت فعمرها المرتهن لم يرجع بشيء رواية واحدة وليس له الانتفاع بها بقدر نفقته, فإن عمارتها غير واجبة على الراهن فليس لغيره أن ينوب عنه فيما لا يلزمه فإن فعل كان متبرعا, بخلاف الحيوان فإنه يجب على مالكه الإنفاق عليه لحرمته في نفسه.

 فصل: 

فأما الحيوان, إذا أنفق عليه متبرعا لم يرجع بشيء لأنه تصدق به فلم يرجع بعوضه كما لو تصدق على مسكين وإن نوى الرجوع على مالكه, وكان ذلك بإذن المالك رجع عليه لأنه ناب عنه في الإنفاق بإذنه فكانت النفقة على المالك, كما لو وكله في ذلك وإن كان بغير إذنه فهل يرجع عليه؟ يخرج على روايتين, بناء على ما إذا قضى دينه بغير إذنه لأنه ناب عنه فيما يلزمه وقال أبو الخطاب: إن قدر على استئذانه فلم يستأذنه فهو متبرع لم يرجع بشيء, وإن عجز عن استئذانه فعلى روايتين وكذلك الحكم فيما إذا مات العبد المرهون فكفنه والأول أقيس في المذهب إذ لا يعتبر في قضاء الدين العجز عن استئذان الغريم.

 فصل: 

وإذا انتفع المرتهن بالرهن, باستخدام أو ركوب أو لبس أو استرضاع, أو استغلال أو سكنى أو غيره, حسب من دينه بقدر ذلك قال أحمد: يوضع عن الراهن بقدر ذلك لأن المنافع ملك الراهن فإذا استوفاها فعليه قيمتها في ذمته للراهن فيتقاص القيمة وقدرها من الدين, ويتساقطان.

 مسألة: 

قال: [وغلة الدار وخدمة العبد وحمل الشاة وغيرها, وثمرة الشجرة المرهونة من الرهن] أراد بغلة الدار أجرها وكذلك خدمة العبد وجملة ذلك أن نماء الرهن جميعه وغلاته تكون رهنا في يد من الرهن في يده كالأصل وإذا احتيج إلى بيعه في وفاء الدين بيع مع الأصل, سواء في ذلك المتصل كالسمن والتعلم والمنفصل كالكسب والأجرة والولد والثمرة واللبن والصوف والشعر وبنحو هذا قال النخعي والشعبي, وقال الثوري وأصحاب الرأي: في النماء يتبع وفي الكسب لا يتبع لأن الكسب في حكم الكتابة والاستيلاد والتدبير فلا يتبع في الرهن, كأعيان مال الراهن وقال مالك: يتبع الولد في الرهن خاصة دون سائر النماء لأن الولد يتبع الأصل في الحقوق الثابتة كولد أم الولد وقال الشافعي, وأبو ثور وابن المنذر: لا يدخل في الرهن شيء من النماء المنفصل ولا من الكسب لأنه حق تعلق بالأصل يستوفى من ثمنه, فلا يسرى إلى غيره كحق الجناية قال الشافعي: ولو رهنه ماشيا مخاضا فنتجت, فالنتاج خارج من الرهن وخالفه أبو ثور وابن المنذر ومن حجتهم أيضا قول النبي -- (( الرهن من راهنه له غنمه وعليه غرمه )) والنماء غنم, فيكون للراهن ولأنها عين من أعيان ملك الراهن لم يعقد عليها عقد رهن فلم تكن رهنا كسائر ماله ولنا, أنه حكم يثبت في العين بعقد المالك فيدخل فيه النماء والمنافع كالملك بالبيع وغيره, ولأن النماء نماء حادث من عين الرهن فيدخل فيه, كالمتصل ولأنه حق مستقر في الأم ثبت برضى المالك, فيسرى إلى الولد كالتدبير والاستيلاد لنا على مالك أنه نماء حادث من عين الرهن فسرى إليه حكم الرهن كالولد وعلى أبي حنيفة أنه عقد يستتبع النماء, فاستتبع الكسب كالشراء فأما الحديث فنقول به وأن غنمه ونماءه وكسبه للراهن لكن يتعلق به حق الرهن, كالأصل فإنه للراهن والحق متعلق به, والفرق بينه وبين سائر مال الراهن أنه تبع فثبت له حكم أصله وأما حق الجناية, فإنه ثبت بغير رضي المالك فلم يتعد ما ثبت فيه ولأنه جزاء عدوان, فاختص الجاني كالقصاص ولأن السراية في الرهن لا تفضي إلى استيفاء أكثر من دينه فلا يكثر الضرر فيه.

 فصل: 

وإذا ارتهن أرضا, أو دارا أو غيرهما تبعه في الرهن ما يتبع في البيع فإن كان في الأرض شجر, فقال: رهنتك هذه الأرض بحقوقها أو ذكر ما يدل على أن الشجر في الرهن دخل فيه وإن لم يذكر ذلك, فهل يدخل الشجر في الرهن؟ على وجهين بناء على دخوله في البيع وإن رهنه شجرا مثمرا وفيه ثمرة ظاهرة, لم تدخل في الرهن كما لا تدخل في البيع وإن لم تكن ظاهرة دخلت وقال الشافعي: لا تدخل الثمرة في الرهن بحال وقال أبو حنيفة: تدخل بكل حال لأن الرهن عنده لا يصح على الأصول دون الثمرة, وقد قصد إلى عقد صحيح فتدخل الثمرة ضرورة الصحة ولنا أن الثمرة المؤبرة لا تدخل في البيع, مع قوته وإزالته لملك البائع فالرهن مع ضعفه أولى, وعلى الشافعي أنه عقد على الشجرة فاستتبع الثمرة غير المؤبرة كالبيع, ويدخل في الرهن الصوف واللبن الموجودان كما يدخل في البيع وكذلك الحمل وسائر ما بيع في البيع لأنه عقد وارد على العين, فدخلت فيه هذه التوابع كالبيع ولو كان الرهن دارا فخربت كانت أنقاضها رهنا لأنها من أجزائها, ولو كانت مرهونة قبل خرابها ولو رهنه أرضا فنبت فيها شجر, فهو من الرهن سواء نبت بفعل الراهن أو بفعل غيره لأنه من نمائها.

 فصل: 

وليس للراهن الانتفاع بالرهن, باستخدام ولا وطء ولا سكنى, ولا غير ذلك ولا يملك التصرف فيه بإجارة ولا إعارة, ولا غيرهما بغير رضا المرتهن وبهذا قال الثوري وأصحاب الرأي وقال مالك وابن أبي ليلى والشافعي وابن المنذر: للراهن إجارته وإعارته مدة لا يتأخر انقضاؤها عن حلول الدين وهل له أن يسكن بنفسه؟ على اختلاف بينهم فيه وإن كان الرهن عبدا, فله استيفاء منافعه بغيره وهل له ذلك بنفسه؟ على الخلاف وليس له إجارة الثوب ولا ما ينقص بالانتفاع وبنوه على أن المنافع للراهن لا تدخل في الرهن ولا يتعلق بها حقه وقد سبق الكلام في هذا ولأنها عين محبوسة, فلم يكن للمالك الانتفاع بها كالبيع المحبوس عند البائع على استيفاء ثمنه أو نقول: نوع انتفاع فلا يملكه الراهن, كالذي ينقص قيمة الرهن إذا ثبت هذا فإن المتراهنين إذا لم يتفقا على الانتفاع بها لم يجز الانتفاع بها وكانت منافعها معطلة, فإن كانت دارا أغلقت وإن كان عبدا أو غيره تعطلت منافعه حتى يفك الرهن وإن اتفقا على إجارة الرهن أو إعارته, جاز ذلك هذا ظاهر كلام الخرقي لأنه جعل غلة الدار وخدمة العبد رهنا ولو عطلت منافعهما لم يكن لهما غلة وقال ابن أبي موسى: إن أذن الراهن للمرتهن في إعارته أو إجارته, جاز والأجرة رهن وإن أجره الراهن بإذن المرتهن خرج من الرهن, في أحد الوجهين والآخر لا يخرج كما لو أجره المرتهن وقال أبو الخطاب, في المشاع: يؤجره الحاكم لهما وذكر أبو بكر في الخلاف أن منافع الرهن تعطل مطلقا ولا يؤجراه وهذا قول الثوري, وأصحاب الرأي وقالوا: إذا أجر الراهن الرهن بإذن المرتهن كان إخراجا من الرهن لأن الرهن يقتضي حبسه عند المرتهن أو نائبه على الدوام فمتى وجد عقد يستحق به زوال الحبس زال الرهن ولنا, أن مقصود الرهن الاستيثاق بالدين واستيفاؤه من ثمنه عند تعذر استيفائه من ذمة الراهن وهذا لا ينافي الانتفاع به, ولا إجارته ولا إعارته فجاز اجتماعهما, كانتفاع المرتهن به ولأن تعطيل منفعته تضييع للمال وقد نهى النبي -- عن إضاعة المال, ولأنه عين تعلق بها حق الوثيقة فلم يمنع إجارتها كالعبد إذا ضمن بإذن سيده, ولا نسلم أن مقتضى الرهن الحبس وإنما مقتضاه تعلق الحق به على وجه تحصل به الوثيقة وذلك غير مناف للانتفاع به, ولو سلمنا أن مقتضاه الحبس فلا يمنع أن يكون المستأجر نائبا عنه في إمساكه وحبسه ومستوفيا لمنفعته لنفسه.

 فصل: 

ولا يمنع الراهن من إصلاح الرهن, ودفع الفساد عنه ومداواته إن احتاج إليها فإذا كان الرهن ماشية فاحتاجت إلى إطراق الفحل, فللراهن ذلك لأن فيه مصلحة للرهن وزيادته وذلك زيادة, في حق المرتهن من غير ضرر وإن كانت فحولا لم يكن للراهن إطراقها بغير رضا المرتهن لأنه انتفاع لا مصلحة للرهن فيه فهو كالاستخدام, إلا أن يصير إلى حال يتضرر بترك الإطراق فيجوز لأنه كالمداواة له.

 مسألة: 

قال: [ومؤنة الرهن على الراهن وإن كان عبدا فمات فعليه كفنه, وإن كان مما يخزن فعليه كراء مخزنه] وجملته أن مؤنة الرهن من طعامه وكسوته, ومسكنه وحافظه وحرزه, ومخزنه وغير ذلك على الراهن وبهذا قال مالك والشافعي والعنبري, وإسحاق: وقال أبو حنيفة: أجر المسكن والحافظ على المرتهن لأنه من مؤنة إمساكه وارتهانه ولنا قول النبي -- (( الرهن من راهنه له غنمه وعليه غرمه )) ولأنه نوع إنفاق فكان على الراهن, كالطعام ولأن الرهن ملك للراهن فكان عليه مسكنه وحافظه, كغير الرهن وإن أبق العبد فأجرة من يرده على الراهن وقال أبو حنيفة: يكون بقدر الأمانة على الراهن وبقدر الضمان على المرتهن وإن احتيج إلى مداواته لمرض أو جرح فذلك على الراهن وعند أبي حنيفة, هو كأجر من يرده من إباقه وبنى ذلك على أصله في أن يد المرتهن يد ضمان بقدر دينه فيه وما زاد فهو أمانة عنده والكلام على ذلك في غير هذا الموضع وإن مات العبد كانت مؤنته, كتجهيزه وتكفينه ودفنه على الراهن لأن ذلك تابع لمؤنته, فإن كل من لزمته مؤنة شخص كانت مؤنته كتجهيزه ودفنه عليه كسائر العبيد والإماء والأقارب من الأحرار.

 فصل: 

وإن كان الرهن ثمرة فاحتاجت إلى سقى وتسوية وجذاذ فذلك على الراهن, وإن احتاجت إلى تجفيف والحق مؤجل فعليه التجفيف لأنه يحتاج إلى أن يستبقيها رهنا حتى يحل الحق وإن كان حالا, بيعت ولم يحتج إلى تجفيفها وإن اتفقا على بيعها وجعل ثمنها رهنا بالحق المؤجل جاز وإن اختلفا في ذلك, قدم قول من يستبقيها بعينها لأن العقد يقتضي ذلك إلا أن يكون مما تقل قيمته بالتجفيف وقد جرت العادة ببيعه رطبا, فإنه يباع ويجعل ثمنه مكانه وإن اتفقا على قطع الثمرة في وقت فلهما ذلك, سواء كان الحق حالا أو مؤجلا وسواء كان الأصلح القطع أو الترك لأن الحق لا يخرج عنهما وإن اختلفا قدمنا قول من طلب الأصلح, إن كان ذلك قبل حلول الحق وإن كان الحق حالا قدم قول من طلب القطع لأنه إن كان المرتهن فهو طالب لاستيفاء حقه الحال, فلزم إجابته وإن كان الراهن فهو يطلب تبرئة ذمته, وتخليص عين ملكه من الرهن والقطع أحوط من جهة أن في تبقيته غررا ذكر القاضي هذا في المفلس وهو قول أكثر أصحاب الشافعي, وهذا في معناه ويحتمل أن ينظر في الثمرة فإن كانت تنقص بالقطع نقصا كثيرا لم يجبر الممتنع من قطعها عليه لأن ذلك إتلاف, فلا يجبر عليه كما لا يجبر على نقض داره ليبيع أنقاضها ولا على ذبح فرسه ليبيع لحمها وإن كانت الثمرة مما لا ينتفع بها قبل كمالها, لم يجز قطعها قبله ولم يجبر عليه بحال.

 فصل: 

وإن كان الرهن ماشية تحتاج إلى إطراق الفحل لم يجبر الراهن عليه لأنه ليس عليه ما يتضمن زيادة في الرهن, وليس ذلك مما يحتاج إليه لبقائها ولا يمنع من ذلك لكونها زيادة لهما لا ضرر على المرتهن فيه وإن احتاجت إلى رعي, فعلى الراهن أن يقيم لها راعيا لأن ذلك يجري مجرى علفها وإن أراد الراهن السفر بها ليرعاها في مكان آخر وكان لها في مكانها مرعى تتماسك به فللمرتهن منعه من ذلك لأن في السفر بها إخراجها عن نظره ويده وإن أجدب مكانها, فلم يجد ما تتماسك به فللراهن السفر بها لأنه موضع ضرورة لأنها تهلك إذا لم يسافر بها إلا أنها تكون في يد عدل يرضيان به, أو ينصبه الحاكم ولا ينفرد الراهن بها فإن امتنع الراهن من السفر بها, فللمرتهن نقلها لأن في بقائها هلاكها وضياع حقه من الرهن فإن أرادا جميعا السفر بها واختلفا في مكانها, قدمنا قول من يعين الأصلح فإن استويا قدمنا قول المرتهن وقال الشافعي: يقدم قول الراهن, وإن كان الأصلح غيره لأنه أملك بها إلا أن يكون مأواها إلى يد عدل ولنا أن اليد للمرتهن, فكان أولى كما لو كانا في بلد واحد وأيهما أراد نقلها عن البلد مع خصبه لم يكن له, سواء أراد نقلها إلى مثله أو أخصب منه إذ لا معنى للمسافرة بالرهن مع إمكان ترك السفر به وإن اتفقا على نقلها, جاز أيضا سواء كان أنفع لها أو لا لأن الحق لهما لا يخرج عنهما.

 فصل: 

وإن كان عبدا يحتاج إلى ختان, والدين حال أو أجله قبل برئه منع منه لأنه ينقص ثمنه, وفيه ضرر وإن كان يبرأ قبل محل الحق والزمان معتدل لا يخاف عليه فيه, فله ذلك لأنه من الواجبات ويزيد به الثمن ولا يضر المرتهن, ومؤنته على الراهن فإن مرض فاحتاج إلى دواء لم يجبر الراهن عليه لأنه يتحقق أنه سبب لبقائه, وقد يبرأ بغير علاج بخلاف النفقة وإن أراد الراهن مداواته بما لا ضرر فيه, لم يمنع منه لأنه مصلحة لهما من غير ضرر بواحد منهما وإن كان الدواء مما يخاف غائلته كالسموم فللمرتهن منعه منه لأنه لا يأمن تلفه وإن احتاج إلى فصد, أو احتاجت الدابة إلى توديج ومعناه فتح الودجين حتى يسيل الدم وهما عرقان عريضان غليظان من جانبي ثغرة النحر, أو تبزيغ وهو فتح الرهصة فللراهن فعل ذلك, ما لم يخف منه ضررا وإن احتيج إلى قطع شيء من بدنه بدواء لا يخاف منه جاز وإن خيف منه, فأيهما امتنعا منه لم يجبر وإن كانت به آكلة كان له قطعها لأنه يخاف من تركها لا من قطعها لأنه لا يحس بلحم ميت وإن كانت به خبيثة فقال أهل الخبرة: الأحوط قطعها وهو أنفع من بقائها, فللراهن ذلك وإلا فليس له فعله وإن تساوى الخوف عليه في الحالين لم يكن له قطعها لأنه يحدث جرحا فيه لم يترجح إحداثه وإن كانت به سلعة أو إصبع زائدة لم يملك الراهن قطعها لأن قطعها يخاف منه, وتركها لا يخاف منه وإن كانت الماشية جربة فأراد الراهن دهنها بما يرجى نفعه ولا يخاف ضرره, كالقطران والزيت اليسير لم يمنع وإن خيف ضرره كالكثير, فللمرتهن منعه وقال القاضي: له ذلك بغير إذن المرتهن لأن له معالجة ملكه وإن امتنع من ذلك لم يجبر عليه ولو أراد المرتهن مداواتها بما ينفعها, ولا يخشى ضرره لم يمنع لأن فيه إصلاح حقه بما لا يضر بغيره وإن خيف منه الضرر لم يمكن منه لأن فيه خطرا بحق غيره.

 فصل: 

فإن كان الرهن نخلا, فاحتاج إلى تأبير فهو على الراهن وليس للمرتهن منعه لأن فيه مصلحة بغير مضرة وما يسقط من ليف أو سعف أو عراجين, فهو من الرهن لأنه من أجزائه أو من نمائه وقال أصحاب الشافعي ليس من الرهن بناء منهم على أن النماء ليس منه ولا يصح ذلك ها هنا لأن السعف من جملة الأعيان التي ورد عليها عقد الرهن فكانت منه, كالأصول وأنقاض الدار وإن كان الرهن كرما فله زباره لأنه لمصلحته ولا ضرر فيه والزرجون من الرهن ولو كان الشجر مزدحما, وفي قطع بعضه صلاح لما يبقى فله ذلك وإن أراد تحويله كله لم يملك ذلك وإن قيل: هو الأولى لأنه قد لا يعلق فيفوت الرهن وإن امتنع الراهن من فعل هذا كله لم يجبر عليه لأنه لا يلزمه فعل ما فيه زيادة من الرهن.

 فصل: 

وكل زيادة تلزم الراهن إذا امتنع, أجبره الحاكم عليها وإن لم يفعل اكترى له الحاكم من ماله فإن لم يكن له مال اكترى من الرهن فإن بذلها المرتهن متطوعا لم يرجع بشيء وإن أنفق بإذن الراهن, أو إذن الحاكم عند تعذر إذن الراهن محتسبا رجع به وإن تعذر إذنهما, أشهد على أنه أنفق ليرجع بالنفقة وله الرجوع بها وإن أنفق من غير استئذان الحاكم مع إمكانه, أو من غير إشهاد بالرجوع عند تعذر استئذانه ليرجع به فهل يرجع به؟ على روايتين وإن أنفق بإذن الراهن ليكون الرهن رهنا بالنفقة والدين الأول لم يصح, ولم يصر رهنا بالنفقة لما ذكرنا وإن قال الراهن: أنفقت متبرعا وقال المرتهن: بل أنفقت محتسبا بالرجوع فالقول قول المرتهن لأن الخلاف في نيته وهو أعلم بها ولا اطلاع لغيره من الناس عليها, وعليه اليمين لأن ما قاله الراهن محتمل وكل مؤنة لا تلزم الراهن كنفقة المداواة والتأبير وأشباههما لا يرجع بها المرتهن إذا أنفقها محتسبا أو متبرعا.

 مسألة: 

قال: [والرهن إذا تلف بغير جناية من المرتهن, رجع المرتهن بحقه عند محله وكانت المصيبة فيه من راهنه وإن كان بتعدى المرتهن, أو لم يحرزه ضم] أما إذا تعدى المرتهن في الرهن أو فرط في الحفظ للرهن الذي عنده حتى تلف, فإنه يضمن لا نعلم في وجوب الضمان عليه خلافا ولأنه أمانة في يده فلزمه إذا تلف بتعديه أو تفريطه كالوديعة وأما إن تلف من غير تعد منه ولا تفريط, فلا ضمان عليه وهو من مال الراهن يروى ذلك عن على رضي الله عنه وبه قال عطاء والزهري والأوزاعي والشافعي وأبو ثور وابن المنذر ويروى عن شريح والنخعي والحسن أن الرهن يضمن بجميع الدين, وإن كان أكثر من قيمته لأنه روى عن النبي -- أنه قال: (( الرهن بما فيه )) وقال مالك إن كان تلفه بأمر ظاهر كالموت والحريق فمن ضمان الراهن, وإن ادعى تلفه بأمر خفي لم يقبل قوله وضمن وقال الثوري, وأصحاب الرأي: يضمنه المرتهن بأقل الأمرين من قيمته أو قدر الدين ويروى ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه واحتجوا بما روى عطاء أن رجلا رهن فرسا فنفق عند المرتهن, فجاء إلى النبي -- فأخبره بذلك فقال: (( ذهب حقك )) ولأنها عين مقبوضة للاستيفاء فيضمنها من قبضها لذلك, أو من قبضها نائبه كحقيقة المستوفى ولأنه محبوس بدين, فكان مضمونا كالمبيع إذا حبس لاستيفاء ثمنه ولنا ما روى ابن أبي ذئب عن الزهري عن سعيد بن المسيب, أن رسول الله -- قال: (( لا يغلق الرهن لصاحبه غنمه وعليه غرمه )) رواه الأثرم عن أحمد بن عبد الله بن يونس عن ابن أبي ذئب ورواه الشافعي عن ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب, ولفظه: (( الرهن من صاحبه الذي رهنه )) وباقيه سواء قال: ووصله ابن المسيب عن أبي هريرة عن النبي -- مثله أو مثل معناه من حديث أبي أنيسة ولأنه وثيقة بالدين فلا يضمن, كالزيادة على قدر الدين وكالكفيل والشاهد ولأنه مقبوض بعقد واحد بعضه أمانة, فكان جميعه أمانة كالوديعة وعند مالك: أن ما لا يضمن به العقار لا يضمن به الذهب كالوديعة, فأما حديث عطاء فهو مرسل وقول عطاء يخالفه قال الدارقطني: يرويه إسماعيل بن أمية, وكان كذابا وقيل: يرويه مصعب بن ثابت وكان ضعيفا ويحتمل أنه أراد ذهب حقك من الوثيقة, بدليل أنه لم يسأل عن قدر الدين وقيمة الفرس وحديث أنس إن صح فيحتمل أنه محبوس بما فيه, وأما المستوفى فإنه صار ملكا للمستوفي وله نماؤه وغنمه فكان عليه ضمانه وغرمه, بخلاف الرهن والبيع قبل القبض ممنوع. فصل: وإذا قضاه جميع الحق أو أبرأه من الدين, بقي الرهن أمانة في يده وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة: إذا قضاه كان مضمونا وإذا أبرأه أو وهبه لم يكن مضمونا استحسانا وهذا مناقضة لأن القبض مضمون منه, لم يزل ولم يبرئه منه وعندنا أنه كان أمانة وبقي على ما كان عليه, وليس عليه رده لأنه أمسكه بإذن مالكه ولا يختص بنفعه فهو كالوديعة, بخلاف العارية فإنه يختص بنفعها وبخلاف ما لو أطارت الريح إلى داره ثوبا لزمه رده إلى مالكه لأن مالكه لم يأذن في إمساكه, فأما إن سأل مالكه في هذه الحال دفعه إليه لزم من هو في يده من المرتهن أو العدل دفعه إليه, إذا أمكنه فإن لم يفعل صار ضامنا, كالمودع إذا امتنع من رد الوديعة عند طلبها وإن كان امتناعه لعذر مثل أن يكون بينه وبينه طريق مخيف أو باب مغلق لا يمكنه فتحه, أو كان يخاف فوت جمعة أو جماعة أو فوت صلاة أو به مرض, أو جوع شديد وما أشبهه فأخر التسليم لذلك, فتلف فلا ضمان عليه لأنه لا تفريط منه فأشبه المودع.

 فصل: 

وإذا قبض المرتهن الرهن, فوجده مستحقا لزمه رده على مالكه والرهن باطل من أصله فإن أمسكه, مع علمه بالغصب حتى تلف في يده استقر عليه الضمان, وللمالك تضمين أيهما شاء فإن ضمن المرتهن لم يرجع على أحد لذلك, وإن ضمن الراهن رجع عليه وإن لم يعلم بالغصب حتى تلف بتفريطه فالحكم كذلك لأن الضمان يستقر عليه, وإن تلف بغير تفريطه ففيه ثلاثة أوجه أحدها يضمن ويستقر الضمان عليه لأن مال غيره تلف تحت يده العادية, فاستقر الضمان عليه كما لو علم والثاني لا ضمان عليه لأنه قبضه على أنه أمانة من غير علمه, فلم يضمنه كالوديعة فعلى هذا يرجع المالك على الغاصب لا غير والوجه الثالث أن للمالك تضمين أيهما شاء, ويستقر الضمان على الغاصب فإن ضمن الغاصب لم يرجع على أحد وإن ضمن المرتهن رجع على الغاصب لأنه غره, فرجع عليه كالمغرور بحرية أمة.

 مسألة: 

قال: [وإن اختلفا في القيمة فالقول قول المرتهن مع يمينه, وإن اختلفا في قدر الحق فالقول قول الراهن مع يمينه إذا لم يكن لواحد منهما بما قال بينة] يعنى: إذا اختلفا في قيمة الرهن, إذا تلف في الحال التي يلزم المرتهن ضمانه وهي إذا تعدى أو لم يحرز, فالقول قول المرتهن مع يمينه لأنه غارم ولأنه منكر لوجوب الزيادة على ما أقر به والقول قول المنكر وبهذا قال الشافعي, ولا نعلم فيه مخالفا وإن اختلفا في قدر الحق نحو أن يقول الراهن: رهنتك عبدي هذا بألف فقال المرتهن: بل بألفين فالقول قول الراهن وبهذا قال النخعي والثوري, والشافعي والبتى وأبو ثور وأصحاب الرأي وحكى عن الحسن وقتادة أن القول قول المرتهن, ما لم يجاوز ثمن الرهن أو قيمته ونحوه قول مالك لأن الظاهر أن الرهن يكون بقدر الحق ولنا, أن الراهن منكر للزيادة التي يدعيها المرتهن والقول قول المنكر لقول رسول الله --: (( لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء رجال وأموالهم, ولكن اليمين على المدعى عليه )) رواه مسلم ولأن الأصل براءة الذمة من هذه الألف فالقول قول من ينفيها كما لو اختلفا في أصل الدين, وما ذكره من الظاهر غير مسلم فإن العادة رهن الشيء بأقل من قيمته إذا ثبت هذا فالقول قول الراهن في قدر ما رهنه به, سواء اتفقا على أنه رهنه بجميع الدين أو اختلفا فلو اتفقا على أن الدين ألفان وقال الراهن: إنما رهنتك بأحد الألفين وقال المرتهن: بل رهنته بهما فالقول قول الراهن مع يمينه, لأنه ينكر تعلق حق المرتهن في أحد الألفين بعبده والقول قول المنكر وإن اتفقا على أنه رهن بأحد الألفين وقال الراهن: هو رهن بالمؤجل وقال المرتهن: بل بالحال فالقول قول الراهن مع يمينه, لأنه منكر ولأن القول قوله في أصل الرهن فكذلك في صفته, وهذا إذا لم يكن بينة فإن كان لأحدهما بينة حكم بها, بغير خلاف في جميع هذه المسائل.

 فصل: 

وإن اختلفا في قدر الرهن فقال: رهنتك هذا العبد قال: بل هو والعبد الآخر فالقول قول الراهن لأنه منكر ولا نعلم في هذا خلافا وإن قال: رهنتك هذا العبد قال: بل هذه الجارية خرج العبد من الرهن لاعتراف المرتهن بأنه لم يرهنه, وحلف الراهن على أنه ما رهنه الجارية وخرجت من الرهن أيضا وإن اختلفا في رد الرهن إلى الراهن فالقول قوله أيضا لأنه منكر, والأصل معه وكذلك الحكم في المستأجر إذا ادعى رد العين المستأجرة وقال أبو الخطاب: يتخرج فيهما وجه آخر أن القول قول المرتهن والمستأجر في الرد, بناء على المضارب والوكيل بجعل إذا ادعيا الرد فإن فيهما وجهين, والفرق بينهما وبين المرتهن أن المرتهن قبض العين لينتفع بها وكذلك المستأجر والوكيل, قبض العين لينتفع بالجعل لا بالعين والمضارب قبضها لينتفع بربحها لا بها وإن اختلفا في تلف العين, فالقول قول المرتهن مع يمينه لأن يده يد أمانة ويتعذر عليه إقامة البينة على التلف فقبل قوله فيه, كالمودع.

 فصل: 

فإن قال: بعتك هذا الثوب على أن ترهننى بثمنه عبديك هذين قال: بل على أن أرهنك هذا وحده ففيها روايتان حكاهما القاضي, إحداهما يتحالفان لأنه اختلاف في البيع, فهو كالاختلاف في الثمن والثانية القول قول الراهن لأنه منكر لشرط رهن العبد الذي اختلفا فيه والقول قول المنكر, وهذا أصح.

 فصل: 

وإن قال: أرسلت وكيلك فرهننى عبدك على عشرين قبضها قال: ما أمرته برهنه إلا بعشرة, ولا قبضت إلا عشرة سئل الرسول فإن صدق الراهن فعليه اليمين أنه ما رهنه إلا بعشرة, ولا قبض إلا عشرة ولا يمين على الراهن لأن الدعوى على غيره, فإذا حلف الوكيل برئا جميعا وإن نكل فعليه العشرة المختلف فيها, ولا يرجع بها على أحد لأنه يصدق الراهن في أنه ما أخذها ولا أمره بأخذها وإنما المرتهن ظلمه وإن صدق الوكيل المرتهن, وادعى أنه سلم العشرين إلى الراهن فالقول قول الراهن مع يمينه فإن نكل قضى عليه بالعشرة, ويدفع إلى المرتهن وإن حلف برئ وعلى الرسول غرامة العشرة للمرتهن لأنه يزعم أنها حق له وإنما الراهن ظلمه وإن عدم الرسول, أو تعذر إحلافه فعلى الراهن اليمين أنه ما أذن في رهنه إلا بعشرة ولا قبض أكثر منها, ويبقى الرهن بالعشرة الأخرى.

 فصل: 

إذا كان على رجل ألفان أحدهما برهن والآخر بغير رهن, فقضى ألفا وقال: قضيت دين الرهن وقال المرتهن: بل قضيت الدين الآخر فالقول قول الراهن مع يمينه سواء اختلفا في نية الراهن بذلك أو في لفظه لأنه أعلم بنيته وصفة, دفعه ولأنه يقول: إن الدين الباقي بلا رهن والقول قوله في أصل الرهن, فكذلك في صفته وإن أطلق القضاء ولم ينو شيئا, فقال أبو بكر: له صرفها إلى أيهما شاء كما لو كان له مال حاضر وغائب فأدى قدر زكاة أحدهما, كان له أن يعين عن أي المالين شاء وهذا قول بعض أصحاب الشافعي وقال بعضهم: يقع الدفع عن الدينين معا عن كل واحد منهما نصفه لأنهما تساويا في القضاء, فتساويا في وقوعه عنهما فأما إن أبرأه المرتهن من أحد الدينين واختلفا, فالقول قول المرتهن على التفصيل الذي ذكرناه في الراهن ذكره أبو بكر.

 فصل: 

وإذا اتفق المتراهنان على قبض العدل للرهن لزم الرهن في حقهما, ولم يضر إنكاره لأن الحق لهما وإن قال أحدهما: قبضه العدل فأنكر الآخر فالقول قول المنكر, كما لو اختلفا في قبض المرتهن له ولو شهد العدل بالقبض لم تقبل شهادته لأنها شهادة الوكيل لموكله.

 فصل: 

إذا كان في يد رجل عبد فقال: رهنتنى عبدك هذا بألف فقال: بل قد غصبته, أو استعرته فالقول قول السيد سواء اعترف بالدين أو جحده لأن الأصل عدم الرهن وإن قال السيد: بعتك عبدي هذا بألف قال: بل رهنته عندي بها فالقول قول كل واحد منهما في العقد الذي ينكره ويأخذ السيد عبده وهكذا لو قال: رهنتكه بألف أقرضتنيه قال: بل بعتنيه بألف قبضته مني ثمنا فكذلك, ويرد صاحب العبد الألف ويأخذ عبده.

 فصل: 

وإذا ادعى على رجلين فقال: رهنتمانى عبدكما بدينى عليكما فأنكراه فالقول قولهما, فإن شهد كل واحد منهما على صاحبه قبلت شهادته إذا كان عدلا وللمرتهن أن يحلف مع كل واحد منهما ويصير جميعه رهنا, أو يحلف مع أحدهما ويصير نصيب الآخر رهنا وإن أقر أحدهما ثبت في حقه وحده وإن شهد المقر على المنكر, قبلت شهادته إن كان عدلا لأنه لا يجلب لنفسه نفعا ولا يدفع عنها ضررا وبهذا قال أصحاب الشافعي وقال بعضهم: إذا أنكرا جميعا في شهادتهما نظر لأن المشهود له يدعى أن كل واحد منهما ظالم له بجحوده حقه من الرهن, فإذا طعن المشهود له في شهوده لم تقبل شهادتهم له قلنا: لا يصح هذا فإن إنكار الدعوى لا يثبت به فسق المدعى عليه وإن كان الحق عليه لجواز أن ينسى, أو تلحقه شبهة فيما يدعيه أو ينكره وكذلك لو تداعى رجلان شيئا وتخاصما فيه ثم شهدا عند الحاكم بشيء, لم ترد شهادتهما وإن كان أحدهما كاذبا في مخالفته لصاحبه ولو ثبت الفسق بذلك, لم يجز قبول شهادتهما جميعا مع تحقق الجرح في أحدهما.

 فصل: 

وإذا رهن عينا عند رجلين فنصفها رهن عند كل واحد منهما بدينه, ومتى وفي أحدهما خرجت حصته من الرهن لأن عقد الواحد مع الاثنين بمنزلة عقدين فكأنه رهن كل واحد منهما النصف مفردا, فإن أراد مقاسمة المرتهن وأخذ نصيب من وفاه وكان الرهن مما لا تنقصه القسمة, كالمكيل والموزون لزم ذلك وإن كان مما تنقصه القسمة, لم تجب قسمته لأن على المرتهن ضررا في قسمته ويقر في يد المرتهن نصفه رهن, ونصفه وديعة وإن رهن اثنان عبدهما عند رجل فوفاه أحدهما, انفك الرهن في نصيبه وقد قال أحمد في رواية مهنا في رجلين رهنا دارا لهما عند رجل على ألف, فقضاه أحدهما ولم يقض الآخر: فالدار رهن على ما بقي وقال أبو الخطاب في رجل رهن عبده عند رجلين, فوفى أحدهما فجميعه رهن عند الآخر حتى يوفيه, وهذا من كلام أحمد وأبي الخطاب محمول على أنه ليس للراهن مقاسمة المرتهن لما عليه من الضرر لا بمعنى أن العين كلها تكون رهنا, إذ لا يجوز أن يقال: إنه رهن نصف العبد عند رجل فصار جميعه رهنا ولو رهن اثنان عبدا لهما عند اثنين بألف فهذه أربعة عقود, ويصير كل ربع من العبد رهنا بمائتين وخمسين فمتى قضاها من هي عليه انفك من الرهن ذلك القدر قاله القاضي, وهو الصحيح.

 فصل: 

ولو ادعى رجلان على رجل أنه رهنهما عبده وقال كل واحد منهما: رهنه عندي دون صاحبي فأنكرهما جميعا فالقول قوله مع يمينه وإن أنكر أحدهما وصدق الآخر سلم إلى من صدقه, وحلف الآخر وإن قال: لا أعلم عين المرتهن منهما حلف على ذلك والقول قول من هو في يده منهما مع يمينه وإن كان في أيديهما حلف كل واحد منهما على نصفه, وصار رهنا عنده وإن كان في يد غيرهما أقرع بينهما فمن قرع صاحبه, حلف وأخذه كما لو ادعيا ملكه ولو قال: رهنته عند أحدهما ثم رهنته للآخر, ولا أعلم السابق منهما فكذلك وإن قال: هذا هو السابق بالعقد والقبض سلم إليه وحلف للآخر, وإن نكل والعبد في يد الأول أو يد غيره فعليه قيمته للثاني, كما لو قال: هذا العبد لزيد وغصبته من عمرو فإنه يسلم إلى زيد ويغرم قيمته لعمرو وإن نكل والعبد في يد الثاني, أقر في يده وغرم قيمته للأول لأنه أقر له بعد ما فعل ما حال بينه وبين من أقر له فلزمته قيمته, كما قلنا وقال القاضي: إذا اعترف به لغير من هو في يده فهل يرجع صاحب اليد أو المقر له؟ على وجهين ولو اعترف لأحدهما وهو في يديهما ثبتت يد المقر له في النصف وفي النصف الآخر وجهان.

 فصل: 

إذا أذن للراهن في بيع الرهن بعد حلول الحق, جاز وتعلق حقه بثمنه وإن أذن له قبل حلوله مطلقا فباعه, بطل الرهن ولم يكن عليه عوضه لأنه أذن له فيما ينافي حقه فأشبه ما لو أذن في عتقه, وللمالك أخذ ثمنه وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة ومحمد: يكون الثمن رهنا لأن الراهن باع الرهن بإذن المرتهن فوجب أن يثبت حقه فيه كما لو حل الدين قال الطحاوى: حق المرتهن متعلق بعين الرهن والثمن بدله, فوجب أن يتعلق به كما لو أتلفه متلف ولنا أنه تصرف يبطل حق المرتهن من عين الرهن لا يملكه المرتهن, فإذا أذن فيه أسقط حقه كالعتق, ويخالف ما بعد الحلول لأن المرتهن يستحق البيع ويخالف الإتلاف, لأنه غير مأذون فيه من جهة المرتهن فإن قال: إنما أردت بإطلاق الإذن أن يكون ثمنه رهنا لم يلتفت إلى دعواه لأن إطلاق الإذن يقتضي بيعا بفسخ الرهن وبهذا قال الشافعي وإن أذن فيه بشرط أن يجعل ثمنه مكانه رهنا, أو يعجل له دينه من ثمنه جاز ولزم ذلك, وإن اختلفا في الإذن فالقول قول المرتهن لأنه منكر وإن أذن في البيع واختلفا في شرط جعل ثمنه رهنا, أو تعجيل دينه منه فالقول قول الراهن لأن الأصل عدم الشرط ويحتمل أن يكون القول قول المرتهن لأن الأصل بقاء الوثيقة وإن أذن الراهن في البيع ثم رجع قبل البيع, فباعه المرتهن بعد العلم بالرجوع لم يصح بيعه وإن باعه بعد الرجوع, وقبل العلم احتمل وجهين بناء على عزل الوكيل قبل علمه فإن اختلفا في الرجوع قبل البيع, فقال القاضي: القول قول المرتهن أيضا لأن الأصل عدم الرجوع وعدم البيع قبل الرجوع فتعارض الأصلان, وبقيت العين رهنا على ما كانت وبهذا كله قال الشافعي وهذا فيما لا يحتاج إلى بيعه فأما ما دعت الحاجة إلى بيعه كالذي خيف تلفه, إذا أذن في بيعه مطلقا تعلق الحق بثمنه لأن بيعه مستحق, فأشبه ما بيع بعد حلول الدين.

 فصل: 

إذا حل الحق لزم الراهن الإيفاء لأنه دين حال فلزم إيفاؤه, كالذي لا رهن به فإن لم يوف وكان قد أذن للمرتهن أو للعدل في بيع الرهن, باعه ووفى الحق من ثمنه وما فضل من ثمنه فلمالكه, وإن فضل من الدين شيء فعلى الراهن وإن لم يكن أذن لهما في بيعه أو كان قد أذن لهما ثم عزلهما طولب بالوفاء وبيع الرهن, فإن فعل وإلا فعل الحاكم ما يرى من حبسه وتعزيره لبيعه أو يبيعه بنفسه أو أمينه وبهذا قال الشافعي, وقال أبو حنيفة: لا يبيعه الحاكم لأن ولاية الحاكم على من عليه الحق لا على ماله, فلم ينفذ بيعه بغير إذنه ولنا أنه حق تعين عليه فإذا امتنع من أدائه, قام الحاكم مقامه في أدائه كالإيفاء من جنس الدين وإن وفي الدين من غير الرهن انفك الرهن.

 مسألة: 

قال: [والمرتهن أحق بثمن الرهن من جميع الغرماء, حتى يستوفي حقه حيا كان الراهن أو ميتا] وجملته أنه إذا ضاق مال الراهن عن ديونه وطالب الغرماء بديونهم, أو حجر عليه لفلسه وأريد قسمة ماله بين غرمائه فأول من يقدم من له أرش جناية يتعلق برقبة بعض عبيد المفلس, لما ذكرنا من قبل ثم من له رهن فإنه يخص بثمنه عن سائر الغرماء لأن حقه متعلق بعين الرهن وذمة الراهن معا وسائرهم يتعلق حقه بالذمة دون العين, فكان حقه أقوى وهذا من أكثر فوائد الرهن وهو تقديمه بحقه عند فرض مزاحمة الغرماء, ولا نعلم في هذا خلافا وهو مذهب الشافعي وأصحاب الرأي وغيرهم فيباع الرهن, فإن كان ثمنه وفق حقه أخذه وإن كان فيه فضل عن دينه رد الباقي على الغرماء وإن فضل من دينه شيء أخذ ثمنه, وضرب مع الغرماء ببقية دينه ثم من بعد ذلك من وجد عين ماله فهو أحق بها ثم يقسم الباقي بين الغرماء, على قدر ديونهم ولو كان فيهم من دينه ثابت بجناية المفلس لم يقدم, وكان أسوة الغرماء لأن أرش جنايته يتعلق بذمته دون ماله فهو كبقية الديون بخلاف أرش جناية العبد, فإنها تتعلق برقبة العبد فلذلك كان أحق به ممن تعلق حقه بمجرد الذمة ولا فرق في استحقاق ثمن الرهن والاختصاص به بين كون الرهن حيا أو ميتا لأن تقديم حقه من حيث كان حقه متعلقا بعين المال, وهذا المعنى لا يختلف بالحياة والموت فكذلك ما ثبت به كأرش الجناية.

 فصل: 

ولو باع شيئا أو باعه وكيله وقبض الثمن, أو باع العدل الرهن وقبض الثمن فتلف وتعذر رده وخرجت السلعة مستحقة, ساوى المشترى الغرماء لأن حقه لم يتعلق بعين المال فهو بمنزلة أرش جناية المفلس وذكر القاضي احتمالا آخر أنه يقدم على الغرماء لأنه لم يرض بمجرد الذمة, فكان أولى كالمرتهن ولأنه لو لم يقدم على الغرماء لامتنع الناس عن شراء مال المفلس, خوفا من ضياع أموالهم فتقل الرغبات فيه ويقل ثمنه, فكان تقديم المشترى بذلك على الغرماء أنفع لهم وهذا وجه لأصحاب الشافعي ولنا أن هذا حق لم يتعلق بعين المال, فلم يقدم كالذي جنى عليه المفلس وفارق المرتهن, فإن حقه تعلق بالعين وما ذكروه من المعنى الأول منتقض بأرش جناية المفلس والثاني مصلحة لا أصل لها, فلا يثبت الحكم بها فأما إن كان الثمن موجودا يمكن رده وجب رده, وينفرد به صاحبه لأن عين ماله لم يتعلق به حق أحد من الناس وكذلك صاحب السلعة المستحقة يأخذها ومتى باع العدل مال المفلس, أو باع الرهن وخرجت السلعة مستحقة فالعهدة على المفلس, فلا شيء على العدل لأنه أمين.

 فصل: 

ومن استأجر دارا أو بعيرا بعينه أو شيئا غيرهما بعينه ثم أفلس المؤجر فالمستأجر أحق بالعين التي استأجرها من الغرماء, حتى يستوفي حقه لأن حقه متعلق بعين المال والمنفعة مملوكة له في هذه المدة فكان أحق بها, كما لو اشترى منه شيئا فإن هلك البعير أو انهدمت الدار قبل انقضاء المدة, انفسخت الإجارة ويضرب مع الغرماء ببقية الأجرة وإن استأجر جملا في الذمة أو غيره ثم أفلس المؤجر, فالمستأجر أسوة الغرماء لأن حقه لم يتعلق بالعين وهذا مذهب الشافعي ولا نعلم فيه خلافا فإن آجر دارا ثم أفلس فاتفق الغرماء والمفلس على البيع قبل انقضاء مدة الإجارة, فلهم ذلك ويبيعونها مستأجرة وإن اختلفوا, قدم قول من طلب البيع في الحال لأنه أحوط من التأخير فإذا استوفى المستأجر يسلم المشترى وإن اتفقوا على تأخير البيع حتى تنقضى مدة الإجارة فلهم ذلك لأن الحق لهم, لا يخرج عنهم.

 فصل: 

ولو باع سلعة ثم أفلس قبل تقبيضها فالمشترى أحق بها من الغرماء, سواء كانت من المكيل والموزون أو غيرهما لأن المشترى قد ملكها وثبت ملكه فيها فكان أحق بها, كما لو قبضها ولا فرق بين ما قبل قبض الثمن وما بعده وإن كان عليه سلم فوجد المسلم الثمن قائما فهو أحق به لأنه وجد عين ماله وإن لم يجده, فله أسوة الغرماء لأنه لم يتعلق حقه بعين مال ولا ثبت ملكه فيه ويضرب مع الغرماء بالمسلم فيه الذي يستحقه دون الثمن, فيعزل له قدر حقه فإن كان في المال جنس حقه أخذ منه بقدر ما يستحقه, وإن لم يكن فيه جنس حقه عزل له بقدر حقه فيشتري به المسلم فيه, فيأخذه وليس له أن يأخذ المعزول بعينه لئلا يكون بدلا عما في الذمة من المسلم فيه ولا يجوز أخذ البدل عن المسلم فيه وإن أمكن أن يشتري بالمعزول أكثر مما قدر له لرخص المسلم فيه, اشترى له بقدر حقه ورد الباقي على الغرماء مثاله رجل أفلس وله دينار, وعليه لرجل دينار ولآخر قفيز حنطة من سلم قيمته دينار فإنه يقسم دينار المفلس نصفين لصاحب الدينار نصفه, ويعزل نصفه للمسلم فإن رخصت الحنطة فصار قيمة القفيز نصف دينار, تبينا أن حقه مثل نصف حق صاحب الدينار فلا يستحق من دينار المفلس إلا ثلثه يشتري له به ثلثا قفيز, فيدفع إليه ويرد سدس الدينار على الغريم الآخر فإن غلا المسلم فيه, فصار قيمة القفيز دينارين تبينا أنه يستحق مثلَيْ ما يستحقه صاحب الدينار فيكون له من دينار المفلس ثلثاه فيشتري له بالنصف المعزول, ويرجع على الغريم بسدس دينار يشتري له به أيضا لأن المعزول ملك المفلس وإنما للمسلم قدر حقه, فإن زاد فللمفلس وإن نقص فعليه.

 فصل: 

قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن رجل عنده رهون كثيرة لا يعرف أصحابها, ولا من رهن عنده قال: إذا أيست من معرفتهم ومعرفة ورثتهم فأرى أن تباع ويتصدق بثمنها, فإن عرف بعد أربابها خيرهم بين الأجر أو يغرم لهم هذا الذي أذهب إليه وقال أبو الحارث عن أحمد في الرهن يكون عنده السنين الكثيرة, يأيس من صاحبه: يبيعه ويتصدق بالفضل فظاهر هذا أنه يستوفي حقه ونقل أبو طالب: لا يستوفي حقه من ثمنه ولكن إن جاء صاحبها فطلبه, أعطاه إياه وطلب منه حقه وأما إن رفع أمره إلى الحاكم, فباعه ووفاه منه حقه جاز ذلك.